PDA

View Full Version : كائن لا تُحتمل خفته



الداموك
16-10-2010, 08:26 PM
.
.



http://dc17.arabsh.com/i/02171/uzl3r34apuvk.jpg (http://arabsh.com/uzl3r34apuvk.html)



.
.
.





ماذا لو أننا عندما نموت ننتقل لحياةٍ أخرى على كوكبٍ آخر مثقلين بكل خبراتنا القديمة في كوكب الأرض. ماذا لو أن هناك حياة ثالثة ورابعة وخامسة وكواكب أيضاً لكل حياة على حسب الترتيب. ننتقل من الكوكب الأول للثاني بنفس الخبرات ولكن بأجساد جديدة متوافقة مع الكوكب الجديد...




ألن يكون كافياً لهذه الروح المسكينة أن ترتاح بعد الكوكب الخامس؟!..







"ميلان كونديرا" بتصرف

.

الداموك
16-10-2010, 08:27 PM
.
.
الإهداء :

إلى المذكر السالم الذي هجر النحو ورحل مع قافلة الشعراء...
إلى النساء الكثيرات اللواتي جمعهن الله في امرأة...
وإلى " كونديرا" حتى وإن لم يكن حبيبتي!.


.
.

الداموك
16-10-2010, 08:29 PM
الحاجة :


أنا بحاجة إلى طقس كتابي كنتُ أفتقده في الآونة الأخيرة. فقط هُزي بجذع الوجع أتساقطُ يأساً جنياً.

الداموك
16-10-2010, 08:30 PM
الحيلة:


تقعّرَ صدري عندما أخبرني صديقي أني لا أكتب إلا لأُهذب الوجع. أرتبه وأزينه وأحشره بفظاظة في وجوه الشعراء أمثاله. وأني فُطرتُ وجُبلتُ على التوقف بجانب الأشياء التي لا تتوقف وتُسافر دائماً.
هزني منظره الساخر كما يهتز جذع الوجع. لوّح لي بسبابته الغليظة ولم يتوكأ عليها، هشَّ بها ملامحي حتى تبلدت وتلبدت ورأيتُ شيئاً ينكسر. فقدتُ خِفتي فجأة وأُثقلتُ بالهبوط في منحنيات أفعوانية لا تُسقطني إلى الأرض فقط بل تحشرني مع أمواتها لأنتهك سباتهم.
صرخوا بصوتٍ واحد : أخرج منها يا ملعون !..
.
.




استيقظتْ "تيريزا" من النوم وهي تضحك. ابتسامتها الذابلة بخيانات الرجل النائم بجانبها تؤكد أنها سعيدة بما رأته. لقد رأت في النوم كلبتها " كارينين " تلدُ فطيرتين هلاليتين ونحلة. النحلة ترنحت وسقطت ثم ترنحت وسقطت ثم طارت بتكسُر غائبةً في الأفق، أما الفطيرتين الهلاليتين فلزمتا مكانهما.
حنينها للسعادة اللعوب وحقيقة قلبها المثقوب جعلاها تبتسم. وعلى الرغم من كونها لم تجد تفسيراً لهذا الحلم الغريب جملةً وتفصيلاً، إلا أنها كانت تضحك وتحزن لهذه الولادة القادمة من حلم.
كانت "تيريزا" سعيدة وكنتُ سعيداً معها. نتقاطع في السعادة المحكية لنا عبر رجلٍ لا نعرفه ونلتقي في نفس الطرقات. كنتُ عائداً من "العدامة" بصحبة "تركي الحمد" فرأيتها تجلس على كرسي خشبي في حديقة منزلها التي أحرقها جيش الروس الأحمر. وعندما جاوزنا منزلها ووصلنا إلى ناصية الشارع، التفتُ أنظر إليها مرةً أخرى فكانت على كرسيها لا تتحرك. شربتُ الشاي في "خان الخليلي" مع "نجيب محفوظ" ومررتُ على منزل "جوستن غاردير" في "عالم صوفي" وكنت قد استغرقتُ من الوقت أكثر ثلاث ساعات _ بتوقيت الورق _ قبل أن أعودَ من نفس الطريق لأجدها على نفس الكرسي سعيدة وساهمة وتبتسم للفضاء المُنتشر أمامها.
لم أتحدث إليها ولم تنظر إليّ، متهيبة ومتكيفة مع جمود العالقين بصدرها. تُضمُّ "أنّا كارنينا" بخوف ويُخبرني منظرها عما اختبأ فيَّ عني وتضعه أمامي بلا مواربة كما يفعل الأصدقاء. المنسي بنرجسيتي الكبيرة لا يمكن أن يغيب عنها مهما تبخرتُ بخفته وتصعّدتُ إلى السماء. تثقلني بأرتال الحقيقة وتطرحني على الأرض المتحركة وتجعلني جديراً بحقيقتي المضطربة والمُنبعثة كالأنبياء من أعمدة الروايات المتراكمة على أرض الغرفة وتحت الأسرة وعلى الرفوف المُغبرة. في الحديث عن الحديث والمُقيم من القديم وفي أبواب الحكايات التي تُستفتحُ دائماً بـ "يُحكى أن" حتى وإن لم يقلها الرواة.
.
.
.




منذ أن قرأتُ الكائن الذي لا تُحتمل خفته وأنا مشدوه للوقائع التي تحدث بطريقة مرتبة لنقعَ في الحب....



1. يكونان في الجامعة مثلاً، الصباح الغائم والماطر يجمعهما في المكتبة الجافة عن المساحات المُبتلة، يسيران بين الرفوف بمظهر طلابي مثابر فلا يحدث إلا كما يحدث دائماً عندما يصطدمان فجأةً فتنتثر الكتب. لا ينظران وإنما ينحنيان ويبقى كل شيء رتيباً حتى تلتقي الأعين فتتحرك الأرض الثابتة ويخفق قلب.



2. يكون سائق تكسي وهي في جولة تسوق مع صديقاتها ويوم نسائي مُكثف لمضغ اللبان والحديث عن الأسرار الناعمة. تركبُ مع الجمع المُحتشد وتلقي بجسدها في الزاوية. تصمتُ مثلما يصمتن في البداية، وتصمتُ أيضاً عندما يتحدثن في النهاية. تحاوره إحداهن لم تكن هي. تُحاول هذه المنمقة مراوغته ومماطلته وجسَّ أوضاعه. تتأمل وتتألم وهي تنفخ بخارها على الزجاج وتشكله بإصبعها كيف تشاء.
قد تبدو صامتة في زاوية السيارة لكنها بالتأكيد مُهتمة بحرارة لما يحدث من حولها. فهي التي أوقفته اليوم بعد أن رأته البارحة يُدخن سيجارة.



3. * تكون بائعة تذاكر في محطة القطار في آخر ساعات العمل، تعقفُ معطفها الطويل على جسدها النحيل وتنتظر الانتظار عبر النافذة المفتوحة على وجوه أناسٍ لا تعرفهم. هو يتنقل منذ ثلاث سنوات من مدينته إلى مدينة حبيبته السابقة. لقد كان نائماً ولم يلتقط الحب المُرتب بالصدف إلا عندما عاد ذلك اليوم مثقوباً بحزنه، ومنِ مَن؟... مِن الفتاة المُنهَكة.



.
.
.




لو أن "تيريزا" لم تعشق "توماس" لما ارتبطت به ولما شمتْ رائحة فرج امرأة في شعره عندما ضمته إليها. أيضاً لم تكن ستُعادل الكفة عندما ضمها المهندس إلى صدره وهي عارية وتترقب اختلاجات جسدها بين يدي رجلٍ جديد. وغرابة الانتقام الذي لم تستطيع معه صبراً كان كالكائن الذي يّخفُ فينا كما كتبه كاتبه في القصص الثلاث. يهدهده ويمارسه ويصفُّ الحقيقة بطريقة غير حقيقية لكنها تُعجبنا. يؤثث الكلمات بالاستفهامات العجائبية ليرينا من زاوية جديدة لم نكن ننظر منها. ومما ليس منه بُد _ كما كان يُغني "توماس" _ ؛ أن نعرف أن الحقيقة لن تتغير بعد أن نقرأه لأنه يكتب بهذه الطريقة ولكنها ستكون أوضح وأشهى وأمتع. يلعب بالصدف وأقدار الكائنات الورقية ويحشرُ قرائنه فيها بالمطر وبخار النوافذ والمعاطف الطويلة كي يجعلك تقول معه بتضامنٍ مُبطن : أن الشتاء موسم الحب، وأن الحب الصيفي يخنقه نزق أيلول.



.
.



ربما كانت الخفة التي يعنيها " كونديرا" هي تلك الكتلة التي تبخرت على صدى "الصُدف الست" كما رتبها في روايته. ربما كان _ بطريقةٍ ما_ يحاول إقناعك بالقناعة وأنها كنزٌ لا يفنى كما نقول دائماً بلا قناعة. وأن لكَ صدفاً كصدف "توماس" الست التي جمعته بـ "تيريزا"، وأن هذه الصدف هي من ستقرر مصيرك ومصير كل شيء من حولك، وأنها تفرض نفسها على كل القصص اليومية والمُتخَيلة وتلعب دوراً مهماً في تكوين أفكارنا وأعمارنا ومصائرنا. وأن هذه الصدف هي أيضاً من جعلت الفتاة المنزوية قرب الباب تتنهد بعمق، والأرض الثابتة في مكتبة الجامعة تتحرك، والحزن يخلق حباً جديداً في المحطات.



.
.
.



هربتُ إلى الأوراق وأنا أغني أن ليس لي من بد. أدركني القنوط وأنا لا أريد أن أكون هكذا، رجلاً يكتبُ حزيناً ويقرأ سعيداً لأننا لسنا في مواسم الحب. يُحمِّلُ جسده المسكين حياوات الآخرين وابتساماتهم الحزينة من على الكراسي الخشبية والمدن الافتراضية وهو لا يزالُ في كوكبه الأول. يهذي مع الأماكن البعيدة وتضطرب عاصفة الشوق للقراءة لأننا سعداء قبل الكتابة محزنون عندها. يقفُ برغبة خائفة على حد الهاوية الأفعوانية وجسده المُثقل بالحكايات يتكتل بداخله ويجعل "تيريزا" والأصدقاء مُحقون ولو كانوا شعراء. يكتب عن الكلاب كما يكتب عن الكتابة لأنك إن تحمل عليها تلهث، وإن تتركها تلهث وليس له عاصم منها إلا الكتب.

الداموك
16-10-2010, 08:35 PM
ملاحظات:


http://dc17.arabsh.com/i/02171/occrlktz3bi9.jpg (http://arabsh.com/occrlktz3bi9.html)

( كروسون .. ولكنه قد يكون فطيرة هلالية )



قال تعالى : ( وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)