PDA

View Full Version : عندما كان السياب غريبا ...



نجمة السنا
25-12-2010, 12:35 PM
كل ما ذكر اسم السياب يقفز الى ذهن الجميع قصيدته الرائعة انشودة المطر والتي عدت من روائع الشعر العربي المعاصر ,غير اني وفي غضون مطالعتي لمجلة العربي العدد 573 وجدت موضوعا رائعا عن قصيدته غريب على الخليج فقررت ان اشارككم هذا الموضوع واقتبس لكم عن اقوال فاروق شوشة ,حيث ان حنين السياب الى وطنه كان يضج في دمه ونشيجه الحار المتصل يصل
كسحابة يصرخ دائما عراق عراق .

اكثر من نصف قرن وخليجيات السياب نابضة حية تتوهج فقد كان قامة شعرية شامخة حيث كان يتكئ في شعره الى علاقة حميمة بالموروث الشعري وكذا انفتاحه على افاق الشعر العالمي,وهو الصابر ايوب على شتى العلل يقاسي اهوال المحن وضراوة الازمنة فكان صوت العراق وروح الخليج.
يقول في قصيدته غريب على الخليج :
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الاصيل
وعلى القلوع تظل تطوى تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
من كل حاف نصف عاري
وعلى الرمال على الخليج
جلس الغريب يسرح البصر المحير في الخليج
ويهد اعمدة الضياء بما يصعد من نشيج:
اعلى من العباب يهدد رغوة ومن الضجيج
صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق
كالمد يصعد كالسحابة كالدموع الى العيون
الريح تصرخ بي عراق
والموج يعول بي عراق عراق ليس سو عراق
البحر اوسع ما يكون وانت ابعد ما تكون
والبحر دونك يا عراق
بالامس حين مررت بالمقهى سمعتك يا عراق
وكنت دورة اسطوانة
هي دورة الافلاك من عمري تكدر لي زمانه
في لحظتين من الزمان زان تكن فقدت مكانه
هي وجه امي في الظلام
وصوتها يتزلقان مع الرؤى حتى انام
وهي النخيل اخاف منه اذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالاشباح تخطف كل طفل لا يئوب
من الدروب
وهي المفلية العجوز وما توشوش عن حزام
وكيف شق القبر عنه امام عفراء الجميلة
فاحتازها الا جديلة
زهراء انت اتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه اكف المصطلين?
وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين
ووراء باب كالقضاء قد اوصدته على النساء
ايد تطاع بما تشاء لانها ايدي الرجال
_كان هذا مقطعا من قصيدته الرائعة اتمنى ان تنال اعجابكم ولا تزال القصيدة طويلة لكني احببت ان اشارككم هذه الروعة فبين لعنة المرض والاضطهاد قضى السياب حياته لم يتجاوز الثامنة والثلاثين
في قلبه حسرة من بعده عن العراق
ان كان كل ما يبقى فاين العزاء
احببت فيك عراق روحي او حببتك انت فيه
يا انتما مصباحا روحي انتما واتى المساء
والليل اطبق فلتشعا في دجاه فلا اتيه
لو جئت في البلد الغريب الي ما كمل اللقاء
شوق يخض دمي اليه كان كل دمي اشتهاء
جوع كجوع كل دم الغريق الى الهواء
شوق الجنين اذا اشراب من الظلام الى الولادة
اني لاعجب كيف يخون الخائنون
ايخون انسان بلاده?

مسافر مع الريح
25-12-2010, 01:59 PM
مشكورة ع الموضوع من اجمل ماقراءت له انشودة المطر ، السياب مدرسة مستقلة للشعر بذاتها !

مشتاق لبحر يافا
25-12-2010, 05:46 PM
السياب شاعر عملاق احب اشعاره

وكفى به عراقنا الجميل ان ينتسب اليه السياب

أبو مختار
27-12-2010, 09:59 PM
رفيق وحدتي أيام الجامعة وحين نهش القلب فراق من تهوى رؤياه عيوني ....
السياب ومازال له في ذاكرتي النصيب والقدح المعلى , ولو خيرت لاخترت قصائد
كثيرة له هي معالم في حياتي على الأقل ( السندباد , سفر أيوب , المومس العمياء , شناشيل
ابنة الجلبي , جميلة بوحيرد , الثورة الحمراء ) وأنا أكتب من الذاكرة وقد لا تكون العناوين بنفس
هذا الاسم ... وهذا مقطع من الذاكرة لأجمل ماعلق بذاكرتي وهو قبل أن اصاب بالزهايمر كان
غزيرا ولكن لعنة الله على معسل التفاحتين فمع كل شفطة تذهب ملايين من خلايا الذاكرة الى
غيابات الجب ..
رحل النهار
رحل النهار
رحل النهار
ها أنه انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار
وجلست تنتظرين عودة سندباد من السفار
والبحر يصرخ من ورائك بالعواصف والرعود
هو لن يعود
هو لن يعود
أو ماعلمت أنه أسرته آلهة البحار
في جزر سوداء من الدم والمحار
فلترحلي هو لن يعود ..
وسلامتكم وأنا سالم وغانم ..,,,,..

محمد بن صالح
09-02-2011, 10:28 PM
من روائع ما قرأت ....
سلمت يداك ..

ابوالدراري
11-02-2011, 01:19 PM
إن لم يكن لمحمد عبده حسنة في حياته سوى أن بسط للدنيا قصيدة المطر ..
لكفته

والعراق
من يقوى الحديث
عن العراق

!!

سلمت يمينك ويمين الكاتب

ابوالدراري
11-02-2011, 01:55 PM
http://www.youtube.com/watch?v=elNjAteff-A

فؤاد سالم عليل هنا ..

http://www.thawabitna.com/culture/Poems/Sh0059.htm

الذي أعرفه أن السياب شيعي أحب لميعه عباس .. الشاعرة الكلدانية الرائعه , وهنا بعض المغالطات !
أفدنا بربك .

مخ !
24-02-2011, 09:19 PM
ايخون انسان بلاده?



أجمل مآقرأته
تحيتي:2_12:

رقــّة الندى
24-02-2011, 11:14 PM
تحية عطرة لعشاق السياب ... لك منى تحية عراقية ابحرت في مركب السياب ووصلت الى ميناء الأبداع ...

السيد هدنة
25-02-2011, 07:42 PM
http://www.youtube.com/watch?v=elNjAteff-A

فؤاد سالم عليل هنا ..

http://www.thawabitna.com/culture/Poems/Sh0059.htm

الذي أعرفه أن السياب شيعي أحب لميعه عباس .. الشاعرة الكلدانية الرائعه , وهنا بعض المغالطات !
أفدنا بربك .


رغم أن سنية وشيعية السياب لا تقدم ولا تؤخر لكن العلم بالشيء جيد على كل حال .

http://www.alriyadh.com/2007/11/14/article293781.html
هنا كلام جيد .

عساف
18-04-2011, 09:55 PM
http://www.jehat.com/ar/sayab/window5.htm

عذروبها
01-06-2011, 11:11 AM
عملاق الشعر الحر
والحرف الحر
والقلم الحر .... والفكر الراقي
ان كان سينا او شيعيا فحبه استوطن جنبا من القلب والروح
فلا يقدم ولا ياخر مكانة ان كان تحت الشغاف او بين الوريد

مريم.
14-07-2011, 06:51 PM
..

كل ما ذكر اسم السياب يقفز الى ذهن الجميع قصيدته الرائعة انشودة المطر
ألَم يظلِمهُ هذا الشيءُ كثيراً ؟.
أعني.. صحيحٌ أنّ "أنشودَة المطرِ" كانتْ ترنيمةً أخذت بالسيّابِ إلى مكانٍ يحلُمُ الكثيرُون ببلُوغِه، لكنّ التركيزَ على "بعض" قصائدِهِ جاء على حسابِ العديد من القصائدِ الأخرى الرّائعة والمُتقنَة.
على كُلّ حالْ، بحثتُ عبر المواقع الإلكترونيّة حول شيءٍ قد يُفيدُ ويتعلّق بالقصيدَة، ووحدتُ بعض القراءاتِ المطروحة لهذه القصيدَة تحديداً -غريب على الخليج- وسأدرِجُ بعضها هنا. شكراً نجمة.


-------------------------------------------------

1 - لصبيحة شبر.
في هذه القصيدة الطويلة المشهورة ، التي ظلت نشيدا عذبا يردده العراقيون، في جلساتهم ، كلما طال بهم الحنين الى البلاد الساحرة ، وأهلها الطيبين ، الذين امتازوا بالدفء والحنان وطيب الكلام ، والمواقف الجميلة التي تربطهم بالأصدقاء والمحبين ، نلاحظ في القصيدة الوحدة الموضوعية المتمثلة في وحدة الإحساس ، يظل الشعور المسيطر ، نحو الوطن الحبيب ، يتكلم عبر هذه القصيدة التي هي ،، من مطولات الشاعر ، والقصيدة من شعر التفعيلة الحديث الذي يتميز بتنوع القوافي ، والموسيقى الجميلة التي منحها استعمال إيقاع البحر الكامل
( متفاعلن ) أضاف لها جمالا باهرا وانفعالا يتناسب والجو النفسي العاطفي الذي أحاط بالقصيدة
يستهل الشاعر قصيدته بمخاطبة امرأة مجهولة ، لا ندري من هي ؟ قد تكون الزوجة ام الحبيبة ام الاخت ام الصديقة ، وكانت علاقة الشاعر بالمراة وطيدة ، فقد حرم من الأم وهو صغير ، لكنه أحب العديد من النساء ، وقد يكون وجد في حبه لهن ،، تعويضا عن حب الأم المفقود ، وقد تكون المراة المخاطبة هي الأهل الذين أرغم الشاعر على الابتعاد عنهم ، وقد تكون الوطن ، ذلك الساحر العجيب والأليف الذي يضطر شاعرنا الى هجره الى ضفاف أخرى قد تقيه حينا من حرارة الشوق المستعر ، ويربط الشاعر بين المراة والوطن بعلاقة قوية ،،لا انفصام بها ، فالحب بلا وطن ، لا يمنح الوصال ،، والدفء المنشود ، والوطن الذي يخلو من الحب ، هو مكان ظالم لأهله ، فالمراة والوطن كلاهما ، مصباحان ينيران طريق الشاعر ، الوعر المظلم والذي تحيطه المحبطات ، فقر طويل مهلك ، يتم وحرمان من حب الأم ، نشاط سياسي غير متواصل ، وشكل غير جذاب ، مرض عضال أقعده عن العمل ، وتذبذب بين اليمين واليسار في مسالك السياسة ، كل هذه الأمور جعلت منه شاعرا عاطفيا رقيقا رومانسيا ، والقصيدة الجميلة هذه ،، قد أبدع الشاعر في ان ينقل لنا بأسلوبه الرائع ،، معاناته الطويلة وهو متغرب في بلاد أخرى ، حتى وان كانت شقيقة ، لهذا يخبرنا ان الوطن وحده ،، يحلو به اللقاء بالحبيبة ، وان أي لقاء آخر بحسناء ،، بعيدا عن تربة العراق المعطاء ،، سيكون مبتورا ناقصا عديم الجدوى ، لا يمنح الدفء الذي ننتظر من الحب ان يمنحه
يزدحم الشوق الى الحبيبين معا ،، في نفس الشاعر ، المرهف الحس ، فيخض دمه خضا ، ويظل يحلم بان يرى العراق ، حيث يعيش هذا الحلم الجميل في دمه ، وتتحول الدماء فيه إلى اشتهاء ، لكل ما في الوطن من جمال وقبح ، ويأتي بطرق أسلوبية كثيرة ،، لتبيان ذلك الشوق ( حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق) ، وتظهر الروح الوطنية لدى السياب في هذه القصيدة بأحلى صورها ، فكل شيء رائع الفتنة والجمال ، ويتحسر الشاعر وهو غريب مريض على أمنيات ،، ميسورة سهلة متواضعة ، ولكنها بعين الغريب عن وطنه ،، مستحيلة وبعيدة التحقيق ، وهي رغبته في النوم في العراق ،، ليالي الصيف ،، حيث تتساقط قطرات الندى المنعشة ، معطرة العراق دون غيره ، وهو لم يجد أجمل من العراق ،، بعد أن جرب كل بلدان الدنيا ، ويختتم قصيدته ،بان يأتي ،، بحلم مؤثر وهو ان يجد قبرا صغيرا في العراق ، يضم رفاته ، بعد ان شعر انه سيموت بعيدا ،، عن الوطن الحبيب ، وتلك الأمنية رغم بساطتها ،، تظل حلما يراود قلوب المبعدين عن الأوطان ، والذين يعيشون بحبهم لأوطانهم رغم اضطرار الابتعاد وتوالي سنين المعاناة.



-------------------------------------------------

2. د. ثائر العذاري.
بينما كنت أراجع ديوان بدر شاكر السياب ، وأنا أستعد لمناقشة واحدة من رسائل الماجستير المتعلقة بالشعر الحديث ، مررت على (غريب على الخليج) وتولدت في نفسي رغبة لقراءتها ، ومع تقدمي في القراءة كنت أحاول تحليل البنية الفنية للقصيدة كما كانت في مخيلة الشاعر، وقد وجدت أن هذه القصيدة واحدة من أكثر قصائد السياب حبكا ، إذ يبدو كما لو أن الشاعر قد وضع خطة مسبقة لها والتزم بها حتى آخر القصيدة.

في البداية ينبغي أن نلاحظ تركيب العنوان (غريب على الخليج) ، فهو أولا يخلو من فعل ويجعلنا أمام صورة ثابتة أو جامدة ، غريب يجلس على ضفة الخليج،ولو تخيلنا صورة فوتوغرافية يظهر فيها رجل بائس يجلس على ضفة الخليج لكانت ستنفعنا كثيرا في تعاطينا مع القصيدة

يبدأ السياب قصيدته بداية سينمائية ، فهناك (لقطة كبيرة) كما يسميها كتاب السيناريو:



الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الأصيل

وعلى القلوع ، تظلّ تطوى ، أو تنشّرُ للرحيل

زحم الخليج بهنّ مكتدحونَ جوّابو بحارِ

من كلأ حافٍ نصف عاري



هذه خلفية كبيرة سترسم عليها تفاصيل اللوحة القصيدة فيما بعد ، منظر الخليج وأشرعة السفن المبحرة فيه ، وهؤلاء البحارة نصف العراة الباحثين عن الرزق بين الموت والغنيمة، والحرّ اللاهب ورياح الصيف.

في السطر الأول يدفع الشاعر بشعور بالبؤس الىأنفسنا من خلال بناء التشبيه الغريب ، الريح بقوتها وغبارها المتطاير في الأفق كأنها جثاما (مرض جلدي) أصاب جلد الأصيل.

ثم تبدأ كاميرا المصور بتقريب اللقطة:



وعلى الرمال على الخليج

جلس الغريب يسرح البصر المحير في الخليج

ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّدُ من نشيج



صورة رجل يجلس على الساحل ويستغرق في البكاء ، وأعمدة الضياء القادمة من الشمس ، أو الأمل في شيء ما ، تتحطم (تنكسر) وهي تتخلل دموعه في طريقها الى عينيه.

عند هذه النقطة يكون الشاعر قد أكمل رسم الخلفية، والسؤال الذي يمكن أن يسأل هنا، من المتحدث في هذه الأسطر ، من هذا الذي ينقل صورة الغريب بهذه اللغة الوجدانية الإنفعالية؟ والجواب انه الشاعر (المخرج) الذي وجه كامرته لتنطلق من اللقطة الكبيرة حتى تلقط صورة الغريب الذي سيستلم زمام الحديث بعد الآن، بالضبط مثل بداية فيلم سينمائي يلتقط شخصية من بين الزحام ثم يتركها تحكي حكايتها مباشرة.

صحيح ان هذه هي البداية الفيزياوية للقصيدة ، لكنها في الحقيقة ليست البداية الشعورية لها فهي لا تعدو كونها فرشة شعورية تحاول بناء سطح عاطفي سنتلقى القصيدة عليه ، فبعد هذه المقدمة يفتح الشاعر علامة اقتباس هي - في حقيقة الأمر - البداية الحقيقية للقصيدة:



"أعلى من العبّاب يهدر رغوهُ ومن الضجيج

صوتٌ تفجّر في قرارةِ نفسي الثكلى: عراق،

كالمد يصعد كالسحابةِ كالدموع الى العيون

الريح تصرخُ بي :عراق

والموج يعولُ بي : عراق عراق ليس سوى عراق

البحرُ أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون

والبحرُ دونك يا عراق

بالأمس حين مررت بالمقهى سمعتك يا عراق

وكنت دورة أسطوانة

هي دورة الأفلاك من عمري تكورُ لي زمانه

في لحظتين من الزمان ، وان تكن فقدت مكانه



هذه الأسطر وكل ما سيأتي بعدها هو نقل مباشر للحوار الداخلي في نفس الغريب الذي يتسم بخصائص لغوية لابد من ملاحظتها لفهم القصيدة، فمن الملاحظ أولا اصرار الشاعر على أن تكون الجملة الإسمية هي الجملة الأساس في لغة الغريب ، والأفعال دائما تأتي في حشو الجمل لا بداياتها ، وهذا منسجم مع الفكرة التي بنيت القصيدة عليها ، فكل الحركة التي ستوصف في كلام الغريب ليست حركة حقيقية تحدث الآن ، انها حركة داخل السكون ، ليس لها وجود الا في مخيلة الغريب وذاكرته.

والسمة الثانية هي تكرار كلمة عراق في هذه الأسطر التي ستدخلنا فيما بعد الى سلسلة طويلة من تداعيات الذاكرة ، (عراق) تكررت سبع مرات بإلحاح واضح ، ونحن نرى ان لهذا التكرار مدلول سحري ، ويشجعنا على هذا الرأي الرقم سبعة الذي يرتبط بالسحر في الموروث الإنساني ، فالغريب يحاول ( استحضار روح) العراق من خلال التكرار السباعي الشائع في الرياضات الروحانية.

ومن الملاحظ أيضا استخدام الغريب كلمة (عراق) مجردة من (الـ) التعريف، عراق وليس العراق، طبعا لأن العراق في نفس الغريب لم يعد بحاجة الى التعريف فقد أصبح قيمة مطلقة موغلة التعريف مستغنية عما يعرفها.

وكما أشرنا في مقال سابق يمثل السطر (وكنت دورة أسطواتة) مفتاحا فنيا لبناء القصيدة ، فكل ما سيأتي بعد ذلك هو صور لا رابط موضوعي بينها ، تتدفق تدفقا سريعا بطريقة التداعي الحر:



هي وجهُ أمي في الظلام

وصوتها يتزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهي النخيل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب

فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

من الدروب

وهي المفلّيةُ العجوز وما توشوشُ عن حزام

وكيف شقّ القبرَ عنهُ أمام عفراء الجميلة

فاحتازها الا جديلة



هذه هي الصور الثلاث الأولى من دفق صور طفولة الغريب (الأم ، النخيل، الجدة المفلّية) ، حيث نلاحظ أنها لا ترتبط بالسببية ، بل ان ما يربط بينها فقط تداعيها بوصفها ذكريات طفولة ، انها مستقلة عن بعضها حتى في شكلها اللغوي فليس هنا سطر واحد تشترك فيه صورتان، هذه الصور وكل ما سيأتي بعدها ليست الا الأخاديد الدائرية المحفورة على ظهر اسطوانة الكراموفون ، التي ذكرها الغريب في البداية ، انها تبدو دوائر متحدة المركز مستقلة عن بعضها ، لكنها في الحقيقة ليست الا خطا واحدا مرسوم بشكل حلزوني ليتيح لأبرة الكراموفون السير بداخله من الخارج الى الداخل حتى الوصول الى المركز. والمركز في غريب على الخليج هو هذه النقطة التي يجلس فيها الغريب متحسرا على العراق متمنيا العودة اليه ، وهكذا يعود الغريب في النهاية بعد سلسلة طويلة من صور الذاكرة الى نقطة المركز:



لتبكين على العراق

فما لديك سوى الدموع

وسوى انتظارك دون جدوى للرياح وللقلوع

ولا يمكن للقارئ أن لا يلاحظ استخدام كلمات (الرياح ، القلوع) في السطر الأخير وهما الكلمتان اللتان بدأت بهما القصيدة.




-------------------------------------------------

3. منتظر السوادي.
دندنة غريب وقت الأصيل
أجواء نسيمها الحزن , أُنشودة تعزف نغمها الشجي , على أوتار نفسٍ لفَّتها عتماتٌ من الأسى ودياجير الفقر , و تعبث بجمرها ريحُ الغربةِ فتتقدُ آلامُ النفسِ جمراً ... , وانكسار نفسي عميق , ينثر كلماته في القصيدة , ويغتال نسمة الأمل التي تنبعث في ذيل القصيدة , فيعود اليأسُ حلة رثة تغشى الغريب , وكأنَّ أزرارها لا تُحلُّ , هموم تنبع من نهر الدموع لغريب قد أثكله الزمن , ونجده في أُوائل قصائده قائلاً :
أبي منه قد جردتني النساء و أمي طواها الردى المعجل
فهجره الفرح مع رحيل حنان أُمه , وألبسه الدهر ثوباً من جمر الذكريات , فهاجرت نوارس الفرح من مرافئه , فعاش غريباً عائماً مع خلجات غربته النفسية , وحديثه الصامت مع روحه الغارقة بدمعة معتمة , والمتراقصة على أَلحانٍ من الآهات , وتنثُ الأملَ ثم سرعان ما تنقض عليه , وتنكره وتذيبه بجرارٍ من اليأس . بحر لجّيّ وغريب عالم السياب الشعري , القلق له تواجده مع حشد الألفاظ الرمادية التي تهاوت إليه من معجم الحزن والأسى , لتسبح في شواطئ معتمة من حكايةٍ تتشحُ أَلماً , يدندن بها ذلك الغريب , على شاطئ رملٍ بين مياه غريبة , وعيونٍ أجنبية , و حتَّى ذلك الشعاع - كأَنَّه شرارة من نارٍ – يريد أن يلتهم الأفق , ويسفك دمه , ممّا يثير الشجن في النفس الغريبة , لأَنَّ هذا الشعاع ليس كذاك الخيط الذهبي في أُمسياتٍ تزينُ وجهها همهمات الأَحبة وهمساتهم - من أهل وأصدقاء –
في قوله : تنّورنا الوهّاج تزحمه أكف المصطلين
وتحت أفياء جدائل النخيل المتراقصة كـــــــهزَّةِ المهد مع نسيم الريح وهو يحمل عطر مياه بويب في شهر آب , ذلك الغريب الذي نأى به زورق الحياة , وألقاه على رمال عارية من الأهل , وبين وجوه لم تألفها نفسه , وشمسٍ حتَّى ضياءها مختلف عمَّا ألفه جلده الأسمر , ونسيم البحر يلفح ذكراه فتتقد فيه حكايات عتيقة , حكايات مؤلمة , حكايات الأحبّة , وحكايات الأم الودود , والوطن البعيد , وعالم الطفولة البريء الذي رحل عنه , عالم السلامة الراحل , وهو بين أُناس أبسط ما يقال فيهم أَنَّه غريب بينهم , هذه الحكايات يسردها لنا ذلك الغريب , مبتدأ بسفره وتركه لبلاده ذلك السفر المشؤوم , واستذكار أمه , وحبيبته والأمسيات الجميلة معها , ثم يستذكر وطنه وتلك التربة الغالية التي غذته من ثدييها – دجلة والفرات - الحبّ والحنان , وفي الختام يحدثنا عن نفسه وأمله في العودة إلى بلاده التي تقطن فيها سعادته , وفيها يشهر سيفاً على غربته الروحية بعناقه لحبيبته , وكركرة صوتها في روحه العطشى , ويصور لنا يأسه من ذلك لشدة حبِّه .
قبل البدء هذه بعض المفاتيح بماذا يحسُّ الغريب في غربته ؟
1. يتذكر سفره , وكيفية سفره , والمعارضة التي حصلت له[1] .
2. يتذكر الأهل , من أُمٍ وأحباب .
3. المال , انطلاقاً من المقولة : المال في الغربة وطن .
4. باستحالة العودة إلى بلاده .
فــــــ " غريب على الخليج " قصة في قصيدة تحكي لنا ما مرّ به ذلك الغريب من حكايات , و تصور لنا في البدء المكان والزمان الذي يحتضن ذلك الغريب , فيرسمه لنا في هجيرة يوم شامس , سفن ترحل وأُخرى ترسو[2] , فيبدأ الغريب – وهو جالس على رمالٍ عارية من الألفة , والمحبَّة , والودِّ , شواطئ الوحدة تلفه بأمواجٍ ثقيلةٍ معتمة , فيغرق في سعير الذكريات – فيبدأ الغريب يسرد لنا حكايته مذ خروجه من بلاده , وكيف تعلقت بأَعطافه الأمواج رافضة سفره , والريح مسكت ثيابه , متعلقة به وتصيح بوجهه , وحتى البحر علت منه صيحات عدم الرضا والتذمر من سفره .
ولابدَّ للسرد من أحداث , تصور وتصف ما تقوم به الأشخاص وعلاقتها بالزمكان , والأحداث هي جوهر العمل السردي , وتعمل على شدِّ انتباه المتلقي , وتجعله مندمجاً ومتأثراً مع النص المسرود .
الحدث المركزي الذي تبنى عليه القصيدة هو " جلس الغريب " , في البدء الراوي يتحدث لنا عن غريب , وأسند له الأحداث " الأفعال " التالية " يسرّحُ البصر " , و " يهدّ أعمدة الضياء " , و " يصعّد من نشيج " , هنا الراوي يتحدث ويصور لنا حركة وحيرة هذا الغريب بضمير الغائب , ودلالة الأفعال المستخدمة هي الماضي في " جلس " , ثم يتقرب الراوي أكثر من هذا الشخص , فيروي لنا عنه عن قرب فقال : " يسرح البصر " فالراوي كان على مقربةٍ من الشخصية , حيث وصف لنا حيرتها وتقلب عيناها في سماءِ وموجِ ذلك الخليج , ويقترب أكثر فيصور لنا نشيجها وحركة ذلك النشيج , وجاء التصوير عن قرب باستخدام الفعل المضارع للدلالة على استمرارية الحدث .
فهو بدأ بسرد الأحداث , ووصف المكان والزمان , من غير ظهور أي غير ممسرح , من ريح وهجيرة وأصيل وقلوع , ويروي لنا بذلك عن الغريب الجالس المنكسر , إلى أن تحدث انتقالة عندما يصرح الراوي عن نفسه , وهذا التحول بصيغة وأسلوب الروي من الضمير الغائب إلى ضمير المتكلم - فينتهي صوت ضمير الغائب , وكأنّه أراد أن يسترعي الانتباه ويكون موضوعياً في البدء ولا يسند الإحداث إلى نفسه - رغم إِنَّه هو البطل " الشخصية الرئيسة " في هذا النصّ , في قوله : " صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق " . إذ جاء ضمير المتكلم ليعلمنا هوية الغريب , ولفظة " عراق " أعطتنا تصور عن هذا الغريب , الذي أُبعد عن بلده , أما لفظة " الثكلى " فتنبئ عن الانكسار والغربة الحقيقية وهي الغربة النفسية , في نفس ثكلى , وقد غرقت هذه النفس في رمال غريبة أيضاً , فغربتان جعلت بطل النصّ لا يقوى على النهوض لذا كان جالساً , ونحن نعرف كيف يستمتع الزائرون بشواطئ البحار , بل وحتَّى الغرباء , من سباحة , ولهو لا جلوس على الرمال , وانفجارات لذكريات لموطئ حلمه البعيد , ويبقى صوت الراوي طاغياً ظاهراً ممسرحاً , ويسرد لنا أَحداثاً شتى ويرسم لنا ملامحه النفسية في ثنايا قصته .
فتأتي الأفعال تصور لنا الراوي ؛ بطل هذا النصِّ , وكانتِ الأفعالُ مضارعةً ؛ وهي " تفجَّر , يصعَّدُ , تصرخُ , يعولُ " , هذه الأحداث تجعل المتلقي يعيش الحال النفسية التي يمرُّ بها البطل لأنَّ التصوير كان عن قرب , وعند التمعن في دلالة هذه الأفعال , تتضح لنا دلالتها السلبية , وكلّها تصور الحالة النفسية التي يعيشها البطل , دالةً على الحالِ القلقة التي يمرُّ بها .
يعود البطلُ يستردُ الذكريات , ويسردها لنا بأسلوب منطقي , وقد استخدم الفعل الماضي دالاً على تلك الذكريات , والأفعال هي " مررتُ , سمعتُكَ , تكوَّرَ , فقدتُ " . السارد يأتي بجملة " بالأمس حين مررتُ بالمقهى " كي تكونَ عتبةً منطقية ومفتتحاً للولوج إلى عالمِ الماضي ويسترد تلكَ الذكريات , وقبل أن يغادر من هذا السرد يفتتح مقطعاً آخر بنفس الأسلوب المنطقي وهو في جملة " في لحظتين من الأمان وإن تكن فقدت مكانه " ونلاحظ لا يزال السارد يتحدث بالدلالة السلبية للأفعال " تكوَّر , فقدت " فكلا الفعلين يدلان على النهاية والفناء .
يسرد الشاعر لنا غربته بتسلسل المنطقي إذ يبدأ بالحديث عن خروجه من بلاده , ويصف لنا ذلك الخروج , ومآسيه أثناء الخروج , في قوله :
الريح تصرخ بي عراق
و الموج يعول بي عراق
فالغريب يصرح ببلاده لما له من وقع وأثر نفسي عليه , فالتكرار هنا لغرض الاستلذاذ بذكر موطنه " عراق " , فيكرره سبع مرات في المقدمة , لكنَّه لم يشفِ غليله , وإنّما بقي الوطن يسعر في مخيلته , فيعود ليذكره في منتصف وفي نهاية القصيدة , إذ قال :
فهو يحتضن العراق
....
من ليلك الصيفي طلاّ فيه عطرك يا عراق ؟
وفي نهاية قال :
فلن أعود إلى العراق
......
لبكينّ على العراق
فالوطن هو الأرض , والوطن هو الأم , والوطن هو الحبيبة , ونراه قد مزج بينهما في قوله : " أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه
يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء
و الليل أطبق ، فلتشعّا في دجاه فلا أتيه "
فلا غرو أن يستولي ذلك الوطن على نفس الشاعر , وهو يعيش معاناة الغربة و آلامها , فيبدأ القصيدة بحديثه عن الوطن " العراق " , لأَنَّ الغريب أول ما يتذكر في غربته بلاده ؛ أرضه التي تربى وعاش فيها , لكنَّ الغريب هنا لم يسرد لنا عن جمالية بلاده بل صور تعلقه النفسي والروحي فيه إذ قال : " صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق " ثم يذكر شيئاً من ملازمات بيئته , تعلق بنفسه إلا وهو المدّ , في قوله : " كالمدِّ يصعد " , ثم يردفه بذكر شيئاً آخر : والموج يعول بي عراق " , فالمدُّ والموج من خصائص مدينته , التي قضى فيها شطراً لذيذاً من حياته , وبقيت نفسه متعلقة بها , ورافضة للمدينة ورافضة كلّ شيء سوى جيكور , فنراه يردد : " عراق عراق ليس سوى العراق " , علّه مع هذا الترديد يخفف من آلام غربته , ووحشته على الشاطئ البعيد , فالمدّ والأمواج يمثلان ذكرياته في جيكور حيث أيام الطفولة واللهو والبراءة , هذا المشهد جعل الشاعر يستعيد الزمن إلى بلاده , وإِنَّ الذي أثار هذه الذكريات انه يجلس على شاطئ بالقرب من الموج الذي لا يشبه بيئته بالتأكيد , لكنَّه يثير في النفس حكايات الوطن المبعد خلف قضبان المسافات , فراح الحاذق إلى مدّ جسوراً من الخيال إلى بويب موطن أحلامه , وشرد ذهنه إلى تلك الأمسيات التي تحتشد فيها النفوس حول قطب ينضح الطيب والحكمة " وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟ / بذلك القصص الحزين لأنَّه قصص النساء " , الراوي بدأ لنا بوصفٍ دقيق لحركية المكان والزمان الذي يضم ذلك الغريب , وبعدها يقترب من الغريب , ومن جلسته الحزينة التي تستعطف القلوب , ومن ثمة يتحول صوت الراوي إلى البطل نفسه " صوتٌ تفجر في قرارة نفسي الثكلى " ثم يسرد لنا البطل قصته فتبدأ أحداثها من ذلك السفر المشؤوم , وبين لنا كيف بقت روحه ونفسه متعلقة بوطنه , وكيف عارضته كلّ من النفس والريح والموج إذ قال : " الريح تصرخ بي عراق / و الموج يعول بي عراق / صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق " , فالنفس أولاً ثم الريح ثم الموج ترفض السفر لكنّه قد حصل .
ومن الطبيعي أن يتذكر الغريب في غربته بعد أن ذكر الوطن أن يستذكر أَقرب الناس له , وأقرب الناس له بالتأكيد هي الأم , ولما كانت الأم هي منبع الحنان وقد طوى الموت حنانها وخلع ثوب الأمن الذي كان يُسدل عليه إذ ادلهم الغروب , وكيف تناغيه حتى النوم بين يديها في دفء وأمان " هي وجه أمي في الظلام / وصوتها، ينزلقان مع الرؤى حتى أنام " فالبطل يذكر أمه ويتذكر أيام طفولتــــــه معها , وما أحلى الحياة مع الأم ! وما أحلى الطفولة ! , ويتذكر شيئاً من عقائد طفولته , وكيف الأشباح تخطف الأطفال عند المساء .
الشاعرُ بعد أن ذكر أمه ذكر حبيبته , ويخاطبها وكأنَّها معه وتسمعه , ويطيل الحديث معها , ولمّا كان هو في غربته يستذكر تلك الذكريات الجميلة , راح يطالب حبيبته بأَن تعيد ذاكرتها إِلى ذلك الماضي الجميل الذي صرعته عربة الزمن الزاحفة من غير تمهل , " زهراء أنت .. أتذكرين / تنّورنا الوهّاج تزحمه أكف المصطلين ؟ / وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين ؟ / أفتذكرين ؟ أتذكرين ؟ / سعداء كنا قانعين / بذلك القصص الحزين لأنَّه قصص النساء / حشد من الحيوات و الأزمان، كنا عنفوانه " فبعد أن يسرد لنا تلك الذكريات التي أقتات عليها الزمن , ومطالبته الحبيبة بأَن تستذكر ذلك , ليقول : كلّ ذلك كان مجرد حلم أو هو مجرد دورة اسطوانة , وكأَنَّ البطل هنا يريد أن يقول : إنَّ الدنيا يومان ؛ يوم تطوى فيه الحياة ويوم تنشر كما في مطلع القصيدة , وبعد ذلك يعود ويدمج بين الحبيبة والوطن فكلاهما واحد ولا يمكن تفرقتهما , " أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه / يا أنتما - مصباح روحي أنتما - و أتى المساء " .
بعدما ذكر أمه حبيبته , بدا يصور لواعجه الداخلية , وعلاقة نفسه بالعودة إلى بلاده , واشتياقه إلى الشمس , غريب أن يقول أَحد الشمس مختلفة من مكان إلى آخر لكن هذا البطل أقنع متلقيه عندما قال : " الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام / حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق " وفي هذه الأسطر والتي قبلها نعتقد أن الشاعر يخاطب حبيبته , ويجعلها متلقية لهذا المقطع من قوله " و الليل أطبق ، فلتشعّا في دجاه فلا أتيه ... إلى قوله .... قطرات ماء ..معدنيّة " , يصف لها شوقه إلى الوطن وإِنَّ الوطن هو الحبيبة ذاتها , فمن الطبيعي أَن تكون هي المخاطب , ثم يصور لها حاله في الغربة , ويرسم هذا الانكسار النفسي الذي يظلّه أينما حلّ , كي يستعطف حبيبته لأنّها ما أحبته وما بادلته الحبّ كما قال : و ما من عادتي نكران ماضي الذي كانا / و لكن كل ممن أحببت قلبك ما أحبوني " , لعلَّهيستميل إليه القلوب في حاله السيء هذا " ما زلت اضرب مترب القدمين أشعث ، في الدروب / تحت الشموس الأجنبية / متخافق الأطمار ، أبسط بالسؤال يدا نديّة / صفراء من ذل و حمى : ذل شحاذ غريب / بين العيون الأجنبية / بين احتقار ، و انتهار ، و ازورار .. أو ( خطيّة) / و الموت أهون من خطّية / من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية " رسام بل روائي ينقل لنا نقلاً جميلاً غربته , إذ لا بيت يؤويه بل في دروب تائهٍ حافٍ , وذليل , أطماره ممزقة , الغربة سلبت منه كلّ شيء , هذا الوصف المادي , ثم يتحول إلى الوصف النفسي غربة نفسية بين عيون أجنبية , فالعيون عيون أَينما حلت , لكنَّه غريب النفس واليد وحتَّى العيون [3], اليد التي يبسطها صفراء لذلِّها وانكسارها , وجريان دماء الموت فيها , الاحتقار والانتهار والازورار و الإشفاق , والكلمة السامة التي نفذت منفذ الإبر هي " خطيَّة " .
ما الذي يجبره على البقاء على هكذا حال ؟
لم يتأخر البطل قائلاً ومخاطباً - نظنُّ أَنَّه يخاطب الحبيبة القروية - بصورة غير مباشرة لإِنَّه يكلم النقود , ويشخص النقود وكأنَّها بشر , ثم يريد من النقود أن ترجعه إلى العراق , ذلك البلد الذي يضم حبيبته , والملتقى معها على بويب وعطره هناك مع رجة المجداف , في المساء العاطر .
الغريب بعد أن ذكر الأحبَّة وذكر غربته ووصف حاله في الغربة , شرع وبشكل منطقي إلى التفكير بالعودة " متى أعود ، متى أعود ؟ " وهنا خطابه للنقود , ويصور العوز الذي أصابه , ثم يقول لا لن يعود من تعوزه النقود , نعم لن يعود , فالبطل بعث الأمل عندما خاطب النقود , قائلا " ما زلت أنقض ، يا نقود ، بكنّ من مدد اغترابي / ما زلت أوقد بالتماعتكن نافذتي و بابي " ولشدة غربته و ولعه المتوهج نراه لليأس أقرب وغابت عن عينيه كلّ نسمات الأمل , فقال : " واحسرتاه .. فلن أعود إلى العراق / وهل يعود / من كان تعوزه النقود ؟ وكيف تدّخر النقود " ونرى مجيء لن دون لم لليأس فنعرف أن لم تفيد النفي , ولن تفيد النفي مع التأبيد أي النفي المطلق , وتنتهي قصة الغريب باليأس من عودته إلى أهله وأحبته .
ويبقى العراق حلماً لذلك الغريب الذي طواه الموت غريباً , فلن تعود أيُّها الفقير , بل جاء المجد لبويب , وراح بويب يدخل خارطة العالم من أوسع الأبواب , وفي أمواجه التي لا تغرق البعوض أضحت اليوم تَغرق فيه أساطيل كبار الشعراء .

قبل الختام هناك بعض التساؤلات نضعها بين يدي القارئ ليتمعن ويبحث عن إجابة لها , رغم إنا أعطينا وجهة نظر , ونتمنى من القارئ أن يشاركنا رأيه ولا يضنّ به .
س / هل نجح الشاعر في توظيف القصة في هذه القصيدة ؟
ج / بعدما تعايشنا مع هذه القصيدة , نرى أنَّ موضوع الغربة يحتاج إلى سرد للأحداث لاسيما الأحداث الماضية , وكذا تصوير الحال التي يعيشها الغريب في الوقت الحالي , حيث أشبه ما تكون هناك مقارنة بين الحالين الماضي الجميل , والحاضر التعيس , وجاءت القصة في هذه القصيدة بصورة واقعية منطقية , بتسلسل جميل , فالشاعر كان موفق في أسلوبه إذ مزج بين القصِّ والشعر , فنجد متعة السرد ومتعة الشعر[4] .
س / لماذا الشاعر ذكر أمه مرة واحدة , وذكر "زهراء" الحبيبة ومناجاتها في مقطع طويل ؟
ج / ربَّما الشاعر قد علم وأستيقن برحيل أُمه , إِذ قال : " أمي طواها الردى طواها الردى المعجل" , أما الحبيبة فهي البطل الخفي من وراء هذه الغربة , وهي من تنتظره هناك في بلاده , وهو في غربته بحاجة إلى حكايات من حبيبته حكايات عطف وحبٍّ في أمسيات رملية شاطئية , على اعتبار أَنَّه يشاهد على ساحل البحر كلّ وحبيبته .
س / لماذا ذكر البطل شيئاً من عقائده القديمة ؟ في قوله : " و هي النخيل أخاف منه إذا ادلهمّ مع الغروب / فاكتظّ بالأشباح تخطف كلّ طفل لا يؤوب / من الدروب " ؟؟
ج / ربَّما لأَنَّه الآن وحيداً في الدروب وقد جاء الغروب , فالأشباح ستخطفه , وينبغي عليه العودة , لكن هيهات ... فيريد أن يصور لنا قلقه وخوفه من المساء , والخوف هنا نفسي مرتبط بالتراث العقائدي , فهو جمع بين ماضيه وحاضره .
س / على أي شيء تدلُّ عبارة : هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه ؟
ج / نقول : دارت الدنيا إذا تغير حالها , فالشاعر هنا يقول : الماضي انتهى كما دورة الأُسطوانة , والدنيا تدور بأهلها , فهي دارت به وأخذت أمه , وأبعدته عن أهله وألقته بعيداً عارياً ذليلاً على الرمال , فلجمال ذلك الزمان انتهى بسرعة كالحلم .
س / ما دلالة الخيانة في منتصف القصة ؟ إذا كان الغريب يسرد لنا واقعه بين زمنين فما دخل الخيانة هنا , في قوله: إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون / أيخون إنسان بلاده؟ " ؟
ج / ربَّما أراد أن يذمَّ السياسة الحاكمة , وكيف جعلت أبناء البلاد مشردين جائعين , وقد عمَّ البلاد الأسى والبلى , والفقر والفاقة , وهو يستغرب من خيانتهم لوطنهم , فجاءت هنا إشارة إلى ذلك النظام الحاكم في ثنايا قصته .
--------------------------------
[1] - كما هي العادة دوما هناك لائمة تعارض السفر لننظر إلى قول ابن زريق البغدادي :
لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ ....قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ , لكن هنا العاذل ليس من جنس البشر , الموج , الريح , ربما لأَنَّ الشاعر أعطى لنفسه مكانة متعالية عامة وليس خاصة به فهو ذو رسالة للجميع , أو يريد ان يعطي لسفره الشؤم المحقق إذ ترفض حتى الطبيعة سفره .

[2] ربما أراد أن يصور لنا المجيء إلى الحياة الدنيا فهناك من يولد أي يأتي وهناك من يرحل تاركاً الدنيا , وهو غريب الآن لأنَّه على الرمال كما يلقى المتوفى في تلك الحفرة غريباً وحيداً , فأراد أن يقرب غربته من غربة الموت , الرحيل المحتوم الذي لا مفر منه .

[3] - يبدو ذكر العيون لشدة الإهمال الذي أصابه , فهو ملقى في الطرقات وتعصره وتضغطه العيون المنعمة التي تمر عليه وهو قد تشبثت به الفاقة وسمَّرته إلى الأرض , ويحور قول أَبي الطيب : ناسٌ ولكنَّ لا أنيس بهم ومدينة لكنَّها قفرُ

[4] - ينظر : السرد العربي القديم الأنواع والوظائف والبنيات , إبراهيم صحراوي ؛ 238.




-------------------------------------------------


4. مهدي الحسناوي

الشمس أجملُ في بلادي من سواها ،

والظلام

- حتى الظلام- هناك أجمل ،

فهو يحتضن العراق

لم تكن قصيدة بدر شاكر السياب (غريب على الخليج) سوى قراءة لذات الشاعر في منفاه حتى وفاته ،فكتب السياب هذه القصيدة وهو لا يبعد عن وطنه سوى بضع كيلو مترات،وفي المساء يرى مصابيح وإنارة مشاعل أبار النفط في مدينته البصرة،إلا انه يحس انه غريب في هذا البلد العربي ، كان يسمع العراق ويراه عبر أثير الإذاعة العراقية (هنا بغداد).

بالأمس حين مررت بالمقهى،سمعتك يا عراق

وكنت دورة اسطوانة

هي دورة الأفلاك في عمري،تكور لي زمانه

لقد صور السياب ريف جيكور وجماليته ،وكيف يتحول في المساء الى ظلام دامس،وتتحول بساتين النخيل الى أشياء موحشة ،وكأنه يعود طفلا يستمع الى أقاصيص وحكايا الجدات عن الملوك والسلاطين ،فأبدع السياب في هذا النص .



هي لحظتين من الزمان،وان تكن فقدت مكانة

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها ينزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب

فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوب

من الدروب





ثمة حس طفولتي يقف وراء هذا النص ،ثمة بكائية وإحزان وراء هذه الكلمات،فأبدع بدر شاكر السياب في تناول الواقع المعاش لجيكور تلك القرية البصرية التي جعل منها بدر رمزا لشعره ،فأصبحت هذه القرية مكان جدل لدى نقاد وقراء شعر السياب



زهراء ،أنت ..أتذكرين ؟

تنورنا الوهاج تزحمه اكف المصطلين

وحديث عمتي الخفيض عن الملوك الغابرين؟



ٌلقد كتب السياب هذه القصيدة،وهو في لحظة من انفعالات نفسية وإحساس بالغربة القاتلة والوحدانية،فكأن اللحظة الشعرية المناسبة اليه هي لحظة موت وانهيار أما شبح المنفى القاتل فكان يراوده أينما يحل .



الشمس أجمل في بلادي من سواها،والظلام

- حتى الظلام- هناك أجمل،فهو يحتضن العراق

واحسر تاه ،متى أنام

فأحس ان على الوسادة

من .ليلك الصيفي كلا فيه عطرك يا عراق؟



ان هذا المقطع الشعري المكتوب أسفل تمثال السياب يذكرنا بان هذا الشاعر كبقية شعراء المنفى لهم علاقة وطيدة مع الوطن ومهما عاشوا او تغربوا هولاء الشعراء فان بوصلة العراق إمامهم ،فالشاعر هنا يصور الظلام بأنه جميل في بلاده عند افياء جيكور وحلاوة عطرها





مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث،في. .الدروب

تحت الشموس الأجنبية

متخافت الاطمار، ابسط بالسؤال يدا ندية

صفراء من ذل وحمى ، ذل شحاذ غريب

بين العيون الأجنبية



لم تكن هذه القصيدة سوى بكائية المنفى العراقي المليء بالحنين والغربة،ونستطيع ان نصف هذه القصيدة ضمن معلقات الشعر العراقي في المنفى .



متى أعود، متى أعود ؟

أتراه يأزف قبل موتي ذلك اليوم السعيد

سأفيق في ذلك الصباح،وفي السماء من السحاب



السياب نستطيع إن نقراه من عدة جوانب،شاعر يمتلك ناصية الشعر،يختار مفرداته بأسلوب إبداعي ،ينتقل في القصيدة عبر الغور في تفاصيل الحياة اليومية،وأحيانا يستخدم البساطة في التعبير كهذا المقطع(وهي.المفلية العجوز)من أين أتى الشاعر بهذه الصورة الشعرية .



واحسرتاه...فلن أعود الى العراق

وهل يعود

من كان تعوزه النقود



نهران سماويان ،وبلد يطفو فوق بحيرة من النفط ويقال عنه ارض السواد لما فيه من . غابات للنخيل ،وهكذا يعاني شعراءه وأدباءه في المنفى ،آه..آه من هذا البكاء الشعري الذي قتل السياب في منفاه .

ُ.وأنت تأكل اذ تجوع،وأنت تنفق ما يجود

به الكرام،على الطعام؟

لبكين على العراق

فما لديك سوى الدموع

إن النتاج الشعري للشاعر بدر شاكر السياب كتب بعضه في المنفى ، وكانت .غربة السياب عامين فقط حتى وفاته وان قصيدة (غريب على الخليج) للسياب هي أنشودة المنفى العراقي ،وقد نالت هذه القصيدة الحفظ من اغلب الشعراء والفنانين،حتى ذهب بعض المطربين الى لحنها وجعلها أغنية ترددها الشفاه العراقية داخل وخارج الوطن.

ميره الشطوره
22-07-2011, 10:55 PM
وطوبى للغرباء !!