PDA

View Full Version : إلى الشعوب العربية التي لم تبدأ ثورتها بعد



محمد حمدي
25-02-2011, 07:01 PM
إلى الشعوب العربية التي لم تبدأ ثورتها بعد

الـــريـــــاح
____________
كان صباحًا صحْوًا، حينَ وجدتُ القُمْقُمَ بينَ الكُتُبِ
لغْزٌ برّاقٌ تتطاحنُ داخلَه الأرياحُ بغضبِ
جاهدْتُ لأفتْحَه قَسْرا فاسْـتعْصى، واستدعى عَجَبي
أنَّ الأرياحَ بداخلِه أخذتْ تتشكّلُ كالسُّحُبِ
واصْطنعتْ وجْهًا، كلّمني في صوتٍ كفحيحِ اللّهَبِ
قالتْ: "فلْتُرْدِفْ أسْئلتي بجوابٍ وافٍ مُقْتَضَبِ"
"إنْ أنتَ أصبْتَ ستملِكُني وأُريكَ القوّةَ عَنْ كَثَبِ"
"أمّا إنْ أخْفقْتَ فوَيْلَكَ: لنْ تَجِدَ مكانًا للهَرَبِ"
فاسْتهْوَتْ لُعْبتُها نفْسي، أنْصتُّ بقلبٍ مُرْتقبِ
"هلْ تعْرفُ بُلْدانًا تقْلبُ رأسَ الأشياءِ على عَقِِبِ؟"
"الدّينُ تراه كإ رهابٍ، والجَهْل كنوزًا مِن ذَهَبِ!"
"ضيَّعتِ الماضي والحاضرَ والآتي بضميرٍ خَرِبِ!"
"يطْعنُها الأعْداءُ فَتَغْرَقُ سكْرَى في اللهوِ وفي الطَرَبِ!"
"هلْ تعْرفُ شعْبًا مُنْقادًا يعْبُدُ تَمْثَالا من حَطَبِ؟"
"أطْعمهمْ ذُلا من جوعٍ، آمنهمْ موتًا من رُعُبِ!"
"هلْ تعْرفُ أحياءً موتى يبْدونَ كألواحِ الخشبِ؟"
"يمْشونَ بسلسلةِ القهْرِ إلى اللقْمةِ في وادي النَّصّبِ"
"ما معنى الخبْزِ لمقتولٍ؟.. ما معنى العزّةِ يا عربي؟"
أًلْجِمْتُ ولمْ أَسْطِعْ قَولا، فانتفضتْْ تضْحكُ في صَخَبِ
وانفجرتْ تنتهكُ القُمْقُمَ واللّحْظةَ وجميعَ الحِقَبِ

مقطع من قصيدة "الرياح"، من ديوان انتهاك حدود اللحظة
محمد حمدي غانم، 2000

محمد حمدي
27-02-2011, 02:01 PM
ثــــورة الأخـطـــاء

شَجَرَ البرْقُ، وزأرَ الرّعْدُ، ونَخَرَ البرْدُ عظامَ الليلْ
والرّيحُ تَصَاعَدُ إيقاعًا، والرعْبُ سيفْتتحُ الحَفْلْ
تعْدو الأشياءُ، وتَصْطفقُ الأبوابُ ويَحْتَدِمُ الهَولْ
تتناثرُ كتبي، أقلامي، أحْلامي، وبقايا العقْلْ
يتبعْثرُ أنْفي، أذنايَ، وعينايَ، وصمْتي والقَولْ
تتمزّقُ رُوحي، وضلوعي والنبضةُ وفؤادي الكهْلْ
وأنا في الريحٍِ كعُصْفورٍ لا يملِكُ ريشًا أو ذيْلْ
تتصارخُ حولي الأشياءُ وتَنجرفُ إلى وادي الثَّكْلْ
تتبدّدُ أعْشاشُ الطيرِ وتتمرّغُ هاماتُ النخْلْ
تتدحرجُ جُمْجمةُ السلبيّةِ لتدكَّ حصونَ النّملْ
تتطايرُ مُدُنُ الأخطاءِ وتنفجرُ فقاقيعُ الجَهْلْ
والناسُ جميعًا في هَلَعٍ تنقذفُ كحبّاتِ الرملْ
تتطوّحُ آلامُ الشيْخِ، رُؤَى الشّابِّ، وبسْماتُ الطّفْلْ
تسْتدْعي السُّحْبُ صواعقَها وتصبُّ على الأرضِ الويْلْ
يخْترقُ المطرُ الجدرانَ وتتطاحنُ أنيابُ السَّيلْ
ويُزمجرُ طُوفانٌ شَرِهٌ لا يتْركُ حَرْثًا أو نَسْلْ
تَحْتدمُ براكينٌ غَضْبَى وتُقهْقهُ وتدقُّ الطّبلْ
ويُدمْدمُ زلزالٌ أرْعنُ ويرجُّ العالَمَ في خَبْـلْ
تنْتفخُ الكرةُ الأرضيّةُ تنْفجرُ شظايا كالمُهْـلْ
تنتهكُ الأرْياحُ اللّحْظةَ، وكأنّا في يومِ الفَصْلْ

مقطع من قصيدة "الرياح"، من ديوان انتهاك حدود اللحظة
محمد حمدي غانم، 2000

محمد حمدي
04-03-2011, 10:39 PM
ثـــورة العقــل

لمْ يَعُدِ العالمُ ما كان ولا عمْري عادَ كما كانْ
أشْلاءُ الكُرةِ الأرضيّةِ تتناثرُ عبرَ الأحْزانْ
وأنا مقتولٌ، أجزائي تسبحُ في عشْرةِ أكوانْ
أنفي تغْفو فوقَ حذاءٍ، عينايَ بوجْهِ الشّيطانْ
أذْنايَ بِوَادي الآلامِ، ورُوحي في أعْمقِ بُرْكانْ
ثغْري ما زال يلوكُ الأشعارَ ولا يلْقى اسْتحْسانْ
قدمايَ تدِبّانِ على شوْ كِ التّرحالِ بِلا أوطانْ
ويدي يَبِسَتْ حولَ بقايا أملٍ مقطوعِ الأَشْطانْ
ذاكرتي تَتفطَّرُ حُمَمًا تُؤْري نيرانَ الوجْدانْ
قلبي يتعلّقُ بمدارِ فَتاةٍ قتلتْها الأشْجانْ
عقلي.... مهلا!.. يتساءلُ عقلي عن ماذا صرْتُ الآنْ!
هلْ أناْ في أنْفي؟.. في أُذُني؟.. في عيني؟.. في كلِّ مكانْ؟
أمْ أنّي شَبَحٌ؟.. يا ربّي!.. شبحٌ؟!.. هلْ إنْسٌ أمْ جانّْ؟!
شَبَحٌ؟؟.. أتحرّرْتُ أخيرًا؟.. كيفَ وذا عقْلي الخَرْفانْ؟!!
"ابْعُدْ يا ابنَ الوهْمِ وإلا لذبحْتُكَ مثْلَ الخِرْفانْ!"
فارْ تعبَ، فرُحْتُ أُطاردُه أتضاحكُ مثلَ الصبيانْ
فوجدْتُ القُمْقُمَ في وجْهي، يَبْرُقُ بجميعِ الألوانْ
لمْ تَكُنِ الرّيحُ بداخلِه، مفْتوحًا مهْجورًا كانْ
فوقفْتُ هنالِكَ مذْهولا، والصّمْتُ على كوني رانْ
فتسلّلَ عقلي بجواري يَنْزَغُ: "فَلْتَدْخلْه الآنْ"
"القُمْقُمُ لغْزٌ مسْحورٌ رحّالٌ عبْرَ الأزْمانْ"
"ماذا سيكونُ بداخلِه؟.. كَنْزٌ، أمْ حُلْمٌ ولْها نْ؟"
"أشْعارٌ، أمْ حوريّاتٌ تتناثرُ فوقَ الشُّطْآنْ"
"لا شيءَ لديْكَ لتخْسِرَه!.. سِرْ هيّا.. لا تَبْـقَ جبا نْ"
أغْراني، فدخلْتُ القُمْـقُمَ، فانغلقَ بدونِ استئذانْ!
وانطبقَ عليّ ليسْحقنَي، وأنا في أشْنعِ إرْنانْ
تتفتّتُ لو للأشْباحِ ضُلوعي، فَتَئِنُّ الأحْزانْ
أتوهّجُ أنفجرُ شظايا تَتَرَهْرَهُ فيها النّيرانْ
أتبخّرُ لأصيرَ رياحًا تَتَخبّطُ بينَ الجُدْرا نْ
أنْتهكُ اللّحْظةَ مُنْتظرًا أنْ أنْسفَ دنيا إنسا نْ!

المقطع الأخير من قصيدة "الرياح"، من ديوان انتهاك حدود اللحظة
محمد حمدي غانم، 2000

ــــــــــــــــــــــــــــ
الأشْطان : جمع " شَطَن " وهو حبل البئر أو الدابّة.
تتفطّر: تتشقق.
الحُمَم : جمع " حُمَمَة " وهي كلّ ما احترق من النار.. أو الرماد. أمّا " الحِمَم " : فهي جمع " حِمَّة " وهي المَنيَّة ( الموت ).
تؤري: تشعل.
الإرنان : الصراخ.
تترهره : تَرَهْرَهَ السراب : تتابع لمعانُه.