PDA

View Full Version : أرشيفُ المعذّبينَ في الأرض.



قس بن ساعدة
28-09-2010, 09:06 PM
..
http://www13.0zz0.com/2010/09/28/16/737517880.jpg
..

لكلِّ شيءٍ خُطوة أولى ، حتى للعذاباتِ ...

... وفي الطريقِ من الفردوسِ إلى التيه كانوا يتسَاءَلون ماذا ستفعلُ السنابلُ بقمحٍ كانَ من المفترضِ أن يكونَ لهُم ؟

وماذا ستفعلُ الدوالي بعنبٍ لم يُخلفوا يوماً مواعيدَ قِطافِه ؟

وكيفَ ستنتفخُ أرغفة غيرهم على وَهْجِ تنانيرَ بنَوْهَا هُمْ على عَجَلٍ من طينٍ وماءٍ كأعشاشِ الدوريّ الصالحةِ لتزاوجٍ واحد ؟

وكيفَ لناياتٍ أوجَدُوها من قصبٍ لم يكنْ صالحاً إلا لمُشَاكسةِ الريحِ ، أن تحبلَ بهواءٍ خارجٍ من غير رئاتِهم ثم تلدَ أنغاماً من سِفاح ؟

وماذا ستفعلُ الطيورُ إن عادتْ ولم تجِدْهُم وهي التي ودّعتهُم في لعبةِ فراقٍ و لقاءٍ يتعاقبان كالليلِ والنهارِ فلا يُخلِفُ أحدٌ موعِدَه ؟

وكيف سَيُسْلِمُ الحمامُ هديله لغيرِ الذين أشبعُوه من فُتاتِ خبزِهِم ؟

وكيفَ سيميّزُ الغرباءُ بين قطعةِ أرضٍ وأخرى ، فللنازحين مقاساتٌ لا يتقنها قومٌ غيرهُم ، هم الذين يقيسون المسَافة بالخطوةِ ودقاتِ القلبِ ...

هم البسطاء كماء المطر ، المركّبون كحكايا الريح في قيثارات الرعاة ...

هم المادّيون المترقبون للفوارقِ بين حساباتِ الحقل وحساباتِ البيادر ، والروحانيون كصلوات العجائز لا تعرفُ من الدنيا غير ملامحِ قاطنيها لكثرةِ ما تتكررُ الأسماء !

هم حاملاتُ الجرار إلى النبعِ قبلَ أن تعرفَ المنازلُ استعطاءَ الماءِ من أنابيب ... ذاهباتٍ خِماصاً ... عائداتٍ بِطَاناَ ... في دورةِ ريٍّ تعلموها وعلّموها ... ورثوها وأورثوها ... فسبحان من خلقَ كلّ حيِّ من ماء ...

هم العشيرة كلها تتكاتف على عشيرةٍ أخرى في " طوشةٍ عربٍ " ينهيها الاجاويد بفنجانِ قهوةٍ عربيّة أيضاً ...

هم الشيوخُ ... يستيقظُ الفجرُ فيجدهم قد سبقوه لقيام الليل ... والرجالُ يتعثرُ الصبحُ فيهم مزروعين على درب الحقل قبل أن تهتكَ الشمسُ أسرار الأشياءِ من حولهم ...

فيهم قطاع الطرقِ ... واللصوص ... ورهبان الليل ... والعُبّاد ... والزهادُ ... والغانياتُ ... والقانتاتُ ... والجاهلاتُ ... والعارفاتُ ... والقبيحاتُ ... والفاتناتُ ... الكنعانياتُ الممسكات بتلابيب القلبِ بحبلِ الغنجِ ... المتضوعات بالزيزفون ... السارقات حمرة شقائق النعمان لخدودهن ... القابعات في خدورهن ... فيهم العقلاءُ ... والكرماءُ ... والبخلاءُ ... والشجعانُ ... والجبناءُ ... والتقاةُ ... والعصاةُ ... والحماةُ ... والحفاةُ ... والرعاةُ ... فيهم كل ما خلق الله من ورى فوق الذرى


هم الذين كانوا أثناء ممشاهم إلى التية يظنون أنّها لن تكونَ خطواتِهم الأخيرة على هذه الأرض ولكنّها كانتْ !
لم يحفلوا كثيراً بمراسيم الوداع ، ولم ينثروا الخبزَ وراءَهم ليهتدوا بفتاتِه حين يرجعون ، فقد كانوا يحفظون الدربَ عن ظهرِ قلب

حملُوا ما يكفي لفراقٍ قصيرٍ فقط ، غير أنّ الأم اكتشفتْ في منتصفِ الطريقِ انّها في لحظةِ ارتباك تشبّثتْ بالوسادةِ وتركتْ الطفلَ في السرير ، فلمْ تسمحْ لهم حكايا الموت الجماعي التي قصّها الناجون الذين دبّر القتلة طقوسَ نجاتِهم بمراجعةِ كل التفاصيلِ الصّغيرة !

هم الخارجون كرهاً من أرضٍ لم يبقَ منها إلا حكايا جداتٍ ، وحفنة ذكريات ...

صبيّة
28-09-2010, 09:11 PM
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/176566844.jpg

"تَحت جنْحِ هذهِ الكِذبات جاءوا، وليَقُصُّوا هُم إفكَهم"سبقَ وأنْ جرَّبتُمْ العيشَ في ظلِّ سماءٍ قانيةٍ -من قبلُ- أيَّها الناس؟
كانَ الأمرُ مُريعاً جداً في "برزايتايك". رائحةُ المطَّاطِ المُحترقِ في الجوّ، الأغبرةُ التي تُعجِزُ التنَّفسْ، التنفس الذي ما حظينا بهِ يوماً قطُّ . كانَ المكانُ يشعركَ كما لو أنَّ أخطبوطاً من نارٍ قد انبثقَ من مكانٍ ما وبدأ يُجهِزُ على النّاس وتمتدُّ أذرعتهُ لتأخذَهم إلى الموتِ، وكلَّما هاجوا صرخ بهمْ خسئتم! كنتُ أتلفَّتُ حولي هلَعاً ضامرةَ القلبِ أبحثُ عن شيءٍ لا أدري ما هو!. متخبّطةٌ كغريقٍ لا يجدُ قشَّة. أكثرُ من مئةٍ جَرحى، وأكثرُ من سبعينَ قتلى. كنتُ أجريْ في الزقاقِ وأناديْ أحداً ليساعدني على نقل أبي إلى مكانٍ آمن، لكنَّ أحداً لم يسمعني.. أحداً لم يفهمني، نسيتُ بأنَّ لغتنا هي مزيجٌ متهالِكٌ من لغتهمْ ولغتنا، وبرغم جلبةِ الموتِ العظمى هذهِ استمرُّوا –كما في السابقِ- ينظرون إليَّ بازدراءٍ بسبب ملابسي ووشاحيْ.
كان ينقُصُ فقط أن يرفَعُوا يافطاتٍ قماشيَّة مكتوبٌ عليها: ممنوعٌ التنفّسْ. ما كانَ يُمكِنُ لأحدٍ منَّا البقاءَ في هذا المكانِ الذي إن أردنا الخروجَ فيه من بيوتنا فعلينا انتظارُ عقربِ الساعةِ أن يُشيرَ إلى وقتٍ غيرُ محظورٍ التجوُّلُ فيهِ، وإن خرجنا فـ محظورٌ فيهِ علينا دخولُ المتنزّهاتِ والأحياءِ الأرستقراطيّةُ والمطاعِمُ –كما لو كُنّا نملُك ثمنَ الطعامِ فيها حقّاً- والمدارسْ. كانَ حراماً علينا السَّيرُ في الطرقاتْ، هذه الطرقُ التي عملنا كالعبيدِ لكيْ ننشئها، ثمَّ قدْ حُرّمت علينا، وكان لزاماً علينا أن نقبلَ بأنْ يأخذُوا حقّ أطفالنا في التعلّمِ والحياةِ والتحضّر لمستقبلٍ أفضلُ من حاضرنا –نأملْ-. لم يكُنْ مقبولاً بأيّ شكلٍ من الأشكالِ أن نظلّ في بلدٍ يحتقرنا الناسُ فيهِ لأنَّنا نرتدي ملابسَ لا تشبهُ ملابِسهمْ، ونضعُ القبّعاتِ والأوشحةِ على رؤوسنا، ونتحدَّثُ بمزيجٍ من العبريةِ وبعض مفرداتٍ يستخدمونها. كانوا يرَوْنَ أنَّنا شرٌّ لا بُدَّ من التخلّص منه ، في حين كنّا نراهم شرّاً لا بدّ منهُ، فلا مكان آخرُ يؤوينا.
نسيتُ ما أتَوْا بهِ ضدِّي، وبقِيَ السؤالُ يطحنُ برحاهُ أفكاري، ملحَّاُ موجعاً لا يرحمُ: كيفَ نظلُّ في بلدٍ، يموتُ اليهودُ فيهِ أو ينتحرون؟
شريدُون كُنَّا، تلوكنا الألسُن ونصمِتْ، تعتكرُ رؤانا فنُطرِقْ، لا لأرواحنا مستقرٌّ ولا لأجسادنا، مكلومونَ يُحرقونَ أرواحنا بتهكّماتهم المستمرّة ومنعهم عنَّا كلّ حقّ يحتاجه كلّ "إنسانٍ" ليعيش، وحين لم يكتفوا بذلك.. أحرقوا أجسادنا. ليُقرّروا من بعدها: الطردُ لهذه الفئة الضالّة. وهكذا كان.
كان يوجعنيْ سيري في الُّطرقاتِ أتلفَّتُ خشيةً من أن يُسمَعُ صوتُ الجوعِ في معدتيْ، أخجلُ أن أمدَّ يديْ علناً فأسرِق! الجُوعُ كانَ متأهّباً للفتكِ بنا في كُلِّ وقتٍ من غيرِ أن يستأذِنَ أو يغضَّ الطرفَ عن أحدْ، وكان يستأنِسُ بنا كما لو كُنَّا طريدَته الفاخِرَة. وإن لم يُفسِدُ الجوعُ شيئاً أكلت أجسادُنا الحمَّى وتشعَّبت فيهِ تُبشِّعُ وتُدمِّرْ. كثيرُونَ كنتُ أراهُم ملقَوْنَ على جوانبِ الطريقِ وفي الأزقَّةِ مُغطَّونَ بجرائدَ قديمة، ويُعرَفُ بأنَّهم أمواتٌ من الرائحةِ السيِّئة المُنتشرةِ في المكانْ، ينامُ النَّاسُ –كانوا- وفلا يصحُونْ، يجُوعونَ ولا تدخُلُ لقمةٌ قاسيةٌ لأمعائهمْ تسترُ ضعفهم وفاقتهمْ. وتسألني لِمْ؟
حينَ تضطّرُ لأن تكون جرذاً يهرِّبُونه من خلالِ البالوعاتِ لأسبابَ خفيَّة. حين يتمُّ تحويلُك إلى مجرّد بضائعَ وسِلعٍ يشحنونها في السفنِ والقطاراتِ كما تُشحَنُ الأشياءُ والرسائلُ، مكدَّسةً بعضها فوقَ بعضْ. حينَ تعيشُ معفَّراً بالموتِ كلّ لحظة، حينَ أدفعُ ابنتيْ بإرادتي للشارع أن اذهبي وتسوَّلي وإيَّاكِ أن يلحظَ أحدٌ بأنَّكِ يهوديَّةٌ، وأظلُّ أنتظرُ من بعدِ ذلكَ خبرَ موتِها صدفةً، أو أنتظرُ منها أن لا تَعودْ. حينَ تصيرُ كسرةُ الخُبزُ أغلى منَّا، ويصيرُ الحصولُ عليها ضرباً من الخيالِ. حينَ تفتحُ المقبرةُ فاها على مصراعيهِ لتستقبلنا هامِدينَ ناحلينَ عظاماً تكسوها الجُلودْ، يموتُ المترفونَ من فرطِ التغذية ونموتُ من سوئها، حينَ تصيرُ عرباتُ نقلُ القمامةِ عرباتِ نقلِ الموتىْ في أحيائنا، ويؤجَرُ حامِلوها ما يكفيهم لشراءِ الكِسرْة. حينَ يُجنُّ البعضُ من الفاقةِ ويركضُ خلف جثّةٍ ليأكُلَ منها، فيخرّ صريعاً بجانبها. حين تضطر للتنصلِ من اسمكِ وعرقكِ ودينكِ ومذهبك وكُلِّكَ فقط لتنجُوَ من براثنِ الموتِ المُحدِقِ بكْ، حين تكرهُ اليهودَ الذينَ أنتَ منهم وتصير مُلحداً، حين يكُونُ لكَ اسمٌ مشتركٌ مع كلّ الناس، وإن نودِيتَ من قِبلِ من لا يشتركُ معكَ بالديَّانةِ فإمَّا أنتِ سارةُ وإمَّا أنتَ إسرائيل. حين تعيشُ مرغماً مع أسرةٍ واثنتينِ وثلاثةٍ في غرفةٍ صغيرة تتسع لكم بالكاد، حينَ تُجرِّبُ قدرَ استطاعتكَ أن لا تكونَ ثلجاً تصهرهُ النيرانُ ولا حطباً تأكُلها، ولا تنجَحْ. وتسألني لَم؟.
خرجنا من هُناكَ بجذورنا التي لم تنغرس يوماً في تُربةٍ تخصّنا، وقالُوا: سيغرسوننا وأبناءنا القادمينَ وسنتجذَّرْ. فصدَّقنا مرغمينْ. كانت أحلاماً حُلوةً تلفعنا كما تفعلُ شمس القهر بنا، نجرّبُ البحثَ عن "البردِ" ونلملِمُ شعث أرواحنا ونجرّبُ أن نجد درباً لا يُصادفنا فيهِ أحدٌ ، إلانا.

قس بن ساعدة
28-09-2010, 09:14 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/828474411.jpg
..

بأيّ لغاتِ الأرضِ أكتبُكِ أنتِ الخارجة من وطنٍ لفظته المجرّة عن مداره في لحظةِ ارتباك كونيّ ، وحين أرادوا إعادته وجدوا المدار مغلقاً ، والوطنُ مشمعاً باللون اللون الأحمر ومكتوبٌ على بابه : " يُمنعُ دخولُ الغرباء " .

يا غريبة ...

ثمة أبوابٌ نأتيها كلّ نوبةِ حنينٍ طامحينَ أن نطرقهَا بأناملِ الفقدِ ، وحين نجِدُهَا مُوصَدة نكبرُ على عتباتِهَا ونشيخُ دفعةً واحدة ... وحدَهَا الذكرياتُ تخبرنا أنّ خلفَ البابِ أشياء جديرة بالانتظار ...

يا غريبة ...

كانَ لا بدّ من منفى لِنُدركَ حجم الفاجِعَة ، وقيمَة أشياء كنّا نظنها جزءاً مملاً من حياتنا فإذا هي حياتنا كلها ... وسنوات طويلة من الصّداقة مع الزّيتونِ ، والزّعترِ البرّي ، وضَوءِ القمر ، وزُرقةِ البحر ، انهَارتْ في لحظةٍ واحدةٍ ... كم هي خائنة تلكَ الأشياء التي تيّمتنا وكنا نظنُّ أننا تيّمناها بدورنا فاكتشفنا ذات خديعة أنّها لم تكن سوى بائعة هوى تمضي مع من يدفع أكثر ... ماذا ندفع الآن نحنُ الفقراءُ كما ينبغي ... التعسَاءُ كما يستحقُّ الذين لم يسيّجوا أوطانهم ...البؤساء كما يليقُ بالذين قاسموا خبزهم وزيتهم مع كلِّ عابرٍ دون أن يسألوه من أين أتيتَ وإلى أين تمضي !

وفي المنفى اكتشفنا كم نحنُ طاعنينَ في الهزيمة ...
وأكتشفنا أنّ من خلعوا عنه وطنَه يستحيلُ أن تسترَه خيمَة ...
واكتشفنا أنّه يلزمنا سنواتٍ طويلةٍ لنجيدَ الاستعطاءَ ، وسنواتٍ أطول لنألفَ الخيبة !
من أصحابِ حقولٍ إلى متسولي طحين ، وفي الخيام يكبرُ الكلُّ على الهمّ ويتكاثرون ويتوراثون ضيَاعهم ، وعلى حبّاتِ العدسِ - هبة شهود الزور على الفاجعة – يعيشون ...
يُطلقون الرصاص عليكَ بيدٍ ويُلقِمُوكَ الملعقة في فمك باليد الأخرى ثم يربتون على كرامتك ويقولون لك : كم انتَ جديرٌ بالذل !

صبيّة
28-09-2010, 09:18 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/610989344.jpg
..


أعرفُ بنتاً صغيرةً حُلوة; يومَ عرفتُها.. فتحتْ عينيْها.
البنتُ الصَّغيرةُ حيرى، حولَها نِصفُ عُتمة، ونما لها جناحانِ كبيرانِ ما تحرَّكا أثناءَ وقوعها باستِقامَةٍ وتؤدةٍ نحوَ الأرضِ من أعلىْ، البنتُ الصّغيرةُ ترتدِيْ فُستاناً لا تملِكُه ولا تعرِفُ من أينَ أتىْ، قبّتهُ بيضاءَ مُكَشْكَشَةْ، كُمَّاهُ طويلانِ يضيقانِ جداً عندَ الرّسغِ ويلمُّ شعثهما سوارانِ قماشيّانِ بيضاوانْ، جنزاريٌّ غامِقٌ هذا الفستانُ يصِلُ حدَّ رُكبَتيها، ولو أنَّهُ كان أقصرَ بسنتيمترين اثنينِ لقالتْ بأنَّهُ كان فُستاناً "قصَّةً فرنسِيَّةْ".
ترتديْ حذاءً أسودَ لا يرتفعُ عن الأرضِ أبداً، لهُ قطعةٌ جلديَّةٌ تُنقَلُ من اليسارِ لتلتصقَ باليمينْ، فيظهرُ من تحتِ القطعةِ الجلديَّةُ لونُ ما كانت ترتديِهِ من جوراب. البنتُ حيرى: أين أنا؟
تلامس قدماها الأرضَ لِتنتَفِضَ من حولِها العُتمةُ وتنخسِفْ، كُلُّ هذا وهمْ، فالبنتُ الصغيرةُ الحُلوةُ لم تمتلك هذا الفستانَ أو تعرِفْه، ولم ينمُ لها جناحا فراشةٍ عملاقانِ لا يتحرَّكانْ. تُحسُّ ذلكَ ولا تفهَمُه. تسيرُ في لجّةِ فراغْ.
لكنَّ البنتْ ..
البنتُ الصغيرةُ قامَ أحدٌ بكشطِ ذاكرتهاْ، فنسيتْ كُلَّ شيءٍ كان قدْ مرَّ بها قبلَ اليومِ الذي استَيْقَظَتْ فيهِ على صوتِ والدتها تقولُ لها: "قُومي يمَّه يا "شريفة". قُوميْ يا حبيبتيْ. هلكيت بيجي خالِكْ". وكانَ الوقتُ ظُهراً. والبنتُ لا تتذكَّرُ أيَّ شيءٍ حدثَ قبلَ اليومِ الذي أوقظتهُ فيها "تمام".
البنتُ تبكي. تحسّ أنّها نقطةُ حبرٍ قدْ سقطتْ من محبرةٍ سَهواً، وسيجفُّ ماءُ صبرِها وتعلقَ في المكانِ ذاته. تبكيْ، يربتون على رأسها، يقرصون خدّيها، يسرّحونَ لها شعرها ويربطونه بشَبَرٍ أبيض، طوقٍ أبيضْ، تبتسمُ البنتُ وترفعُ رأسها، تتلفَّتُ، لا تراهُمْ، لا يزالزن يربتون على رأسِها ولا تَراهُمْ. تغرورقُ عيناها.. تلمحُ دُخاناً.
البنتُ الحُلوةُ تُمسِكُ بيدِ خالِها، وترتدِيْ أجمَلَ ما لديهاْ، والدتها مُتعبةٌ ولا تريدُ أن تذهبَ إلى "العُرسِ" معهما، برُغمِ أنَّ "آل باكير" هُم أهلُها، وأهلُ "أبُو عودِة" هُمْ أقرباؤها و"نسايبها"، والحاجّ "أبو إسماعينْ" كما لو كانَ طُهرُ قلبه وزُهدُه الدنيويُّ يُخبرانِهِ بأنَّ الموتَ مُحدِقٌ، فسمحَ "لشريفةٍ الصغيرَة" أن تذهبَ مع خالها إلى العُرسِ في "قِبيَة" ، سمحَ لها بالكادْ.
البنتُ الصغيرةُ الحُلوَةُ تُمسِكُ بيدِ خالها، النّاسُ يبسملونَ ويُصلَّون على النبيِّ لمرآها: شِكِلْها زيّ الألمانيَّات مش هيك ياخَالْتِي؟. البنتُ الصغيرةُ جدائلُ شعرِها من الشَّمسِ، وتُحسُّ بأنَّ بحيرتينِ تترقرق على أديمهما انعكاساتُ شمسِ تشرينِ، دامعتينِ إلَّا قليلاً، تتدفَّقانِ، يوم تنظرُ لوجهها. البنتُ الصغيرةُ حولَها ناسٌ وبناتٌ وأغنياتْ، البنتُ الصغيرةُ في الدَّارْ، الأغنياتُ تطلعُ من الدَّارْ، البناتُ يلعبنَ حولَ الدَّارْ، الأنوارُ تنطفئُ في الدَّارْ، صوتٌ لم تعرفهُ البنتُ من قبلُ تسمعه، صوتٌ يقولُ لهُ الكبارُ قصفْ، صوتٌ يقولُ عنهُ الكبارُ تفجيراتْ، صوتٌ تسببه قنابلٌ ومدافع هاونْ، والطرقُ كلَّها في الخارجِ ألغامْ، تبكي البنتُ الصغيرةُ والناس يتخبَّطُونْ، والنوافِذُ تُدخِلُ هواءً مُمتزجاً بنارْ، البنتُ الصغيرَةُ تبكيْ وتبحثُ عن وجهٍ تعرفه، تسمعُ صوتَ القصفِ من جديدٍ. الدَّارُ تبكي أيضاً، تبكي حجارةْ، الدُّورُ في الخارِجِ نُسِفتْ. دُكَّ قلبُ البنتِ ودُكَّتُ الدُّورُ، والبنتُ الصغيرةُ الحُلوةُ الوادِعةُ تصيرُ طيراً.
أمّي؟ المسافةُ بعيدةٌ إلى الجنَّة؟
** ** **
قبلَ أن يُتوفَّى أبيْ، جعل بَصْمَتَهُ في زَاويةِ ورقةٍ، وكتبَ لنا فيها كلاماً، قامَ بطيِّها وأودَعَها لنا في ظرفٍ ومعَها مِفتاحُ دارِنا، وأوراقاً تحكي عنْ جنَّاتٍ أرضيَّةٍ نقولُ لها "بيّاراتْ". وبعدَ أن تُوفيَّ أبيْ، كانَ الحُزنُ هوَ الميراثُ الذي جُعِلَ نصيباً لكُلِّنا. لم نحزَنْ لفُراقه بل على العكسْ، زغردتْ نِساؤنا كثيراً وتلألأ الدّمعُ في عُيونِهنَّ كما تتلألأ الأقمارُ على أديِمِ الماءْ. زغردنَ كثيراً، وغنَّينَ، وكانت –أحياناً- تتلاحقُ أنفاسُهنَّ وتخونهنَّ.. فيظهرُ الغناءُ في أبهى أشجانِهْ; حينَ توفّيَّ " تاجُ روسِنا" لم نبكِ، لأنَّهُ دُفِنَ بثيابِهِ ودمِه، ولُفَّ وجههُ "بالحطَّة" التي كانَ برتديها دوماً دُونَ "العقال"، ولم نبحَثْ عن الوصّيةِ التي فيها كلامْ، كلامٌ يقولُ بأنَّ البيّاراتِ لأحمَدْ وفلاحْ، والدَّارُ لآمنة وشريفةْ; نسينا هذا الكلام، لأنَّ اليهودَ جاؤوا وأحرقوا البيّاراتْ! ولم نبحَثْ عن مفتاح "الدّارْ" لأنَّ الدارَ عادَتْ –في غُضونِ ساعاتٍ- حِجارةً مُتكسِّرة.
- الله، طيّب يابا، وإحنا كمان، بنكدرش نرجع ولاد زغار هلكيت، زي ما رجعت دُورنا حْجَارْ وطوب؟

قس بن ساعدة
28-09-2010, 09:20 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/990447391.jpg
..


عنْ صَبرا وشاتيلا ، وصِغارٍ كتبوا أرشيفهم بالدم قبلَ أن يتعلمَ أطفالُ العَالمِ الكتابَة
عن حواملَ بقرُوا بطونهُنَّ وسجّلُوا بالأجنّةِ أهدافاً في مرمى رسمُوه على جدارٍ
عن أمهَاتٍ نجَوْنَ من الذبحِ ليمُتْنَ كلّ يومٍ ألفَ مرةٍ بسكينِ ذاكرةٍ مشحونةٍ بالفقدِ
عن آباءَ آخرَ ما رأوه من الدُنيا رؤوسُ أبنائِهم متدلية على صُدورِهم
عن جثثٍ لم يعثرُوا لها على أهلٍ ، وعن أهلٍ لم يعثرُوا على جثثِ أحبتِهم ولو يلوّحُوا لهم بأيديهم مودِّعين ولم يتسِعْ الوقتُ لقبلةٍ أخيرةٍ
عن عائلةٍ دُفنتْ في قبرٍ واحدٍ من فرطِ المحبّةِ
عن شجرةِ الدَّارِ شربتْ من دمَاءِ أصْحَابها حتى ثملتْ وهل التوتُ هناكَ إلا هذيانُ الأشجارِ على الراحلين ؟!
عن جُروحٍ ينكؤها الحَمَامُ كلَّ مساءٍ وهل هديلُ الحمامِ هناك إلا تأريخٌ للمذبحة ؟!
عن فناجينِ القهوةِ لمْ تكملِ الجَاراتُ قراءَتها فقد خنقُوا أحاديثَ البنِّ على شفاهِ الفناجينِ
عن البئرِ يحنُّ للعجائزِ يغمِسْنَ دلالهُنَّ في صفحةِ الماءِ ، فاتناتٍ يضَايهنَ وردة نرجسٍ متعبةٍ رغمَ أنهنَّ لم يعرفنَ من الوردِ سوى الشَّوكِ وأكاليلَ يلقيها زوارُ القبورِ عليهم كلّ عامٍ مرةً واحدةً تصادفُ ذكرى المذبحة
عن أرغفةٍ خبأتهَا الأمُّ في جنحِ العتمةِ لزومَ وجبةِ الفطور فتغمَّستْ بدماءِ من ناموا يحلمُون بلقائِها على المائدةِ صبيحة اليوم التالي ...
عن المطرِ يتآمرُ مع الجناةِ فيغسِلُ دماءَ الضحايَا عن وجوهِ الجدرانِ في الأزقة
عن الداليةِ البيضَاءَ التي شربتْ من دمِ ابنِ الثلاثةِ أعوامٍ فلمَّا تفتقتْ عن عنبِهَا في العام التالي جاءتْ القطوفُ حمراءَ
عن موتٍ خبرُوه دونَ إثمٍ اقترفوه

عن وطنٍ ضربُوا معه مواعيدَ فماتوا على مرمى حجرٍ منه

صبيّة
28-09-2010, 09:23 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/635798440.jpg
..

بحقّ ضحكاتنا البائدَة ، وجريِنا خلف بعضّنا وقدّنا قمصانِ بعضنا بعضاً في الحارات القديمة، بحقّ كلّ الجروح والخدوش في أقدامنا ورُكبنا ، الجروح التي برئت ولم يُمحَ أثرها، بحقّ عينيكَ البكّاءتينِ العشبيّتينِ ، وبحقّ أعواد البوظة الملطّخة ببقايا منها ممتزجةٍ بالتّراب، بحقّ كل عود سلّمناك إيّاه طائعينَ راغبين، وبحقّ كلّ الخطوط السوداء المتعرّجة التي ارتسمت على ذراعيكَ العاريتينَ في الأيام التي انقضت من أجل الظفر ببضع دقائق من (الغمّيضة) . بحقّ (دَوري) في ركوب أرجوحة القماش المعلّقة بين شجرتي التين العملاقتينِ في دار أمّ أحمد، دوري الذي كنتُ أتخلّى لكَ عنهُ كلّما أحسستُ أنَّ نورساً سيهوي في البحيرتينِ الدّامعتين ملتقطاً بمنقاره بؤبؤ عينكَ الذي كان يتسع كلّما زارهما كمد. بحقّ كل توقي إلى إيجادك مختبئاً في البرميل البلاستيكيّ المنزوي قربَ قنّ الدجاجاتِ اللائي طاردناهنَّ طويلاً وكثيراً رغم كلّ شتائم الصبيّة المشلولة التي كنا نسمع صوتها ولا نراها. بحقّ السّوارِ في يُسراكَ، سوارُ "علمِ فلسطينَ" الذي استبدلهُ أطفالُ اليومِ بسوارِ (نايك) يستحيلُ الأبيضُ فيه رمادياً، سوارُكَ الذي يمتقع الأسودُ فيهِ ببقعٍ بنيّةٍ مشبعة بعطرِ جسدك. بحقّ كلَّ الكُرات الزجاجية التي دحرجناها على الأسفلت القديمْ، بحقّ شعرك الأشعث الكثيف، والأيدي التي امتدّت إليهِ تربت أو ترتّب. بحقّ كلّ كلمات السخرية التي كنت تنعتني بها منقصاً من قدري وهيبتي أما صبية الحارة وبناتِها، فقط لمجرد أنني "بنت" . بحقّ كلّ ما لا تتذكره، اغرب!. غادر رأسي، أريدُ أن أنامَ. أريدُ أن أرسُمَ كوناً أحلىْ.
صوتُ الطائراتِ المحلّقةِ فوقَ الدَّارِ يُمكِنُ أن يتسبّب بأزمةٍ نفسيّةٍ لولا أنّني أغمِضُ عينيَّ –كلّ مرةٍ- وأقولُ: هذا شلالْ. هذا صوتُ شلالٍ يندفعُ فيه الماءِ سريعاً، يسقطُ للأسفلِ فلا ينتهي الماءُ ولا سقوطهْ، هذا شلالْ. الطائراتُ من بعيدٍ تبدُو طيوراً أليفة، كنتُ أرسمها على أوراقِ مُسطَّرة، مأخوذةٌ من دفاتِرَ قديمَة، وأوزّعها على الصّغارِ –الفتيَة- إذا ما مرُّوا بنا مع أمّهاتهمْ يزورونْ. لكنَّني توقفتُ عن رسمها وتوقفتُ عن توزيع الرّسوم عليهمْ، لأنَّ الطائرات صارت مصدرَ فزعٍ لأكثرهمْ، صارُوا إذا سمِعوا صوتَ طائرةً قريبةٍ تهدَّجت قلوبُهم وشعرتُ بها "تنشلعُ من مُطرَحْها"، ويتشبَّثُونَ بأمّهتاهم وأياديهُم الصغيرةُ تشدُّ على الثَّوبِ والعباءَة، وصوتُ صراخهمْ يعلُو: يَمَّه، بدّيش أمُوتْ. فأجري إلى جُوَّا الدَّارِ وأحتضنُ القرآنَ وأنا أبكيْ، أقولُ : يا ربِّ لا تجعل من أجسادِنا حُطاماً كأرواحنا. يا ربِّ أكرِمْنا بأن نُدفَنَ قطعةً واحِدَةً في رحلتنا البرزخيَّةِ إليكْ.
وكريمْ، صارَ إذا ما شاهدَ الدّفاتر يخافْ، يُحجِمُ عنّيْ، يقولُ لأمّهِ بأنّه يكرهني لأنَّني أرسمُ طائراتٍ تخرجُ من الورقِ لتقتل النّاسَ و"تُخرّب على الصّغار" ألعابَهُم التي يلعَبُونها في الحيّ. يُزعج أمّه كثيراً ويطلبُ منها أن تمزّق رسومي، لكي تنشطر الطيَّاراتُ نصفينِ فلا تخرُجَ من أوراقي إلا شوهاءْ. كريم .. جاءَ ذات يومٍ طرقَ باب دارنا وهربْ، شاهدتُه لأنني كنتُ أنشرُ الغسيلَ في "الحوش"، واستغربتُ. لكنَّني حينَ شاهدتُهُ وقف على مقربةٍ من البابِ كما لو كانَ يُراقِبْ، ذهبتُ وفتحتُ البابْ، وجدتُ حفنةً من أوراقٍ مُسطَّرةٍ موضوعةٍ على العتبةِ وفوقها حجارة، وفيها رُسومْ. أخذتها. كانَت رُسومٌ لعصافيرَ مُشوَّهة، مناقيرها مكسورةٌ أو أحدُ الأجنحةِ فيها أقصرُ من الجناحِ الآخرْ، ورسومٌ لورودٍ لا يُمكِنُ أن تحتمل سيقانها الرفيعةُ الضعيفةُ حجم بتلاتِها المفرودِ بهذا الشكلْ، وصورٌ لأراجيحَ معلّقةٌ حبالُها في أسطواناتٍ ما دُون زرافيل، أو بين شجرتينِ لا ينبتُ مثلهما في كلّ فلسطينْ، وصُورٌ لقططٍ تأكلُ من أطباقٍ، وأخرى لفتياتٍ صغيراتٍ يتجمَّعنَ وأياديهنَّ مفرودة، يُذكّرنني بلعبةِ "دُور يا صحنَ السُّكَّرْ"، ولعبةِ "وردِة مفتحة، ودة مغمَّضة" ، تنمُو تحت أقدامهنَّ وُرودٌ زرقاءُ وصفراءُ وحمراءُ وسوداءُ، وأخرى ببتلاتٍ تحملُ كلّ بتلةٍ في الوردةٍ لوناً، وبقربهنَّ أيائك وردٍ تلوَّنتْ كلّ وردةٍ فيها بلونْ، يرتدينَ أحذيةً رقابُها طويلة وفساتينهنَّ قصيرةٌ، وأكثرهنَّ شقراوات! وصورٌ لسماءَ زرقاءَ كمُحيطٍ في عزِّ الظّهر، لا غيمَ فيها ولا طائراتْ، خالية إلا من رُبعِ الشمسِ يُطلُّ رسمُها في الزاويةِ ولونها فاقعٌ جداً. الرسومُ –كما بدا لي- لم تكُن من رسمِ كريم وحدَه، لأنَّ تعرّجات الخطوط فيها تشي بأنَّ أكثر من يدٍ قدْ شاركت في الرسم، أيادٍ أعمارُها مختلفة، لكنّها لم تزِدْ عن الخامسة عشرة، ولمْ تقلّ عن الخامِسَة، ولَّما رفعتُ رأسي، كان كريم لا يزال واقفاً، لمحتُه، وحين رآني صرخَ مُحتدَّاً بأعلى صوتِه: بتشوووفي، والله لنُرسم الحريَّة!
وهربْ.

---

تُريدُ أن ترسُم؟ بحقّ الله .. خُذ أصابعي.

قس بن ساعدة
28-09-2010, 09:24 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/676713109.jpg
..


باسمِ الأسيراتِ ماتَ المُعتصم !
باسمِ الأمهاتِ تبشرُهُنَّ القابلاتُ بمجيءِ العبواتِ النّاسفةِ
باسمِ الآباءِ يزرعونَ أبناءهم كالزيتونِ ثنايا الأرضِ المُقدَّسةِ
باسمِ الحافلاتِ المشطورةِ نصفينِ في شوارع تل أبيبٍ صارخةً باللهبِ " أنْ بُوركَ من في النارِ ومن حولَهَا "
باسمِ القدسِ يرطِنُ الفِرنجة في أرجائِهَا لغتهُم الثقيلة طوالَ النَّهارِ ليطبِّعُوهَا ، وفي الليلِ تنقلبُ عليهِمْ ، وتفتحُ بريدَ الشَّوقِ لقحَْطٍ وعَدنَان ، وحينَ يأتونَ صَباحاً ليمتحِنُوها ، تقولُ لهًم : " قل أعوذ بربِّ الفلق " ! فيتأففون من هذه المدينة الغبية !
باسم عكا تحاصرُ البحرَ
باسم يافا تصرخُ بالبرتقال : " لسانُ الذي يُلحدونَ إليهِ اعجميٌّ وهذا لسانٌ عربيٌّ مبين " .
باسم المسجدِ الأقصى يزعمونَ أنّه يطَأ على رأسِ هيكلهِم
باسم الضفةِ أرادها الخونة غصنَ زيتونٍ فصارتْ عبوةً موقوتة أخفتْ عن الجميعِ مواعيدَ انفجارِها
باسمِ غزة ، لم يعرفِ التاريخُ قبلها مدينة جائعة تُقاتل ، باسمِ جوعها تحوَّلتْ مزاريبُ الماءِ هناكَ إلى صواريخ
باسمِ حجرٍ أصم ما إن تمسَّه يدُ الصغارِ حتى يصيرَ من سجيلٍ
باسمِ " يعْبُدْ " أحراشٌ شربتْ من دمِ عزِّ الدينِ القسَّامِ فتحولتِ الأشجارُ إلى قناديل
باسم رائد أغلقوا البرَّ بوجهِه فامتطى صَهوة البحرِ ... اعتقلوه ... الاغبياءُ فاتهم أنَّ اقفاصَ العالمِ كلها لا يمكنهَا اعتقالُ صوتِ عُصفور
باسمِ نبي الأميين ظَهَرَ فدانتْ له العربُ ثم اخلفتْ وصاياه فلم تعدْ تشدُّ الرحالَ لمسراه
باسمِ سورةِ الإسراء تجمّعَ القتلة لتمارسَ فيهم الضحية ثأرها على مسمعٍ ومشهدٍ من حجرٍ وشجرٍ فلم يعدْ يصلحُ الإختباء
باسم الغرقد شجرٌ تعلَّم من البشرِ الخيانة
باسمِ نخلِ بيسانَ يوشَكُ ألا يثمرَ فيخرُجَ الدجال
باسمِ بحيرةِ طبريا تروي ظمأ يأجوج ومأجوج
باسمِ " اللدِّ " ورمحِ ابن مريمَ وموعدٌ لختام الحكاية
باسم المسيحِ يُحرِّزُ عبادَ الله إلى الطور
باسمها كلها حرفاً حرفاً ، حجراً حجراً ، شجراً شجراً ، بشراً بشراً ، " إنَّ فيها قوماً جبارين "




*ملاحظة :
باسم بإثبات الألف بحسب سيوبه والخليل تؤوّل ب نيابة عن او انادي او اخص
بسم باسقاط الالف لا يصح ورودها الا في معرض البسملة

صبيّة
28-09-2010, 09:27 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/17/841515289.jpg
..

..
وتجيءُ امرأةٌ من بلدي، تدقُّ البابَ، تريدُ أنْ تقرأ لغزَّةَ طالعها، وغزّة الحُلوَة المُهندمةُ تحزنُ، وتبتئسُ لأنَّهمْ قطَعُوا لها يدها عقاباً لها –قالُوا- على كلِّ الضحكاتِ المسروقةِ من الكونِ ، الضحكاتِ التيْ لم تضحكها وخبّأتها للأيّامِ السُّود! المرأةُ من بلديْ بجلبابها الدَّاكن، وتجاعيدِ وجهها الحزين، كفّيها ترفَعُهُما وتدعُو: يا ربّ، إنتَ عارفْ. وتمضِيْ.
تعرِفُ حينَ يكونُ الصُّبح مُجرَّدَ عتمةٍ بيضاءَ مغسُولةٍ بالنُّور؟ أخبرتُهم بأنَّ الصّبحَ عُتمة أخرىْ، وسرعانَ ما ستصيرُ أيَّامنا ليلاً مستديماً، وبأنَّنا سنتعلَّمُ كالأكفَّاء الأكفياءِ كيفَ نمشيْ، ونأكُلُ ونسيرْ، سيصيرُ ثمنُ العصيّ الخشبيّة غالياً ، تماماً كما كلّ شيءٍ يكتشفونَ حاجتنا إليه! وسنخجلُ بلا سببٍ منطقيٍّ من عدم استطاعتنا الرؤيةَ من حولنا، ستصيرُ الشمسُ أسطورةً تتناقلها الجدَّاتُ بدلاً من حكايةِ "الشاطرِ حسَنْ"، وبدلاً من قصّةِ الصبيَّة الحُلوةِ "جبينَة"، يحكينَها لأطفالِ العتمة، ويُخبرنهمْ بأنَّ كلَّ هذهِ العتمةُ، محضُ نور قد اتّسخَ ببعضِ العابرينَ منّا من خلاله، وبأنَّ النُّورَ قبل أن يتّسخَ كانَ حلالاً علينا الإسرافُ فيه، والتمتّع فيه، لكنَّنا صرنا نكذّبُ ونقولُ بأنَّهُ النبيذُ الذي حُرِّم علينا، والباحِثُ عنهُ خارجَ القطاعِ آثِمْ.
سنقولُ بأنَّ اللهَ منحنا قلوباً صيّرناها حجارةً لحمايتها من الحرائقْ، وأنَّنا نسينا أنَّها قد تنكسِرْ، فما تعلَّمنا كيفَ تُصنَعُ الجبائرُ، وأنّها تنكسِرُ وتنكسِرُ وأنَّنا نواظبُ علىْ التألّم بسكينة، مخبّئينَ أوجاعَنا وانكساراتنا عن النَّاسِ التي تريدُ أن تتفرَّج، نخبّئها كالفقيرِ العفيفِ الذي تمنعهُ عزّةُ نفسِهِ من سؤال النَّاسْ. سنقولُ للصغارِ في القطاعِ بأنَّ الكهرباءَ كانت شيئاً ثميناً جدّاً حدَّ أنَّ الكثيرين قُتِلُوا في مُحاولةِ الحصول عليهِ، وأنَّ توليده كانَ يحتاجُ لأكثرَ من رُوحٍ، كان يحتاجُ أن تنطفئ حياةٌ في سبيلِ إشعالِ نورِ حيواتٍ أخرى. أنَّ الذين تفجَّرت بيوتُهمْ وتنشّقُوا دُخاناً قاتلاً في نومهم لم يكُونوا مستهترينْ، كانُوا يُجرّبُونَ "الحياةَ" فقطْ. أنَّ الأمَّ التي دعت على بنتِها المُشاكِسةِ الشقيةِ في فورةِ غضبٍ أن "يقصُف عُمرِكْ إلهي" لم تكُن تعرِفُ بأنَّ "غزَّةَ" هي "ابنتها" أيضاً، وبنتُ قلبها، فهِلَعتْ يومَ "قُصِفَ عمرُها" ونسيتْ شُروطَ استجابةِ الدُّعاءْ!
تعرفُ حينَ تصيرُ العُتمةُ وحشَة؟ كالعُشَّاقِ نُشعلُ شمعاً ونراقبُه يذوبُ .. يذوبْ، ونحدّث أنفُسنا بأنَّنا نحبُّ هذا الوطنَ المعتم، وللوطنِ قلبٌ مُحبٌّ أيضاً يغفِرُ زلّاتِ "الطّينِ"، زلاتنا، أليسَ يسمحُ لنا بأن ندوسَهُ دون أن يعترض؟ وهذا عُرفُ المُحبّ! تعرفُ حينَ تصيرُ الحياةُ نقمة؟. حينَ تختارُ أن تعيشَ مُحايداً فيتبعُكَ الأذى برُغمِكْ؟ تعرفُ حينَ يسربلكَ الغضبُ فجأة ويحيق بك ظلمٌ وحزَنْ، فتصرخُ مجلجلاً أن : تباً لكَ أيُّها الوطن؟ لا، لا تُجرّب يوماً أن تنعتَ وطنكَ بالفظِّ ناسياً أنَّكما تشتركان –لا بُدَّ- بالعواملِ الوراثيَّةِ، إذْ خُلقتُما من طينةٍ واحدة!.
تعرفُ حينَ تصيرُ أنتَ "شيئاً" لا يُمكنُ الحفاظُ عليه بسببِ الظُّروفِ السيّئةِ والأولويَّاتْ؟ شيئاً كالطّعامِ، يحتفظونَ بهِ وبكَ في ثلاجاتٍ، لكنْ.. لا تصلها الكهرباء. يفسدُ الطعامُ ورائحتُكَ الزكيَّةُ –يا شهيدُ- تنقذكْ، يرمون بهِ في القمامةِ ، ويودعونكَ مقبرةً جماعيّة، تعرفُ هذا؟ حين ينطفئ قلبُكَ مع انطفاءِ آخر شمعةٍ تملكها، وتذوبُ أفراحُ عينيكَ وأنت ترى أطفالك يذبلون ويتأفّفونَ ويُحجمونَ عن كُتبهمْ، لا يريدونَ أن "يتنوَّرُوا" بسببِ انعدام النّورِ في القطاعْ؟
تعرفُ حينَ تنامُ على صوتِ القصفِ، وصوتِ المولّدِ الكهربيِّ الذي يعملُ في واحدةٍ من زوايا منزلكَ، فتغمض عينيكَ ونبضُ قلبِكَ يشي بخوفٍ يرفعُ من حرارةِ إيمانكَ حدَّ الحُمَّى! فتدعُو، وتدعو، وتسهبُ في ذلكَ، وصوتُ القصفِ وصوتُ المولّد يطغيانِ على صوتِ القنبلةِ الموقوتةِ في صدركَ، فتحمدُ الله على ذلكَ. تغمض عينيكَ لتنامَ، فيمرُّ شريطُ حياتكَ محاذياً للشريطِ الحدوديّ للقطاعِ، تنغمسُ روحكَ في البحرِ وتتحرَّر وتنغسلُ من أدرانها البشريَّة التي لا بُدَّ منها، يمرُّ شريطُ حياتك المنصرمةَ أمامَكَ مُحاذياً للشريطِ الساحليِّ، وكأنَّ العلاقةَ ما بينَ الحياتينِ طرديَّةٌ جداً، فتقلق، وتدعُو بأنْ يكفَّ اللهُ الأذى ويدحرَ اليهودَ واحداً تلوَ الآخرَ، وتتذكّرُ شريطاً –ثالثاً- كان قد مرَّ أمام ناظريكَ مكتوبٌ فيه: تزايد عدد الشهداء في قصف إسرائيلي شرق مخيم جبـ .. ..
تعرفُ حين يصيرُ القلبُ بحراً؟ غائراً جداً وغميقاً ، والكلّ يرمي فيهِ ما يريدُ التخلّص منه ظانّاً بأنَّ البحر يأخذ الأشياء بعيداً أو يغرقها، فيسترها؟ تعرفُ حين رميتُ بجثّة هذا الوطن –آيِساً منهُ- في قلبي؟ طفت جثّته على السطح! وأبت إلّا أن تفضحَ حبّي إيّاه! وأبت إلّا أن تخبرهم بكم أحبُّه، وكم خبّأته فيّ سنيناً طويلة! فيا قلباً راعتْهُ الخيْباتُ: خبّئ "هذا الوطنَ" في نواصِيكَ جيّداً، وخبّرنيْ -ما عُدتُ أعرِفُ- من فينا -ثلاثتنا- الشريدْ؟
وتعودُ امرأةٌ من بلدي، تدقّ البابَ، وغزَّة الحُلوةُ المهندمةُ تبكيْ متقرّحةٌ عيناها، تسألُ من خلف الباب: مين؟. تردُّ المرأةُ: أنا. ومن خلفِ البابِ، منَ "العينِ السّحريَّة" تبصرُ غزَّةً امرأةً في يُسراها أكياسٌ سُود، تسألها عنها، فتردُّ المرأةُ بأنْ معها مراهمُ لحرائق القلبْ، وقد دلَّتها الأدخنةُ المتصاعدةُ على شيءٍ يحترقُ فجاءتْ، ويشتعلُ قلبُ غزَّةً وتبكي أكثر، يشتعلُ ناراً ويحترقُ أكثرُ ساكنيه، تبكي غزَّةُ إذ: هل يُجدي شيءٌ في علاج قلبٍ لا زالَت حرائقه مشتعلة؟
غزّةُ الحُلوةُ البارّة ، جفّفي دموعَكِ، نامي.

قس بن ساعدة
28-09-2010, 09:28 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/16/425545004.jpg
..


الحِصَارُ آخرُ فلسَفاتِ بني العربِ
أنا والغريبُ على أخي وأنا وأخي غريبَان
.
.
وخلفَ الجدارِ غزّة...
دعُوها وشأنها ولا تهتِكُوا سترَ الصمتِ حولهَا
لا تجرّبوا الدخولَ إلى هناكَ ولو في الحلم
شوارعُها ليستْ مُعبّدة بما يكفِي لتليقَ بأحذيتكُم
ودمُها الذي لا يكفّ عن النزيفِ قد يُلطّخ ثيابكُم
لا تقرأوا كتبَ الشَّافعيّ كي لا تتذكروهَا
أوصِدُوا النوافذ بوجهِ الريحِ فقد يأتي محمّلاً برائحتِهَا رغماً عن حرسِ الحدودِ
ولا تستمِعُوا لحكايا البحرِ، فالمراكبُ هناكَ لا تصلحُ لتكونَ بريدَ شوقٍ
لا تُخبرُوا أولادكُم عنها كي لا يواجهوكم بأسئلةِ الأطفال المُحرجة
ما الذي اقترفته غزة كي تتركوها وحدَها ؟
ومن يشتري للأطفال ثياب العيد وقد فقدوا آباءهم ؟
وكم عدد أضلاعِ المُثلثِ في حصَّة رياضياتٍ على صوتِ هديرِ الطائرات؟
وهل يبقى الألفُ مستقيماً بالنسبةِ لطفلٍ لم يشبعْ بما يكفي على وجبة الفطور؟
وما وجه الخلافِ بينَ الزواحفِ والبشر الذين فقدوا أطرافهم؟
وأي عينٍ تُغمضُ المرأة التي فقدتْ عينها في الغارةِ الأخيرةِ إن أرادتْ أن تُدخل الخيطَ في الإبرةِ لترتأ ثيابَ أولادها ؟
دَعْكُمْ من حكاياهَا الفارِغة
دَعْكُمْ من ترميمِ مساجدِها فأبراجكم تحتاجُ إلى كلّ حبةِ إسمنت لتناطح السَّحاب
سُدوا آذانكم بالقطنِ عند مواقيت الصَّلاةِ فصوتُ الآذانِ هناكَ حزينٌ بما يكفي ليفطرَ القلبَ
وفّروا شُحَنَ الدواءِ فستنتهي صلاحيته على المعبرِ وهو ينتظرُ إذنَ الدُّخولِ
ولا بأسَ بالأكفانِ فالأقمشة تعمّر طويلاً ولكن لا تنسوا أن الشهداءَ يُكفنون بثيابهم
دعكم من يومياتها الرتيبة
في غزة ما يكفي من حباتِ العدسِ لتصمدَ يوماً آخر فاستريحوا
وما يكفي من موتِ الأطفالِ لتصبحَ فصولُ الدراسَةِ أقلّ اكتظاظاً فوفروا أقلام التلوين
اتركوها لجرحِهَا
اتركُوها تُذلّ جلاديها وتُعلمهم أن الدمَ حادّ بما يكفي ليجرحَ السَّيف
وأنهم يحتاجونَ لجيلٍ جديد من المركافا فالجيلُ الأخيرُ اخترقته العبوات الناسفة أيضاً
اتركوها تقاتلُ وحدَها فالقتالُ يا بني قومي من فروضِ الكِفاية .

صبيّة
28-09-2010, 09:33 PM
..
http://www10.0zz0.com/2010/09/28/17/790327684.jpg
..



وثلاثٌ مررَنَ أيّتها الجيداءُ منذُ ألبسُوكِ العقدَ الشّائِك، ثلاثٌ مررنَ يا غزَّةَ مُنذ صِرتِ الجميلةَ التي لا يطالُها أحدٌ، الجميلةُ المحبوسةُ في أراضٍ مُشيَّدةٍ لا يُحرِّرُها طولُ "الشِّعرِ" ولا حُسنُهُ، ولا قُبلاتُ الأمراء ورغباتُ أصحابُ الجاهِ في الدُّولِ والممالِكْ! ثلاثٌ مررنَ وأنتِ معتكفةٌ تصلِّينَ ويُجرِّحكِ العِقْدُ الشائكُ حول جيدِكِ أيتها الحُلوةُ الجيداءْ.
وفي الرَّابعةِ جاءَ أيَّارُ وقلتِ: ستُرتق علّاتُ قلبي، سأتذَّوقُ طعمَ الحياةِ من جديدٍ، ولكنَّهم، لم يسمَحُوا لكِ –حتَّى- بشمِّ رائحتها. وأولادُكِ الجياعُ قالُوا سنشبع. وأطفالُكِ الصِّغارُ قالُوا: سنلعبْ. وأهلُكِ المرضى قالُوا: سنُشفى. والصّبايا قُلنَ: نغنّي في عُرسِ الحُريَّة. فما شبعوا، وما لعبوا، وما شُفِيتْ جراحاتُهم، وصارُ العرسُ المنتظرُ عزاءْ. وحينَ بكيتِ "غرَقَ الحُرّيةِ" نكأتِ القديمَ من جروحِهم بغيرِ قصدٍ، فكبَّرُوا. وأثرتِ ما رُكِنَ في ذاكرتهنَّ نسياناً: فزغردنْ.
جاءَ أيَّارُ يا غزَّةَ وجاؤوكِ محمّلينَ بعُرسِ الحُريَّة، غاليةٌ أنتِ و"الغالي يرخص لك"، جاؤوكِ ليُعطوكِ ما باعتقادهم قد يُرضيكِ، مأكلٌ ومشربٌ وملبسٌ ودُمىً ودواءْ، قالوا: ستبتهجُ غزَّةُ من بعدِ طولِ حرمانٍ، ستصلّي للهِ شُكراً، وستدعُو للهِ عُمراً، وستزدانُ بالصحَّةِ من جديد،ْ غيرَ أنَّكِ ما ابتهجتِ بعدُ يا حبيبةَ الفؤاد، وبدلاً من أن تصلكِ هداياهُم، شاهدْتِهمْ عصافيرَ صاروا يحلّقونَ في سمائكِ، أرواحُهم جاءت إليكِ وما جاؤوا. وكانَ أيَّارُ آخرُ مواعيدهم مع الزمَّنْ. وخلَّفوا من بعدهم حسراتٍ ودمعاتٍ تُغرَقُ في البحرِ يشربها ويغصُّ بها، خلّفوا من بعدهم جثثاً حيَّة مُنكسرةَ القلبِ والخاطِر اقتيدت –قسراً- لميناءِ أسدودَ لتُعذَّب بشيءٍ من كلام، وتُسلبَ شيئاً من كرامة، وتُذلَّ بسببِ عظيمِ ذنبها. وما كان ذنبُها إلا أنَّها جاءتْ إليكِ، كُرمى لعينيكِ.
فنُكّست الأعلامُ، وغرقت الحريَّةُ في البحرِ مع الهراواتِ والسكَّاكينِ والعصيِّ والفؤوس، وسالَ الدَّمعُ قهراً وكمدَاً من قبلِ أن يُطلقَ الغازُ المسيلُ للدَّمعْ، وصوتُ العيارِ الناريِّ انطلقَ يُجابه عرض البحر، يتزامنُ مع صوتِ تلاواتِ الفجرِ والضحى وما بينهما، ويتزامنُ مع أصواتِ الضّاجّينَ في الشوارِعِ يعتصمُونَ ويتظاهرونَ ويُنادونَ: أيُّها السلام، أيتها الحريَّة! يتصدَّوْنَ لكُلِّ من قالَ عنكِ "دامِسَةْ". والطائراتُ –كانتْ- في الأعلى تدافعُ عن نفسها من أرواحِ الفلسطينيينَ التي جاءت تُحاربها في عرض السَّماءِ تريدُ قتلَ أسياد الدَّم! فاقتصَّت المروحيَّاتُ من الحريَّة التي جاءت مُحمَّلةً في سفينة، تاركةً في جسدها كدماتٍ وويلاتْ. تُصدّقين؟ ما كان أشدَّ ذنبَ أرواحِ شهدائنا!
وشاهدتُهم في حُلمي أيَّتها الحُرَّةُ الجيداءُ; أطفالٌ صغارٌ يحمِلوُن في أياديهم "أقلامَ طباشير"، أبيضٌ وأصفرٌ وأخضرٌ وأحمرٌ وأزرق، وشرعوا يتراكضون صوب الميناءِ من حيثُ لا أدري، لا يراهُم أحدٌ ولا يرَوْنَ أحداً، يصطدمون بالنَّاسِ فيتخلّلونهم وينفذون من خلل الأجسادِ لا تمنعهم عن مواصلةِ العَدْوِ يا غزَّة، والطبشور في أكفّهم الصغيرةُ لوَّثها، وجناتهم ملوَّنةٌ ، ثيابُهم، وأرصفةُ الموانئ.
شرعوا يتجمَّعون وهديرُ البحرِ يحثّهم على المضيِّ في رسمِ ملامِحك الحُلوة، فيرسمونكِ بالطبشورِ والبسماتْ. يتكسَّر الطبشورُ وتحفُّ الأصابعُ أرصفةَ الموانئ مع تضاؤل حجمِه، تظهرينَ حُلوةً ويتمدَّدون على الرصيفِ بُقربِ رسمِكِ، يرفعون أياديهم نحوَ السَّماءِ متابعينَ الغيمَ والعصافيرَ والشهداء.
أطفالٌ صغارٌ يا حُلوةُ وقفُوا، نمت في ظهورِهم أجنحةٌ وحلَّقُوا صوبَكِ يا حُرَّةْ. والبحرُ من تحتِهم يعلُو هديرُه. يُلملمونَ الوردَ من وجنتاهم ويقذفونه في البحرِ قربَكِ، ليزهُوَ ويتلّّون بالربيعِ والحياةِ من بعد ما سُلب الوردُ من وجنتيكِ، والحياةُ من راحتيكِ، ويعلو الهديرُ، ويعلو. تعرفينَ كيفَ يسرِقُ البحرُ الهديرَ منَّا؟ ويُبلّلُ الأجنحةَ فيُصيّرها مهيضة مبلَّلة بالعجز؟ كذا فعَلوا. سرقُوا من البحرِ الهدير المسروقَ ، وبلّلوا أجنحة الحُريَّةِ ثُمَّ اعتقلوها. وتكسَّرتْ قُلوبٌ –يا حُرَّةً- وما كُسِر الحصار.

صبيّة
28-09-2010, 11:18 PM
..
كان هذا أرشِيفُهُم ، حرفاً حرفاً صَاغُوهُ، منهم الدَّمُ ومنَّا الحِبْر، مِنْهم بياضُ الأكفانِ ومِنَّا بياضُ الوَرَقْ، هل يستويان؟*

***

ثُمَّ أنَّنا: انتهينا.

زهلول
28-09-2010, 11:32 PM
حرامٌ عليكما هذا الإثم الذي ارتكبتماه هنا.
من الذي أيقظ الأوجاع على جرح مملّح!.
ليست هذه الصور صور قومي،
ولا الألم ألمي،
ولا الناس سكّاني،
كلّ ما في الامر أنه شُبِّه لي،
والحمد لله.


أوجعتماني حدّ القصاص.

القارض العنزي
28-09-2010, 11:52 PM
كعادتك يا أدهم باذخ حتى في حزنك
تبا للشعر أمام نثر بهذا الجمال

جابر عثرات الكرام
29-09-2010, 04:03 AM
http://www.albasrah.net/images/deserve/images/30616268002_jpg.jpg

هرقتُ الدمع مدرارًا ..

أبكي فيه نخوتكم ..

أنادي فيه عزّتكم ..

وعيني تحث الخطى لهفًا ..

لشيءٍ من مروءتكم ..

=================

جفّ الدّمع .. بُحّ الصوتُ ..

خاب الرجا فيكم ..

وبين ضلوعكم خنست ..

نفوسُ الذلّ والعارِ !!

Nada
29-09-2010, 08:13 AM
http://img822.imageshack.us/img822/1597/daisyd51.jpg




"

أمي اشتقت لك منذ الآن , أمي أرجوك لا ضرورة لموتي اليوم هل أستطيع البقاء بجانبك ؟ من سيطعمني هناك ؟ من سيهدهدني ويغني لي حتى أنام , أمي في صدري رصاصة , دام الأمر لحظة ولكن طويلة لم أسمع فيها سوى ضربات قلبك وصراخك وشيء ما شق طريقة يعنف إلى قلبي و نزع مني شيء كنت أظنه ملكي , أمي لا أستطيع الصراخ أو حتى الحركة , أمي ما كان هذا جزءا من قصصك التي تسمعيني إياها , ربما فصلا لم يحين أوانه بعد , كان كل شيء كما يجب أن يكون لطفل مثلي , كنت محاطا بذراعيك , بابتسامتك , وشعوري اللذيذ بهذا كله , خلل ما يحدث الآن , لا أرى سوى الظلمة , لا أسمع سوى صوتك تبكين يخالط صوتك وأنت تغنين لي كي أغفو , أصوات أخرى تصيح , ضميني أكثر أنا خائف , لا تخافي يا أمي من السهل أن أنسى كل شيء , فلم أكبر حتى أملك ذاكرة مزدحمة , صورتك فقط سأبقي عليها , و أعلم أن صورتي ستعجل بنهايتك ..
يا أنتم لا تنظروا إليّ هكذا ! ولكنني أنظر إليه فلا أستطيع أن أطرف بعيني دون أن أنسى ولو لثانية أنني أنظر إلى روح طفل أكثر ملائكية من الملائكة , لأنه جعل من الموت شيء يدعوا إلى البقاء , أزعم الآن أنني لن أفلح لأتجاوز رغبتي في الموت فخسارة طفل جعلتني أشفى من أيّ رغبة في الموت , ولكنني أعرف جيدا أن هذه الصورة ما زالت تسبب لي ألما يحرق عيني كما لو كنت أطالع لهيبا , أتخل تلك الروح حين أطالعه , وجهه الملائكي يجعلني أتخيلها , أستطيع أن أرى روحه فيه , ولكنني كنت شاكرة ربي أن تلك الروح من خيالي فقط ..
يزداد سعير اللهب في عيني كلما نظرت إلى هذه الصورة , شيء من تخبط ما يعتري مشاعري , أريد أن أصرخ , أن أحاول حمله وهزه عسى أن تعود الروح إليه , أتوسل كائن وهمي بأن يخفيها قبل أن أعيش ثانية أخرى مع تلك الحرقة في عيني , أدركت أن الصورة ليست من لهب بل ما ينبع منها , شيء ما ربما هي روحه كانت تدفنني معها في مكان ما , بدا لي هذا مثل مليون موت مضى لطفل مثله , يحاول أن يخبرني به عن طريق اللهب الحارق الذي يشق طريقة من الصورة داخل عيني , لينتشر مؤلما إلى حد يجعلني أخفي الصورة , وأهرب إلى أبعد مكان يمكنني من اجتياز رغبتي في الصراخ , في قول أشياء أندم على تلفظي بها , ما كنت أريد سوى ضمه إلى صدري , هزه لأتأكد أن روحه ما زالت عالقة برداء أمه , ليته لم يولد , ما كان وجودة كله يعادل هذا الألم الذي أشعر به وأنا أطالع صورته ..



"

Nada
29-09-2010, 09:12 AM
"

http://img175.imageshack.us/img175/3411/629685.jpg

تذكرت أمرا , أمرا بدا لي الآن وكأن خوفا بحجم مدفعية في قلبي يطاردني , صار الخوف معركة داخل قلبي , أسابق نفسي هربا من الموت , وان كنت أعلم أنني أمثل الطرفين في المعركة , وسيخسر أحدنا , إنه قلبي يركض الآن خائف مسرع صوب نبضته الأخيرة , حاملا حجرا من طين متيبس , أصابه تعرق كفي فابتل وتفتت , نفد سلاحي ولا أملك سوى حفنة تراب مبلول والقليل من النبضات , واحد وعشرون نبضة , وصوت يخترق أذني , ورعب يطاردني , ومعركة عليّ أن أخسر فيها وأربح , لست قادرا على جمع كل هذا في مكان واحد , أهرب , أركض , وكلها تطاردني , وقدمي أخذت تفقد الإحساس بأصابعها , أريد أن أجلس , أن أصم أذني بكلتا يدي , أن أجمع حجارة وليس طين , أن ألتقط أنفاسي المبعثرة على الأرض والتي كلما دهستها شعرت بأن حنجرتي تحترق , لا أملك وقتا لكل هذا والنبضة الأخيرة توشك أن تبدأ , سؤال بات يلح الآن هل سأنجو , لا أريد أن أنظر خلفي , هل أستطيع أن أجيب دون أن أصرخ ؟ أن أنظر خلفي فأتذكر كيف أعود للنظر إلى الأمام ؟ عيني ترى الخوف متمثلا في جميع ألوان الطيف وان كان ثمة لون ثامن لا أعرفه , صوت إيقاع ما ومعه صوت يردد قول كثيرا ما سمعته ولم يؤثر فيّ كما الآن , لا زلت أركض هاربا وكانت أصواتهم تلاحقني مثل سرب من النحل , كنت أدور في نفس الحلقة , هربت منهم في المؤخرة وإذ بي أصل المقدمة , تلك جنازة أبي , المعركة الخاسرة التي عليّ أن أخسر فيها أبي و أربح نسب ابن الشهيد ..


"

Nada
29-09-2010, 10:30 AM
"

http://img15.imageshack.us/img15/3949/mashallah7lx.jpg




لم يلبسني أبي هذا ويحضرني إلى هنا لتحقيق النصر كما أعتقد , جئت حتى أشهد مثل الأطفال الآخرين أنه على مر السنين كان أمرنا يخصنا نحن فقط , وكان آبائنا يطعموننا حب الوطن جرعات ألم حتى لا ننسى , فالألم لا يُنسى , على مر الأعوام كبروا يتناولون الألم جرعات محددة , أما هذا الفصل الأخير الصاخب , فقد شهد ولادة آلام أشد بأسا , فأصبحت الكمية أكثر من أن تُحتمل ..
جندي ينظر إليّ , أسمع أفكاره تقول : إن هذه الطفلة المدهشة , ويرفع بصرة تجاهي , لا أعرف ماذا ستكون حين تكبر , فوالدها يُطعمها التمرد , ويُلبسها ثياب تمثل خطر يهددنا , كان يسخر وان كان صوته يوحي كذبا بأن سخريته تلك تخيفه ..
أيها الجندي لو لم تسمح لي بأن أسمع أفكارك , لما كنت عرفت أنك تخشى حتى من طفلة تحمل مسدسا بلاستيكيا , وثياب تمثل درع مرن جعلك ترتجف , صحيح أنك تظنني مخلوقة مدهشة وضعيفة , ولكنك تخاف أن أكبر لأرتدي هذه الثياب وأحمل مسدسا حقيقيا , لا تخف فهذا ورثته عن آبائي , انه أمر وراثي ذلك الذي يسير فينا مجرى الدم , أمر وراثي لا يعترف لا بسن ولا جنس , ونحن نزداد عددا بتوارث هذا الأمر , فلست إلا واحدة من آلاف آخرين , يمكنك قتلي الآن ان كنت تريد ولكن ستحرقك حرارة الدم النابض في عروقي ..


"

Nada
29-09-2010, 11:03 AM
"


http://img42.imageshack.us/img42/3421/25585001260962244.jpg



الأرض , الأرض , وكأن تلك الشجرة يمكنها تثبيت الأرض , ما كان في حياتها سوى الأرض وشجرة تثبت لها تلك الأرض عن الدوران , تلك الأرض المحمية بشجرة من غصنين عاريين , غصنين قويين , لا يخترقهما سوى حضن أم فقدت أبناءها ولم تعد تحتمل أن تفقد شجرة وأرض , لم أعد أرغب حقا في التفكير في أشياءها الأخرى , هي تملك قوة لتحتضن شجرة وأرض , وأنا لا أملك ربع قوتها لأملك دقيقة للنظر إليها , أشعر أنها مسيطرة على الوضع تماما , لعل هذا الشعور إحساس كاذب بالأمان , هي لا تحتاج لأمان , هي تملك شيء أفضل بكثير من أمان كاذب أو مؤقت , لديها تدفق قوي من الاعتزاز والانتماء والمقاومة , شيء لن يستطيع أبدا أن يبعدها عن أرضها , فكما الأرض تعتني بالشجر فقد استوعبت جسدها والشجرة معا , شيء من اتحاد قوة ..




"

Nada
29-09-2010, 11:32 AM
"

http://img204.imageshack.us/img204/5580/610xye.jpg



ليتكم رأيتم كيف نبدو في أنظارهم مثل دبابير أزعجتهم فقاموا بتدمير عشها لترحل , عادة ما يهدموا منازلنا , وهكذا لا أحد يستطيع ردعهم , لكنني كنت واقفة أمامهم مستعدة , لم أصرخ نخوة أحدهم , ما من معتصم هنا , وهم يقفون منتظرين نفوق الطير وهي تأكل من أجسادنا الحية تحت الأنقاض , صرت أصرخ يا الله , يا الله , لم أعد أفهم ذلك الجزء الذي يمانع طلب المساعدة من غير الله , ولكنني كنت أفهم كيف هربت خوفا من أن يهبط على رأسي , هي غريزة البقاء قبل أي شيء آخر , وها أنا ذا أعود لأستعيد ذكريات كنت قد خبأتها من أجل هذه اللحظة , مشاعر أجلتها لأجل هذه اللحظة , لقوة جمعتها لأجل هذه اللحظة وفقدتها , سأذهب للوقوف أمام بيتي وأبكي , وأخرج كل تلك الأشياء التي خبأتها لمثل هذا الموقف , لأجمع عشر فروق فقط عن العيش في منزل حطمته دبابة , وخيمة ستحطمها زوبعة مطيرة ذات ليلة ..


"

معماري
29-09-2010, 12:03 PM
لله دركما ودر ابويكما ............. فلنبكي كالنساء وطن لم نحافظ عليه كالرجال

قس ..........صبية كونا بخير

cells
29-09-2010, 12:12 PM
و يحكم جميع و ويح اقلامكم المدججة بآلام اجترها اهلنا منذ سنين
و يحكم بقدر ما نزفت جروح قلوبنا على هذا النزف
و يحكم و تبا لكم و لنا على ماساة لا نملك ان نفعل لأجلها سوى البكاء و العويل
سوى دعوات صادقات مما تبقى من شيوخ العائلات
سحقا لكل حاكم امضى حياته مومسا لابن غرب ولد من الزنى
سحقا لكل قائد اناخ رقاب اوطاننا ذبحا بخيسا من اجل حفنة من دراهم و قليل من النساء
سحقا لكل وضيع كان سببا في سيل هذا النزف , و سيل تقرحات قلوبنا
سحقا لكل ماجنِ استخف بذرة تراب احتضنت دماء شهداء عزٍّ و افتخار
سحقا لهم جميعهم من الحياة الى الممات
سحقا لهم بقدر العار الذي يحيطهم
سحقا لهم بقدر ما عثرت نياق في الشام او بغدان, في نجد او في يمن, او في مصر او تطوان
سحقا لهم بقدر ما بكت الحناجر و جفت حلوق
سحقا لهم بقدر رفعت اكفُّ و قدر ما سجدت جباه
سحقا لهم بقدر ما كُتبت حروف
سحقا لهم بقدر يستحقون و اضعافا مضاعفة
سحقا لكل ما جاؤوا و راحو, و لكل من هو ميتٌ على قيد الحياة, و لكل من سيجلسون على عروش بطائنها من نزف جراحاتنا سحقا لهم ملوكا, رؤساء, قادة , مسؤولين ابناء قيح كوجوههم " لا استثني منهم احدا"

قس...صبية... ثم انثى الرماد
و يحكم بقدر ما احزنتمزني و احببت أقلامكم
اقبلوا قلبي ورقا لحرفكم... و دمائي حبرا لأقلامك... و جسدي لوحا تسطرون عليه ما شئتم انت تسطروا...

cells

مال
29-09-2010, 06:23 PM
هنا الوجع لا يموت

هنا الجرح مستفيق

بكل الالم المسطر هنا .... ليعش الجبناء وليخلد الشهداء

صبرا وشاتيلا صورة لن تنمحي من الم الذاكرة

من العار أن نطالب اليهود بتمديد وقف الاستيطان (( بتمديد ))

الم كألم الهجران ... دون أن نظر إلى الوراء

مصطفى الخليدي
29-09-2010, 06:44 PM
وإذالم يكن من الموت بد
فمن العار أن تموت جبانا
هناك حيث تخيم ظلال الموت في كل مكان
حيث لا مكان إلاللموت
حق لكل منكم أن يموت شامخا كالنخيل
ووجب عيلناالدعاء مادمنا لانملك سواه
شكرا لما سطر تم بحجم آلامكم وخذلاننا
شكرا لكم وإن البستمونا الحزن من رؤسنا حتى أخمص أقدامنا

بلا ذاكره
29-09-2010, 09:20 PM
http://www12.0zz0.com/2010/09/29/18/358993126.jpg

خذلها الجميع فشقت أحشائها لتطعم أبنائها ..
بقرت بطنها لتخبئ لهم بعض الزاد , وبعض الدواء , وشيء من ذخيرة تدفع به وجه العدو ..
هي التي عبثوا بجمال وجهها , وأحاطوها بعذابات الحصار , ثم أحرقوها بنار الكراهية ,
بينما وقفنا نتأمل اشتعالها , ونتابع اخبارها , ونتناقل جديدها ..
وحين يئست من كرم الجار , ونصرة الصاحب , ونخوة الوالي , أخرجت لهم من أعماقها مااستطاعت إخراجه..
كالأم تخبئ لأطفالها قطع الحلوى والسكاكر الملونة .. غير أنهم تنازلوا عن كل ذاك مقابل قطعة خبز جافة , أو غطاء دافئ في ليلة شتائية قارسة ..
بين نفق وآخر
يبحث أب بائس عن شيء يسكت به أفواه أطفاله ,
يصلب رجل عاجز طوله بلقمة يخطفها من شفاه الجوع ,
يفتش شاب ثائر عن رصاصة يغرسها في صدر جندى سلبه أرضه , وهدم بيته على مرأى منه , وقتل ذويه بين سمعه وبصره..
تلك الأرض التي نهبوا ما على ظهرها من خير , وسلبوا سنابل قمحها قبل أن يحط عليها طائر شارد , وجرفوا أشجار بساتينها التي انتظروا ثمارها عمراً جرفوها في دقائق معدودة وتركوها قاعاً صفصفاً .. دون أن يحفلوا كثيراً بأحلام الواقفين في ظلالها ينتظرون أن تنجب حبات العرق الساقطة من جبينهم ثمراً مختلف ألوانه ..
هي ذاتها من تجرح نفسها بعمق لتنزف لهم بعض ما يحتاجون دون مزيد استجداء لايجلب سوى الخيبات تلو الخيبات ..

جابر عثرات الكرام
29-09-2010, 09:46 PM
..
http://www.knoon.com/flash/data/media/1/Samt.swf
(http://www.knoon.com/flash/data/media/1/Samt.swf)

حلمٌ نقيّ
01-10-2010, 02:22 PM
إضافةً لما بدأ به الرائعون : أخي أدهم وحلوتي الرائعة صبية والرقيقة ندا ,,

http://www10.0zz0.com/2010/10/01/11/434652926.jpg

غزة , تلك المزعجةُ تعودُ في كل ثانيةٍ من الوجع , تحمل بحرها دمعاً وتستعين بالملحِ لكيِّ جراحها
:
أغلقوا آذانكم جيّدا ,,ً
ضعوا كثيراً من القطنِ فيها , حتى لا يتسرب صراخُ أبٍ فقدَ أطفاله إليكم فيفسدَ عليكم حفلةَ نانسي هذه الليلة !
جربوا أن تشغلوا أنفسكم بإرسالِ SMS إلى mbc فقد تربحونَ سيارةَ أحلامكم , ولا تنسَوا , كلما ضاعفتم الإرسالَ زادت فرصتكم للربح !
غزة ليست وكيلةً لأيِّ حلم , فلا تتعاقدوا معها , هي لن تجعلكم أصحاب ثروةٍ وجاه , ستملؤكم حزناً وبؤساً وأنتم يكفيكم ما أنتم فيه , حرارةُ الجو لوحدها تجعلكم غير قادرينَ على التنفسِ جيّداً فكيف ستصنعونَ مع مكانٍ كل أنابيبِ الأكسجين فيهِ مقطوعة !
لا , لا أنصحكم بالإقتراب
حمامٌ قصيرٌ سينعشكم من جديد , سيشعركم بنسمةِ الهواء اللطيفةِ حين تمرُّ بجانبِ أجسامكم فترتعشُ قلوبكم سعادة , وغزة سلبوها هواءها حين جعلوا الفسفور يتسللُ من تحتِ الأبواب ومن بين شقوق النوافذِ المكسورة ومن الأسقفِ العاريةِ أصلاً , إن الهواء في غزة يمدكم بالاختناقِ , وأنتم لازلتم تنتظرونَ حياةً رحبةً جميلة , فلا داعي للمخاطرةِ في حزنها الكونيّ

قد تغيّرونَ حالتكم الشعوريّةَ الآن إن شعرتم بسوءٍ ما , الـFace book كفيلٌ بهذا , تعرفوا على العالمِ يا أيها المترفون , كثيرةٌ هي الأشياء التي تستحقُ أن تمنحوها وقتكم , ما رأيكم بكأسٍ من الشاي ؟
ساخنٌ ولذيذ , سيريحكم جدّاً , وبالمناسبة لن تجدوه في غزة , إنها تحب القهوةَ بلا سكر , اعتادت أن تصنعها كذلك , فالشهداء حين يرحلون , يشربونَ من خمور الجنّةِ الحلوة ولا يحتاجونَ لسكرِ الحياة المالح
أرجوكم لا تشعروا بالحزنِ إن علمتم أن هذا الأب قد اشترى حقيبةً لابنهِ الذي سيذهب بعد شهرينِ للمدرسة , احملوا مفاتيح سياراتكم فأبناءكم ينتظرون حضوركم لكي تعودوا بهم إلى المنزل , قد يتأخرون على الغداء إن لم تسرعوا ,
في غزة التأخر لدقيقةٍ واحدة قد يعني نهايةْ , لأنَّ توقيتَ قصفِ الأباتشي لا يقبلُ عذرَ أبٍ تأخرَ قليلاً في عملهِ فمات ابنهُ على بابِ المدرسةِ منتظراً جنازته لا والده
تريثوا تريثوا ...
هل أنتم حزينون فعلاً من أجل هؤلاء الأطفال ؟
النسيانُ أمرٌ سريعٌ جدّاً والكتب التي ألفها أصحابها لينسى العرب كثيرةٌ جدّاً , فلا تقلقوا أبداً , تستطيعون الإستعانة بأحلام مستغانمي لتكتب لكم وصفةً مدهشةً للنسيان ! ستشكرونني كثيراً بعدها , وقد لا تحتاجونَ وصفة , اتركوا الأمر قليلاً للوقت وسيتكفل في إغراقكم نسياناً

أخيراً ,,
:
:
قد تشاهدونَ هذه الصورة في معرضٍ ما للصور وستقولون وقتها , يرحمهم الله كانوا شهداء في حرب غزة , ثمَّ ستقصدونَ بيتزا هت بعدها , فمنِ الغباءِ أنْ تحمّلوا أنفسكم فوق طاقتها , والحياة كيف تعيشونها ستكون , وحياةٌ بطعمِ البيتزا أشهى من حياةٍ بطعمِ الموت !

اتركوا غزةَ , كي تغزل من الموتِ حياتها , هي أدرى بمكامنِ الألمِ والأمل
اتركوها ترشفُ ماءً ملوثاً , ولا ترسلوا مياهكم المعدنيّة , فأفواه أطفالها تجعل المياهَ نقيّةً كلونِ السماء
اتركوها لحزنها وألمها , ولا ترسلوا دموعكم المؤقتةَ لتواسوها , إن بها من الدمعِ ما يكفي لتلقي بدمعكم خارجَ حزنها
امنحوها فقط صمتكم الأسطوري , كي تستطيعَ دفنَ شهدائها بضجيجِ الحبِّ والكبرياء ,,
ثمَّ
أغلقوا الصفحة ,,

نوف الزائد
03-10-2010, 11:14 PM
كثير ماهنا كثير ..
يتوجب العودة مرارا وتكرارا ..

طابت الأيام .

حالمة غبية
06-10-2010, 11:54 PM
..
أرشيفٌ للقراءةِ فقط ..
ولا تعليق الّا ..
لهمُ الله ..
.
شكراً لكم ..
قسّ و صبيّة ... أنثى الرماد , بلاذاكرة وحلم نقيّ

ابو هبوب حيان
07-10-2010, 01:08 AM
فيهم وقد كان ماكان
وقد اصبح لليل مرسى وقد كان
وقد انتهى في الامس رفيف حمام
وقد صاغ الريحان لك صوغة فكنت شيء
وقد كان

بنْت أحمد
13-10-2010, 06:51 PM
إذا أُشيع أنّه تم فتح مقصلة في الساخر، فأنا أول المصدقات والمصدقين ..
وإذا أُشيع أن قس بن ساعدة وعائدة هما من يتولى هذه المهمة، فهذا الموضوع أكبر دليل على ذلك ..

يا إلهي، ملأتم المكان بالقلوب المشويّة
فارأفوا بإخوان لكم شوى العجز قلوبهم قبل أن تصليهم كلماتكم ..

الأندلسي
13-10-2010, 11:56 PM
باكيا أقرأ .. وباكيا أسمع .. وباكيا أشاهد .. وباكيا أشارك !!!

فهل من أرشيف للمعذبين بالصمت في الأرض !!

جئتكم بدمعتين هما كل ما تبقى في عيوني من بكاء .. فهل يا ترى تقبلونني بينكم ببكاء بلا رصيد !!

فلا والله لا نصمت .. لا والله لا نصمت .. ولا والله لا نصمت!

الأندلسـي
14-10-2010, 10:39 PM
أهلا بالجمع،،،

تفاجأت بوجود ِ شبيه لي.
الأندلسي
أهل بك ياتوأم الشوق إلى الأندلس.

هل سيشتري أحدنا لقب (الأندلسي) الآخر لنرتاح من لخبطة أدمغة الناس ، وخلطهم لما نكتب!!

صبيّة
21-10-2010, 11:58 PM
زُهلول: لا أذاقكَ اللهُ وجعاً. شُكراً جزيلاً لكْ.
القارض العنزيّ: أهلاً بكْ. شُكراً جزيلاً لكْ.
معماري: وكُن بخيرٍ معماري، شكراً جزيلاً لكْ.
Cells : حين نألفُ الشيءَ ونعتادُه، يصيرُ تقبّلُ تبعاتِ وجوده أمراً أسهل. وقد ألفنا مآسينا.
شُكراً جزيلاً لك.
مال: الذين لا تنامُ جراحاتهم يعالجونها بإبر التخدير والحبوب المنوّمة يا مال.
رحمةٌ من اللهِ أنّنا ننسىْ. شكراً جزيلاً لك.
بلا وطن: فأسبابُ الموتِ كثيرةٌ، من بينها وجعُ الحياة*
حيّاكْ. شكراً جزيلاً لك.
روح وبوح: وطبتِ يا بوحْ. "العودةُ" أحدُ كلماتِ الفلسطينيّ المقدّسة، تستحيلُ من مجردِ مفردةٍ إلى
حلمْ، شكراً لذكرها، وشكراً جزيلاً لكِ.
حالمة: شكراً جزيلاً لكِ حبيبتيْ. لنا اللهْ. ونعمَ بالله.
أبو هبوب الريحان: وقد انتهى في الأمس رفيفُ حمام، أجلْ.
شكراً جزيلاً لكْ.
بنتُ –الضوءِ- أحمد: أحبُّكِ واللهْ. سلامةُ قلبكِ يا مُهرة.
الأندلسيّ: حيَّاكَ الرَّحمنُ يا أندلسي. شكراً جزيلاً لكْ.
الأندلسـي: : )
..
بلا ذاكرة، حلمٌ نقيّ، جابرُ عثرات الكرام، أنثى الرّماد، شُكراً جزيلاً لكُمْ، شكراً بما لا يُقاس، أنَّكُم كنتم هنا، أنّكم كتبتُمْ، أنَّكُم تركتُمْ أبوابَ الحديث مشرعةْ. حيّاكُمْ رفقتنا الطيّبة.

(:rose:)

تخيل ..!
22-10-2010, 06:16 AM
لم تبقيآ لنآ شيئآ نقوله سوى . . آه يآ دآر ~

كونآ كمآ تحبآن ~