PDA

View Full Version : الشـعـرُ الأبـيض



معتصم رزق
17-07-2010, 05:18 PM
إنها قصة صغيرة و قصيرة في آن واحد ، ليس ثمة من ثمة شيء ٍ مغري ٍ في قصّها ، سوى أنه أي هذا الشاب العشريني الذي أجهل اسمه ، صار يقضي أمام المرآة مدّة أطول .
فقد لاحظ مؤخراً اختلاط شعره الأسود الداكن بشعيرات قليلة بيضاء بعثتْ في ذاته هاجساً آسر و توفّزاً يشبه ارتكاز قط ٍ على قدميه الخلفيّتين إبان أن يقفز على السور في جو ٍ
يسوده الخطر و التربّص . و بما أنه أوعز سبب ذلك الإشتعال الأبيض إلى القلق الذي نما في قلبه و عرّش في مخيّلته ، فقد فضّل أن يتجاهل و أن يتحاشى النظر إلى نفسه في
المرآة . و لكن ، منْ منا يستطيع أن يتخلى عن المرآة ؟ ، نرسيس نفسه لم يطق صورته في عيون ممن افتتنْ بجماله ، ظلّ ينظر في الماء . أما بالنسبة له فلم يكن ثمّة من ماء
أو رطوبة خلال الطريق الذي جففه تموز بشمسه الطالعة حوالي الظهر .
عرّج على أكثر من محال ، ابتاع منها بعض الحاجيّات ظلّ يحملها حتى استوقفته لافتة صالون الحلاقة فدخل . و هو أمام المرآة تابع بعينيه الخرزيّتين الشعر الأسود المقصوص
و هو يتناثر على الملاءة ، فأوجس شكل شعرة ٍ بيضاء طويلة أكثر من الغير ، تتدلى ككوز ذرة على سواد حقل أخضر . ضايقه طلب الموظف الجديد في المحل بأن يرفع رأسه
عن صدره و ينظر للمرآة التي بدتْ الآن كأثاث زائد لا معنى له . و على مقربة منه دار حديث بين مالك الصالون بكرشه الكبير و زبون كان يحلق له . و لم يكن على استعداد
لأن يلقي بالاً فيسترقْ السمع لولا أنه وجد الكلام طريفاً و غريباً ..
قال مالك الصالون و المِشط يدوّر بين أصابعه :
- لا لا ليست الحاديّة عشر تماماً .. إنها تؤخّر على الدوام . ( تابع و قد أمسك بساعة حائط بلاستيكيّة متوسط الحجم من طرفها الخفيّ الخلفيّ ) لقد ظننا في بادىء الأمر أن
البطاريات تنفد بسرعة . استبدلنا البطاريّات و لم يتغيّر الحال ، حتى لاحظنا أن العقربيّن يضربان بعضهما البعض أثناء دورانهما فيحدث التأخيّر ..
و ردّ عليه رأسٌ صغير لرجل خارج من ملاءة صفراء بغمغمة متقطّعة . أما هو فقد آب إلى مشاعره التي بدتْ الآن أكثر اضطراباً و أشدّ إبهاماً ، " ماذا يعني ذلك ؟ و إلامَ أريدُ أن
أصل ؟ متى أخلُصْ من توأمة الأشياء و ربط الحوادث ، قلتَ في نفسكَ أنا أهوي الآن لا مُحالة . الشعرُ الأبيض ليس دلالة خير ٍ على كل حال ، و هذه العشوائيّة في النمو .. في
اليمين و اليسار ، المؤخّرة و الغُرّة . تحيلُني إلى أن أتخيّل جميع الخطوط البيضاء على استقامة ٍ واحدة تثخن فجأة ثم يبرق لي أحدُ طرفيّها يشدّ نفسه ملوّحاً حلقة في الهواء ..
- لو سمحتْ ؟ هناك بعض الشعيرات الزائدة في أسفل الذقن و على امتداد الوجنتين ، هل تتفضّل بأن ترفع الرقبة قليلاً ؟
- الرقبة ؟
- نعم ، و لن يطولَ الأمر كثيراً .
خرجَ من الصالون متكدّراً . كان آخر ما وقعتْ عليه عيناه تلك الساعة بعقربيّها المشلوليّن . مضى على الرصيف بتوءدة شأنه عندما يشعرُ بوخزة في كليّتيه و غمامة ثقيلة تتوسد
صدره . قال مندهشاً : " و لا شعرة واحدة .. و لا واحدة ! ، فهل كنتُ واهماً ؟ " مالَ إلى الجِدار مُفسِحاً المجال لبعض المّارة بالعبور . أخرجَ من جيبه منديلاً ورقيّاً و مسح العرق
الذي تجمّع على الجبّهة السمراء . و إذْ تذكّر ضرورة شراء المزيد من الحاجيّات ، اختار أول سوق ٍ تجاريّ صادفه و دلفَ إليه كان السوقُ مكتظّاً ،وظهرتْ له امرأة عجوز بوجهها
الأصفر الناحل تسأله عن نوع ٍ من اللحم المُبّرد ، فاعتذرَ لها بإبتسامة لزجة تنم عن ضيق . و راح يبحثُ بعينيّه عن مُراده .
بقيّ يتساءل و يقلّب الفكرة بتشكك و هو واقفٌ في الطابور . باتَ على مقربة من آلة الدفع ( الكاش ) ، التي تسمّرتْ خلفها فتاة لا يبدو عليها أنها من طاقم المحل ، رغم أنه
أي هذا العشرينيّ المتوتر ، لا يتردد عادة ً على هذا السوق . إنها لا ترتدي مثل زملائها ، بل اللباس العادي و لعلها لو كانت بالزيّ الرسمي ما كانت تكشّفت له مثل زهرة جبليّة
مملوءة بالحياة تشققتْ عنها ضخرة في تلك اللحظة بالذات . سمعها تومىء إلى زاوية مقابلة جلستْ إليها امرأة أشبه بقطعة من الخشب ، تتحرك بتلقائيّة عجيبة . و قد أفزعه
وجه تثاءب كما لو أنه سينام عشرين سنة قادمة على التوالي كان ينتظر تلك المرأة حتى تخلُص من الحِساب . قال في نفسه : " لأدع موضوع الشيب الآن .. و أراقب هذه
الحوريّة الصغيرة ." إنها ترتدي وشاحاً بلون " الكاكاو " الفاتح و سترة " بيّج " بسحّاب طويل ، أما البنطلون الجيّنز فقد كان بين تلكم اللونين . وجهٌ قمحيّ و عينان لوزيّتان
و ابتسامةُ شفاه ظلٌ يمتدّ إلى الناظر . تقلّص الطابور ، و عادتْ هي تكرر بيدها الرقيقة الإشارة إلى الآلة المقابلة . و بينما هو يهمّ بالإقتراب أكثر و نشوة ٌ سيتذكّر فيما بعد
أنها لم تطل . لاحَ له رأس عجوز ٍ أصلع ، قوّره جلدٌ أحمر بإستدارة ٍ قطنيّة بيضاء ، أحسّ إزاءه حينذاك بالحاجة الماسّة إلى مقصّ ضخم . لكنه سمع صوتها يذكر سعر السلعة
.. فانتبه لإبتسامتها .
مالتْ الشمس ، لا بّد أنها مالتْ و لو قليلاً . سار بضع خطوات ثم انعطف في طريق طويل درجَ إثره طلعة أسفلتيّة تُقوِّسُ ظهر صاعدها . قال متذمّراً : " إنني ألصقُ الأمور ببعضها
البعض لا محالة . ما جدوى أن أصفّ مستقبلي في سلسلة طويلة يجمعها خيط ٌ كأنما مسبحة صوتُ طقطقتها يؤذيني من الداخل ؟! . عليّ أن أمضي هذا الطريق كله ، و أن أترك
صنبور الزمن ينهمرُ في جسدي و روحي و عقلي . لافونتين تمنى بقاء البحيّرة و تجمّد الزمن . لكن شعري حال إلى الأبيض و لم أكتشف أي ثقب ٍ فيّ سرب الزمن ! . هو خريفي
المبّكر ، الذي يأتي قبل الشتاء عادة ً ، و الذي لحسن حظيّ جاء قبل الربيع و الصيف أيضاً ." زعق زامور سيارة مسرعة . كانت تنحدر و تبعث بعادمها الأسود في أثرها . " لا
مندوحة إذاً ؟ ، إنها لا تُقاس فلا تحاول ، مهما تناولوها في أحاديثهم هذه الحياة ، تظلّ الصخرة التي لم يصقلها موج . هي ليلة ٌ تنكريّة طويلة ، يغيّر فيها المرتادون أصباغ الوجوه
و أزياءً ارتدوها و مقاعداً شغلوها ، و لم يفطنوا أيّان تنتهي ليلتهم و إلامَ اجتمعوا ."
شمسٌ تغسلُ الأفق و تنشرهُ على حبال الضوء ، و أمنيّ نفسي بغد ٍ يأتي وحيداً و لا يجلبُ معه غداً آخر تسرّب مني ! "
عند غرّة الشارع الأسوّد ، حذاء كومة أحجار ، وجد قطّاً أبيض مصدوم .. مات لتوه ، فلم يكن أمامه إلا أن يلتفت للسيّارة التي كانت تنزل منطلقة ً في البعيد ..


19 تموز 2010

wroood
31-07-2010, 01:05 PM
مهما تناولوها في أحاديثهم هذه الحياة ، تظلّ الصخرة التي لم يصقلها موج . هي ليلة ٌ تنكريّة طويلة ، يغيّر فيها المرتادون أصباغ الوجوه
و أزياءً ارتدوها و مقاعداً شغلوها ، و لم يفطنوا أيّان تنتهي ليلتهم و إلامَ اجتمعوا .

نص جميل فكرة وسرداً .. وعميق جداً ..
اعجبني توظيفك للمشاهد القصيره في خدمة الفكره ..
بدءا من ساعة الحلاق الى الفتاة الشابه
والمرأة العجوز والعجوز الأصلع وانتهاء بالقط الأبيض الميت لتوه والسياره التي كانت تنطلق الى البعيد ..

نص موفق ..
شكراً لك.

مــيّ
31-07-2010, 08:47 PM
جميلة بالفعل ، بوصف دقيق يرتشف الملامح فنبدوا ضمنها أحياء نراقب المشهد..
الخاتمة جاءت مباغتة -سوداويّة بعض الشيء- و غير متوقّعة ، إلّا أن زحمة الأفكار"الطبيعيّة" أفاضت روحا فلسفيّة جميلة على النصّ ، و على دلالاته الواقعيّة..

استمتعت هنا ، فشكرا.

مــيّ

دراسينا
02-08-2010, 07:29 AM
نص جميل جدا
وقلم راق بلغته
عشنا القصة بتفاصيلها الصغيرة