PDA

View Full Version : الحاتمي والوحدة العضوية للقصيدة العربية في القرن الرابع الهجري



فريد البيدق
08-05-2011, 12:19 AM
كثر الحديث عن الوحدة العضوية للقصيدة العربية في العصر الحديث تأثرا بالغرب وعيبا على وحدة البيت في القصيدة العربية- بكيفية توحي أن هذا الأمر لم يخطر للقدماء نقادا وشعراء، لكن الدكتور زكي مبارك في كتابه المتميز "النثر الفني في القرن الرابع" قد نقل في الجزء الثاني ص136 ما نقله أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني في كتابه "زهر الآداب وثمر الألباب" عن الحاتمي أحد نقاد القرن الرابع الهجري تحت عنوان "القصيدة والإنسان" ما يؤكد معرفة النقاد قديما هذه الفكرة.

والآن مع ما نقله الدكتور زكي عن الحصري:
قال الحاتمي: مثلُ القصيدةِ مثلُ الإنسان في اتِّصَالِ بعضِ أعضائه ببعض؛ فمتى انفصلَ واحدٌ عن الآخر وبَايَنَهُ في صحَّة التركيب، غادر الجسمَ ذا عاهَةٍ تتخوَّنُ محاسنَه، وتُعَفي معالِمَه؟ وقد وجدت حُذَّاقَ المتقدّمين وأربابَ الصناعةِ من المحدَثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراساً يجنّبهم شوائبَ النقصان، ويقفُ بهم على محَجَّةِ الإحسان حتى يقعَ الاتّصَالُ، ويُؤْمَن الانفصال، وتأْتِي القصيدةُ في تَنَاسُب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخُطْبَة الموجَزَة، لا ينفصلُ جزءٌ منها عن جزء، وهذا مذهبٌ اختصَّ به المحدَثون؛ لتوقّدِ خواطرهم، ولُطْفِ أفكارِهم، واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم، وكأنه مذهبٌ سهّلَوا حَزْنَهُ، ونهجوا رَسْمَهُ؛ فأمَّا الفحول الأوائل ومَنْ تَلاَهُمْ منَ المخضرمين والإسلاميين فمذهبُهم التَعالم عن كذا إلى كذا وقُصَارَى كلِّ واحدٍ منهم وَصْفُ ناقتِه بالعِتق والنَّجَابة والنجاء، وأنه امتَطاها فادّرع عليها جِلْبَابَ اللّيل، وربما اتَّفق لأحدِهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرضٍ لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم، وصِراطه في الشعر المستقيم، نصبا مَنَارَه وأوقدا باليفاع نارَه؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قولُ النابغة الذبياني: الطويل:
فكَفْكَفْتُ منّي عَبرَةً فَرَدَدْتُها ** على النَّحْرِ، منها مستهلّ ودامعُ
على حينَ عاتبْتُ المشيبَ على الصِّبَا ** وقلتُ : أَلمَّا أَصْحُ والشيبُ وَازعُ
وقد حالَ هَم، دونَ ذلِكَ، شاغِلٌ . . . مكان الشِّغافِ، تَبْتَغِيه الأَصابعُ
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كُنْهِه . . . أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجعُ
وهذا كلام متناسب تقتضي أوائلُه أَواخره، ولا يتميّز منه شيء عن شيء: الطويل:
أتاني، أبيتَ اللعن، أنك لُمْتَني . . . وتِلك التي تَسْتَكُّ منها المسامِع
مقالة أن قد قلتَ سوف أناله . . . وذلك من تِلْقَاءِ مثلك رائعُ
ولو توصَل إلى ذلك بعضُ الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوْا ثمرَ الآداب، وفتَحُوا زَهْرَ الكلام لكان معجزاً عجباً، فكيف بجاهلٍ بَدَوِي إنما يغترفُ من قليب قَلْبِه، ويستمدُّ عفوَ هاجسه.

القارض العنزي
08-05-2011, 01:05 AM
أعتقد ان القصيدة ذات الموضوع الواحد ظهرت في العصر العباسي ان لم يكن قبل ذلك..
لكن ليست هذه هي المشكلة
مشكلة الحداثيين الذين يعيبون على القصيدة القديمة التفكك او عدم وحدة الموضوع ان قصائدهم هلامية بلا موضوع اصلا..

أسلاك شائكة
27-05-2011, 02:40 PM
شكرا لك أخي على هذه الإضاءة الجميلة
الحقيقة أن هذا الموضوع يشغلني كثيرا وتحضرني الآن نقطتان :
1- هل ما عابوه على القصيدة العربية القديمة بأنها لا تملك وحدة موضوعية صحيح ؟ أو أنه عائد إلى قصور في الذهنية النقدية العربية ؟
أنا أرجح أنه قصور في الذهنية النقدية العربية عن النظر في البنية الداخلية للنصوص الشعرية القديمة ، ولما تسنم بعض النقاد النظر في البنية الشعرية لشعراء كالنابغة ومتمم بن نويرة وأوس بن حجر ولقيط بن يعمر وجد أن الوحدة في الموضوع متوفرة بشكل واضح بداية من المقدمة الطللية أو الغزلية ومرورا بكل المشاهد الأخرى .
2- لماذا نحب دائما أن نكون في موقف الدفاع دوما ؟ فيهاجمنا الآخرون وليس علينا إلا الدفاع ، لماذا لا نكون في هذا الموضوع على الخصوص في موقف الهجوم والمفاخرة ؟ لم لا نقول إن من عيوب شعر غيرنا هو عدم قدرتهم اقتصاص بيت واحد من قصيدة والاستشهاد به دون أن يخل بمعناه ويكون بناء وحده ، أليست هذه ميزة لا تتوافر لغيرنا ؟ وهي أننا نستطيع أن نستخلص بيتا من قصيدة فتكون بناء لوحدها معناها تام ولا تحتاج إلى ما قبلها ولا ما بعدها إذا كانت لوحدها ، وفي الوقت نفسة إذا عرضناها داخل القصيدة ارتبطت بما قبلهاوما بعدها ، ويقفز إلى ذهني مثال على هذا حكم زهير فالمتأمل يجد أنها كلها تتعلق بموضوع القصيدة الرئيس وهي في الوقت نفسه نسيج لوحدها ، كما يقفز إلى ذهني بيت أبي البقاء الرندي :
لكل شيء إذا ماتم نقصان **** فلا يغر بطيب العيش إنسان
فهو نسيج لوحده فإذا وضعناه داخل القصيدة امتد نسجه واتصل ببقية الأبيات
أليست هذه ميزة لا تتوافر لغيرنا ؟!
بدل أن يهاجمنا غيرنا فنهرع إلى البحث والبحث العشوائي لنحاول أن ندفع عن أنفسنا تهمة ونستعطفه أن ينظر إلينا بعين الإنصاف ولو قليلا ونرجوا أن يعطف علينا ويتنازل لو مرة ليقول أن شعرنا مثل شعره
مالداعي لمثل هذا الضعف ؟ بينما نحن نملك لغة وشعرا لم يملك الآخر لغة وشعرا موازيتان لهما فضلا عن تفوقهما

الأرجاني
01-06-2011, 08:22 PM
شكرا على الفائدة الجديدة وهي أن من الأدباء العرب القدماء من ناقش الوحدة الموضوعية

ولكن دعني اخالف كل من أثار هذه الزوبعة الفارغة " الوحدة الموضوعية "
والتي شنعوا فيها على القدماء بطريقة تنم عن تجني من القائل واستخفاف بذهن السامع او القارئ

أولا : هناك قصائد من اقدم النصوص التي وصلت إلينا ذات اتحاد موضوعي فريد
خذ مثلا قصيدة : " إن بالشعب الذي دون سلعٍ "
وراجع إن شئت كتاب : نمط صعب ونمط مخيف

ثانيا : المعلقات والقصائد الطوال هي عبارة عن عدة قصائد متحدة الموضوع داخل قصيدة واحدة

وخذ مثلا قصيدة أبي صفوان الأسدي وهو شاعر عباسي وقصيدته " نأت دار ليلى وشط المزار "
إنها أبسط مثال يلخص فكرة عدد من القصائد داخل قصيدة واحدة

ثالثا : هناك من الأدباء الكبار المعاصرين من يرجع الأمر للرواة الذين يخلطون الحابل بالنابل ويقدمون بيتا ويؤخرون آخر فيكون الناتج قصيدة غير متناسقة وغير محددة الفكرة