PDA

View Full Version : العساس



صاحب الكهف
26-06-2011, 05:14 AM
كان يمشي وحده في شوارع جدة في ليلة علا صخبها. غريب حتى في بلده مظهرا وأطوارا. يتحسس جيبه, هو يدرك أنه لن يحتاجها لكنها تعطيه ثقة أنه لن يكثر الكلام والسقط وأنه لن يضطر أن يؤذي أحدا. فقد تعلم أنه في مجتمع اسلامي يطبق فيه القصاص نادرا ما تشهر الأسلحة في عراك "شوارعي" فغالبا ما يتدخل الجميع لفض الشجار أو "فعص اللحم" كما يقول الإفرنج. ثم إن شباب الخليج العربي قد كبرت كروشهم وطرت أجسادهم التي لم تعرف الجوع ولا الحر في الصحراء ومجرد التلويح بها ينهي المشكلة. لطالما شك في أهميتها لأنه يفضل أن يكون عبدالله المقتول بدلا من عبدالله القاتل دخل هذا في دماغه بوضوح مع كل جلدة بيد أمه الحبيبة التي تألمت لجلده أكثر منه هو لكن مع ازدياد اطلاعه وقرائته وبفضل الله ثم مادة علم النفس امتن لها، فقد رأى إلى ماذا ينتهي الحال بأمثاله ممن يصعب عليهم فهم معنى الشفقة.
تنقلات عائلته فهو لم يعرف ما معنى أن يشعر بالقبول بين أقرانه, أو أن يكون بين أقرانه أصلا, ولأنه لم يعرف, لم يزعجه هذا كثير وصار يعتز بأنه عاش في أكثر من مدينة وخالط أكثر من شعب. كان يتذكر مشاجرته العديدة مع بدو الرياض ممن خالطهم في مدرسته وتعلم هناك أن اكثار الكلام مع الئيم لا ينتج عنه إلا تجمع النطيحة المتردية ليساندو صاحبهم سواء كان على حق أم باطل. لطالما اعتقد أنهم سبب قسوة قلبه. وتذكر عودة أخيه الأكبر حاتم من المدرسة عندما كان في العاشرة وهو يبكي فقد ضربه 5 من البدو لأنه تفوق عليهم في الفصل ونعتوه بـ"طرش بحر". غلت الدماء في عروقه فتمنى أن يكون أقوى منهم لينتقم لأخيه ورأى في المنام نفسه يوسعهم ضربا حتي نزفت وجوههم. في اليوم التالي لبس حذاء مدببأ صلب المقدمة, ومع نهاية الدوام كان قد تم استدعاء أبو حاتم لأنه كسر رجل علي آل رجعة بعد أن عرقله ودعس على ساقه مرارا وتكرارا حتى سمع المدرسون صراخه وأبعدوه عنه.
انتشلته عصافير بطنه من بحر الذكريات؛ تفقد محفظته فلم يجد أية أوراق نقدية فقرر أن يمشي إلى أقرب مصرف آلي. بعد نصف ساعة من المشي ومرورا بشباب يقفون إلى جانب سيارتهم الفخمة يتحثدون في ما بينهم عن جولات الترقيم وليالي الكبائن. ويوجهون إليه نظرات الإزدراء لأنه مامن شاب في سنه إلا وقد امتلك سيارة تليق بمستواه المعيشي. لا يهتم كثيرا فقد علمه والده أن الدنيا ملعونة إلا ذكر الله والعلم. وجد آلة صرف على الشارع العام أمامها عربة أجرة تسقل مقعدها الخلفي فتاة قد علا صوتها و أمامها جيب متوقف بشكل عامودي. سمع حديثا دائرا بين الحسناء النجدية اللهجة وشابين في الجيب المقابل لعربة الأجرة. أصغى قليلا, تنبه أن أحدهما يحمل لافتة خط عليها رقم هاتف محمول. تسارعت أفكره فقد تبين أن الشابين يسدان الطريق على الفتاة ويتبادلان الشتائم معها. سر سروره فقد وجد ضالته التي مشى طوال اليل بحثا عنها, توجه بخطوات ثابتة إلى عربة الأجرة وسأل الفتاة: "هل يزعجانك يا أختي؟"
"هذا ليس من شأنك" وأكملت صب الشتائم على الشابين الذي بدت على وجهيهما ابتسامة صفراء.
توجه إليهما و قال: "من فضلك أبعد سيارتك عن طريق الأخت لكي تعبر"
"اغرب عن وجهي يا هذا وإلا أوسعتك ضربا"
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة "لو كانت تريد الاتصال بك فقد وصلها رقمك, تحرك من فضلك"
غضب الشابان في الجيب من تدخله في شؤونهما فقد طافا شوارع جدة كلها وهذه أول فتاة تكلمهما وان كان رغما عنها, ثم أنه مع تأخر الوقت تصبح المهمة شبه المستحيلة. أعمتهما شهوتهما المحتبسة عن الصواب والخطأ فبعد عقدين أو يزيد من ندرة الفتيات على أرض الواقع وكثرتهم على شاشة التلفاز يصعب على المرء أن يميز ويتسع مفهوم العاهرة ليشمل أي فتاة تتنقل لوحدها. أوشك الشاب في مقعد السائق أن يطفئ المحرك و مد صاحبه يده ليسحب عجرته* من تحت المقعد في نفس اللحظة التي أطلقت فيها الفتاة صرخة قصيرة واتسعت عينا سائق سيارة الأجرة. رفع الشبان عيناهما ليريا نصل مطواته التي انشهرت في لمح البصر وشعرا بعيناه تخترق عقولهما لتشل حركتهما. شوارع جدة لا تعرف مثل هذه الحوادث و هذا الشاب يبدو أنه يصغرهما سنا ولكنه رياضي الجسد وملامحه توحي بأنه ليس سعوديا. سمعا صوته يقول بكل هدوء "أغز مين أول؟". تحرك الجيب على الفور وغاب في نهاية الشارع. لم تقل الفتاة شيئا, ربما لأنها رهبته أو لأنه لم يبدو عليه أنه يريد أن يسمع منها فقد أكمل سيره فور تحرك الجيب ومضى في طريقه إلى المطعم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
العجرة:عصا يتراوح طولوها بين 50-100سم مصنوعة من الخشب الثقيل

نوف التميمي
26-06-2011, 07:08 PM
ربما لم يكن في المحتوى مايثير الاهتمام كثيرا ، غير أن ماكتبت جميل برأيي ..

موفق ..