PDA

View Full Version : كنا - كلنا - هناك، في نفس المكان، ولا يوجد سوى الفوضى



أنا ناس
04-08-2011, 11:15 AM
أمنية:
كل انسان له نصيب من الأشياء الجيدة قبل الرحيل... شرط أن يعثر عليها.

نصيحة:
إن وجدتها تشبث بها!


اسمي خالد، أبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، جامعي، أعزب، لأن الدنيا قد أفسدت الزوج والأب بداخلي، فلم أعد صالحا لا لمسؤوليات الزواج ولا الأبوة.

لدي أم أدعوا الله ألا أفجع فيها، فخوفي عليها يزداد كل يوم وينغص علي عيشي أحيانا، وثلاثة أخوات تحملت مسؤليتهن بعد وفاة والدي رحمه الله، ولا أدري ما أنا بالنسبة إليهن، أظن أنني قليل من الأخ وقليل من الأب قليل من الشرير وقليل من الطيب، أؤمن أنهن أمانة في عنقي، ودائما أدعوا الله أن أؤديها على الوجه الذي يرضيه عني.
ولدي عملي الخاص الذي يدر علي مالا أكثر بقليل مما نحتاج.

سأختار لك من حياتي بضع صفحات، أو سمها فصول، ربما هي لا تعني شيئا لأحد، وربما هي تعنيك أنت بالذات، وسواء كانت تعنيك أو لاتعنيك، فأنا لدي أسبابي في تشريحك بها وليس جرحك أو خدشك فقط.

ربما هي بضع والبضع عند العرب أقل من عشرة، بضع لحظات أو ساعات أيام أو سنين تسببت لي في فوضى، لا زلت أعاني من آثارها في كل نفس أتنفسه حتى اليوم...
أهمها:
مرض عضال، وموت، وخيانة صديق، وأشياء أخرى سأترك الحكم عليها لك.

خالد

4 أغسطس عام 11
الساعة:11:22

أنا ناس
04-08-2011, 11:58 AM
وكان في عام 1405

والذي أصبت فيه بسرطان العظم، وكل ما أتذكره من تلك الفترة العصيبة هو الألم المتواصل في ساقي الأيمن خاصة في الليل وأذكر أيضا انه كلما ازداد بكائي كنت أستمع لكلمات مهدئة مثل ستصبح رجلا أو كما كانت تقولها لي أمي ( بتطول بتطول ان شاء الله ) ولكن عندما تورمت رجلي وأصبحت لا أقوى على الحراك إلا بصعوبة بالغة، وعندما أصبت بحمى شديدة، عندها أخذني والدي رحمه الله إلى الطبيب، وبعد فحوصات معقدة وتحاليل، أتى الخبر كالصاعقة على عائلتي الصغيرة المكونة من أربع أفراد حينها،

اقترح أحدهم على والدي العلاج في ألمانيا، فسافرنا، أنا وأبي فقط.
لقد نسيت الكثير من التفاصيل الصغيرة والكبيرة ولكن الذي لا أنساه أبد هو شعوري وأنا أودع أمي وأختي، الاحساس الغريب الذي اجتاحني آنذاك، وجعلني أحضن الجدران وأقبل الأبواب، وفي الطريق إلى المطار، النظر بحسرة وألم للمارة في الشوارع مواطنين وغير مواطنين، في العمائر والدكاكين، في السكك والأرصفة، السماء الزرقاء والسحب البيضاء، كأنني كنت أنتزع منها انتزاعا، ولم يخفف عني ذلك وجود أبي الحنون بجانبي والذي كانت من عاداته عند السفر أن يكون أكثر لطفا وحنية.
في ذلك الوقت المبكر من العمر لم أكن أعرف ماذا يسمى هذا الشعور المؤلم، أما الآن فأنا أعرفه جيدا، انه الوطنية!..

وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه * * * نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي

وللحديث بقية...

حبيبة عراقي
04-08-2011, 07:58 PM
سأجلس هنا معك على حافة الرصيف نتبادل الشكوى

يقولن احسن محاور هو الذي لا ينطق اي كلمة طوال فترة الحديث

مستمع


ليس المهم العثور بقدر ما هو مهم امكانية امساكها بين اليدين

الأمير نزار
06-08-2011, 02:02 AM
كما تقول المشرفة عبير
هات ال يتبع ف لربما....

شكرا لك

أنا ناس
06-08-2011, 08:04 AM
شكرا لك يا حبيبة عراقي، ولكني لا أسميها شكوى!.. انما هو احتقان، والكتابة وسيلتي للتخلص منه، وصدقت في امكانية امساكها بين اليدين.


وشكرا للأمير نزار على المتابعة.

أنا ناس
06-08-2011, 10:02 AM
من الأشياء الجميلة العالقة في الذاكرة، كانت عند استقرارنا في المشفى، عندما بدأ أبي في تفريغ الحقائب، ووجد في حقيبتي دمية أختي، دستها بين أغراضي، لقد كانت في ذلك الوقت في الرابعة من العمر، وآثرتني على نفسها بأحب ما تملك.
علمتني الحياة انه من الجميل أن يكون لديك أخت، تستمتع بمشاكستها وحنانها وبخوفها عليك، وبالتجربة أستطيع أن أقول انه إذا كانت علاقاتك الأسرية جيدة خاصة مع أخواتك ستصبح حياتك أفضل، لأنك مدعوم بهذه المشاعر الدافئة، وهذه المشاعر هي التي جعلتني أواجه الكثير من مصاعب الحياة، أعتقد انه مسكين جدا، من ليس لديه أخت.

بعملية جراحية تمت إزلة الورم، واستئصال العظم المصاب واستبداله بعظم آخر، وبدأ العلاج الكيماوي بعدها والذي عانيت منه الأمرين، ففي كل لحظة كنت أرى الموت ماثلا أمامي، في ذلك الوقت لم أكن أظن أبدا أن الكبار يبكون، فأنا لم أرى دموع أمي، فضلا عن أبي! ولكن عندما انحدرت من عينه دمعة وهو يرى ابنه يتعذب ولا يملك له شيئا، مسح على رأسي بيد وباليد الأخرى مسح دموعه بغترته، صعقت وبدأت أخفف عنه وجسدي كله يرتعش بكلام لا أذكره الآن، مفاده انني بخير ولا أريده أن يقلق، ولا زلت أتسائل مالذي جعل طفل لا يعي شيئا، في العاشرة من العمر، خائر القوى مثلي آنذاك يتفوه بكلام كبير مثل هذا؟!.

السرطان كالوحش، حتى لو نجوت منه فلن تكون المنتصر، هذه حقيقة، انه يهزم الكبير فكيف بطفل صغير، فبسبب العلاج فقدت شعري كله وعدت للبس الحفاظات التي بكيت كثيرا من الإحراج عندما أجبروني عليها، والقيء والغثيان الشديد، ذكريات سيئة جدا، لم يخففها إلا دعم والدي وتشجيعه لي.

كان أبي رحمه الله يسليني برواية القصص، قصص لا يقصها إلا هو ، لا أحد يقصها مثله، لا أدري هل هي من تأليفه أم سمعها من مكان ما ولا أعتقد ذلك لأنه كان يتيم الأم وكان والده رجل شديد لا يجالس الأطفال، لا أدري من أين له كل هذا اللطف رحمه الله كان يجيد رواية القصص إلى الدرجة التي تجعلك تدخل في الأحداث، حتى عندما بدأت علاجي التأهيلي كان كلما رآني محبطا يقول لي عندما تشفى سأصطحبك إلى البر وسنتسابق، ويبدأ عندها التعليق على السباق كأنه نقل حي والذي ينتهي دائما بفوزي الساحق طبعا، وخسارته التي يجيد محاكاتها بيديه وتعابير وجهه... رحمه الله رحمة واسعة.

وللحديث بقيه...

أسـاورْ
06-08-2011, 02:00 PM
..

الآتِي أَجْمَلْ .. حَرْفَاً وقَدَرَاً .. بِإِذْنِ الله ..


متابعة.

..

مأزق
06-08-2011, 08:49 PM
رحم الله والدك، وأجزل عليك وعلى والدتك نعمة العافية، وحفظ لك أهل بيتك من كل شر.
لا أعرف ماذا علي أن أقول، ولكنني أحس أن علي قول المزيد، فالمعذرة.

حبيبة عراقي
07-08-2011, 05:57 AM
، وبالتجربة أستطيع أن أقول انه إذا كانت علاقاتك الأسرية جيدة خاصة مع أخواتك ستصبح حياتك أفضل،

كان أبي رحمه الله يسليني برواية القصص، قصص لا يقصها إلا هو ، لا أحد يقصها مثله، لا أدري هل هي من تأليفه أم سمعها من مكان ما ولا أعتقد ذلك لأنه كان يتيم الأم وكان والده رجل شديد لا يجالس الأطفال، لا أدري من أين له كل هذا اللطف رحمه الله كان يجيد رواية القصص إلى الدرجة التي تجعلك تدخل في الأحداث، حتى عندما بدأت علاجي التأهيلي كان كلما رآني محبطا يقول لي عندما تشفى سأصطحبك إلى البر وسنتسابق، ويبدأ عندها التعليق على السباق كأنه نقل حي والذي ينتهي دائما بفوزي الساحق طبعا، وخسارته التي يجيد محاكاتها بيديه وتعابير وجهه... رحمه الله رحمة واسعة.

وللحديث بقيه...

العلاقات الاخوية راااااائعه هي التي تجعلنا نستمر احيانا

بالنسبه لوالدك اعتقد ان من كبر محروما من الحنان هو اكثر الناس معرفة بطرق اشعار من حوله بالحنان والاهتمام فهو يعرف جيدا مكامن النقص فبالتالي يعرف طرق تعويضها

وباعطائه الحنان للغير يشعر بسعاده تعوض عنه الحنان والاهتمام الذي فقده صغيرا

أنا ناس
09-08-2011, 02:49 AM
واستأنفت حياتي من جديد، بجسد متهالك، عدت إلى المنزل بعد سنة ونصف تزيد قليلا أو تنقص، كنت قد تخلفت عن أقراني في المدرسة سنتين, كثر هم من تعاطفوا معي، وأشفقوا علي وعلى عائلتي مما حدث، وكثيرة هي المنغصات فالفحوصات الدورية والعلاج الطبيعي والدراسة التي لم أعد أطيقها والأصدقاء الذين اكتسبتهم ولم يرض عنهم أحد والأصدقاء الذين خسرتهم، الغربة والتجربة المريرة أكسبتني أشياء جديدة، جيدة وسيئة، ردود أفعالي تغيرت أصبحت أطيل التفكير والتحليل في الأشياء الصغيرة والكبيرة، حبي وعاطفتي لعائلتي زادت، أنا وابن عمي وهو في نفس سني كانوا يطلقون علينا ( كلب وذيب ) لم تعد لدي رغبة في ضربة كلما قابلته كالسابق، وهو أيضا عندما رآني لأول مرة بعد العودة من السفر رأيت فرحا صادقا في عينيه لم أعهده ، وتغيرت علاقتنا.

من أصدقائي الجدد فتى غضب أبي علي عندما رآني أماشيه لأول مرة، وحذرني منه كثيرا، ولكني لم أقتنع لأني لم أرى في أخلاقه ما يعيب، مشكلته في أبوه السكير الذي كان يحضر أحيانا لصلاة الجمعة ثقيل اللسان يتطوح!.. قالت لي أمي نقلا عن أبي أنه لم يرض أحد بتزويج والد صديقي هذا، لذلك سافر إلى الهند، تزوج من هناك وعاد، وكل هذا لم يكن يعنيني في شيء، فإذا كان الولد جيدا فمالي ولأبوه، هذا هو تبريري لوالدي وتفكيري حينها، ولكن للأسف كان والدي على حق.


مرت السنوات ولم يحدث شيء يذكر، إلا ان أسرتنا الصغيرة كبرت وازداد عددها من اربعة أفراد إلى ستة، فقد رزقنا بطفلتين جميلتين، الأولى كانت تصغرني بثلاثة عشر عام والثانية بتسعة عشر عام.

وللحديث بقية...

أنا ناس
09-08-2011, 02:57 AM
أساور رفع الله قدرك وشكرا جدا على المتابعة


مأزق وأنا أيضا لا أعرف ماذا أقول غير أن أشكرك وأشكرك جدا على المتابعة


حبيبة بارك الله فيك، تحليلك لشخصية الوالد بهذه الطريقة أسعدني

دمتم بخير

أنا ناس
11-08-2011, 02:32 AM
كابوس اسمه ابراهيم!..

http://fc08.deviantart.net/fs18/f/2007/214/e/7/Pac_man_drawing_by_MattInc.png

ابراهيم هو أكبر الأبناء لرجل سكير وأم هندية، يعيش في نفس الحي الذي أعيش فيه ويكبرني بخمسة أعوام، كانت علاقتي به سطحية جدا، إلى أن جاء يوم وتبادلنا الحديث، من صفاته الجيدة انه قارئ نهم، يقرأ كتابا أوأكثر في الأسبوع، وإذا لم يقرأ لا ينام.
ولأن حكمي على الأشخاص وقتها لم يكن ناضجا، بهرت به، كنت تقريبا في السادسة عشرة، لم يعجب أبي، وكنت أرى وجه أبي يتغير كلما مر ذكره في مجلس، ابراهيم لم يخبرني قط ان أمه هندية، بل كان يكذب أحيانا ويقول ان أمه ذهبت للديرة!!.. عند أهلها، في البداية لم أعر ذلك اهتماما، بالرغم من كرهي لذلك، وعدم احترامي له، واعتقادي انه عقوق، لأنني مؤمن أن مكانة الأم يجب أن تتجاوز الشكليات، فجنسيتها وشكلها ولونها لا ينقص من قدرها عندي شيء، إلا انني تجاوزت له طبعا عن هذا بحكم الصداقة!.

مرت سنوات كان ابراهيم فيها هو الصديق رقم واحد، ثم لا حظت عليه شيئا أزعجني بشدة، وهو انه يتبعني كظلي، بمعنى انه إذا أحسنت يحسن وإذا أسأت يسئ، فأشعرني ذلك بمسؤولية، وأنا لا أكره شيء مثل أن أحمل على عاتقي مسؤولية كهاذه، جعلني هذا أتأمل في حاله معي طوال السنوات الماضية، فلاحظت أنه يقلدني في كل شيء، وانه بالرغم من كثرة الكتب التي قرأها إلا أنه وكما يقال الكم على حساب الكيف، فلم ينتفع بقراءاته الكثيرة تلك أي شيء، وكنت ألاحظ أنه لا يرى في القصة "قرأها أو شاهدها"، إلا الجانب الجنسي فقط، في فترة المراهقة أعترف انني كنت مثله، ولكن بعد أن كبرت!.. لا ليس كل شيء في الدنيا يتعلق بالجنس! فمثل هذه النظرة للأمور جعلت منه متساهلا في الخوض في أعراض الناس!.. وأيضا الحقد، وهي من أكثر المشاعر الإنسانية التي تخيفني في البشر.

رحم الله والدي فقد كانت له نظرة في الأشخاص وحكما لا يخطئ أبدا.

وللحديث بقية...

أنا ناس
14-08-2011, 08:38 AM
19 رمضان
عام ...... لا يهم.

شيء غريب حدث لي ذلك الصباح، لا أستطيع نسيانه، ولا أستطيع التحديد هل كان حلما أم حقيقة؟!.

انتبهت وأنا شبه نائم على برودة لطيفة في أقدامي، وكأنها محاطة بريش بارد، وكأن هناك من يوقضني، ويجذبني برفق لأصحو، أفقت وتلفت، نظرت إلى قدمي.. لا يوجد أحد هنا، لم أستوي قاعدا بل نهضت بنصف جذعي الأعلى فقط، كنت أنظر إلى الجدار، والهدوء يعم المكان، عندها ودون سابق تفكير انطلق لساني بهذا الدعاء: ( اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي ، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي ؛ اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ) .
بعد انتهائي من الدعاء نظرت إلى الساعة فكانت في العاشرة والنصف.
أشعة الشمس كانت تملأ الغرفة، ولا زالت لدي رغبة في النوم، فنمت.

" في أواخر شعبان من تلك السنة، نقلنا والدي إلى المستشفى على أثر وعكة صحية شديدة، قرر الأطباء على أثرها نقله إلى العناية المركزة، كنت المرافق إلى أن أصبت بانفلونزا، فحذرني الطبيب من زيارته حتى لا أنقل له العدوى، فتناوب عمي وابنائه على زيارته، ومكثت في المنزل مع أمي وأخواتي حتى أشفى، فلازمتني الانفلونزا أكثر من اسبوعين. "

أكثر من اسبوعين والجميع يحذرني من الزيارة.

في المرة الثانية التي صحوت فيها كانت الساعة الواحدة ظهرا، فتعجبت لأنه لم يوقظني أحد للصلاة كالعادة.
ذهبت لاغتسل، في الواحدة والنصف خرجت من الحمام لأجد ابن عمي جالسا على طرف سريري، خافضا رأسه ينظر إلى الأرض، وبابتسامة رحبت به وسألته عن حاله، فباغتني، ودون أن يرفع رأسه " عظم الله أجرك ".

تجمدت تعابيري وسألته : من مات؟

فلم أصدق ما سمعت، توقعته أن يقول لي أي اسم، أي أحد في الدنيا، إلا والدي!
تأملت وجهه المتجهم فخارت قواي، وجثوت على ركبتاي، واستندت بكلتا راحتي على الأرض، فقال لي: ارتدي ثيابك، سأنتظرك في السيارة لنذهب للمستشفى.

لا أدري كم بقيت من الوقت وأنا على تلك الحال، كنت أهو رأسي يمنة ويسرة، لا أريد أن أصدق، استجمعت قواي لأنهض، فسقطت، حاولت التركيز، حتى لا أسقط مرة أخرى ولكن هيهات لي ذلك، بصعوبة ارتديت ثيابي وخرجت كأنني أمشي على الهواء، لا أشعر بالأرض تحت أقدامي، وكأنني أطير ببطء شديد، ربما هو الأدرينالين؟!..

أثناء الطريق في السيارة، لم أتبادل كلمة واحدة مع ابن عمي!

دخلنا المستشفى، ومباشرة للمكان الذي كان والدي فيه.. هذه المرة لم يحذرني أحد من الدخول عليه كي لا أنقل له العدوى! بل دفعت دفعا بعد أن توقفت قليلا أبحث عن أنفاسي لألتقطها.

كنت في السادسة والعشرين من العمر. في حالة ذهول وصدمة وحزن شديد.

يتبع...

أنا ناس
14-08-2011, 09:18 AM
أبي الحبيب...

هل تعلم الآن أني أحبك؟

كنت أحبك، ولا زلت أحبك، وسأظل أحبك.
فعلا.. أما قولا، فلا.. لم أكن أستطيع التعبير، كنت عاجزا عن ذلك!
سامحني.. هل ستسامحني؟.. فأنا لست مثلك أجيد التعبير عن ما في نفسي، تبا لي ولطبيعتي القاسية تبا...
طبيعتي القاسية؟!! لا لم أكن قاسيا يا حبيبي ولكنني لا أستطيع أن أعبر، ليس عن الحب فقط، بل عن كل شيء.
في كل لحظة ويشهد الله، انني كنت أريد ومن أعماقي أن أقول لك اني أحبك، أفضل أب أنت، وأنت الأصلح لمهمة الأبوة.
ولكن ماذا أفعل للساني الذي دائما ما يخذلني ويتركني عاجزا ويترك مشاعري قلقة لا تستطيع الخروج
هل رأيت سجانا كلساني يا والدي.. يا حبيبي.
هل تذكر ما قلته لي عندما كنت طفلا يحاول جاهدا أن يتشبث بالحياة بانني سأشفى وسنتسابق أنا وأنت وسأسبقك؟ صدقني انه لم ينقطع هذا الأمل إلا برحيلك أمس.
النادم جدا خالد
كتبت هذه الرسالة في:
20 رمضان
ثاني أيام العزاء

قبل موته، رحمه الله، لا أدري.. لماذا لم أتوقع أنه سيأتي اليوم الذي أترحم عليه فيه.
أحيانا لا أريد أن أصدق انه رحل وتركنا إلى الأبد، لا أريد أن أصدق انني لن أراه مرة أخرى، لن أسمع صوته، خاصة وهو يروي تلك الحكايات التي لا تمل ولا مثيل لها ولا له وهو يرويها.
كان أبي رجلا رائعا بشهادة كل من كان يعرفه، ولكنه رحل وتركني وحيدا أتخبط في هذه الدنيا وترك لي مسؤولية اربعة نساء لا أعلم مالذي علي فعله معهن.

وللحديث بقية....

أنا ناس
18-08-2011, 09:27 AM
الكابوس مرة أخرى...


قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&ID=953#docu) "

أعتقد أن العاقل يجب أن يعرف أنه فان، لذا عليه ألا يحرص على الدنيا، ابن عمي يقول لي ان الطيبة تمتزج لدي جيدا بالبلاهة، حتى ليشك فيّ من يراني ويحتار، لا يهم!.. أنا أبله، لأنني انسان يشعر أنه يسحق لمجرد أن يمد له ضعيف أو ضعيفة يده، فأنا أظن أنه مثلما كان الفقر ابتلاء للفقراء، فالثراء أيضا ابتلاء للأغنياء، وبصدق أكثر، حتى لو أردت أن أصرف السائل صفر اليدين لا أستطيع، أكان محتاجا بحق أم يظن أنه يضحك على مغفل مثلي، هذه حالي مع الجميع، لذلك يستغلني جيدا من يعرفني كسيء الذكر ابراهيم.

لدى هذا الرجل أحلاما بالثراء لا حدود لها، لذلك هو ينتقل من مشروع فاشل إلى مشروع آخر أكثر فشلا من سابقه، ففي السابق كانت مشاريعة صغيرة، بيع بطاقات الجوال، محل اكسسوارات، ثياب نسائية، توزيع الخضروات على بعض المحال التجارية وهكذا، كنت أستطيع أن أمّولها أو أساعد في تمويلها، ليس كشريك طبعا، وإنما كدائن للرجل الذي كان بحاجة دائمة للتمويل، وبالرغم مما استدانه مني إلا أنه لم يرجع لي قرشا واحدا مما أخذ، كنت أعذره سابقا بدافع الصداقة وبعد أن عرفت معدنه أصبحت أعذره بدافع انساني لا أكثر.

بعد وفاة والدي وتحديدا في اليوم الثالث للعزاء، أتاني مرتديا ثوب الناصح يحذرني من عمي وأولاده، أن يطمعوا في الارث، فنظرت له باشمئزاز، وقلت في نفسي ما هي إلا مسألة وقت حتى أطرد هذا الخسيس من حياتي، قلت له: أنا وما أملك لعمي وأولاده، فأسقط في يده وأخذ يتخبط في الحديث ويقول نعم ولكن الحذر واجب!!

بعد شهرين من وفاة والدي رحمه الله أخذت الصغيرتين إلى السوبرماركت كانت الصغرى في السابعة من العمر والأخرى في الثالثة عشرة، ويشاء الله أن أقابل ابراهيم وما ان رآني حتى أقبل متهللا يسلم ويقبل وهجم على الصغيرتين يقبلهما بطريقته الفجة حتى رحمتهما، فحاولت الانسحاب من براثنه انسحابا تكتيكيا.

بعد سنوات من وفاة والدي تزوج ابراهيم وأنجب، فكبرت مسؤولياته وأيضا مشاريعه الفاشلة، فكان يأتيني مستدينا كعادته، ولكن المبالغ التي يطلبها أصبحت فلكية، وربما طبيعتي جعلته يظنني مليونيرا، فكنت أتحجج له بعملي ومسؤولياتي ولكنه لم يعتد الخروج من عندي خالي الوفاض، لذلك ودون الحاح منه كنت أعطيه جزء من المبلغ، الذي أقدر عليه، والذي أعلم تماما انه لن يرده.

بالرغم من كل شيء كنت أسأل نفسي: لماذا أستمر بمساعدته وأنا أتمنى أن يبتعد عني بعد المشرق عن المغرب؟!! هل يستحق أن أضيع وقتي ومالي على شخص مثله؟!!

الانسان الجيد في نظري هو مجموعة من الأخلاق والقيم والمبادئ التي يتحلى بها وتصدر عنه في معترك الحياة، وابراهيم أعرف جيدا عنه، أن ميزان الصح والخطأ، والحلال والحرام عنده مختل، فلماذا يتواجد شخص كهذا في حياتي؟!! ربما حاجته وربما تاريخي معه كصديق سابق، لكن شخص مثله لا يراعي المعايير الأخلاقية المعروفة، ولا العادات والتقاليد، ولا الدين؟!!، هل سيراعي الله فيّ وفي أهل بيتي؟!
هذا ما كنت أظنه، ولكن الحقيقة انه لم يكن إلا شخص بدائي يتبع غرائزه ليصل لما يريد ضاربا بكل شيء عرض الحائط.

للحديث بقية...

عُـــدي
18-08-2011, 04:08 PM
عِشتُّ .. وأعيشُّ معكـ ~
ما زلتُ أُتابـع .. فهّلا تُتابع ..!

بح!
18-08-2011, 07:01 PM
أنا متابعة معك يا أخي باهتمام بالغ..
فهل ستطيل عليّ؟

أنا ناس
20-08-2011, 12:05 AM
عدي شكرا لك على المتابعة وأعدك أني سأكمل ان شاء الله.

بح! لا لن أطيل عليك، وأشكرك جدا على المتابعة.

منذ سنوات مضت كنت أمارس الكتابة كل يوم تقريبا، ولي أكثر من سبع سنوات أو تزيد لم أكتب شيئا، لذا أرجوا المعذرة، لأنه يجتمع لدي الآن قلة الزاد ( في اللغة ) ووعورة الطريق ( القدرة على التعبير ) أرجوا منكم التفضل علي بالانتظار الذي أعدكم أنه لن يطول ان شاء الله.

البرنس الحالم
20-08-2011, 04:24 AM
وانا متابع ايضا وبشغف كبير ..
شكرا كثيرا جدا ..

أنا ناس
21-08-2011, 10:46 PM
البرنس الحالم أشكرك جدا على المتابعة.

أنا ناس
22-08-2011, 01:18 AM
فوبيا الملف البني

تزوجت الكبرى وسكنت بعيدا عنا في مدينة أخرى، وتزورنا في الإجازات والمناسبات فقط، وبالرغم من فارق السن بيني وبينها إلا انها وبمعنى الكلمة أخت وصديقة معا، هذا ما أشعر به، لقد حباها الله باللطف والطيبة والرأي السديد، لذلك أنا أستشيرها في كثير من الأمور.

بعد وفاة والدي تغيرت أمي من شخص مقبل على الحياة سعيد، إلى شخص آخر لا أعرفه! أصبحت عصبية جدا، حزينة جدا، لا تهتم بنفسها ولا بالبيت كالسابق، غارقة في همومها وحزنها،وخوفها من المستقبل علينا جميعا، وأنا والله لا أملك إلا أن أشفق عليها من ذلك، ولا أملك لها شيئا، فغرقت أنا أيضا في العمل، لم نستطع أنا وأمي أن نتجاوز موت أبي بسهولة.

وبالنسبة للصغيرتين، أمي تظن أن مسؤولياتها في التربية قد زادت الضعف، لذلك على أتفه الأسباب، تعنف وتضرب البنات، وكنت بشدة أعارض ذلك، فأنا كوالدي لا أؤيد الضرب، ولا أستطيع أن أرى فيهما إلا صغيرتين ابتليتا باليتم في سن مبكرة، خاصة الصغرى التي لا تتذكر والدي جيدا، لذلك لا أرى ضرورة لكل هذه القسوة، وكي لا أفسدهما بالدلال كما كانت تقول لي أمي، وحتى لا أغضبها مني أيضا، تركت لها مسؤولية تربيتهما بالكامل، وكان هذا يناسبني جدا لأنني كنت أريد أن أكون الأخ الصديق، الذي إذا رأى خطأ نصح فقط، وأخذت على عاتقي توفير الكماليات قبل الضروريات للبيت ومن فيه.
*
في الثانوية العامة، مرضت وذهبت إلى طبيب، وقبل أن أخرج من عنده، أخرج آلة تسجيل صغيرة وبدأ بتدوين ملاحظاته الطبية بالصوت، فأعجبتني الفكرة واعتمدتها، بالرغم من صعوبة حفظ أشرطة الكاسيت الكثيرة وقتها، إلا انني كنت أدون كل شيء باستمتاع شديد، استمرت معي هذه العادة طويلا، لكن لم أعد أمارسها كالسابق، تطورت آلات التسجيل مع الزمن، وأصبحت رقمية أستطيع الآن بواسطتها تخزين الآف الملفات، لذلك أنا مولع بشراء هذه الآلات كنوع من التوثيق للذكرى.
*
سنوات طويلة وكل منا ملتزم بدوره، أنا في العمل وأمي في المنزل، وكما ذكرت سابقا، لم تتغير السياسات، أمي تجرح وأنا أداوي!
*
في يوم من الأيام كنت جالسا في المكتب، فأخبرني السكرتير أن ابراهيم ينتظرني في الخارج، فأمرته أن يدخله، فدخل ابراهيم حاملا في يده ظرف بني كبير، فاعتقدت انه فكرة أو دراسة جدوى لمشروع جديد!..

بعد السلام جلس أمامي مبتسما، ولاحظت أن ابتسامته كانت عريضه أكثر من اللازم، كنت أتمنى أن نتجاوز الشكليات ويخبرني بالمبلغ الذي يريده بسرعة، ولكن الصدمة التي تثير الضحك، وتثير الغيظ معا، هو ان مشروعه هذه المرة كان مختلفا جدا! مختلفا اختلافا جذريا، عن كل المشاريع!!..
المشروع هو...(( الزواج من أختي الصغرى ))؟!!..

ولأن الله قد تفضل ومنّ علي بالحلم، قلت له ببرود انها مخطوبة، ظنا مني أن خبرا كهذا سيقطع عليه الطريق ويميت مشروعه في مهده.

وبصفاقة وقلة حياء باغتني بالأسئلة: من هو؟ وابن من؟ وماسمه؟... ورأيت في وجهه شيء من الزهو والانتصار، لم أفهمه حينها.

قلت له لا تعرفه.. المهم ماذا تريد أن تشرب؟

فقال لي: هل تظن اني لا أعلم عن احتقارك لي ولعائلتي؟!..
"هو هكذا يظن دائما أن سبب مشاكله كلها أمه الفقيرة المسكينه لأنها هندية!.. أما أبوه السكير وأخلاقه الوضيعه لا تشوبها شائبة؟!!

قلت بنفاد صبر: الموضوع كما قلت لك، وليس كما تظن، أنت رجل متزوج ولديك أطفال، ولا تنسى أيضا فارق السن!.. إذا كنت تريد أن تتزوج الثانية! تزوج امرأة تناسبك.

قال لي: إذا أختك لا تناسبني؟!! وابتسم بخبث

قلت له بحزم: لا لا تناسبك!.. واحتراما للذي كان بيننا، لا تفتح معي هذا الموضوع مرة أخرى.

استوى واقفا ورمى أمامي على الطاولة بالملف البني الذي معه، وقال لي اطلع على هذا الملف، وقابلني غدا الساعة السادسة والنصف في... وسمى لي مقهى معروف.
فقلت: غدا؟.. لا لا أستطيع لدي اجتماع.
اتسعت ابتسامته وقال سنرى!.. وذهب
*

يتبع.....

عُـــدي
22-08-2011, 03:38 AM
لا آراكـ الله مكروه ..
خفف علينا من الـ يتبع ..
وزدّ علينا أضعافاً من الأسطر ..
أكادُّ اخاف عليكَ من ضياع " الطبخة" بسبب الـ يتبع ..
ننتظر ~

أنا ناس
23-08-2011, 12:28 AM
عدي إذا زدت في الأسطر ستحرق "الطبخة"! ولن تضيع فقط
أتمنى لك مثل دعوتك لي، وشكرا على الانتظار

أنا ناس
23-08-2011, 03:01 AM
بعد ذهاب ابراهيم، نظرت إلى الملف، وبلا أدنى شك أعلم انه لا يبشر بخير، ولكني أردت أن أعرف، مالذي يجعل رجل كالعلقة مثلة، يتعامل معي بفوقية المنتصر هكذا، فأخذت الملف أقلبه بين يدي، وفتحته فوجدت فيه رزمة من أوراق ال(A4)، أخرجتها فإذا هذه الأوراق مطبوع عليها محادثات ماسنجر ورسائل الكترونية، بين رجل وامراة،..... لا بل!.. بين ذئب وفتاة في الخامسة عشرة!.... بين ابراهيم... وأختي الصغرى!

شعرت بحرارة في رأسي من الغضب، لقد غضبت غضبا شديدا جدا، جعل الدماء تغلي في عروقي، لو كان اللعين أمامي في ذلك الوقت لقتلته، لم يتملكني في حياتي غضب مثل ذلك الغضب، غضب جعلني أتخبط.. أقوم وأجلس، ألتف حول نفسي وأضرب بيدي على الطاولة، وأصرخ... دخل الساعي المسكين إلى المكتب، فطردته شر طرده، لم يكن باستطاعتي النظر في وجه أحد أو الحديث مع أحد، في تلك اللحظة شعرت حقا اني سأهلك من شدة الغضب، يبدو ان جسدي لا يحتمل غضبا من هذا النوع، وعندما خارت قواي أخذت ورقة وقلما، وكان السؤال كيف حصل على بريدها الالكتروني؟!، منذ متى وهو يخطط للنيل مني بهذا الشكل؟!! الخبيث ابن الخبيث، مهما حاولت في ذلك الوقت أن أفهم دوافعه لا أستطيع، لكن لماذا هو بهذه الخسة، مالذي فعلته له؟!! والله لم أهينه، حتى عندما يسألني مبلغا كبيرا من المال، لا أستطيع أن أجعله يخرج مكسور الخاطر، دون جزء ولو بسيط من المبلغ، كنت أعتذر منه اعتذار المذنب، لأني لا أمتلك المال الكافي، الذي يجعل منه مليونيرا يلعب بالفلوس لعب ( على حد تعبيره وآماله )...

المؤلم والمحزن اني اعترفت لنفسي أنه لدي مشكلة في البيت، يجب أن تحل بسرعة، قبل أن تتفاقم!..

بعد أن هدأت قليلا أخذت أتصل على ابراهيم كثيرا ولكنه لا يرد، بعد اتصالاتي الكثيرة، أرسل لي رسالة أنه سيلتقيني غدا في المقهى، يريد أن يتركني في الجحيم إلى الغد، حسنا، قلت لنفسي... سألتقيه غدا، وستكون هذه فرصتي لأضع النقاط على الحروف، خرجت من المكتب حاملا الملف البني.
ذهبت إلى النادي الرياضي واتصلت على والدتي لأخبرها أني لن أستطيع المجيء إلى البيت هذه الليلة، فلا أعرف لو رأيت هذه التافهة الصغيرة مالذي سأفعله فيها، لماذا تخطيء وكل شيء متوفر له؟!.. ففكرت قليلا.. إلا "الأب"!... ولكن هذا لا يعطيها الحق، فتوقفت، انها "صغيرة" بسهولة تتعرض للاستغلال... وفكرت ثانية لا ولا هذا أيضا يعطيها الحق!.. فتذكرت أنها كانت قد أخبرتني منذ سنتين تقريبا انها "تشعر بالوحدة" فأحضرت لها بليستيشن ودمية "دبدوب صغير"!.. عندها بدأت أفكر أكثر وأكثر وصراع داخلي بيني وبين نفسي يكاد يقتلني!...فأخذت الملف أقلب أوراقه ثانية، وبدأت أقرأ رسائلها هي فقط! فوجدتها تبث شكواها من؟!!.. مني أنا! من انشغالي وبعدي عنهم وعن البيت... من أمي! وقسوتها... من أخواتها وعدم احساسهم بها وتفكيرهم فيها.. من شعورها بالوحدة! و"اليتم"... هكذا كتبتها "أشعر بالوحدة واليتم".. وأخذت أردد الكلمة فشعرت بحزن شديد، واعترفت انني أشترك معها في الخطأ لأنني اكتفيت بدور المتفرج! ولم أقم بدوري للأسف معها كما يجب، ولن ألوم أمي! لا.. لن ألوم أحدا إلا نفسي، فأنا المخطئ...كنت ممتلئا غضبا وحزنا، لذلك قررت ألاّ أجعلها تدفع ثمن هذه الغلطة من عمرها كله، وآليت على نفسي أن أعيد تربيتها من جديد.

*
في اليوم التالي حملت في جيبي آلة التسجيل الرقمية وذهبت إلى ابراهيم في الموعد!

يتبع.... بعد رمضان ان شاء الله
إلى اللقاء....
وكل عام وأنتم جميعا بخير :rose:

عُـــدي
27-08-2011, 02:29 AM
عُّـد بخير ..
وكل عام وأنت طيب ..
وكأنني قرأت مثل هذه القصة واقعياً لدى أحد الأصحاب مع إختلاف بعض المُعطيات ..

ننتظر القادم .. ~

أنا ناس
04-09-2011, 02:14 AM
شكرا لك ولانتظارك يا عدي... :rose:
ولكن.. هل حقا قرأت مثل قصتي هذه؟! انه لشيء عجيب!!.. :)

سأعود لأكمل ان شاء الله، بعد أن ألملم نفسي.

أنا ناس
07-09-2011, 02:56 AM
كنت قد حسمت أمري، فلن أسمح له مهما قال باستفزازي، ولن يأخذ مني ما يريد مهما حدث، وفي النهاية سأنتهي من هذا الكابوس إلى الأبد.

دخلت المقهى وأنا مستعد تماما لكل شيء، فقد كنت في ذلك اليوم متصورا لكل السيناريوهات التي من الممكن أن تحدث.

رأيته جالسا في زاوية من زوايا المقهى وقبح أفعاله قد انعكس على وجهه، ورأيت ابتسامة النصر قد ارتسمت على وجهه عندما رآني، وحالما اقتربت منه بادرني بلهجة المتشفي: أتيت إذا؟!.. ألم تقل لي بالأمس بأنه لديك اجتماع؟!!
فقلت مبتسما ومستفزا له: دعنا من هذا ولنتحدث عن مشروعك الجديد، هل تريد الزواج بأختي التي تصغرك بربع قرن!.. وتهددني بالفضيحة إذا لم أقبل تزويجك إياها؟!!..
وبهدوء مصطنع لإغاظته.. قلت له: لا أدري أين كان عقلك وأنت تخطط لكل هذا.. ثم يا رجل ما تراه وتظنه أنت بعقلك الضعيف الساذج هذا فضيحة أنا لا أراه كذلك
فقاطعني مبتسما: سنرى أين سيذهب هذا المتحرر.. إذا انتشر هذا الملف " والتقط من الكرسي الذي يليه الملف البني" في بيوت أقربائك وأصدقائك وكل من تعرف.
فقلت له: لا بأس ولا حرج عليك فأنت لم تكن حرا ولن تكون حتى تستطيع أن تفرق بين الحر والمتحرر، ألا تخجل من نفسك؟ لقد قرأت كل المحادثات والرسائل فلم أجد فيها إلا ما يدينك ويشينك أنت.. لا فتاة صغيرة في الخامسة عشرة، أليس لديك أخوات وطفلة صغيرة ألا تخاف أن... فقاطعني بقوة: "لا لا أخاف ولو تجرأت احداهن على ذلك لقتلتها" الصغيرة الصغيرة ألا تكبر الصغيرة عندك أبدا، عند سماعي له يقول ذلك، تمنيت لو كانت آلة التسجيل قريبة من فمه حتى يكون صوته أكثر وضوحا وهو يسفر عن حقيقته البشعة.. شعرت ببعض الرضا لأن خطتي كانت سائرة في مسارها الصحيح.
فقلت له ببطئ: إذا.. أنت تلوح لي.. فعلا بالفضيحة.. التي تستدعي بعقليتك البدائية الهمجية هذه "جريمة شرف"!!..أليس كذلك؟!.. قلت وأنا أستعد للمغادرة "هذه الأوراق التي تهددني بها، اذهب وانشرها في الجرائد إذا أردت.. ولكن أحذرك أن تريني وجهك مرة أخرى"

خرجت من المقهى وكرهي لابراهيم قد بلغ مداه، والمؤلم اني كنت على يقين أن الرجل عازم على المضي في تنفيذ تهديداته، والمريح .. إذا كان ثمة ما يريح .. اني قد تخلصت منه إلى الأبد.

*

طبعا نفذ ابراهيم تهديده، وقام بنشر "الملف البني" على بعض معارفي وأصدقائي وقليل من الموظفين عندي، حتى بت كلما رأيت ملفا بنيا أتوجس منه!.. وتقبلت صاغرا الكثير من الإهانات على إثر ذلك، ولكن أكثر الإهانات إيلاما لنفسي كانت موقف ابن عمي الأصغر الذي صرخ في وجهي عندما علم بالأمر قائلا: إذا لم تكن قادرا على تربية "حريمك" فنحن نربيهم لك، فصرخت بدوري في وجهه بأن يخرس ووجهت كلامي لأخيه الأكبر وقلت له ان هذه المشكلة تخصني وحدي وأنا الوحيد القادر على حلها، وحذرته انه لو تكلم معي أحد منكم في هذا الموضوع ثانية أو حتى لمّح إليه فلن ترو وجهي مرة أخرى، خرجت ذلك اليوم من بيت عمي وأنا أحمل على رأسي أطنانا من الغم والهم والقرف، كنت أظن في البداية ان الناس الذين هددني بهم ابراهيم عندما يقرؤون الملف سيعرفون أن الفتاة مراهقة بريئة جدا غرضها أن تبث شكواها من الدنيا والناس!.. لا أكثر ولا أقل.. كنت أظن أن مجتمعنا أكثر تسامحا ورقيا، ولكن يبدوا انني كنت واهما ومخطئا في ذلك، لقد أسفر ابراهيم عن وقاحته وقذارته بشجاعة يحسده عليها أدعياء الفضيلة والشرف، لقد اكتشفت بأن هذا المجتمع الذي أعيش فيه مجتمعا بدائيا غريزيا يدعي النضج والرقي وهي منه براء، الحقيقة أنني لم أعي حجم المشكلة في البداية، ولكني الآن أعلم جيدا أن الفتاة في هذه المجتمعات يجب ألا تخرج من بيتها إلا إذا كانت قوية وناضجة ومستعدة نفسيا لمواجهة أي شيء "وأي ابراهيم!" ممكن أن تتعرض له..

قضيت بعد خروجي من بيت عمي الليل كله أمام الكورنيش أتأمل البحر وأفكر في ما الذي يجب علي أن أفعله، وكيف يجب أن أتصرف لأحمي عائلتي من هذا كله.

حينما أشرقت شمس صباح اليوم التالي، وقد كنا في نهاية العطلة الصيفية من ذلك العام، توجهت لمدرسة أختي وطلبت من حارسها الحديث مع مديرة المدرسة، فطلبت منها بصفتي ولي أمرها سحب ملفها "ملف الطالب".

للحديث بقية....

أنا ناس
08-09-2011, 01:19 PM
أكبر مصائبي كانت من الآخرين، الآخرين الذين يحللون ويشرّحون.. ولا يشعرون!.. كنت قد اكتفيت من الناس وتعبت منهم لذلك لم أعر تلك الاهانات كبير اهتمام، كنت أنظر للبعض وهو يكاد يصرخ في وجهي بأعلى صوت "يا ديوث"!.. وأنا أعرفه جيدا، وغد خسيس كالكلب يلغ في أعراض الناس، لم يعرف عنه وعن أهل بيته الصلاح.
كنت أشعر أحيانا أن ما أمر به كثير أن أحتمله، وأحيانا أخرى كنت أتسائل ماذا كان سيحدث لو لم أسافر إلى ألمانيا؟!.. ماذا لو كنت ميتا الآن؟.. أليس من الأفضل لو مت، لماذا أعيش؟.. لماذا عشت؟.. ماذنبي؟!.. أبي.. أريد أبي.. كم كنت بحاجة لرؤيته.. جدا.. أنا لا أستطيع أن أربي.. فالحزم والشدة ليست من طباعي.. خاصة مع الأطفال " فتذكرت الحقير وهو يقول لي: الصغيرة الصغيرة ألا تكبر الصغيرة عندك أبدا " هل هذا درس لي لأتعلم أن أكون أكثر حزما وجدية؟.. لماذا؟!.. حينما مات أبي وأنا الرجل، شعرت وكأني أهيم على وجهي في الفضاء.. لا أرض تقلني ولا سماء تظلني! لقد غاب سندي وبت وحيدا غاضبا لا أعرف مالذي يجب علي أن أفعله!.. فكيف بمن تيتمت قبل أن تعرف وتنعم بنعمة الأبوة ،لماذا علينا أن نمر بكل هذا؟!..
في ذلك الوقت " عندما مات أبي " لم أسمح لنفسي بالبكاء كبقية الناس، بكى والدي الكثير ممن يعدونه أخا صديقا أو أبا، إلا أنا ابنه الذي من صلبه، لم أبكه لأني كنت من الداخل رافضا لموته، لم أكن ناضجا بما يكفي في ذلك الوقت، حتى أفهم معنى الموت، معنى أنه لم يعد لانسان، ملء سمعك وبصرك، وجود، في لحظة يختفي، هكذا!.. ولن تراه بعدها ابدا.. إلا في أحلامك.

وحيد بوجعي، لا يشاركني فيه أحد، أو بالأحرى، لا أحد يريد أن يشاركني فيه، الناس تشير إلى، وتتهامس علي حينما تراني، والبعض الذي يكاد يموت من الفضول، يريد أن يعرف باقي فصول القصة، ومالذي فعلته بأختي!.. هؤلاء الملاعين، الذين ينتظرون حدثا من العيار الثقيل، حدثا لا نراه إلا في المسلسلات العربية الرخيصة، ولا نقرأه إلا في الجرائد الصفراء، ولا نسمعه إلا من أحط وأقذر خلق الله.

لكل ما مررت به، قررت أن أتعلم عادات جديدة، وأقوم بأعمال تعد بالنسبة لشخص مسالم مثلي، خروجا عن المألوف، أو حتى انتزاعا من الجلد، لا يهم.. بعد أن هنت علي الناس، هانوا علي، ولم يعد يعنيني الهمز واللمز، لم يعد يعنيني أحد.

قررت أن تشاركني أمي في هذا... ولكن هذه المرة " بطريقتي أنا وأسلوبي أنا " لا بطريقتها هي!.. لقد كانت تخاف أن يفسدهن الدلال.. ونسيت أن القسوة هي الوجه الآخر للعملة.
بعد أسبوع من لقائي بابراهيم، دخلت المنزل في ساعات الصباح الأولى، وتوجهت رأسا إلى حجرة أمي، حاملا الملف البني معي لأريها اياه، وأخبرها عن قراري الذي اتخذته، فدخلت الغرفة ورأيتها جالسة وحدها، تقرأ القرآن، حييتها فلم ترد التحية!.. ولم ترفع رأسها!.. استغربت ظننتها غاضبة مني لأني غبت أسبوعا عن البيت، فاقتربت منها لأقبل رأسها وأعتذر، فوقعت عيني على مجموعة من الأوراق المتناثرة أمامها على الطاولة، دققت النظر فيها فإذا بها.. أوراق ابراهيم!..

يتبع...

أنا ناس
11-09-2011, 02:00 AM
تأملت الأوراق المتناثرة، فتسائلت منذ متى وهي تعرف؟.. ومالذي فعلته بالبنت؟ فشعرت بانقباض شديد لمجرد التفكير في الأمر، نظرت إليها، يبدو انها لا تريد رؤية وجهي.. فناديتها: أمي!
رفعت رأسها ووضعت القرآن جانبا ثم نظرت إلي وأجابت بوجه يخلو من التعابير: نعم!
تأملت وجهها أريده أن يفصح ولو قليلا عن الذي حدث، كنت متعب من الكلام، ومنهك من التفكير، ولكنها ظلت صامتة، تنظر إلي، بنظرات لم أفهمها، هل هي غاضبة أم ماذا؟ حولت نظرها إلى الأوراق والتقطت بعضها ولوحت أمامي بها وقالت: طبعا، أنت تعرف ما هذا؟ فأومأت برأسي نعم، وقلت هذا الذي جئت لأحدثك بشأنه.
فقالت بحدة: وهذا الذي جعلك تغيب عن البيت أسبوعا كاملا!
فقلت لا لا.. ربما.. لا أدري، كنت مشوشا منهكا، أجبر نفسي على الكلام، مجروح، أسبوع وأنا أعاني.. وهي لا تعرف ولا تريد أن تعرف!.. تريد أن تغضب، وتلوم.. وأنا طاقتي نفدت، ولا أستطيع تحمل اللوم والعتاب، كنت أتمنى أن تسمعني فقط وتفكر معي بهدوء.. هل هذا كثير علي يا أمي؟! ألا يكفيني ما أنا فيه؟ فسألتني: أليس هذا ابراهيم الذي حذرك منه أبوك؟ أليس هذا الوسخ صديقك الذي.. فقاطعتها قائلا وأنا أشعر بألم في صدري.. انه ليس صديقي وتعرفين انني ابتعدت عنه قبل أن يموت أبي.. ولكنه استمر في زيارتي وأنا لا أستطيع طرده.. بغضب قالت والآن طردته بعد أن جلب علينا الفضائح!..ليتك مت!.. لقد مرغت أنوفنا وأنف أبيك في التراب، هل تعلم من أحضرت لي هذه الأوراق؟ تتشمت بخبث وتسدي الي النصائح إنها زوجة عمك الثانية، ليتك مت!.. فمالذي جنيناه منك غير المصائب.. يا أمي أرجوك لا تغضبي مني هكذا.. قلت لها ذلك وأنا مصدوم أشعر بغصة، وألم مزعج في صدري لا يطاق، كان الهواء يتناقص.. كنت في داخلي ألومها على قسوتها، وهي الآن تلومني على كل شيء.. حتى على وجودي!!.. بل وتتمنى لي الموت أيضا!.. هل هي جادة فعلا في ذلك، أن أتمنى أنا الموت لنفسي شيء، وأن تتمناه لي أمي شيء آخر.. انه أكثر إيلاما للنفس.. تجمدت تعابيري كعادتها على تلك الابتسامة.. فقالت أتضحك؟!.. مالذي يضحكك.. أتضحك؟!..وبصقت على وجهي!!.. فوضعت يدي على صدري... الألم يزداد... والهواء يتناقص.. شيئا فشيئا.. حتى شعرت أنه لا يوجد هواء لأتنفسه.. أستطيع أن أتحمل كل شيء ولكن مشاهدتها وهي غاضبة على تلك الحالة وتهديدها لي بأنها ستقتلها آلمني كثيرا.. هل هي جادة فعلا؟.. هل ستصل إلى هذا الحد؟.. كنا جميعا مخطئين.. ولكن مهما حصل.. الأمور لا تحل بهذه الطريقة!..
في لحظة بعد كل الذي حدث... انهارت دفاعاتي وامتلئت عيناي بالدموع.. فوضعت غترتي على وجهي وبكيت.. وأنا أقول لأمي.. ارحميني يا أمي... ارحمينا جميعا... أرجوك، لا أستطيع أن أحتمل أكثر.. وعندما رأت أمي دموعي انهارت دفاعاتها هي أيضا واضطربت.. كانت ردة فعلها تشبه إلى حد كبير ردة فعلي عندما رأيت والدي رحمه الله يبكي اشفاقا علي من المرض.. فأكثرت من " لا يا حبيبي لا أرجوك! ... لا يا حبيبي.. لا تبكي " عانقتني ووعدتني انها ستفعل ما أريد!.. بالرغم من اني كنت قد وصلت حدي، ولدي شعور ان هذا الجرح لن يبرأ بسهولة، إلا انني كنت راضيا عن الوعد الذي قطعته لي على نفسها.. أمي انسانة جيدة لو تمالكت نفسها ولم تغضب، لا بأس من البكاء أمام أمي.. ولكن!.. هل كان يجب علي أن أبكي حتى تعود أمي كما كانت؟!.. سامحها الله..

للحديث بقية....

أنا ناس
17-09-2011, 06:01 PM
" أكبر معركة يجب أن يخوضها الإنسان، معركته مع نفسه، معركة ينتصر فيها حب العدالة على شهوة الحقد، لتستسلم فيها الكراهية والعنف والتعصب الأعمى، لكل ما هو نبيل في الإنسان "... البير كامو

ما حدث قد حدث، والآن علي أن أقوم بدوري بشجاعة وحرص على الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر للجميع، التفكير بهدوء في المصيبة وإيجاد أفضل الحلول لها هو سلاحي الوحيد الآن.

فكرت أن تتوقف أختي عن الدراسة لمدة سنة واحدة، ثم بعد ذلك أنقلها إلى مدرسة أخرى أفضل من مدرستها السابقة، وفي خلال هذه السنة ستُفرض عليها واجبات كثيرة، سنملئ وقتهافيها بكل ما هو مفيد، لدينها وعقلها وأخلاقها ولبدنها أيضا..

لم أكن بحاجة للتفكير الطويل حتى أعرف أين يكمن الخلل، التفاهة والسطحية والجحود والتنكر لنا جميعا، وتركيزها الشديد والمبالغ فيه على نفسها لا يدل إلا على شيء واحد.. انها تعاني من " الفراغ " وصدق الشافعي حينما قال ( إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل ).

عندما استشرت العائلة، الجميع وافقني على ذلك.. فقامت أختها الكبرى باعداد برنامجا خصيصا لها، يبدأ من الصباح الباكر ولا ينتهي إلا في المساء.. البرنامج صممته على حسب دراستها هي.. واحتياجات أختها.. قالت وظيفة البرنامج أن ينمي جميع الجوانب الناقصة في شخصيتها، كالجانب الروحي والنفسي والاجتماعي والمادي والعاطفي.
فتكفلت أنا، وبمساعدة الجميع طبعا، بتطبيق البرنامج، بما أنه صمم بشكل علمي مدروس، واتفقت مع مدرسة قرآن ومدرسة لغة انجليزية ومدربة لياقة بدنية أن يحضرون كل يوم للمنزل، ما عدا يوم الجمعة الذي نستغله في بعض النشاطات الخيرية، والتي ستنفق عليها من مصروفها الخاص، وقراءة كتاب جيد في الأسبوع باشرافي، والالتزام بواجباتها الدينية والمنزلية باشراف أمي طبعا، ما كان يهمني بالدرجة الأولى هو أن نشغلها بكل ما هو جيد ومفيد، خاصة لعقلها.. فأنا لا أريد أن أراها تعاني في حياتها بسبب تفاهتها وتفكيرها السطحي، أريدها أن تنضج جيدا حتى لا تعود بحاجة لأحد أن يدبر لها أمورها وينتشلها مما تسقط نفسها فيه.

قامت أختها بتبليغها بكل ما حدث، وحرصت أن تبتعد عنها أمي في البداية ولا تكلمها كغاضبة منها.. وأنا أيضا ابتعدت عنها.. وبعد فترة قصيرة ذهبت إليها بالأوراق و بآلة التسجيل وخرجت لأعطيها فرصة للقراءة والاستماع ولتعرف بنفسها مالذي فعلته فينا وفي نفسها.. عندما عدت إليها وجدتها لا تستطيع رفع عينها في وجهي، مكسورة النفس.. فمسحت على رأسها وقلت لها لا أحد يلومك شرط ان تلتزمي ببرنامجك.. أنا هنا لست عدوك، أنا هنا موجود لأجلك لا لأحميك من الناس فقط ولكن لأحميك حتى من نفسك!..
حاولي أن تقدري ما نمر به من اهانات كل يوم بسببك.. فالناس لا ترحم.. وإذا نظرت للبرنامج هذا بسلبية ستكونين المتضررة الوحيدة، فكل ما نطلبه منك الآن أن تتعاملي مع ما تسمعيه بقلب مفتوح، وأن تحرري عقلك من خرافة الخوف على المستقبل، لأنه لن يضيع.. وأنا بل نحن جميعنا سنحرص على ذلك.. تأكدي من هذا.. وأؤكد لك انه لن يرحمك أحد لو تهاونتي فيه..

لاحظت مع مرور الوقت أن هذا البرنامج قد أتى بثمارة، فيوما بعد يوم كانت تتفتح أمامنا كزهرة جميلة.. لقد تغيرت طريقتها في الكلام واللباس، حتى انها انخرطت في نشاطات خيرية بكل جهدها.. لم تخلف ظننا فيها، ولم نتعب ولم نبذل الكثير معها، وقد كنا ومازلنا جميعا سعداء بذلك.

أحيانا أسأل نفسي ماذا كان سيحدث لو استسلمت لثورة الغضب، وفي ذلك الوقت من كان سيلومني؟..
أحمد الله على نعمة العقل، صحيح انني قد خسرت الكثير من الناس، غير آسف عليهم طبعا، ولكني كسبت نفسي وعائلتي.

النهاية.

أنا ناس
17-09-2011, 06:08 PM
تنويه أخير لا بد منه، مع اعتذاري عن اللبس

هذه القصة بكل ما فيها من أشخاص وأحداث ( باستثناء 5-10% ) خيالية.

أختكم: أنا ناس.

كهربائي
01-12-2011, 09:20 PM
فوبيا الملف البني

تزوجت الكبرى وسكنت بعيدا عنا في مدينة أخرى، وتزورنا في الإجازات والمناسبات فقط، وبالرغم من فارق السن بيني وبينها إلا انها وبمعنى الكلمة أخت وصديقة معا، هذا ما أشعر به، لقد حباها الله باللطف والطيبة والرأي السديد، لذلك أنا أستشيرها في كثير من الأمور.

بعد وفاة والدي تغيرت أمي من شخص مقبل على الحياة سعيد، إلى شخص آخر لا أعرفه! أصبحت عصبية جدا، حزينة جدا، لا تهتم بنفسها ولا بالبيت كالسابق، غارقة في همومها وحزنها،وخوفها من المستقبل علينا جميعا، وأنا والله لا أملك إلا أن أشفق عليها من ذلك، ولا أملك لها شيئا، فغرقت أنا أيضا في العمل، لم نستطع أنا وأمي أن نتجاوز موت أبي بسهولة.

وبالنسبة للصغيرتين، أمي تظن أن مسؤولياتها في التربية قد زادت الضعف، لذلك على أتفه الأسباب، تعنف وتضرب البنات، وكنت بشدة أعارض ذلك، فأنا كوالدي لا أؤيد الضرب، ولا أستطيع أن أرى فيهما إلا صغيرتين ابتليتا باليتم في سن مبكرة، خاصة الصغرى التي لا تتذكر والدي جيدا، لذلك لا أرى ضرورة لكل هذه القسوة، وكي لا أفسدهما بالدلال كما كانت تقول لي أمي، وحتى لا أغضبها مني أيضا، تركت لها مسؤولية تربيتهما بالكامل، وكان هذا يناسبني جدا لأنني كنت أريد أن أكون الأخ الصديق، الذي إذا رأى خطأ نصح فقط، وأخذت على عاتقي توفير الكماليات قبل الضروريات للبيت ومن فيه.
*
في الثانوية العامة، مرضت وذهبت إلى طبيب، وقبل أن أخرج من عنده، أخرج آلة تسجيل صغيرة وبدأ بتدوين ملاحظاته الطبية بالصوت، فأعجبتني الفكرة واعتمدتها، بالرغم من صعوبة حفظ أشرطة الكاسيت الكثيرة وقتها، إلا انني كنت أدون كل شيء باستمتاع شديد، استمرت معي هذه العادة طويلا، لكن لم أعد أمارسها كالسابق، تطورت آلات التسجيل مع الزمن، وأصبحت رقمية أستطيع الآن بواسطتها تخزين الآف الملفات، لذلك أنا مولع بشراء هذه الآلات كنوع من التوثيق للذكرى.
*
سنوات طويلة وكل منا ملتزم بدوره، أنا في العمل وأمي في المنزل، وكما ذكرت سابقا، لم تتغير السياسات، أمي تجرح وأنا أداوي!
*
في يوم من الأيام كنت جالسا في المكتب، فأخبرني السكرتير أن ابراهيم ينتظرني في الخارج، فأمرته أن يدخله، فدخل ابراهيم حاملا في يده ظرف بني كبير، فاعتقدت انه فكرة أو دراسة جدوى لمشروع جديد!..

بعد السلام جلس أمامي مبتسما، ولاحظت أن ابتسامته كانت عريضه أكثر من اللازم، كنت أتمنى أن نتجاوز الشكليات ويخبرني بالمبلغ الذي يريده بسرعة، ولكن الصدمة التي تثير الضحك، وتثير الغيظ معا، هو ان مشروعه هذه المرة كان مختلفا جدا! مختلفا اختلافا جذريا، عن كل المشاريع!!..
المشروع هو...(( الزواج من أختي الصغرى ))؟!!..

ولأن الله قد تفضل ومنّ علي بالحلم، قلت له ببرود انها مخطوبة، ظنا مني أن خبرا كهذا سيقطع عليه الطريق ويميت مشروعه في مهده.

وبصفاقة وقلة حياء باغتني بالأسئلة: من هو؟ وابن من؟ وماسمه؟... ورأيت في وجهه شيء من الزهو والانتصار، لم أفهمه حينها.

قلت له لا تعرفه.. المهم ماذا تريد أن تشرب؟

فقال لي: هل تظن اني لا أعلم عن احتقارك لي ولعائلتي؟!..
"هو هكذا يظن دائما أن سبب مشاكله كلها أمه الفقيرة المسكينه لأنها هندية!.. أما أبوه السكير وأخلاقه الوضيعه لا تشوبها شائبة؟!!

قلت بنفاد صبر: الموضوع كما قلت لك، وليس كما تظن، أنت رجل متزوج ولديك أطفال، ولا تنسى أيضا فارق السن!.. إذا كنت تريد أن تتزوج الثانية! تزوج امرأة تناسبك.

قال لي: إذا أختك لا تناسبني؟!! وابتسم بخبث

قلت له بحزم: لا لا تناسبك!.. واحتراما للذي كان بيننا، لا تفتح معي هذا الموضوع مرة أخرى.

استوى واقفا ورمى أمامي على الطاولة بالملف البني الذي معه، وقال لي اطلع على هذا الملف، وقابلني غدا الساعة السادسة والنصف في... وسمى لي مقهى معروف.
فقلت: غدا؟.. لا لا أستطيع لدي اجتماع.
اتسعت ابتسامته وقال سنرى!.. وذهب
*

يتبع.....


الرغي والسرد بينهما خيط رفيع لا يدركه الاكاتب بارع وقارئ ذكي