PDA

View Full Version : "ذكريات الماضي الرهيــب"



جنون قلــــم
04-09-2011, 10:09 AM
عاد بذاكراته إلى الوراء، ضجت المشاهد والمآسي في راسه، أقامت الذكريات البائسة صولة رعشت جسمه الهزيل، تذكر يوم كان يعانق باب بيتهم ويرى الناس ينتقلون بعجل بخطوات كللها الأسى، لم يهتم كثيرا فقد كان أصغر من أن يعي ما يحدث، أو أن يفهم ما يدور حوله، حمل الناس صندوقا ومضوا به وسط بكاء وعويل، وكفكف هو دمعاته الحارة الندية التي نزلت مجاراة لدموع المحيطين به، وعاد إلى المطبخ ليتناول وجبته ... لم يدري أنه في اللحظة التي كان يأكل ليعيش إنما يدفنون سبب وجوده...
لو كان في وعيه الحاضر لردد مع دمعاته عوضا عن الأكل:
ودعت قلبي والحشا يتقطع *** والقلب من فقد الاحبة في جزع
هذا الفؤاد قد توارى واختفى*** فلأمضين طول الحياة في جزع
فلوا أنها تـُفدى لكنت لها الفدى*** وأعطي لأمي من حياتي مُتسع
أطبق جفنيه على دمعة عصية وتسللت أخرى لتسقي بقايا قبلات لطالما التصقت بخده.
مرت به ذكرى ذلك اليوم البارد حينما كانت تلاحظه من الشباك وهو يتباهى على أقرانه مستعرضا قوته وشجاعته ، فنادته بصوتها الفيروزي... عاد على مضض، حضنته... فذهب ما به من برد لما أحس دفء مشاعرها وسعة قلبها الذي أرخى عليه سدوله، فكانت تلك الضمة أخر عهده بها ... أحس بأن احشائه تتقطع ... غمغم بكلمات غير مفهومة ثم أشاح برأسه إلى الناحية الأخرى ولعله يريد أن يظفر بلحظة فرح، انفرجت ابتسامة غامضة كرجل خرج من ركام حريق بعد أن يئس من النجاة، مرت ذكرى صباحية ندية بكوم الذكريات المظلمة... حينما كانت أمه تمسكه مع شدقيه وترجل شعره وتمطره بوابل من القبلات وهو يتأفف ضجراً ... حمل حقيبته ليمضي إلى روضته ... نادته أمه ... فسرت في جسمه قشعريرة لصوتها... التفتت تلقائيا فإذا هي ناشرت ذراعيها لتجمع شتاته وتلملم عواطفه وكأنها كانت تحس بدنو أجلها...
لهفي عليه بعدها ... لمن كان يشكو قسوة الجوع ولسعة البرد وسلطان التعب؟!
لهفي عليه... كيف كان يعيش يومه؟ أم كيف كان يفرح بيومه؟ أم من يهنأه بتفوقه؟ أم من يمسح دمعته؟
ينادي متوجداً عليها:
لهفي عليكِ إذا ما العيد مر على*** هذي الديار فأين العيد تقضيه
أماه... هذا قضائي قد رضيت به *** قد وُسدت ترباً وانقضت مغانيه


لا تبخلوا علينا بإراءكم القويمة على كتاباتي السقيمة