PDA

View Full Version : كان طفلاً فاستفاق



مروض المعنى
17-11-2011, 02:07 PM
طفل صفعته الحياة بلطف – تداعبه – ليدرك بأنها لم تكن يوماً كما يرغب ، ولن تكون أبداً كما يحلم .

طفل كان غارقاً في غيبوبة تمنى لو تدوم ،

كانت الحياة فيها لوحة تفيض بالجمال في كل جنباتها ،

كانت الحياة نغمة يدندن بها وحده غير آبه بمن حوله ،

فحيث كان ، يكون للبسمة رونق ، ويكون للبسمة طريق لقلبه ،

كانت ابتسامة من الأعماق يشع لها الجسم كله فرحا وسرورا ، كان الفرح عنواناً لمعيشته ،

كان يعبر عن رغباته ببراءة تتسم بالسذاجة ، ولكنها صادقه ، لم يكن في حياته أسرار ،
كانت تستوي لديه الظواهر والسرائر بلا حجاب ولا أقنعه ،

كانت بساطة أحلامه تملأ حياته بهجة ، وكانت تهب حياته ألوانا أجمل ، لترسم بذلك أجمل اللوحات ، ولتعزف بذلك أجمل المقطوعات ،

كنا نرى جمال حياته في عينيه ، نشعر بفرحه عارمة بمجرد النظر إليه ،
طفل لم يعرف هماً قط ، كان ينظر له كغريب ضل دربه في مدينة السعادة ، كانت اللامبالاة شعاره ، فلا يأبه لأحد ، ولا يهتم بأحد ، كان أناني الفرح ، وكان بالرغم من أنانيته باعثاً للبهجة ، كانت جميلة تلك الحياة ، كانت بسيطة تلك الحياة ، وكانت الضمائر طاهرة نقيه ، وكان الحب ديدن الحياة هناك ، فلم يكن للكره ولا للبغض في تلك الحياة مقر ، كان واضحاً حد الحماقة ، فلا مجال للخداع ، ولا مجال للنفاق ، ولهذا كان سعيداً جداً جداً حد الثمالة .

فاستفاق ، وليته لم يستفق ، لم تعد الحياة كما كانت ، ولم يعد هو أيضاً كما كان ، كأن ما كان لم يكن ،

استبدلت الألوان الزاهية بأخرى باهتة ، ولم يعد للفرح طريق لقلبه ،
غدا يبحث عن المنطق في كل تصرفاته ، فابتسم وتساءل بعدها لماذا ابتسم ؟ ، ومن أجل من ابتسم ؟ ،

غدا يدندن فاستنكر على نفسه الدان ، استفاق من غيبوبته ، من سذاجة أحلامه ، هربت منه ألعابه فلم يعد لها ذلك الوقع الجميل لديه ، فقد المتعة والسعادة في كل ما يحيط به ، ارتدت له الحياة ثوباً غريبا لم يألفه ، أرته وجهاً مغايراً لطبيعتها التي اعتاد عليها ، جانباً لم يره من قبل ، جانباً تمتزج فيه الجدية بالحدة ، جانباً لامراعاة فيه ، جانباً قاسياً يفيض رعبا ، وياعجباً كأنه لم يعرف حياة من قبل ، فما الذي تغير؟ أو بالأحرى من الذي تغير ؟ تمنى وبكل صدق أن يعود لغيبوبته ، أن يعود للحياة التي اعتادها ،

حياة تتداخل فيها الألوان لترسم صورة هي - من جمالها - أقرب للخيال منها للحقيقة ، أين جمال تلك الصباحات ؟؟ أين براءة تلك البسمات؟؟ لقد فقدنا البهجة في كل ما نفعل ، وفقدنا الرضا عن كل ما نفعل ، فهل ترانا فقدنا أنفسنا ؟؟ .

كان طفلاً غافيا فاستفاق ، طفل بُعث من رحم الأحلام ليواجه بؤس الواقع ،

يااااه كم كان جميلاً ما مضى ، ويا كم ويا كم نهيم بالذكرى ، ويا كم يجرفنا الحنين ،

حنين لعهد جميل كل ما فيه يوحي بالسعادة ، حنين لصدق لا ندعيه ،

حنين لوضوح نابع من ذواتنا بلا نفاق ولا محاباة ،

حنين لذواتنا التي ضاعت منا وسط الزحام :

زحامُ الأقنعة والادعاءات ، زحامُ المداهنة والنفاق ،

زحامٌ .. الصمت فيه أبلغ من الكلام ، زحامٌ .. الكره فيه أنبل من المحبة ،

زحامٌ وسط حياة جوفاء خرساء باهتة ، لا ألوان فيها ولا حتى مشاعر ،

اشتقنا لأحلام كانت تغذي حياتنا وتملؤها بالأمل ولا تخدعنا ،

أحلام كانت تنير الحياة وتتطلع لمستقبل جميل كما في خيالات الأطفال ، تتطلع لحياة صافية بلا ضغينة ولا حقد ولا حسد ، تتطلع لحب صافٍ للحياة بأعمق معانيها ، وبكل ما فيها .


كان طفلاً يتطلع للأفق ببراءة طفل ، ينتظر السنين القادمة ويتصورها جميلة كما هي الطفولة ،

ولكنه بعد أن استفاق لم يتجرأ أن ينظر للأفق مرة أخرى ، ولم يعد حتى يحصي السنين.

حبيبة عراقي
18-11-2011, 05:34 PM
أجل لم يعد يحصي السنين لكنه مازال يحتفظ في قلبه ببعض الأحلام يلجأ إليها كلما ضاق الكون عليه لتحيي قلبه من جديد
من غير بعض الأحلام الخبأة فنحن أموات لا فائدة منا

دم طيبا

مروض المعنى
19-11-2011, 09:41 AM
الأحلام جميلة في خيالات الأطفال ، وعسيرة جداً في أذهان الرجال ، فالأول ينظر للجمال فيها ، والآخر يبحث عن سبيل لتحقيقها ، فلننظر لها كما ينظر الأطفال لننعم بحق في جمال دائم وبساطة نبحث عنها في ظل واقع جافٍ مثل هذا ،،
أشكر لك مروركِ