PDA

View Full Version : أنا حي



محمد الشريف
22-06-2012, 08:15 PM
إنهم يتجمعون حولي دون أن يبدر من أحدهم أي تصرف لفهم حالتي. آه لو استطيع أن ألتفت أو أرفع رأسي وأعرف منْ الموجودون حولي. أو حتى تطرف عيني لأرى أبعد من أنفي.والغريب أنهم يقتربون مني ويتلفتون إليّ ثم يذهبون. حتى أمي تنظر إلي و قد اعتصر الحزن قلبها. إنها لم تبخل عليّ بعاطفتها ولا حنانها طوال حياتي. لكنها الآن لا تفطن لي ولم تفهم حالتي.لقد كانت تعرف ألمي من ملامح وجهي . وتعرف سريرة نفسي من نظرات عيناي. لم تعد تقرأ مشاعري و روحي الطافية في سماء دنيا مظلمة.أو أن عيناي انطفاء بريقهما و خبت شعاعهما فلم يعودا يشيان بمكنون نفسي لها. أو ما عادت تفهم لغتاهما. أو أنهما فقدتا بريق الحياة.ومابالهم يحملقون من حولي فيّ بهذه الطريقة. ويحملونني من مكان إلى أخر. ثم ما هذا النعش الذي وضعوه بجواري.يا آلهي إنهم متوهمون. يعتقدون أنني قد مت. رغم أني على هذا الحال منذ سنوات. لكنهم لم ينظروا لي في السابق بهذه النظرة الحزينة الكئيبة. إنهم لا يدركون أني حياً وأني لا أستطيع الحراك أو أن إجيبهم. يا إلهي انجدني أنهم يتوهمون أني جثة ميتة. ما حيلتي وأنا لا استطيع تحريك أي جزء في جسمي؟. يالله كيف حكموا عليّ بالموت وأنا حي وأراهم؟. ألم ترعاني أمي طوال سنوات مرضي الاربع؟. طوال هذه السنوات وأنا طريح لم أُخرج أي حركة من أي عضو في جسمي. لقد كنت انت يا أمي من يغذيني بالسوائل عبر الأنبوب في أنفي. حتى أنك كنت تعلمين السائل الذي أعجبني طعمه حينها من بريق عيني.
ماذا تغير الآن حتى تموتينني وأنا حي؟. توقف حركتي هذا له سنين وليس جديدا إذا كنتم تفرقون بين الموت و الحياة بالحركة. لقد أمضيت العشرين سنة قبل حادث أعاقتي وأنا أرى الناس واشعر بالعالم من حولي . فمن يؤكد لي أن الاشخاص الذين قابلتهم والالوان التي رأيتها، وكل شي في حياتي السابقة موجودا حقا في الدنيا وليس في مخيلتي فقط؟. آه .....آه ياحزني فكما أنا الآن ميت في نظركم ، فأنتم حياة في مخيلتي فقط ولا وجود لكم في الواقع.
إني أسمع صوتا نسائيا يقترب مني. ياليتني أستطيع الالتفات لاعرف من الذين حوالي. أه ...إنها سارة ...خطيبتي. أو من كانت خطيبتي قبل أن أصاب. هل جاءت لتسخر مني؟. أنها تقترب مني أكاد أسمع أنفاسها. ربما هي من سيكشف لهم أنني حي. أنها تتمتم أكاد أسمعها.
" احمد الله أني لم أرتبط بك. وإلا لأصبحت الان أرملة . ثم أنك شخص مقزز في الحياة قبل الممات. لقد انعتقت من الارتباط الالزامي بك منذ إصابتك. وها أنت الآن تغادر الدنيا وتغادر معك تعاستي للابد".
يا الآهي .... لقد صدمتني ..... إنها تخفي مالا تظهره طوال الوقت. لم يكن ذلك رأيها أيام خطوبتنا. بل كانت تظهر سعادتها لأبيها واخوه أبي. حتى بعد إصابتي لم يظهر منها مثل هذه الأراء المنتنة. لقد تكشف لي وجهها الحقيقي. لم تعد عيناها الوسيعتان هما من تسيطران عليّ. إن مصيبتي أعظم . فلقد تخلت عني الحياة وأنا حي. وكشف لي موتي المزعوم وجها لم أكن أراه في حياتي الحقيقية. لقد نقلني الصمت والشلل التام لحياة أخرى أرى فيها حياتي الأولى. إن روحي هي المشتركة في الحياتين. لكن الناس لا تعنيهم الروح بل حركة الانسان وأثره عليهم .آه ..ياقلبي الضعيف هل تتحمل كل هذا الشقاء؟. أذهبي بلا رجعة إلى الجحيم ياضارة فلست بسارة.
لكن اين ذهبوا جميعهم. مابال هذا الصمت الرهيب. ها أناذا أسمع صوت جلبة في الخارج. أنه صوت رجال يتحادثون. بدأ الصوت يقترب . إنهم حولي الآن . لم أستطع أن أميز منهم إلا أبي و أبن عمي أخو سارة. إنهم يحيطونني كدائرة حولي. ترى ماذا ينون أن يفعلوا؟. إني أشعر بهم يحملونني . ترى ماذا يفعلون؟. إنهم ينقلونني على سرير آخر. ليس بسرير إنه ليس ليناً بل صلدا آلمني في ظهري . ثم دثروني بغطاء أبيض على وجهي وكامل جسمي. يا إلآهي إنني خائف مما يفعلون.
يحملونني وهم يسيرون. يبدو أنهم يحملونني خارج المنزل . ياربي انقذني أنهم يسيرون بي كجنازة ميت. الحزن يعتصر قلبي ما من مجيب لصرخات نفسي. ألم ....ألم ....صرختي المكبوتة في صدري .... ألم.
حتى بكائي بلا دموع ، لقد سلبت مني الحياة. وحرمت حتى من التعبير عن ألمي و عن معاناتي. أي شقي أنا؟. ولماذا توقفوا عن السير وأنزلوني؟. اتمنى أن يرفعوا الغطاء عني لأرى وأفهم أين أنا. بدأوا يرفعون الغطاء . أرى المكان أنه غرفة كبيرة جدرانها محاطة بالسيراميك الأبيض. ورائحته نتنة. ولا اشعر بوجود أشخاص هنا. ماهذا إن أحدا يخلع الملابس التي أرتديها. و يسكب الماء عليّ. أنهم يغسلونني فهم يقومون بإجراءات تشييعيّ وغسلي . كنت أتوهم أنهم يعتبروني ميتا لكنها حقيقة ماثلة الآن. يا لبؤسي ويالحظي التعيس. ياقلبي الحزين أهذه تكون نهايتي؟. آه......آه..... آنا حي. إن صدري يكاد ينفجر من شدة كبتي لمعاناتي. اسمعوني وانظروا داخلي. إن دمائي تسير في عروقي . وروحي تشعر بكل شئ حولي. آآآآه......يارب أنقذني من جهل هؤلاء. ومن غياب الاحساس بروح الإنسان. ياربي إرحمني من هلعي وأنقذني من الناس. أي .......أنه يقلبني ويغسل ظهري ويضع قطنا في مؤخرتي. ويلفني بالكفن الأبيض. أصبح جسمي كتلة لا قيمة لها و يتجرأ عليّ بمثل هذا. أين قيمة الروح التي أحملها؟. لكنهم لا يرون أن بي روحاً.
هاهم يحملونني الآن وأسمعهم يدخلونني مسجدا فيما يبدو.هل هذه نهايتي؟. ياناس افهموني. إكاد أنفجر. ليت أني أفعل ذلك. فأخلص من هذا العذاب . والهلع والحزن الدفين. ويضعونني في المقدمة أمام المصلين. لكن الأمام ألق نظرة على وجهي. وأسمعه يحادث أبي ويقول له:
- منذ متى توفى ؟
وأخبره أبي بأنني قد توفيت البارحة.
نظر إليّ وزم شفاتاه و قطب جبهته في استغراب وقال لأبي:
- إنه لا يظهر كميت من البارحة.
فرجف قلبي واهتزت كل مشاعري . أتمنى أن صوتي يظهر لأقول له:
- أي نعم ياشيخ .....أصبت حين لم يفهموني أهلي.....أحسنت إلي.....نعم نعم نعم إنني حي.
وقال أبي :
- إنها كرامة من الله أن يحفظه سليما.
فهز الشيخ رأسه .و اصطف الناس خلفه وبدأوا يصلون علي. وأنا ابكي بصمت كما هي حالتي المضنية. وكما تغيّب الحياة حقائق كثير عن المشهد العام للمجتمع. عندها شعرت أن لا أمل و أن لا إرادة لي . وحملوني إلى المقبرة المجاورة للمسجد. إن حزني بحجم تراب الأرض. ولكن لم الحزن وأنا لا أستطيع أن أرد قدرا؟. أو أمنع سوءا محققا سيحدث لي ؟. لأني أعلم ما سيحدث فاتألم. ولكني لست كذلك عندما لا أعلم . آه ياحزني وآلمي ونهايتي. لقد وضعوني في حفرة القبر. إني أسمع نشيج أبي. لكن من يسمع نشيج نفسي وصرخة روحي؟. إنهم بدأوا يقذفون التراب عليّ. لا....لا...لا بد أن الله يسنقذني. التراب بدأ يتراكم فوق وجهي. أنني أختنق وهذه الروح تضمحل. ألا من منق...........
وسكتت روحه.