PDA

View Full Version : المحتضر المطروح



محمد الشريف
19-07-2012, 08:49 PM
إنهم يتجمعون حولي دون أن يبدر من أحدهم أي تصرف لفهم حالتي. آه لو استطيع أن ألتفت أو أرفع رأسي وأعرف منْ الموجودون حولي. أو حتى تطرف عيني لأرى أبعد من أنفي.والغريب أنهم يقتربون مني ويتلفتون إليّ ثم يذهبون. حتى أمي تنظر إلي و قد اعتصر الحزن قلبها. إنها لم تبخل عليّ بعاطفتها ولا حنانها طوال حياتي. بعد الحادث قالت لي :الحمد لله أنه لم يقض عليك في الحادث . ستعود لك عافيتك إن شاء الله . مع الدواء وكثير من الصبر. و بادرتني بنظرة حزينة ورحيمة . ولكنني تعبت يا أماه وأنا انتظر العافية. فضمتني وقبلت جبيني ثم رفعت رأسي قليلا لتسندني . لكنها اليوم لا تفطن لي ولم تفهم حالتي.لقد كانت تعرف ألمي من ملامح وجهي . وتعرف سريرة نفسي من نظرات عيناي. لم تعد تقرأ مشاعري و روحي الطافية في سماء دنيا مظلمة.أو أن عيناي انطفاء بريقهما و خبت شعاعهما فلم يعودا يشيان بمكنون نفسي لها. أو ما عادت تفهم لغتاهما. أو أنهما فقدتا بريق الحياة. رفعت صوت اغنية محمد عبده" أيها الشاكي " وأنا اترنم في سيارتي. على الطريق البحري بمحاذاة الشاطئ. والشمس تسدل اشعتها الذهبية. وبجواري حبيبتي الحسناء الرهيفة. ويختلط علي عذيب صوت الغناء . مع كلمة حبيبي من فاتنتي . وتتخلل فتحات التكييف نسائم من البحر تُشجي قلبي . مابالهم يحملقون حولي فيّ بهذه الطريقة. ويحملونني من مكان إلى أخر. ثم ما هذا النعش الذي وضعوه بجواري.يا آلهي إنهم متوهمون. يعتقدون أنني قد مت. فجدتي التي ظلت حامل بأمي لمدة عشرين شهر حتى أن الجميع تجمعوا حولها ليشاهدوا بطنها المتضخم . كان ينتظرون فجر ولادتها البعيد. في لحظة فقد الناس الأمل في مولدها. إنشق بطنها تحت صدرها. كانت تئن جدتي وتضوي. وفاجئتهم أمي بخروجها من أعلى بطنها. وانبثقت واقفة على صدر جدتي وفزع الناس . ثم أطبقت بيديها على أنفاس جدتي حتى قضت عليها. مع هذا فأنا على هذا الحال من المرض منذ سنوات. لكنهم لم ينظروا لي في السابق بهذه النظرة الحزينة الكئيبة. إنهم لا يدركون أني حياً وأني لا أستطيع الحراك أو أن إجيبهم. يا إلهي انجدني أنهم يتوهمون أني جثة ميتة. ما حيلتي وأنا لا استطيع تحريك أي جزء في جسمي؟. يالله كيف حكموا عليّ بالموت وأنا حي وأراهم؟. ألم ترعاني أمي طوال سنوات مرضي الاربع؟. طوال هذه السنوات وأنا طريح لم أُخرج أي حركة من أي عضو في جسمي. لقد كنت انت يا أمي من يغذيني بالسوائل عبر الأنبوب في أنفي. حتى أنك كنت تعلمين السائل الذي أعجبني طعمه حينها من بريق عيني.
حين تجمع نفر قليل من أهل حارتنا بجوار المسجد ليشاهدوا شهبا تحلق في عنان السماء. وأخبرنا كامل أن هذه الشهب هي أقمار تجسس للاتحاد السوفيتي. وعارضه خالد أنها قذائف ملتهبة تسقط على مرتكبي الفساد. وأعترض مرزوق قائلا أنها دوريات الشرطة المحلية لكن لايريدون الأفصاح عنها. فنحن مراقبون من الأرض ومن السماء. وصاح بشير من خلفهم إنها أعمال سحر يقوم بها مذكور الذي لا يصلي معنا ليسرق الحارة.
ماذا تغير الآن ياأماه حتى تموتينني وأنا حي؟. غيبوبتي هذه لها سنين وليست جديدة إذا كنتم تفرقون بين الموت و الحياة بالحركة. لقد أمضيت العشرين سنة قبل حادث أعاقتي وأنا أرى الناس واشعر بالعالم من حولي . فمن يؤكد لي أن الاشخاص الذين قابلتهم والالوان التي رأيتها، وكل شي في حياتي السابقة موجودا حقا في الدنيا وليس في مخيلتي فقط؟. آه .....آه ياحزني فكما أنا الآن ميت في نظركم ، فأنتم حياة في مخيلتي فقط ولا وجود لكم في الواقع. أنا أرى هذا الجدار أمامي. إذن هو موجود لانكم ترونه أيضا. ولكن هل جميعنا نراه بنفس الهيئة والملمس والالوان؟. فكما ترونني بزعمكم ميتا ، فقد لايكون هذا الجدار موجودا ولا أنتم أحياء إلا في أحاسيسنا المختلفة.
إني أسمع صوتا نسائيا يقترب مني. ياليتني أستطيع الالتفات لاعرف من الذين حوالي. أه ...إنها سارة ...خطيبتي. أو من كانت خطيبتي قبل أن أصاب. هل جاءت لتسخر مني؟. أنها تقترب مني أكاد أسمع أنفاسها. ربما هي من سيكشف لهم أنني حي. أنها تتمتم أكاد أسمعها.
" احمد الله أني لم أرتبط بك. وإلا لأصبحت الان أرملة . ثم أنك شخص مقزز في الحياة قبل الممات. لقد انعتقت من الارتباط الالزامي بك منذ إصابتك. وها أنت الآن تغادر الدنيا وتغادر معك تعاستي للابد"
وقفت في الطريق السريع فلقد لاحظت وأنا أسير بسرعة فائقة، هيئة فراش مولود رضيع. ترجلت الى الجسم الغريب. وبحثت داخله واتفاجئ أن به مولود رضيع حي. وصدمني أنه يكلمني و يستغرب وقوفي من أجله. وتطاول عليّ لاني توقفت من رحمتي له. فتعجبت وتراجعت و ركبت سيارتي وذهبت.
يا الآهي .... لقد صدمتني سارة ..... إنها تخفي مالا تظهره طوال الوقت. لم يكن ذلك رأيها أيام خطوبتنا. بل كانت تظهر سعادتها لأبيها واخوه أبي. حتى بعد إصابتي لم يظهر منها مثل هذه الأراء المنتنة. لقد تكشف لي وجهها الحقيقي. لم تعد عيناها الوسيعتان هما من تسيطران عليّ. إن مصيبتي أعظم . فلقد تخلت عني الحياة وأنا حي. وكشف لي موتي المزعوم وجها لم أكن أراه في حياتي الحقيقية. لقد نقلني الصمت والشلل التام لحياة أخرى أرى فيها حياتي الأولى. إن روحي هي المشتركة في الحياتين. لكن الناس لا تعنيهم الروح بل حركة الانسان وأثره عليهم .آه ..ياقلبي الضعيف هل تتحمل كل هذا الشقاء؟. أذهبي بلا رجعة إلى الجحيم ياضارة فلست بسارة.
لا زلت أذكر قصة الشاب الذي دفنوه حيا خلف مقبرة القرية . كان المكان الذي يعتقد أنهم قبروه فيه، يصدر أضواء متنوعة كل ليلة. ولقد غضب الميت غضبا شديدا عندما سكبوا مياه آسنة على القبر. فأصبح يخرج كل ليلة ليؤدب أهل القرية . فاستهل بعمدة القرية حتى وصل الى فراش المقبرة. ووجدنا أنه وضع سلما طويلا على جدار المقبرة. كان ينوي أن يصعد إلى الله . الا أن العمدة إقترح علينا نقض القبربالجرافات وسكب سائل الكيروسين عليه وإحراقه. ولم نعاني من مضايقاته بعد ذلك.
لكن اين ذهبوا جميعهم. مابال هذا الصمت الرهيب. ها أناذا أسمع صوت جلبة في الخارج. أنه صوت رجال يتحادثون. بدأ الصوت يقترب . إنهم حولي الآن . لم أستطع أن أميز منهم إلا أبي و أبن عمي أخو سارة. إنهم يحيطونني كدائرة حولي. ترى ماذا ينون أن يفعلوا؟. إني أشعر بهم يحملونني . ترى ماذا يفعلون؟. إنهم ينقلونني على سرير آخر. ليس بسرير إنه ليس ليناً بل صلدا آلمني في ظهري . ثم دثروني بغطاء أبيض على وجهي وكامل جسمي. يا إلآهي إنني خائف مما يفعلون.
يحملونني وهم يسيرون. يبدو أنهم يحملونني خارج المنزل . ياربي انقذني أنهم يسيرون بي كجنازة ميت. الحزن يعتصر قلبي ما من مجيب لصرخات نفسي. ألم ....ألم ....صرختي المكبوتة في صدري .... ألم.
ألمي يمتد من بابل منذ ثلاثة الاف سنة حتى شلالات نياجارا . ألمي أسمعه في صرخات المواليد . وفي أنات النفاس لحظة ميلاد نفس جديدة إلى هذا الوجود. ليخرج لدنيا يحصد فيها العذاب من لحظته هذه إلى أن يعود إلى رحم الأرض. فما في الحياة إلا عذابات دائمة وصراخات مستمرة في فضاء هذه الحياة. دمعات تتساقط مثل كريستالات من ألماس لا يفرح بها.
حتى بكائي بلا دموع ، لقد سلبت مني الحياة. وحرمت حتى من التعبير عن ألمي و عن معاناتي. أي شقي أنا؟. ولماذا توقفوا عن السير وأنزلوني؟. اتمنى أن يرفعوا الغطاء عني لأرى وأفهم أين أنا. بدأوا يرفعون الغطاء . أرى المكان أنه غرفة كبيرة جدرانها محاطة بالسيراميك الأبيض. ورائحته نتنة. ولا اشعر بوجود أشخاص هنا. ماهذا إن أحدا يخلع الملابس التي أرتديها. و يسكب الماء عليّ. أنهم يغسلونني فهم يقومون بإجراءات تشييعيّ وغسلي . كنت أتوهم أنهم يعتبروني ميتا لكنها حقيقة ماثلة الآن. يا لبؤسي ويالحظي التعيس. ياقلبي الحزين أهذه تكون نهايتي؟. آه......آه..... آنا حي. إن صدري يكاد ينفجر من شدة كبتي لمعاناتي. اسمعوني وانظروا داخلي. إن دمائي تسير في عروقي . وروحي تشعر بكل شئ حولي. آآآآه......يارب أنقذني من جهل هؤلاء. ومن غياب الاحساس بروح الإنسان. ياربي إرحمني من هلعي وأنقذني من الناس. أي .......أنه يقلبني ويغسل ظهري ويضع قطنا في مؤخرتي. ويلفني بالكفن الأبيض. أصبح جسمي كتلة لا قيمة لها و يتجرأ عليّ بمثل هذا. أين قيمة الروح التي أحملها؟. لكنهم لا يرون أن بي روحاً.
سمعت مرة أن الفقيه الباغوم يحضر أرواح الموتى.وذهبت يوما إليه كان الدخان يملأ كل مكان. بحثت في كل جهة علني أجد ضوءً أو شخصا أكلمه. وسمعت صوتا أنثويا فجأة حاولت أن أعرف من قائله. لكنني لم أستطع. ماذا تريد هنا ياحسن؟. ما الذي جاء بك؟. جاء صوتها بهذه الكلمات. فقلت لها: من أنت ؟ وكيف تعرفينني؟. لقد انتظرتك منذ أربعين سنة . لقد تأخرت عليّ . أنا جدتك وأريدك أن تنتقم لي من أمك وتأخذ بحقي. أرتجفت وتعرقت وحاولت أن أبعد الظلام والدخان فلم أر أحداً. وفررت على عجل.
هاهم يحملونني الآن وأسمعهم يدخلونني مسجدا فيما يبدو.هل هذه نهايتي؟. ياناس افهموني. إكاد أنفجر. ليت أني أفعل ذلك. فأخلص من هذا العذاب . والهلع والحزن الدفين. ويضعونني في المقدمة أمام المصلين. لكن الأمام ألق نظرة على وجهي. وأسمعه يحادث أبي ويقول له:
- منذ متى توفى ؟
وأخبره أبي بأنني قد توفيت البارحة.
نظر إليّ وزم شفاتاه و قطب جبهته في استغراب وقال لأبي:
- إنه لا يظهر كميت من البارحة.
فرجف قلبي واهتزت كل مشاعري . أتمنى أن صوتي يظهر لأقول له:
- أي نعم ياشيخ .....أصبت حين لم يفهموني أهلي.....أحسنت إلي.....نعم نعم نعم إنني حي.
وقال أبي :
- إنها كرامة من الله أن يحفظه سليما.
فهز الشيخ رأسه .و اصطف الناس خلفه وبدأوا يصلون علي. وأنا ابكي بصمت كما هي حالتي المضنية. وكما تغيّب الحياة حقائق كثير عن المشهد العام للمجتمع. عندها شعرت أن لا أمل و أن لا إرادة لي . وحملوني إلى المقبرة المجاورة للمسجد. إن حزني بحجم تراب الأرض. ولكن لم الحزن وأنا لا أستطيع أن أرد قدرا؟. أو أمنع سوءا محققا سيحدث لي ؟. لأني أعلم ما سيحدث فاتألم. ولكني لست كذلك عندما لا أعلم . آه ياحزني وآلمي ونهايتي. لقد وضعوني في حفرة القبر. إني أسمع نشيج أبي. لكن من يسمع نشيج نفسي وصرخة روحي؟. إنهم بدأوا يقذفون التراب عليّ. لا....لا...لا بد أن الله يسنقذني. التراب بدأ يتراكم فوق وجهي. أنني أختنق وهذه الروح تضمحل. ألا من منق..........

حلم ووهم
20-07-2012, 11:40 PM
قصة صراع داخلي مرير عشناه بتفاصيله

شكرا لك

محمد الشريف
21-07-2012, 02:15 AM
شكرا لك أنت ياحلم و وهم
على قرائتك و تفهمك وتعليقك الجميل
تحياتي لك

حلم ووهم
21-07-2012, 02:47 AM
العفو أخي الكريم هنا جملة لم أراها مناسبة من وجهة نظري .. ان امكن ابحث عن بديل لها

أذهبي بلا رجعة إلى الجحيم ياضارة فلست بسارة

محمد الشريف
21-07-2012, 04:51 AM
اشكرك على هذا الرأي
علما أن هذا رأي المحتضر فقط

محمد الشريف
21-07-2012, 06:58 PM
ادرجت في هذه القصة مبادئ فلسفية عميقة فيما بعد الطبيعة واللا أدرية

حلم ووهم
22-07-2012, 12:10 AM
إن كان كذلك
فعذرا على تطفلي وإبداءرأيي فيما مضى وانتهى

محمد الشريف
22-07-2012, 10:08 AM
العفو منك
لا تعتذري فإنك لم تخطئِ
وبالعكس أرحب بكل رأي
تحياتي لك