PDA

View Full Version : مجهول الهوية



محمد الشريف
10-08-2012, 11:39 PM
بعد دخول دورية الشرطة السرية شارع التحلية ، لاحظ العساكر رجل اشعث يسير على الرصيف. توقفت بمحاذاته ونزل عسكريان إليه. فلما شاهدهما ركض هاربا على عجل فلحقاه. كان أصغر منهما سنا حيث يبدو في العشرينات من عمره. شعره منتفش غير مرتب ،ويبدو أن الماء لم يمسسه لأسابيع. يرتدي بنطلونا من الجنز قد تغير لونه في بعض الاماكن. وقميص أخضر مشجْر قد يكون لونه مختلفا عندما كان جديدا. أما الآن فقد تغيير فيما يبدو من أثار الشمس والعرق والأغبرة.
حاول العسكريان اللحاق به والقبض عليه، إلا أن الفتى دخل من ممر بين عمارتين بسرعة. تبعاه و ركظا حيث دخل ولكنهما فقداه بسرعة فهذا الممر يؤدي إلى ثلاثة طرق متعددة . بحثا عنه في الطرق الثلاثة دون أن يجدوه . فقررا العودة إلى الدورية فهما قد تعودا على الكثيرين الذين يهربون منهما دائما. وعادا إلى الدورية وهما يتضاحكان من الموقف ومن الهارب. سمعا لحظتها ضحكة إستهزاء صارخة والتفتا إلى صاحبها فكان الفتى يجلس فوق سور أحد البنايات.
إنطلقا إليه وهما في ذهول من تبجحه. وحاوطاه إلا أنه لم يكترث ونزل إليهما ليقبضا عليه. تسآل :ماذا تريدان؟. طلبا منه إقامته أو جواز سفره. فضحك منهما ساخرا وقال: أنا سعودي واسمي عوض
استغربا و تلفت كل واحد منهما إلى الآخر وطلب منه أحدهما البطاقة الشخصية
إلا أنه نظر إليهما وقال:
- تطلبون منيّ البطاقة وأنا سعودي !؟
فجرْه العسكري في عنف وزج به في سيارة الدورية. لكنه ظل يتبسم و يهذر بكلمات متناقضه. ولم يأبه العساكر وأكملوا جولتهم التفتيشية. حتى امتلئت السيارة و ذهبوا بالمقبوضين إلى مركز الشرطة. جمعوهم في صالة حجز . وأخذ الضباط بالتحقق من هوياتهم. ولما وصلا إلى عوض طلبا منه أي بطاقة اثبات شخصية. فبحث ولم يجد شيئا في جيبه إلا من ورقة صغيرة بها رقم هاتف. ثم طلبوا منه أي شخص يتعرف عليه و يكفله.أجاب في ثقة واستهتار:
- يمكنكم الاتصال على هذا الرقم الهاتفي وسؤالهم .
ثم زودهم بالورقة الصغيرة . بعدها أُودع في الحجز . واتصل احد العسكر بالرقم الهاتفي، لتجيب امرأة . شرح لها العسكري الحالة واستفهم عن المدعو عوض. فسكتت المرأة فترة ثم أجابت:
- لا...لا نعرف أحد بهذا الاسم.
فأمر الضابط بايداعه في سجن الترحيل. والتحقق من بصماته و من المطلوبين سابقا. ومن ثم ترحيله إلى جمهورية اليمن لتقارب هيئته . وكما هي الحياة تخفي الكثير من الخبايا فقد استسلم عوض لمصيره . وبعد اسبوع حمله باص مع مجموعة من المرحلين. إلا أنه كان يردد طوال الطريق أنه سعودي. ومن أصول بدويه. بينما كانت تشغله مناظر الطبيعة على طرفي الطريق. لم يكن معه اي حقيبة أو أغراض سفر. ماعدى قليل من المال اعطته إدارة الترحيل قبل السفر. كان ينتظر الوصول إلى المجهول الذي لا يعلمه. لكنه ظل طوال الطريق يتحفز لأن يصل. فقد ملل من الضياع في حياته كلها.ولم يصل إلى مبتغاه. وبعد أن تجاوزا الحدود أُوخذوا إلى مركز استقبال المرحلين. واستلم المركز وثائق المرحلين اعتقادا أنها مطابقة لعدد الأشخاص المرحلين.
في هذه اللحظة خطر على بال عوض المرأة ليلى صاحبة البطاقة التي دائما تدعي أنها زوجته. على الرغم من هجره للمنزل منذ اسابيع. كان قد انقضى الآن اسبوع منذ أن حادث العسكري ليلى. وتسآل في نفسه" لماذا لم تقل له أنها زوجتي؟" ثم تسآل أيضا في حيرة " وهل هي فعلا كذلك" . كانت ليلى حزرت في نفسها أنه بمرور أكثر من اسبوع على محادثة العسكري لها. فإن زوجها قد أفل عن حياتها بلا رجعة. لقد عانت منه الضياع عقب فقدانه لعقله. ضياع امتد لسنتين وهي الشابة الجميلة ذات العينين الواسعتين والشعر الناعم الاسود الطويل منسدل على كتيفيها. كأنه ماء برّاق يجري في وادي الحسن والجمال. وشفتيها الدقيقتين الحمراوين تلمعان وتنضحان بدفق من موج الإغراء والعاطفة.
ولم يعد يهمها أمر صالح أو عوض صاحب العقل المتقلب. وضحكت في نفسها بأنى له هذه الشخصية والاسم المبتدع؟. لكنها أصرت في سريرة نفسها على أن تمحوه من حياتها نهائيا. فلقد مللت هذا من الارتباط الشكلي الذي ليس متواجد إلا في عقد الزواج. كانت تتمنى أن يصبح إنفصالها عنه من طرفه هو وليس بطلب منها. لأنه في الأخير ابن عمها. ولا أمل في شفاءه من هذا الجنون. لقد تيقنت بعد أن أجرى الأطباء له عملية استئصال الورم الدماغي.
وتسآلت في نفسها" لماذا أدفن نفسي في هذا الضياع؟. اليس هذا الحسن والجمال حريا به أن ينعم بالحياة؟ ومع رفيق عمر يقدْر جمالي الفاتن وأنوثتي الطاغية." كانت في كل مرة تعود له ذاكرته و يعود للبيت تكتئب وتحزن. وحالما يعود لهروبه من البيت تتمنى أن يكون خروجا نهائيا بلا عودة. لقد فعلها مرات عديدة. لكنه كان في الأخير يعود إلى المنزل. تمنت أن تكون هذه نهايته لأن الشرطة دخلت في الموضوع.
لكن عوض (صالح) لم يكن يستجدي لأن يعود لبيته. لأنه لا يعلم أن له بيت و أسرة. بل يترقب نهاية رحلته هذه فقد تشرق عليه حياة جديدة . وعائلة قد يعرفها وينعم بقربها وتنعم هي به. وانتبه إلى رئيس القسم المُرحل له يقول:
- ما اسمك ، لم نستلم لك أي وثائق رسمية؟
- عوض ....... لا أعرف؟
نظر إليه العسكر و توقعوا أن لديه مشكلة في قواه العقلية. عندها طلبوا منه الجلوس في مكان الإنتظار. وبدؤا يهاتفون الادارة المركزية للبحث في البلاغات عن مفقود باسم عوض. مع أنهم كانوا يتشككون في أصوله لأن لهجته بدوية. وجائتهم برقية باسم مُبلغ وعنوانه بعد خمس ساعات من البحث. مفادها أن شخص مفقود من مدينة شبام باسم عوض منذ أكثر من سنة. فأرسلوه مع أول حافلة متجهة إلى شبام بعد أن تواصلوا مع العائلة المبلغة.وبدخوله إلى منزل العائلة صرخت أم المفقود قائلة: لست عوض.. فوجم الجميع من هول المفاجئة حتى أن صاحبنا تذكر أنه ليس بعوض فأجاب:
- ولكن....ولكن ... أنا ... (وحاول أن يتذكر لكنه لم يفلح)
ولجمت الدهشة أفواه المتواجدين. فالأسرة قد عقدت قصورا من الأفراح والهناء بعودة قريبهم. لكن عوض ( صالح) هدمها و ذر على رؤسهم خيبة الأمل. لكن رب الأسرة اعتذر من عوض ومرافقية من العسكر. كان الحزن مطبقا على عوض وخيبة الروح. فقد كان يأمل أن يستدل إلى نفسة. ومع هذا ردد قائلا:
- ولكنني سعودي...... ( أعقبها بضحكة بلهاء لا تنسجم مع الحال)
فنظر العسكر وأفراد الأسرة الى بعضهما في تعجب وحيرة. و تأكد لهم أنه مريض فأعادوه إلى مركز المرحلين ليعاد تسفيره إلى السعودية. وفي مركز الترحيل بجدة جلس معه أحد العساكر ليستدل على قريب أو معلومة عنه. سأله عن اسمه وعنوانه وعنوان أهله و جميع المعلومات التي تطلب في مثل هذا الحال. فأجابه :
- اسمي فضل و عائلتي في شبام باليمن . لكنني سعودي.
فسكت العسكري وطلب احالته على الطب النفسي. ورافقه للمستشفى عسكريان رغم أنه كان وديعا. ويبحث عن تارخه و عن سره. أما العسكري الذي كان يتناقش معه فقد ذهب الى ارشيف الدائرة وبحث في بلاغات المفقودين فلم يجد بينها اسم شخص يدعى فضل.
وعاد إلى مقتنيات فضل التي كانت معه عندما احضروه.وجد من بينها رقما هاتفي في ورقة صغيرة.
اتصل مباشرة على هذا الرقم ليجيبه صوت أنثوي. شرح لها العسكري الحالة واستفهم عن مجهول الهوية المدعو فضل . فسكتت المرأة فترة ثم أجابت:
- لا...لا نعرف أحد بهذا الاسم.