PDA

View Full Version : وجهان في حياتي



محمد الشريف
18-08-2012, 01:49 AM
أصلح أبادي مهندس التكييف ، أنابيب الغاز في سيارتي. أبادي هذا شاب من أثيوبيا في الثلاثينات من عمره. لطيف واجتماعي وله أصدقاء كثير غيري. على الرغم من ما تنطوي عليه حياته الحزينة. فقد أخبرني بأن أصوله عربية . لأنني سألته عن سبب هذه السحنة والبشرة البيضاء خلافا لمجتمعه. ضحك حينها وأخبرني بقصته الحزينة التي جرّت معها أحزان أكثر من ثلاثين سنة :
- انا ياصديقي لست أثيوبيا في الأصل. أرجع إلى أصول عربية لا أعرفها. وإنما نشأت وتربيت مع عائلة أثيوبية. لأنها وجدتني وأنا رضيع بجوار مسجد بمجمع للجالية العربية.ثم ترعرت في ذلك البيت في وسط اثيوبيا. ولا أعلم شيئا عن أهلي الأصليين. وفي الغالب أنهم من جمهورية مصر لقربها منا. لكني لا احفل بمعرفتهم فلدي أم وأب رعاواني. وهذه قصة سحنتي ياسيد عمر هل من أسئلة أخرى؟.
فابتسمت و تعجبت لقصة صاحبي هذه. فالحياة تخفي في ثناياها ألاماً وأمالا شتى. ولم يبدو عليه شئ من حجم هذه المعاناة. وقد أكون أنا الذي أرآها معاناة وهو غير ذلك. لكن الحقيقة تظل ماثلة أنه يجهل أهله وأصله و تاريخه. وتظل دنيانا تخفي الكثير. وتذكرت فسألته:
- بقي لي سؤال واحد ! ( قلتها وأنا ابتسم)
- .........
- هل انتهيت من إصلاح سيارتي؟
فضحك أبادي و نفض يديه. ومسح على ظهر " الكبوت" بعد أن أغلقه. في اشارة إلى جاهزيتها. ثم ذهبت الى عيادة العيون على عجل. وهي أول زيارة لي لهذه العيادة. فلم اشكو من عيناي في السابق. لكن يبدو أن جميع أعضاء جسمي لها عمر افتراضي. تتفاوت في مددها لكنها لابد أن تتأثر. مع أني كنت طوال الطريق أفكر في قصة صاحبي. و تفكرت في من هم في حياتي. ماذا تخفي عني هذه الحياة أيضا؟. وهل الابتسامات والمرح الذي أشاهده في الأخرين، تخفي قصصا كهذه؟. عجيبة هي هذه الدنيا. ظاهرها دائما يختلف عن باطنها.
وصلت إلى العيادة وبقي عشر دقائق على موعدي. عندها سمعت الممرضة تنادي على أسمي. دخلت على الطبيب واذا هو سعودي متوشحا اللباس الوطني. يبدو في الاربعين من عمره. استقبلني ببشاشة وترحيب. وبدأ يتفحْص عيناي . ثم سمعته يخاطب الممرضة السمراء بلغة غريبة. أحضرتْ بعدها عدة عدسات وأجهزة. وأثناء فحصه لعيناي قلت له:
- ماشاء الله يادكتور .. هل تعرف لغات غريبة؟
- ليست غريبة إنها لغة تعلمتها في صغري
انتهى الطبيب من فحص عيناي و كتب لي وصفة العلاج. شكرته و امتحدت فيه علمه وخبرته في مشاكل النظر والعيون. وامتحدت أيضا ثقافته الإقليمية كما سميتها وأنا أبتسم . ويبدو أن كلامي هذا وافق ارتياح منه. أو ساعة خلو باله من الكدر . حيث ارتخى على مقعده. و قال:
- ليست المسألة ثقافة أقليمية. ولكنني عشت ضمن عائلتي عشر سنوات في أثيوبيا. فأنا أعرف البلد وعاداتها وثقافتها فضلا عن لغتها. على الرغم من الذكرى السيئة لنا بها.
- ذكرى سيئة !!
- آه ..... نعم .... لقد فقدنا أخ لي في أثيوبيا. لقد سُرق على حين غِرة.
- سُرق .... انسان يُسرق!؟
فتبسم لي و قال :
- ما عليك .. لقد اقحمتك فيما لا لك شأن.
ووقف ليحيني كإذان لي بالانصراف. ومع هذا ذكرتني قصة أخوه المخطوف بصديقي أبادي.وتسآلت في نفسي أيكون لهما علاقة. إلا أنني استبعدت هذا الهراء فهذا الدكتور ليس مصريا. ولا يعقل أن يكون العامل الفنيي ذا صلة بالطبيب. ومع هذا قلت للطبيب:
- أعرف صديق لي أثيوبي ولكن سحنته و بشرته بيضاء ويقول أنه من أصول عربية.
- هل تسخر من قصتي
وتجهم وجهه الا أني وضعت يدي على رأسي كإشارة للاعتذار وقلت:
- العفو منك يادكتور انا لا أسخر. بل إن صديقي هذا متواجد هنا بجدة. ويمكن أن أعرفك به إن أردت.
فارتخى على مقعده في ذهول وتفكر عميق. ومرت دقائق و صاحبنا هذا لم يجبني. رأيت بعدها أسارير وجهه قد برقت. وأجابني:
- ولم لا..... تعال معه غدا لنرى!
وعدت إلى صديقي أبادي و خجلتُ أن اقول له ما حدث فقد أكون متوهما. إلا أنني أبلغته أن هذا الدكتور لديه أخبار عن أسرة عربية فقدت رضيعها في أثيوبيا منذ ثلاثين سنة تقريبا. واقترحت عليه ان يذهب غدا ليعرف أكثر. لم يحفل أبادي بالامر كعادته وحجته في ذلك أنه قد إعتاد الوحدة وألف الغربة. ولم يعد يكترث الى معرفة أسباب تدله على أهله الأصليين. وأخبرني أنه خلال عمره الثلاثين سنة قد أجرى عدة محاولات لمعرفة أهله. وسافر كثيرا إلى أُسَر كان لها مفقودين. إلا أنه يصاب بخيبة أمل في كل مرة . لانه يكتشف أنه ليس بالانسان المفقود لهذه الاسر. وينقلب الى حزن مضاعف على حد قوله. وسألته عن معنى الحزن المضاعف . فقال بنبرة ضاحة:
- ياحبيبي افضل لك أن تفقد الأمل مطلقا على أن تستنهضه. ويكبر لديك ثم تُصدم بأن لا أمل لك. وهذه عقيدة قد اتبعتها منذ سنوات.
فاستحلفته بالله ان يذهب في الغد للطبيب. والححت عليه بالطلب. على أنني لم أكن أنوي الذهاب معه. لأني في الاساس لا أحب المواقف العاطفية. كما أني لا أريد أن اكون بينهما بعد خيبة أملهما.
وفي الغد تأكدت من الممرضة في الموعد بأن صديقي قد جاء اليهم. ولم أتلق بعدها أي اتصال من صديقي. فعرفت أن اللقاء كان محبطا وأنني انما أثرت عاطفتهما الدفينة. وايقظتها من سبات ما كان لي أن أفعل ذلك. ونكأت جروح قد التأمت.فتحاشيت حتى المرور بقرب ورشة صاحبي خجلا منه.
وجائني اتصال بعد اسبوعين من العيادة. بعد ان انشغلت ونسيت أمرها. فاجئني صوت الدكتور يقول:
- اهلا بجامع شتات الفرقاء. اهلا بملئم جراح الزمن. ما بك ياعمر لم تسأل بعد أن جمعتني بأخي.
فجمد الدم في عروقي. واحسست ببعض الدوار. ثم تسألت في نفسي. " هل هو جاد أم يسخر مني. أم أنه أراد تلقيني درساً لكي لا أعود لمثل فعلي" ونبهني صوته في الهاتف:
- تخيل ياعمر لقد تفاجئت عند دخوله عليّ . فوجهه شديد الشبه بوجه أمي. عندها أحسست بشعور غريب. لكني لم أصدق هذا الشعور الا بعد عرفت منه أشياء كثيرة. وأكدها تحليل الحمض النووي الذي وقع على الأسرة كالصاعقة. أنه أخي المفقود.
- اسمع .. اسمع يادكتور. لا يفيد مثل هذا الحديث في الهاتف. ساجيئك الان في العيادة لأستفهم وأعي الأمر.
واقفلت الهاتف و كلي عجب واستغراب. لقد كنت افعل وانا ساخرا مما يحدث. أينقلب الموضوع لحقيقة درامية؟ . وهل هي لحظات اجتمعت فيها الاقدار.؟. اللحظة التي اصلح سيارتي وأعرف قصة الإثيوبي؟. وتصادف أن لي موعدا جديدا في عيادة العيون. وان تكون الممرضة اثيوبية لينفتح الموضوع مع الدكتور. اعتقد أن وراء ذلك كله قدرة إلآهية.