PDA

View Full Version : سوق رامز في الدمام : يوميات أديب !



طارق ابو سكر
26-08-2012, 08:05 AM
يوميات في ( رامز )


كتبت في مدينة الدمام بتاريخ 27/9/1433هـ
في ليلةٍ من الليالي التي يكون الشارع المؤدي إلى (رامز) موقفا مؤقتا للسيارات غير مصرَّحٍ له .. الشوارع يطيح منها المفصل , فتتداخل في بعضها عند المنتصف منه . تتوقف السيارات عن الحركة والدوران . في تلك اللحظة يتحول الشارع الطويل إلى مركز تسويق ! الذي يبيع الماء ، والجوالة التي تبيع أصناف الفل والورود ،وآخر يقفز على كبوت السيارة يريد أن يمسح (الجزاز) الأمامي .. يسقط عليه بائع الزينة .. يريد ليلمّع اللمبات .. والناس في استرخاء تام . - بكم قارورة الماء ؟ كأنه لا يعرف أن قارورة الماء منذ بدء التاريخ وهي على سعرها الثابت . - واحد ريال صديق . وكي يستعرض الواحد منا مهاراته المخزية ، وحتى نقوم بتزجية الوقت الذي يكاد أن يختنق ، ندخل في مفاوضات مع كل بائع . - ياصاحب الزينة كم حدك ؟ - ياخي اللي يجي منك . - لا .. غالي . يحك صاحب الزينة في قفاه : وهل تفوّهت بشيء ؟! - ياصاحب الورد ! تعال جاي . بكم الورد يابائع الورد ؟؟ فيتذاكى البائع في نفسه : - انت تبغاه بكم ؟ - لا . لا مايصلح مرة ثانية إنشاء الله . السيارات تزحر وتشخر .. والرطوبة قاتلة .. ورامز يقف هناك في البعيد . إن من هم مثلي من كائنات الصيف، تجده ساعتها يأكل في نفسه ،ويمزمز في شفتيه، ركبتاه تصطكان في حرب مع الزمن .. لو أن طفلا عليهما لنام .. ثم قام .. ثم نام ! لا نامت أعين المقاولين . تتصاعد زفرات الناس من السيارات ، فتنعقد في الهواء حلبات ملاكمة . - السلام عليكم .. ممكن أمر . - الله يمرمر راسك ! ماتشوف السيارات واقفة لها ساعة ؟! قال يبغى يمر قال . في هذه اللحظات لا تتوقف عجلة الحياة عن السير .. فالناس وراء هذا الشارع البغيض أمام الشاشات .. الناس في المتنزهات العامة .. الناس في مسبح النادي . من قال أن عجلة الحياة تتوقف ؟! لكن عجلات الصبر والأخلاق تتوقف هنا تماما . إننا نتحصل على جرعات الأمل في هذا الزمن بصعوبة بالغة . نرمي أنفسنا في الكتب والمطالعات والحوارات الهادفة ،والكتابات الرائقة ،ثم نفقد كل شيء هنا ! حتى نتوفّرَ على دفقةٍ من نور ، نظل نكافح ونجهد في مدافعة الظلام عمرنا كله.. ثم نرجع من رامز ، وقد صرنا من جنود الظلام ! أيجوز هذا بالله عليكم ؟ من يعوضنا عن هذه السنين ؟! منذ بدء شهر رمضان المبارك وأنت تجاهد الهوى، وتناضل النفس ، أشد الجهاد، وأشد النضال . فإذا هبطت إلى رامز تلقفتك الشياطين . هذه ناظرة بتكسُّر ، وهذه ماشية بغنج هوليود ، وهذه واقفة كبنات بوليود . والعطور ترقص في ثيابك ، وتنفخ في روعك ! مهرجان كبير من النساء ، كأن النساء كنَّ في كرتون ثم صُبَّ مافيه هنا ! لا تسلني عن النور والضياء ! الله وليَّك يصّايم . وبعض النساء يتحرجن من وضع العطور ، فما أن تضع المسكينة أول قدم لها إلا وكأن صنبور ماء انسكب عليها من السماء ! ويلاه ! نفسي تنازعني إلى العمل .ياناس لدي مقالة لا بد من إنجازها سريعا افسحوا لي الطريق . ما العمل ؟؟ أنا هنا بين جيد كعنق الفضة مائل ، وخد كمنابت الورد أسيل ، وقوام أهيفٍ ممشوق ، وتفنن في استراق النظر ، وتأنق في الضحكات ! جئتُ مرة أتأنق في ضحكة .. بال ولدي على نفسه .. أكرمكم الله . ماذا أفعل؟ اللمبات الصفراء ولمبات الزينة على الممرات والمداخل تضيء الدنيا يارجل . رامز سوق معروف في مدينة الدمام. . صار اليوم ملتقى العشاق ! لو جلست يوما إلى سكرتي (رجل أمن) لو ضعت يدك على أم رأسك من هول مايحدثك به .. كونه يتسمّر الساعات الطوال على الباب، ممايتيح له أن يتعرف على كل الفضائح ، والمؤامرات الداخلية والخارجية !!! قال لي مرة صديق كان يعمل رجل أمن على أحد بوابات الحياة بلازا : - رأيت شابا يدخل السوق .. مر بجانبي ، دعك من شعره العجيب ، ومشيته الغريبة ، رأيته يرتدي بنطلونا من هذه التي يسمونها : (طيحني ) والله لم أصدق ! فذهبت إليه موجها ومرشدا .. ربما يكون ناسيا أو غافلا : - يابو الشباب ، بنطلونك نازل ، عورتك مكشوفة . قال : فتأمل الشاب في وجهي ، كأنه ينظر إلى شيء مقرف : - إذا ما اعجبك لا تطالع . التجارة فن جميل .. لكن شيئا ما يدفع الناس إلى الجنون ! ثم استطرد قائلا : انتهى في آخر المساء استلامي ، فقعدت أنتظر من يأخذني إلى البيت .. وإذا بشابةٍ سعوديةٍ يمشي ورائها سبعة من العمال الأجانب ،تترنّحُ في مشيتها ، تتهادي تكاد أن تسقط , فلما وصلت إليّ ، تبيّنتُ منها رائحة الخمر، صاحت في غنج مخمور : - يا أنت أين الطريق ؟ هيا أوقف لي سيارة .. - والله ما عرفت ُ أفعل وقتها أأضحك أم أبكي !!؟ كانت قد جاءت في ساعة متأخرة ، الناس يقومون بتسكير المحلات ، عائدة إلى بيوتها ، ماذا أفعل ؟ذهبتُ بها إلى رأس الشارع ، وأوقفت لها سيارة . - غمزتُ صديقي بخبث . فقال : - يافلان لا تغمز ولا تهمز . أنّى لمن جاز عمره الأربعين أن ينشغل قلبه بغير الله ؟! إنَّ مثل هذه الأسواق تعطيك شيئا ، وتأخذ منك أشياء . تماما مثل المستشفيات هذه الأيام ! تذهب إلى المستشفى تعاني من صداع في الرأس ، فتستقبلك الحسناوات من الممرضات كأن بهرج الربيع ، ودفء الشتاء ، وحر الصيف في كل خطوة ونظرة وإشارة . - ربااااه ! تخرج من المستشفى ، وقلبك المسكين بالسهمِ المصيبِ رُمي . إنَّ الجواهر الثمينة من الله تتحصَّل عليها في صلاتك التراويح ، تُسلبُ منك عند مداخل هذه البوابات الساحرة .والمشروع الفكري الذي كنتُ تنوي القيام به من تأليف كتاب أو تحرير مقالةٍ ، تتحول في هذه الأزقة إلى مشروع اغترابٍ طويل الدسم ، عفوا طويل الأجل .يستمتع الأطفال في رامز ، يطيرون هنا وهناك . ويتوفّر الأهل على مايريدون من صحون وقدور راسيات ، وملابس جاهزات ، لكنّ الأبَ الفيلسوفَ يدخل في عملية نفسية يحاول فيها اختراع مقايس جديدة للجمال ، وقلبه ضائع في لعبة التخيير ، كالطفل في متاهة من النهود المشدودة ، والسيقان اللمّاعةِ ، والعيون الآسرة .لقد تحولت المقالة من الحديث عن الوضع السياسي إلى الحديث عن الوضع السوقي . طارق السكري عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية