PDA

View Full Version : في غيابة الحب - الجزء الأوّل - مختار الكمالي



مختار سيد صالح
08-02-2013, 04:53 AM
في غَيَابَةِ الحُبِّ [1]

( الجزءُ الأوَّلُ )

شعر : مختار الكمالي

-------------------------------------------------------------------------------


-1-
هُنَاكَ هُنَاكَ شَرْقَ القَلْبِ ثَمَّ لَظًى و ثَمَّ فُراتْ
و ثَمَّ غمامةٌ خضراءُ تطعَنُ وَحشةَ الفَلَواتْ
هُناكَ وُلِدتُ حيثُ العاشقونَ جميعُهُمْ أمواتْ !


-2-
رَفَضْتَ تجيءُ بالـمَقلوبِ للدُّنيا .. يقولُ أبي
و لمْ تبدأْ شهيقَكَ بالبُكاءِ الـمُعْلَنِ التَّعَبِ
فجئتَ مُكَمِّلاً للنَّخلِ و البَردِيِّ و الرُّطَبِ


-3-
أَجَلْ منْ أطولِ النَّخلاتِ قُدَّتْ قامتي / النَّخْلَةْ
و كانَ الحُبُّ - جَلَّ الحُبُّ - يفعَلُ في دمي فِعْلَهْ
فَحَيْثُ مَشاعري خَفَقَتْ أُعَمِّرُ للهوى قِبْلَةْ


-4-
و كُنَّا فوقَ سطحِ البيتِ نَفْتَرِشُ الـمُنى و نَنَامْ
نُطَارِدُ نَجْمَةَ الأحلامِ كي لا تَهرُبَ الأحلامْ
و حينَ تقولُ : دَعْ ثوبي ! .. أُدَاعِبُ ريشَ كُلِّ حَمامْ !


-5-
لَقَدْ كابَدْتُ وَجْدَ الحُبِّ مُنذُ ربيعيَ العاشِرْ
و كانَتْ جارَةُ الأحلامِ تدعوني : "الفتى الماكِرْ"
فَهَلْ عَلِمَتْ عَنِ العشرينِ أو عَنْ لوعَةِ الشَّاعِرْ ؟!


-6-
و كالطُّوفانِ كانَ العُمْرُ و الأحبابُ مِنْ قَشِّ
رياحٌ تحمِلُ الأطيارَ مِنْ عُشٍّ إلى عُشِّ
تُعَلِّمُهُمْ بأنَّ النَّخلَ لا يربو على غُشِّ


-7-
أنا الثَّاني الذي فارقْتُ عائِلَةَ الهديلِ الغَضْ
و مَنْ أهدَرْتُ عُمْرَ النَّايِ بالدَّمعِ الذي يَرْفَضْ
بنيتُ الحُبَّ فجراً لي و قلتُ : أيا ظلامُ انْقَضْ !


-8-
و ذاتَ هوًى - بلا وعيٍ - دخلتُ لِجَنَّةِ الشُّعَراءْ
تلفَّتَ قلبيَ الظَّمآنُ , ذا نهرٌ , و ذلكَ ماءْ
و حينَ وَقَفْتِهِ بالجُرْفِ قالَ : أُحِبُّ .. ثُمَّ أضاءْ !


-9-
أُحِبُّكِ! .. فَلْيَقُلْ أهلي : تَعَذَّبَ فيكِ أو راهَقْ
و ضَيَّعَ في مدى عينيكِ كُلَّ غُرورِهِ الواثِقْ
فَمِنْ أهدابِكِ الكحلى تَسَلَّقَ بُرجَهُ الشَّاهِقْ


-10-
أُحِبُّكِ! .. فليقُولوا : كانَ قبلَ الحُبِّ أَعْنَدَ شَابْ
فَلَـمَّا كابَدَ الأشواقَ و الحِرمانَ طفلاً شَابْ
تَجَمَّدَ قلبُهُ شوقاً و مِنْ جَمْرِ التَّمَنُّعِ ذابْ


-11-
لماذا لمْ أَذُبْ إلَّا على جَمَراتِ أهدابِكْ ؟
لماذا لمْ يَجِدْ خَطوي طريقاً دونَما بابِكْ ؟
لماذا لمْ أُضِئْ حتَّى حَظيتُ بِبَعْضِ إعجابِكْ ؟!


-12-
لأنَّكِ حيثُما تمشينَ تمشي خلفَكِ الأشجارْ !
أُحَدِّقُ فيكِ مُشرقَةً و مِنْ نَظَري عليكِ أَغَارْ !
لماذا لَمْ يَجِدْني العيدُ حتَّى قلتِ : يا مختارْ ؟!


-13-
معاً نحنُ ابتكارُ العندليبِ لِلَحْنِهِ الرَّائِعْ
و نحنُ حنينُ أرغِفَةِ الدُّعاءِ إلى فَمِ الجائِعْ
بنا تَتَوَهَّجُ الخُطُواتُ حتَّى يركُضَ الشَّارِعْ


-14-
عجيبٌ قلبيَ الرَّقميُّ حينَ دخلتِهِ أورَقْ
كأنَّكِ كنتِ حرفَ النُّونِ في الشِّعرِ الذي يشهَقْ
فناداني رجالُ النَّحوِ : يا مفعولَها الـمُطْلَقْ !


-15-
مجانينٌ هُمُ العُشَّاقُ و الأحبابُ رميةُ نَردْ
فإمَّا أنْ يكونَ الوِدُّ رميَتَهُمْ و إمَّا الوِدْ
إلهي! لَمْ أَكُنْ أدعو لِحُبٍّ ما لهُ مِنْ حَدْ !


-16-
و ما أُهديكَ ؟ .. مَنْحَرَها أم الأُذُنَينِ يا لُؤْلُؤْ ؟
بلى , أقراطُ غاليَتي ضياءُ العينِ و البُؤْبُؤْ !
يذوبُ الهاتِفُ الخلويُّ حينَ تقولُ لي : (تُؤْ تُؤْ)[2] !

***


البوكمال 2011



هوامش :

[0] هذا هو الجزء الأوّل من القصيدة الرئيسيّة في مجموعتي (في غَيابةِ الحبِّ) الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الخامسة عشرة (2012).

[1] البنية الوزنيَّة التي كتبت عليها هذه القصيدة كتب عليها آلاف الشعراء قبلي و المئات بعدي و لعلّ أشهر قصيدة قرأتها على هذه البنية الوزنيَّة هي قصيدة (الليالي الأربع) للشاعر المصري أحمد بخيت.

[2] تُؤْتُؤْ : لم أجد رسماً أفضل للصَّوتِ الذي أعنيه.

أعددت للشعراء
08-02-2013, 12:27 PM
السلام عليك يا شاعر
نص باذخ لا يكتبه إلا من امتلك ناصية الللغة والشعر،
في كل مرة أقرأ لك قصيدة أجمل،
بصراحة، إنك أحد الشعراء الكبار القلائل الذين لم يهجروا بعد أفياء التي أصبحت تنشر أي شيء!!
سماء ودي تظلك.