PDA

View Full Version : الخبز الأبيض نص قصصي



العوام
10-12-2001, 10:32 PM
الخبز الأبيض
ما كرهت في طفولتي شيئا كخبز الشعير. فقد اعتقدت طويلا ان مسألة الوسامة و بياض البشرة مردها الى الخبز الأبيض, و ان بشاعة الصورة و سواد البشرة مردها الى خبز الشعير , بل وان الافراط في تناول هذا الخبز يفضي حتما الى التهلكة.
من هنا نشأ موقفي المتصلب من هذا الخبز . موقف لم أكن أعي أني من خلاله كنت أكشف الوضعية الاقتصادية الهشة للاسرة الشئ الذي كان يغضب الوالدة , فلا ترى من غير تغيير موقفي سبيلا الى اعدة الأمور الى حالها .
في البدء كانت تحاول ذلك بهدوء , تحاورني , تحاول افهامي ان حشو المعدة بخبز الشعير أفضل من تركها فارغة او المبيت معصب البطن . وحين لم تكن تجد صدى لما كانت تقوله . كانت تنظر الي بحنق , تتأملني مليا ثم تقول "ليتك عشت عام البون ولو ليوم واحد , لكن لا بأس , ستعرف عنه كل شيئ عندما تكبر , الا اني اتساءل عن جدوى ما يملأون به مسامعكم في المدارس ان كانوا لا يحدثونكم عن احداث مهمة كعام البون ."
تصمت للحظات ثم تستأنف " وحتى لو فعلوا فلن يكون ذلك ابدا بقتامة ما عشناه .
يشدني التقديم مثلما يحدث عادة , و عندما كانت تتأكد من استعدادي للاستماع
كانت تضيف .:في تلك الأيام أمحلت السماء فقحلت الأرض , طال الانتظار , امتدت الأيادي لما كان نخزونا فنفذ . وفي لحظة تغير كل شيئ وبدا وكأن الحياة حنت الى بدايتها جارفة في نكوصها كل ما تم تحصيله عبر مسارها الطويل . تصور
اطنان الذهب و أموال المعمور ما عادت شيئا امام رغيف يملأ البطن , واراض لا يحدها البصر قويضت بحفنة من حبوب الشعير , لذلك كم غني ازداد غنى و كم فقير زاد فقرا .
تصمت للحظات , تستأنف حديثها وهي تشير برأسها محاولة رسم حجم الآم و المآسي التي عاشتها , تنظر الي من جديد ثم تضيف "آه يا ولد لو رأيت هيام الناس في البراري و القفار باحثين عن أي شيئ يخرج من صلب الارض حتى و لو كان جذورا مرة لا تستصاغ , لكنها كانت تتحول الى أرغفة تضمن الاستمرار. ولو رأيت حسرة من ضاق بهم الأفق و احتاروا ولم يعرفوا أيضعون حدا لعذابهم بشنق
أنفسهم ام يعطلون ذاكرتهم وفرون و يتيهون على وجه الارض متناسين انهم خلفوا
وراءهم أطفالا جياعا ينتظرون عودتهم .
تتوقف عن الحكي , يهي.من صمت ثقيل مفعم بالحزن و الألم . يتباطأ الزمن راسما سكة يمتد مسارها على صدور و قلوب المغلوبين البائسين الذين يمتص صرخاتهم
هدير حكة دوالبه العملاقة . ينبثق شعور بخوف مريع . خوف من كل شيئ , من الحياة , من الطبيعة , من الموت. فضاء الغرفة نفسه كان يبدو حابلا بالتواطؤ , ينطق بتهديد صارخ ترصده الجوارح المصدومة بكونه يستطيع ان ينتفض ضد سكونه و يرسل جنودا صاعقة متعطشة لشئ ما , لكن هذا الشئ سيكون حتما كالجنون , كالدمار , كالهلاك, كالموت .جنود بل أرواح ستنبثق من لاشئ , لكن في تحولها ستستعير أجساد الاباء الذين قتلهم الغم ووجوه الاطفال الذين انتهت بهم أحابيل وجشع السادة الى فائضين عن الوجود لا يستحقون لقمة من مخزوناتهم المكدسة .
ترعبني الصور , أبحث عن ملاذ , عن شئ ينتزعني من أعماقي. انظر اليها , تتلتقي نظراتنا , أقرأ بوضوح رجاءها . ترتد دعوتها خيبة بعد ان تصطدم باعتذاري .يرتفع صوتها بنبرة مغايرة " هيا تقدم الى المائدة فأنا متعبة أريد ان أستريح "
أنظر الى جنباتي مدركا ان لا مخرج من الورطة . أدفع الكلمات كي تبارح حلقي فلا أستطيع , أجهش بالبكاء فتطلوعني الكلمات و أصرخ : ولكنه يقتل يا أمي .
يعود الزمن الى حركيته على ايقاع انتفاضتها .تلوح لي الأشياء كأنما اراها من
مجرة بعيدة . لا المح الا العيون الغاضبة و الايادي المتوعدة .
كأسير مهان كنت أزحف اتجاه المائدة , أمد يدا مرتعشة دون ان احدد لها هدفا .
تصطدم به , ملمسه الخشن , تضاريسه المذبذبة , لونه المتعفن , و شذرات تبن تلمع بفعل انعكاس الضياء . أقتطع شدقا , امرره بالصحن , ألقمه فمي , أمضغه ممتزجا بالمرق و الدموع المالحة .أمضغه , أدكه باسناني كأنما كنت أريد ان أفنيه و أتخلص منه الى الأبد .ادفعه اتجاه حلقي , تكبر الممانعة و تنسد المسالك , أعاود
المضغ ثم أدفعه من جديد . تنغلق المسالك لتصير لبنة لا ممر يخترقها . اتصنع الانشغال بالمضغ , تنفتح الذاكرة . يلوح لي حمور كلب صاحب الناقلة . حمور في سباته المأجور الممتد من مغادرة الحافلة في الصباح الباكر الى حين عودتها مساء حيث يستيقظ فجأة و يشرع في النباح و يعدو بكل قواه ليختفي خلف منعرجات الطريق الغربية ليظهر بعد ذلك من جديد متقدما الناقلة مشكلا ما يشبه طلعة موكب , و ليحوم حولها بعد ذلك حين تتوقف بسرعة مذهلة . ترحاب كان سائق الناقلة ذو الشارب الطويل يسر له , وعندما كان يترجل , كان حمور يتعلق به , يربت ظهره ثم يتجه صحبته صوب بائعة الخبز حيث يشتري رغيفا او رغيفين أبيضين , يقطعهما ويلقي بهما الى حمور الذي يتلقفهما مبرزا مهارته في التقاط الأشياء .وعلى الفور كان أطفال القرية يتجمعون ويتابعون بانتباه طقوس وجبات حمور . وكان يحدث ان يرفع حمور رأسه وهو يضغط بفكيه القويتين قطعة من الخبز فتلتقي عيناه بعيون الأطفال فيبدو وكأنه يقول "انا آسف من أجلكم يا صغار , لكن لا تغتروا , فليست كل الكلاب تحصل على خبز أبيض مثلي "
يرتفع صوت الوالدة منتزعا اياي من شرودي :لن تبارح المائدة قبل ان تنهي حصتك من الطعام .
حكم عن أي جرم ؟ مجرد قضاء ؟ و لماذا لا يروق لهذا القضاء سوى ان يتخذ ها اللون القاتم في حين اان بوسعه ان يكون افضل دون ان يتطلب ذلك رسوما ولا استنزافا للطاقات ولا اي شئ آخر ؟
تلوح في الافق معركة غير متكافئة, أبصق لقمة استعصى علي بلعها و يبدأ الجلد .
بقوة كانت تجزرني و تحاول استئصال جذور كنه كان يبدو لها مزعجا . لكني بنفس الاصرار كنت أقاوم أستميت , شئ واحد كان يتغير في , لون جلدي .
أركن الى الزاوية انتحب , أبحث عن ذنب لا يغتفر ارتكبته , عن سبب يشفع للوالدة ما فعلت بي .نظرت اليها , بقيت مصعوقا , قرأت بوضوح هزيمتها و أهم من ذلك الدمعة التي لم تفلح في اخفائها . اقتربت مني , تحدثت بنبرة مغايرة , رجتني على غير عادتها ان أكف عن البكاء . تحدثت بوضوح تلك المرة . اعترفت ان ليس بمقدورها ان تشتري الدقيق لتصنع الخبز الأبيض . تحدثت عن أشياء أخرى عن الحياة , عن تكاليف العيش الباهضة .هدأ روعي فجنحت الى المصالحة . لكن
شيئا مهما تغير داخلي تلك اللحظة , اذ ما عادت الحياة واحة مستوية كما كنت اراها من قبل , بل صارت فيها ممرات و مسالك يسمح للبعض باجتيازها ويمنع الآخرون من اختراقها . والناس ما عادوا سواسية كما كنت اراهم , بل صاروا نوعين . نوع يعيش بالخبز الأبيض و نوع لا يقوى على ذلك .
عدت للمائدة من غير اكراه . التهمت خبزة كاملة من خبز الشعير و كأني بذلك كنت أحاول ان التهم ما تراءى لي من صور و فوارق .

أشجان
11-12-2001, 10:21 AM
المبدع ... والأخ العزيز ... العوام
عند القدوم لهذه الصفحه .. كنت اتوقع موضوعاً عادياً اقراءه بمرور سريع وأسجل الرد.. ولكن كانت المفاجأه بوجود درة ... بأسلوب قصصي رااائع .. وشيق وجذاب ... أجبرني على القراءة عدد من المرات ... كنت بكل حواسي أنصت لهذه الحروف وأتمعن بها ... معها تذكرت قصة لعبدالرحمن المنيف والحالة المعيشيه للمجتمع التي توجد الإبداع ... نعم فهذه الحالة الضنكه ... أخرجت المبدعين ... فلولا وجودها لم وجد أزيز قلمك المبدع في عذب الكلام ... ورونق حروفك الخاصه فيه التي طرحت فيها الموضوع بجميل العبارات فظللت اقراءها عدد من المرات واحاول البحث عن رد يليق بها ولكن أظل عاجزه عندما يوجد إبداع وخلفه مبدع ... شق فضاء العذب .. بطرح جديد ... وغريب ولكنه ماتع بكل حالاته .. فسلمت لنا يمينك ... ولا حرمنا الله إشراقة إبداعاتك الماتعه ...فهنيئاً لنا هذا التواجد العذب .. فأهلاً وسهلاً بك في الساخر عامة والعذوبة خاصه ..
أشجان

العوام
12-12-2001, 09:01 PM
الىالأخت الغالية أشجان.
تأثرت بشكل بالغ بكلماتك الرقيقة و بشهادتك التي أعتز بها . و فراستي لم تخطئ حين اختارت الساخر و عبره هذا المنتدى الرائع للاسهام بمحاولاتي المتواضعة في
تنشيط فقراته . وكعربون محبة لك و لرواد هذا المنتدى أقدم لكم نصا آخر غير بعيد
عن فضاء النص الأول , على ان تعقبه مناقشة منطلقة من النصين كأرضية .
مع تحياتي.

تـاء_التانيث
14-12-2001, 01:45 AM
الأخ الفاضل /العوام/
شكرا لك التفضل بقصة الخبز الابيض
وكلنا امل ان نقرا المزيد من كتاباتك واختياراتك
كيف استطاعت قطعة خبز واحدة
ان تلد كل هذه السطور
الاجابة واحدة
عين الكاتب المبدع
هي من توجد من التفاصيل المهملة
رؤية جديدة من زوايا جديدة
لم نكتشفها بعد..
شكرا لك

العوام
14-12-2001, 09:32 PM
الى الأخت تاء التأنيث

أشكرك على اطرائك .
ماذا يمكن أن أضيف ؟ الخبز هو الرهان الوحيد الذي يرافق الانسان عبر رحلة حياته . انه الحلم و الحقيقة و الوهم والمبدا .
صحيح ان قطع الخبز التي اكلتها في الزمن المشار اليه لم أتذوقها كما هي , لأن ملوحة الدموع التي كانت تنسكب من عيني و انا انفذ حكما قاسيا كانت تزيدني نفورا . هل اختلف الأمر الآن وانا انظر اليها من بعيد ... صدقيني ان نطاق المرارة قد اتسع أكثر لحد لا أستطيع ان أنهي الأمر ما دمت لا أستطيع أن التهم كل
هذه المآسي...
شكرا لك .

وهج
17-12-2001, 09:24 AM
روعة !!!!!!!!!!
اغراق بالوجع....
تعتيق الكلمات بطعم الدمع المالح
يا الله !!
قصة بعيييدة الأتجاهات
تسلم يمينك... واحاسيسك
ارى قلما صاعدا بقوة !!
اتمنى لك التوفيق
وهج..الساخر..
uuu

shjen
17-12-2001, 11:24 PM
والناس ما عادوا سواسية كما كنت اراهم , بل صاروا نوعين . نوع يعيش بالخبز الأبيض و نوع لا يقوى على ذلك .

معادلة أزلية ولكنها للاسف غير متزنة

تحمل في طياتها صرخة .... ولكنها في ذات الوقت تصوغ ضمائر حية.... شفافه

تفهم ما معنى الالم وتوصله للناس من خلال سطورك



قصة رائعة .............

لم اكن أعلم أن عذب الكلام يحتضن هكذا مبدع في عالم القصة

العوام
18-12-2001, 02:24 AM
عيد مبارك سعيد
أشكرك يا وهج على كلماتك الؤثرة والمحفزة في نفس الآن .
ماذا يمكن ان أضيف , الجندي لا يحس بجراحه ساعة المعركة ولا تقض مضجعه الا بعد انتهائها .
مع تحياتي وأعدك بالجديد ان شاء الله.

العوام
18-12-2001, 02:31 AM
تحياتي لك وعيد مبارك سعيد.
الناس ما عادوا سواسية كما كنت اراهم , خلاصتي الاولى التي صدمتني بعنف في تلك الطفولة البعيدة . بعدها لم افلح في أن أكون مثلما كنت من قبل . حز في نفسي الامر وحملت خيبتي كل هذه السنين ...
مع تحياتي و الى اللقاء في نصوص جديدة .