PDA

View Full Version : صور قديمة نص قصصي



العوام
12-12-2001, 10:53 PM
صور قديمة
الى كل الأمهات البئيسات في الوطن العربي
أتذكر الآن أن الأمر ابتدأ قبل اللحظة التي أمسكت فيها أمي يدي وأمرتني بالسير رفقتها, ذلك أنها عملت قبل ذلك على حلق شعري , ثم نظمت صحبة جاراتها حماما
في فناء بيتنا المستطيل المكشوف للسماء, اذ نصبن أعمدة شكلت هرما , و عملن على لف أضلعه بأغطية و حصائر ثقيلة مع حرصهن على أن تظل قمته مفتوحة حتى ينفذ الدخان الى الخارج .
ألبستني أمي في اليوم الموالي جلبابا صوفيا طويلا كان يعيق خطواتي هذا الجلباب الذي سيلازمني لسنين طويلة والذي سيستبدل بآخر جديد كلما تقادم الأول .
امتد السير طويلا , و انتهى عند احدى البوابات حيث استقبلنا رجل مفقوء العين كان بدوره يرتدي جلبابا. انتابني الرعب حين همت أمي بالانصراف . تمسكت بها بلا جدوى , و لم أجد مفرا من الاستجابة للرجل العبوس الذي أمرني بالدخول . غير أن روعي هدأ تدريجيا حين رأيت بالداخل أطفالا في مثل سني يضحكون و يلعبون
وعند ذلك أدركت أنني انتسبت للمدرسة .
ازدادت غبطتي يوم سلمتني أمي محفظة لها جيب وحيد ولا يد لها , بداخلها ريشة وطبشورة ولوحة وكتاب .
فتحت الكتاب , وكأي طفل تسحره الألوان نظرت بانبهار الى كتابي الملئ بالصور و الرسوم. احتضنت الكتاب غير مصدق أن ذلك الكتاب هو لي وحدي .ضممته لصدري مستطلعا من حولي لأتأكد ان لا أحد سيطالبني بمشاركته لي اياه .و حين اطمأنت , عاودت فتحه مستعرضا ما فيه من صور .
في البدء, كنت مجرد متفرج شغوف بمعرفة أشياء تنتمي لعالم بعيد , غير أني حين ألفت الصور وعاودت قراءتها , نبع تمردي من البوابة نفسها التي توارى خلفها اعجابي . لا أعرف كيف استنتجت أن حياتي هي محل سؤال . أهو ذلك الفارق المهول بين ما كنت أعيشه و بين ما كانت تنطق به الصور ؟ ..أهي تلك المعاملة الرقيقة التي كانت تفيض من الصور و التي افتقدت اليها معاملات عالم رجولي عنيف كان يلف حياتي ؟
لم أكن لأصمد امام هول الفارق , كل شيئ كنت أجده يصرخ في وجهي ويشهد بدونيتي ...الفضاء الراقي ..ملابس الأطفال الأنيقة..الأحذية اللامعة ..السريلات القصيرة و الأقمصة المكوية بعناية..الوجوه التي تنطق بالسكينة .فضاء المنازل ..
الغرف الرحبة ..الأرائك الوثيرة ..المزهريات..النوافذ التي ينسدل على جنباتها ستائر رفيعة....
أشياء كثيرة كنت أجدها تحاصرني فلا أجد مفرا من اغلاق الكتاب .ومن ثم أستعرض ما حولي . الغرفة التي هي في الوقت نفسه مطبخ و بهو و غرفة نوم.
الحصير المتآكل الجوانب والذي تفوح منه روائح كريهة , الأغطية المتناثرة التي
لا تعرف النظام الا في حالات استثنائية , أواني الطبخ المبعثرة على جنبات الغرفة
أتفحص الأرضية المتربة والتي يقاس جمالها في أفضل حالاتها حين تطلى بنوع خاص من التربة بعد أن تمزج بفضلات الأبقار, و الجدران التي يرش أعاليها بخليط
تربة بيضاء ليمتد في الأسفل حزام بخليط تربة أخرى ذات لون داكن . أتأمل الكوة الضيقة التي كانت مشروع نافذة حولت قاعدتها الى رف تودع فيها جاجيات كعلب عود الثقاب و الشمع ...
غير أن هذا لم يكن ليغير شيئا , اذ كنت أستطيع أن أصمد و أتجاهل الأمر مدفوعا في ذلك باعتقاد مفاده أننا هكذا خلقنا وهكذا أرادنا الله , استسلام عمقته أوامر النهي وصرامة تلجم كل من تطلع لأشياء الآخرين .0غير أنه في العمق كان ما يزال ثمة احساس متمرد استطاع ان يغالط الجميع .احساس كان يتحول داخلي الى حريق , و الناس الذين كانوا حولي وأحاطوني كنت أجدهم رمادا ما كان بامكانهم أن يفعلوا شيئا من أجلي .
وحدهم الأشخاص القابعون داخل الصور من كنت أجدهم الأقدر على ذلك ,بل استطيع القول اني كنت أسمع نداءاتهم , و لهذا كنت أقلب الصفحات باحثا عن بوابة , ممر, وحين كنت أفشل كمنت أحاول أن أعود الى دور المتفرج .
أنظر بانبهار الى أم رائعة الجمال برقة متناهية احتضنت وحيدها بشكل بدا أن الطفل
لا يحتاج الى نبض قلبه كي يعيش ولا هو في حاجة الى أغطية كي يحس بالدفء
و لا الى مهد كي يتمدد فيه ليستريح . أحاسيس الأم الفياضة كانت تصهر جسده فيتحول الى كنه يستطيع ان يسبح في الفضاء كأي ملاك لا تأثير للجاذبية على جسده . الأحلام تأتيه منتقاة , لا كوابيس ولا أشباح و لا فزع .
أغلق الكتاب من جديد , يرتسم وجه أمي قبالتي . وجهها الذي تميزه نظراتها الحادة التي ينتهي دوما تفحصها للأشياء برسم تعابير الاشمئزاز و الحيطة والحذر .
طريقتها في الكلام المصحوبة دوما بغليان داخلي يرسم تعابير قاسية على ملامحها
كلماتها , بل رصاصاتها التي تسددها في كل اتجاه . مزاجها الحاد الميال للعزلة و النفور . شراستها حين تستفز. زجرها العنيف لمن خالفها الرأي . ..هل كانت أمي حقا امرأة أم جنديا اسبرطيا تخلف عن زمانه ؟؟
كل شئ فيها كان يثبت ذلك , و يؤكد انها مخلوق مات فيه الاحساس . و لهذا كنت
أشعر و أنا أقرأ الصور أن أمي لا تعرف شيئا عن الأمومة و تجهل كل القواميس المرتبطة بها .ولذلك أيضا كنت أجزم أن الاحساس بالأمومة يكمن هناك في صور كتابي .
غير أن أمي كانت مصدر أشياء غريبة , شئ كان يحدث أشبه بزلزال او بركان .
ذلك انه في لحظات أشبه بواحة داخل صحراء مترامية كان القناع الذي تختفي خلفه ينكسر .هل كان هدير الطاحونة الحجرية التي كانت تديرها بيدها و هي تطحن الحبوب هو السبب ؟ هل كان انغماسها الكلي في عمقها يجعلها تنسى من حولها فتعمد
الى التخلص من مساحيقها فتكشف عمقها ؟
كان ذلك يحدث حين كانت تغني , و أن تغني أمي او تبكي فذلك كان يعني شيئا واحدا . صوت رقيق محشو بكل احزان الوجود كان يسمع , خيوط لأشياء لا ترى
تنطلق لتضبط نبضات الأفئدة على على ايقاع تصلبها او ارتخائها ... تخترق الصدور ..تضغط الأحشاء ..تبرز كاسحة قادمة من البواطن لتزيح الركام الذي يخفي
جوهر الأحاسيس...تتعرى الحقائق ويلوح الكنه الخالص للأشياء ليصير بامكاني ان أقرأ كل شئ دون أن أغالط , و أهم ما كنت أقرأ وضع الأسرة الذي كان كعش واهن في مسار اعصار .
لكن أي محول ذاك الذي كان يصهر الوقائع و الصور لتصير نبرات و ترانيم ؟؟
و أية جراح وأية وطأة تلك التي كانت تعيش أمي تحت تأثيرها وأي هول ذلك الذي كان يدفعها كي تنتهك القوانين الصارمة التي سنتها بنفسها و القاضية بمنع ابراز
أي احساس بالضعف او الوهن ؟؟
أكيد انها وهي تفعل ذلك كانت تسترجع تواريخ نكباتها . استعراض لم يكن يخضع لتسلسل زمني , بل كانت الحدة و عمق الجراح هو الذي يصنع الأولويات. و الأكيد أيضا أن ترتيبها كان يبدأ بالحدث الذي لم تحكيه أبدا .تبدأ بلا شك باللحظة التي اقتحم فيه البيت من لدن قوات المستعمر باحثة عن بقايا منشورات المقاومة التي كان أبي قد عاد محملا بها من الشرق و التي كانت قد أحرقتها بعدما أبلغت باعتقاله ظنا منها أنها بذلك تستطيع أن تسقط عنه التهمة ,فكان أن جرت نفسها لنفس مصيره .
لكن ليس اعتقالها ما كان يحزنها , بل ما رافق ذلك من صراخ الأبناء و التفافهم حولها رافضين فراقها . تتذكر الضربات الموجعة التي انهالت عليها وعلى أجسادهم الصغيرة , تتذكر السحب العنيف لها و لهم ..تتذكر المصائر المجهولة التي تركتهم في مواجهتها بعد أن غابوا عن أنظارها وهم يجرون باكين خلف سيارات المستعمرين ...تتذكر العزلة الطويلة التي عاشتها وصغارهاحين خاف الجميع على مصائرهم فقاطعوها بعدما صارت مجرد مبادلتها التحية تهمة تجر الى الاستنطاق
لكن نكباتها تتابعت بعد ذلك وشارك فيها الجميع , الزوج والاخوة والابناء والعالم أجمع ..
كان العالم يبدو على ايقاع صوتها وهي تغني عالما رهيبا شرسا ممقوتا لا يؤتمن . كنت لا أستطيع أن أصدق أن تلك الرحاب و أولئك الناس تتستوطن قلوبهم كل تلك الضراوة . كنت أتمنى لو أستطيع ان أقيم جدارا فاصلا بيننا و بينهم يمتد لآخر الدنيا , أتمنى لو تنفتح الأرض أو تنشق السماء فننفذ بعيدا عن ذلك العالم الهمجي . و حين كنت أقر بعجزي , كنت ألتفت اليها ...أقترب منها ...أتطلع اليها. بخشوع وثني حين كان يقف أمام آلهته...بسكون أخرس يبحث عن الذوبان في صمت الوجود. . هي كل شئ...هي الوجود والحياة ... هي الحب والأمل ...هي الأمومة.
صور الكتاب كانت تبدو تلك اللحظة باهتة ميتة , و مبدعها كان يبدو غبيا حين توهم أنه يستطيع أن يجسد أشياء لا تتجسد , أو أنه يستطيع بالمساحيق و الألوان امساك أحاسيس لا تدرك الا بالوجدان و الجوارح .
اقتربت منها , هل كانت حركتي هي التي نبهتها أم أنها كانت قد أفرغت ما كانت تود تصريفه . رمقتني بنظرة مرعبة , و بسرعة قياسية اختفى الصوت الحليم الآسر , لبست قناعها وصرخت في وجهي بكل قوة .بقيت مصعوقا . أهي المرأة التي كانت قبل حين ؟؟
تصاعد حنقي و جزمت من جديد أن الأمومة تكمن هناك , في صور الكتاب الذي هرعت الى فتحه.