PDA

View Full Version : الطفولة في زمن النفط قصة



العوام
20-12-2001, 05:07 PM
أقر في البداية أني كنت تلك اللحظة عصي الفهم الى حد البلادة , و الا كيف لم أنتبه الى أن الذي كان أمامي كان أكبر من أفكاري المسبقة ؟..و أي صملاخ سميك
ذاك الذي حال بين مسمعي و أنين تلك الصغيرة ؟..وكيف لم ألحظ تلك السيول التي عمقت مجاريها على ذلك الوجه الصغير ؟
قلت بغباوة من يعتقد ان لا شئ يخفى عنه : توقفي حبث أنت , أوضحي لي الآن
بأي شئ ستبررين تأخرك هذه المرة ؟
وقفت عند خط دفاعها الأخير ووجهها منكب على الأرض حتى لا تراه ينهار و لاذت
بلاصمت .زاد ذلك من غضبي و أوصلت ضغوطي الى أقاصيها قائلا: لن أضربك لكن بالمقابل لن نقوم بأي عمل ما لم نسمع جوابك .
تأكدت من أنها ستفقد ما تبقى من كبريائها , أجهشت بالبكاء و قالت : كنت أرعى الغنم .
ضج القسم بضحك التلاميذ فزاد ذلك من اعتقادي من أن الأمر ليس أكثر من أدعاء تهدف من حلاله الى تجنب حرج الموقف . غير ان انهيارها بذلك الشكل هزني بعنف . بقيت اذ لا يمكن أن تكون تلك الصغيرة راعية غنم .بشرتها التي لا علاقة لها بلفح الشمس , وجهها الملائكي , شعرها الأشقر , نظراتها التي تنطق بالبراءة . شئ واحد كان كفوضى داخل هذا النظام ,ملابسها العتيقة التي لا تتغير
و أهم من ذلك تأخرها المستمر عن أوقات الدراسة .
تأملتها طويلا قبل ان اقر بأني ساهمت بشكل ما في مفاقمة أحزانها بتدخلاتي
غير المحسوبة , ومتأخرا حاولت دفعها للتماسك أو قل التخفيف من هول ما أقدمت
عليه من حلال فضح اشياء كانت تود أن تظل في طي الكتمان
اقتربت منها وقلت لها : أنا ام أقتنع بأنك ترعين الغنم .
باحساس الذي ما عاد يخشى فقدان شئ أكدت أن ما قالته هو الحقيقة , وعدت أسألها : ماذا يشتغل أبوك ؟
ازداد حرجها و اجابت: أستاذ
أثار الجواب اندهاشي وقلت : أقلت أستاذ ؟ هل تقصدين أنه يشتغل بالتدريس ؟
لم تتحدث هذه المرة بل احنت رأسها بعد ان أومأت به مشيرة بالايجاب.
أثار الجواب استنكاري , كنت أتوقع أي جواب الا هذا ,وقلت وقد ازداد غضبي :
أستاذ ويبعث بك الى المرعى عوض المدرسة ؟
انتابت الصغيرة موجة جديدة كمن البكاء ثم قالت : هو غير موجود ...سافر قبل سنوات الى دولة في الخليج برفقة أمي و أخي .
سألتها : مع من تعيشين الآن ؟
أجابت وهي لا زالت تبكي : مع أحدى الأسر و
-وهل تعرف هذه الاسرة انه يتوجب عليك الحضور الى المدرسة في الساعة الثامنة؟
ـ بكل تأكيد

من أي مواد صلبة شكلت أحشاء هؤلاء ؟ وأي صور ستترسب في ذاكرة هذه الصغيرة التي شيئ لها أن تنظر الى العالم بعيون اليتم الصطنع ؟

انتابتني موجةمن الغضب .طلبت من الصغيرة أن تحضر لي عنوان أبيها و توهمت عبثا اني أنهيت الموضوع ,لكن محيط تلك الشقية كان قد اتسع لأصبح مجرد مجرة تسبح داخله . و رأيت في غفلة منها عبر منظارها المشكل من احاسيس الضياع و اليتم المصطنع الفرق المروع بين من تجعله الحياة مصبا تتنافس الروافد و الاودية
بتغذيته بكل ما يصنع روعته , وبين أكمة منسية أفقدها التآكل الذاكرة التي كانت صورها تضخ بعض الدفء الازم للحياة .
ما أحسست ان لها بيت تهرول اليه حين يلجأ الجمبع الى بيوتهم , و لا لمست لديها حماسا لعيد أو مناسبة . شئ واحد كان يشدها و تجد أيما لذة في الحديث عنه . كانت
تركز عينيها على تواريخ الأيام وحين كنت اضبط شرودها , كانت تجيب محتمية بدفء الأيام القادمة : لم تعد غير شهور قليلة و تعود أسرتي .
كنت أفكر في زجرها لأن ذلك يفقدها أشياء كثيرة , لكن ماذا يعني ان تفقد هذا وقد فقدت قبله حنان الأم وعطف الأب ودفء الأسرة ؟ و اي شئ سيعنيه توبيخي لها أمام
ضياع يجتاح كل يوم مساحة جديدة داخل روحها ؟
منذ متى رأيت أسرتك آخر مرة ؟
استوت في مقعدها وعبرت ملامحها أطياف ذكريات بعيدة لكنها سرعان ما ضاعت
وقالت :في ذلك المساء اتمع كل أفراد العائلة , وجوه جديدة حضرت البعض منها لم اره ابدا من قبل . كلهم جاءوا لتوديعنا .. كنت فرحة جدا لحد انني لم اتناول شيئا حين قدم العشاء .كنت أسابق الاوقات لرؤية ذلك العالم الجديد . لكني حيناستيقظت في الصباح لم اجدهم , قيل في البدء انهم سيعودون في اثري بعد انهاء بعض الاجراءات, ثم قيل انهم سيعودون بعد أسبوع , ثم بعد شهر و الآن مرت أربع سنوات , ها عنوان أبي أبلغه حين تكتب أنني...
لم تتمالك الصغيرة نفسها , أجهشت بالبكاء فتوالت كلماتها كشظايا انفجار , و خلف كل شظية كان يلوح عالم مهجور لا حياة فيه غير نعيق البوم و صفير الريح في ليل
طويل تراجعت فيه الحياة لتختصر في حلم صغير بعيد بعيد .
تفحصت العنوان و أنا اتساءل ماذا عساي أكتب ؟ وهل الأمر يحتاج في حسمه الى كلمات ؟ و هل تستطيع الكلمات أن تكون أقوى مما رأيت و أقوى من تلك اللحظة التي ولى فيها الأب هاربا وهي تتعلق بأذياله و تبكي ؟؟
لم أكتب شيئا , لكني صرت مثل تلك الصغيرة . كلانا يعيش على انتظار , مع فارق أن انتظارها سينتهي مع دق الأسرة للباب , في حين سأظل انا أسير رهان مجنون .رهان وتمن في أن يهب داخل كل انسان اعصار باطني عنيف يجتث الخلايا المسؤولة عن موت الأحاسيس و المشاعر داخل الانسان