PDA

View Full Version : أختي رزان !!



أبو معاذ الناصر
27-05-2002, 02:10 AM
((رزان)) القت الدرس ...وعلمتنا (الكره )!!
كنت كعادتي قبل أن أنام أتصفح بعض مواقع (الإنترنت) ، كانت أختي الصغيرة (رزان) بجواري تُقلِّب صفحات الجريدة التي لا تفهم منها إلا لغة الصور !!

كانت الصفحة الرئيسة - هذه المرة - مليئة بصور بعض الأطفال المضرجين بالدماء على أرض الإسراء ، كان الصمت سيد المكان ..

وفجأة وبدون تكلف من رزان:

- ياه ...ياحرام عليهم !!

توقعت أنها رأت الطفلة التي تحتضنها أمها ، وقدخرقت صدرها ثلاث رصاصات ..

- سلطان ..شوف هذي البنت مسكينة ما رحموها!!

مدت إلي بالجريدة... ثمنت لها هذا الشعور فلم أشأ أن أتابع ماقد بدأت به دون أن أتفاعل معها .. وشرعت أقرأ أحد العناوين الرئيسة كما لو كنت أقرأه لأول مرة !! وبصوت شبه خافت وهي تسمع ( أمريكا تتابع باهتمام آخر تطورات السلام في الشرق الأوسط)

عاد إلى ذهني مرة أخرى مخزون ثقيل من الشتائم !!! وهاج في فمي (بصاق محترق)!!

شيء وحيد لم يكن حاضراً لدي وأنا أرى مثل هذه العناوين ..
جزمتي القديمة !!

أخذت الجريدة ..وانصرفت إلى شاشة الجهاز ..ولم يمض وقت يسير ..حتى قلَّبت جميع صفحات الجريدة ثم قالت :

- سلطان ..مافيه أحد قوي يهزم ذولا الكافرين (تقصد إسرائيل)!!
كانت تتساءل وهي تواري دمعات حارة تتهادى في محاجرها...وبدأت تتثاقل على لسانها الكلمات.. اغتبطت كثيراً لهذه العاطفة الطفولية الحانية ، في الوقت الذي تصلَّبت عند بعض الكبار الذين يعقلون أضعاف ماتعقله من معاني الأخوة الإيمانية !!

- القوي الله يارزان !!

- طيب... دايم أسمع في الأخبار يقولون ..حقوق الإنسان..وين هي ؟
صرخة ضخمة كتمتها في داخلي !!

وبإجابة ساخرة ممزوجة بالأسى :

- طارت بها (الراقصة)!!

حدقت فيَّ وهي واجمة لا تتحرك .. وصدَّقت أن هناك شيئاً اسمه حقوق الإنسان ، وأن هناك راقصة طارت به حقيقة!!

- مين هذي الراقصة الملعونة؟

ببرود ساخر يستثير دموعها... ماتعرفينها ؟

(لودميلافلاسوفا) راقصة مشهورة في فرقة البولشي الروسية!!
كنت أجيبها وأنا لا أنظر إليها ...

هبت واقفة أمامي ..سلطان الله يخليك ..طالع في وقل لي :مين هذي الراقصة الي تقول؟!!

أحسست ساعتها أني أمام سيل من العاطفة المتدفقة ...وحرقة لم أعهدها من قبل..!! واستحالت تلك العينين الناعستين إلى عينين صارمتين !! إلا أن براءة الأطفال وبكاءهم لم يفارق شفتيها المقوستين!!
كانت طلباتها هذا اليوم تختلف عن طلباتها الروتينية كل يوم (لاتنس تجيب لي آيس كريم)..إنها اليوم تطلب مني أن أحدثها عن إجابات كبيرة فوق مستواها ..إنها تطلب مني اليوم - بصورة أو بأخرى - أن أحدثها عن ماتنصه المادة الثالثة في لائحة (حقوق الإنسان) التي طرحتها هيئة الأمم ونوقشت في (ليك سكس) وجنيف وأقرتها جمعية الكونتسيون الوطنية عام 1948بباريس!!

أكبرت لها تلك الأسئلة إلا أنه ليس هناك مفر من الإجابة عليها بصدق...في زمن غُيِّبت فيه الحقائق !!

مرة أخرى ...مين هذي الراقصة الي تقول؟

- هذه الراقصة يارزان ..هي مثال صارخ لمفهوم حقوق الإنسان .. راقصة الباليه (لودميلافلاسوفا) كان لها زوج - راقص أيضاً- في نفس فرقة (البولشوى) الروسية يدعى (جودونوف) طلب حق اللجوء السياسي في أمريكا ..وأصرَّت واشنطن على منع إقلاع الطائرة الروسية من مطار كندي بنيويورك ، إلا بعد استجواب الراقصة على انفراد والتأكد من أنها ستسافر إلى بلدها بمحض اختيـارها ..وعدم رغبتها في طلب حق اللجـوء السياسي للبقاء مع زوجها في أمريكا..
أعلم أنها لم تعي تماماً ما أقول ..إلا أنه وافق شعوري الذي كان بحاجة إلى تفريغ ما في صدري من أسى وغيظ!!
ياصغيرتي ..حقوق الإنسان ليست للذين يجبرون على هجر منازلهم في الضفة الغربيةبقوة السلاح !! وليست لمئات القتلى في القدس!! ولاللمشردين واللاجئين في جنين !! ليس للمسلمين منظمة ترعى حقوقهم .... باختصار

قتل امرئ في غابة ....جريمة لا تغتفر!!

وقتل شعب آمن .....مسألة فيها نظر!!

- تعالي يارزان .. انظري ..ماذا ترين؟

ابتسمت مستغربة وهي تنظر إلى شاشة الكمبيوتر
- ويش ذا !! حمار!!.. مين الي مشخبط عليه؟!!

كانت تنظر إلى صورة نشرتها بعض المواقع الإخبارية على الإنترنت ..حفظتها على الجهاز ..

- هذا يارزان حمار أطلقه الفلسطينيون على الجنود الأسرائليين بعدما رسموا عليه العلـم الإسرائلي !!

- طيب ...شوف الحمار بجنب العسكر أغبياء .. أغبياء ..شف شف ليش ماقتلوه؟!!

- هذا السؤال ..وجهه أحد الصحفيين إلى أحد الجنود فقال :إنهم هموا بذلك ولكنهم خافوا من محاكمتهم لدى المنظمة العالمية لحقوق الحيوان!!!!

صرخت في وجهي ..وكأنني مسؤول المنظمة ...وفي يدها الجريدة ..
- طيب وين حقوق هذي (النونو) وأمها ؟!!

قلت لها مبتسما :

- أنا مالي دخل !!

شعرت بأنها خرجت عن طورها !! ..فانطلقت أول دمعاتها علانية أمامي ..ثم خرجت من عندي كيانا ممتلئاً حزناً وشفقة!! ممزوجاً بتناقض يعصف بأفكارها !! تشعر أنني لم أفهم ماذا تعني !! وأنها لا تجيد التعبير عما تكنه في صدرها!!

بعد يومين ..

سمعتها تقول لأبي وقد أحضر لها آيس كريمها المفضل(باسكن روبنز )
أبله فاطمة تقول إن هذا حق أمريكا الي تساعد الكافرين (إسرائيل) وأنا معاد أبي شيء أمريكي!!

كانت هذه الكلمات درساً كبيراً ألقته رزان في ذهن العائلة ..اسمه التعبئة الشعوريةأو ( المقاطعة) !! أو التضامن النفسي !! واستطاعت أن تنتصر هذه الصغيرة أمام (أغلى هدية تقدم لها) !! وانهزم بعض الكبار أمام علبة الكولا!!

تحية لك أبله فاطمة.... شكراً لك رزان ..حسرة على المنهزمين!!

الانهزام قبيح!!

أكره الانهزام!!