PDA

View Full Version : آه لو كان كل العالم كمثلك يا محمد



أنفال سعيد
15-07-2002, 09:44 PM
تًذكرُ هذه الكلمة 00ومعها تًذكرُ وجه أمكَ الحنون 00وابتسامتها الصافية00وتنحدرُ الدموع ساخنة ًمن مقلتيك وتتساءل: لم البكاء؟!00أتبكي أمك00أم تبكي نفسك00أم تبكيهما معاًََََ ؟!
لا زلتَ تذكرُ أيام الطفولة00 وبيتكم القديم في حي الشهداء00وشجرة الليمون التي طال غرسها ولم تثمر00 بل ولا زلتَ تذكرُ الحارة بأزقتها الضيقة 00 وبيوتها المتراصة بجانب بعضها البعض وكأنها تعلنُ تلاصق القلوب كما تلاصق جدران الطين بعضها ببعض 00 ويتناهى إلى سمعكَ كما تعودت صوتُ الباعة هنا وهناك يعرضون بضاعتهم كل صباح 00 تَذكرُ كل هذا 00 تذكرُ كل هذا العالم الكبير الصغير 00 وتذكرُه بأدق تفاصيله00 وتحاولُ أن تجدَ نفسكَ وسط هذا العالم 00وأن تبحثَ لنفسكَ عن جزءٍ ولو صغير00 لكنكَ تفشل وكالعادة تنزوي في ركن ٍِِِِبعيد00معلق ٌهنا بين هذا العالم والآخر 00بين السماء ِوالأرض 00 تتطلعُ هنا وهناك 00
وتحلقُ بكَ الذكرياتُ طويلا 00لتحط َبكَ هنا أخيراًَََ 00في بيتكم القديم 00لترى نفسكَ هنا طفلا صغيراًََََ 00منذ الطفولةِ وأنتَ محط ُالإعجاب 00وأنتَ لا تناقش 00لاتجادل 00لاتحاور 00ُتؤمرُ فتُطيع 00ويُطلب منكَ فتُجيب 00وكانَ جوابُكَ دائماً :نعم 00كان َكل شئ ٍِِِِ في نظركَ طبيعياً واعتيادياً ولا يستحقُ التفكير 00 كنتَ تملُ حتى التفكير في أن تفكرَ يوماً 00وكنتَ تتابعُ بسخرية ٍنظرات َالأمهات وهن يبدين إعجابهن بعقلكَ الكبير 00وكان أكثرُ ما يثيركَ ويضحكك00أن تنالَ تقديراً لشيء ٍلم تفعله00اذ كان صمتكَ هذا محل إعجاب ٍمن الجميع 00 كنتَ هكذا دوماً 00 ولم تُحاول يوماً أن تتغير 00 ومعَ ما كنتَ تناله من رضا 00كان يكفيكَ للعيشِِِ ِفي هذا العالم 00وَكبُرت 00ولم يكُبر معك شئ 00وأصبحتَ كما كنت 00كُنتَ هكذا دوماً حتى في الأمور ِالمصيرية 00اذ لم تحاول يوماً أن يكونَ لك رأي ٌ وموقف ،ويرنو إلى ذاكرتكَ يوم فاتحتكَ أمُكَ بموضوع ِالزواج 00لكنكَ كنت تتطلعُ في أمك 00صامتاً كعادتك وحينما أنهت حديثها انبرت أخُتك قائلة ًباحتجاج :وهل هذا وقتُ الأعراس ِ يا أماه؟
لا طعمَ للأعراس ِوجيشُ الاحتلال يجثمُ على صدورنا 00لا طعمَ للأعراس ِوفلسطينُ في كل يوم ٍتزف ُشباباً بأكفانها 00أنقيمُ عرساً يا أماه وفلسطينُ تُؤكلُ في كل ِيوم قطعة ً قطعة ً؟! وأيُ عرس ٍنقيمه فلا نَجدُ من يُشاركنا ،ومن سَيزفُ أخي يا أماه ؟! الأطفالُ والنساء 00كلُ الشبابِ والرجال في السجون ٍوالمعتقلات 00 ثمُ 00 أيتزوج ُاليومَ ليفارقنا غداً 00وليَترُكَ زوجة ً وأطفالاً يبكونَ من بعده ويعانونَ من البؤس ٍوالشقاء 00يَكفينَا يا أمي ما نالنا ولا ضرورةَ َ لجراح ٍجديدة 00
وكنتَ تتابعُ أختكَ بعينيك وآلمكَ حديثها وآلمكَ أكثر أنَها تتحدث ُعن واقع ٍمُعاش 00ولمحتَ حينها دمعة ً مسَحتها بكفها وهيَ تخفي وجهَها بيديها 0،لكن لم يبدُ عليك أيُ إحساس ٍبالتأثر وكانَ هذا طبيعياً بالنسبةِ لهُم 00وكنتَ تفكرُ في ما قالته وأنتَ مُطرقٌ برأسك 00حتى انتشلكَ صوتُ أخيكَ من أفكارك مخاطباً اياكم :نحنُ الآن لا نتحدثُ بالعواطفِ والمشاعر 00لانفكرُ بالجروح ِ والآلام ،دعيها جانباً وفكري مَعي 00منذُ متى ونحنُ نرضخُ تحتَ الاحتلال ؟!وكم قدمنا من شهداءَ حتى الآن؟!وكم ِسيقَ من رجالنا وشبابنا أسرى في السجون ؟!وكم وكم ؟!!
نحنُ ننامُ ونصحو على أصواتِ المدافع ِوالقنابل 00ما عادَ أطفالنا يلعبون بالكرة ِكما يلعبون بالرصاص 00أصواتُ المدافع صارت مألوفة ً أكثرَ من أجراس ِالمدارس 00الرصاصُ المتدفق صارَ أشبه بدقاتِ الساعة دقة ً وراءَ دقة سريعة ً منتظمة 00صارَ مشهدُ الشارع ِ بلا دماء ٍ وأشلاء غريباً عنا 00 انظري للواقع هذه حياتنا التي نَعيشُها ولا بديلَ لها 00فماذا نَفعل ؟!!
هل سَنُوقفُ الحياة ؟هل سَنتجمدُ هنا ؟الحياة ُ لن تتوقفَ لأجلنا يا عزيزتي 00نحنُ نقدمُ هنا كبش فداء ٍ كُلَ يوم 00ولتسَتمرَ الحياة 00
وتزَوجت 00بعد أسبوعين 00ولم يُكن ذلكَ وفقاً لرغبتك أو تحقيقاً لإرادتك 00لكن لأنكَ وجدت نفسكَ مضطراً للزواج ،ومع كل خطوة ٍ تخطوها في حياتك كنتَ تثبت لنفسكَ وللآخرينَ الحياديةِ بل والسلبية َ المفرطة 00
وكنتَ لا تزالُ تذكرُ 00شبابَ قريتكم 00وهم يسقطونَ الواحدَ تلو الآخر برصاص ِالعدو الإسرائيلي 00كانوا جميعاً يقاتلونَ العدو وكانوا يسمونَ أنفسهم مقاومة ،كانَ كل فردٍ منهم يعتبرُ نفسه منَ المقاومينَ الأحرار 00وكنت تتساءلُ في نفسك هل كلُ من يحملُ حجراً يعتبر مقاوماً 00مجاهداً في سبيل ِ الله 00ماذا عمن يقاتلونَ لأجل الثأرِ والانتقام 00هل يعتبرُ هذا جهاداً أيضاً؟! إنهم آنذاك لا يحملونَ الحجرَ لأجل فلسطين بل لأجل ِالحقدِ في داخلهم إنهم يمثلونَ العدوَ الآن 00لايختلفون عنهم بشيء 00لن يتورعوا عن قتل ِ طفل ٍ رضيع000أو شيخ ٍ كهل00هم مِثلهم الآن 00ماذا كانَ اسم الضابطِ الإسرائيلي الذي لاحقوه طويلا حتى قتلوه؟ورقصوا ذلكَ اليوم حتى الفجر في ِشبه عرس 00أكانَ ذلك أيضاً لأجل ِ فلسطين ؟!!!
لازلتَ تذكرُ حينما اجتمعتم في منزل ِ جاركم أبو عمار الذي تحدثَ عن الانتقام ِ والثأر وطلبِ دماء هؤلاء القتلى دونَ أدنى طرح ٍ لخطةٍ أو تنظيم ٍ معين حتى أوقفه أخوكَ قائلا (والحسرةٌ تملئُ عينيه) :كم يؤُلمني أن ينظرَ العالم ُإلينا اليومَ كجيل ٍ واع 00نقدرُ مسئوليتنا 00ونجاهدَ في سبيل ِ الله 00من أجل مبدأ ٍ ثابت 00من أجل ِ فلسطين 00لنسترَجعها والمسجدَ الأقصى قريباً فيما تتحدثونَ عن الثأر ِ والانتقام ليكونَ دافعاً لكم دونَ أن يكونَ الوطنُ والأرضُ والهوية 00ولتثبتوا أنه ليس كلُ من يحمل حجراً فدائي واع ٍ ومجاهدٌ في سبيل ِالله 00أنتم تجاهدونَ في سبيل ِ العصبيةِ القومية00 أنتم تقاتلونَ لعَشِيرتكُم 00لنَفسِكُم00ولِمَصلحِتُكم الشخصية00لا لأجل ِ شئ ٍآخر00
فردَ عليه آخر بوقاحة : قريباً ؟ إذن غداً نلتقي في القدس 00
وتحدثَ يوسف- مدرس القرية- وهوَ أيضاً أخ ٌ لثلاثةِ شهداء من قريتكم ليردَ عليه قائلا:فلسطين غولة ٌ تأكلُ ولا تشبع 00كلمَا قدمنا لهَا طالبت بالمزيد، إنها تحرقُ زهرةَ َ شبابنا يوماً بعدَ يوم 00تحولُهم إلى بقايا أشلاء ٍ مترامية ٍ هُنا وهُناك 00فلأجل ِماذا؟؟
ما فائدة ُالوطن ِ والأرض إذا أضحَيا ِبلا بشر ؟!أيهما أهم الإنسانُ أم الأرض ؟!قل لي 00
حينها خرجَ أخوكَ والغضبُ يُزَلزُل كيانه وصفقَ البابَ ورائه 00وظللتَ أنت جالساً تنقلُ عينيك بينَ الجالسين 00وكما المعتاد 00صامتاً 00بدون ِ تعليق ، لكنك كنتَ تفكر 00ولرُبما لأول ِ مرة 00كل ٌ منهما يبدو صادقاً في حديثه 00وكلاهما يَبدُو منطقياً أيضاً 00كلنا يَعرفُ أن الوطنَ لنا 00وأن الأرضَ موطننا 00لكن ترُى هل نرضى الأرضَ سُكنَى بالأشباح وبقايا الأشلاء ِ الدامية ؟! أم أنَ الوطن قادرٌ على تعويض ِ ما فات والوعد بمستقبل ٍ جديدٍ مشرق ؟!
حِينما نفكر نُحس بوجودنا وقيمتنا 00حِينما نفكر نُحس بمعنى الأشياء00وندركُ أن الحياةَ َ ملئ ٌ بما يستحقُ العيش لأجله ولربما القتالَ لأجله 00
تحولٌ جديدٌ طرأ على أفكارك00بل ولَرُبما تحولٌ خطيرٌ 00لأول ِ مرة ٍتُطرح كلمة ُ الجهادِ في قاموسك 00لرُبما أججت الذكرياتُ هذه الأفكار ِ الجديدة ،أصبحَ كل شئ ٍ ذو طعم ٍ غريب 00رائحة ُالدماء ِ تملأ ُ أنفك وأزيزُ الرصاص ِ يطن في أذنيك00لستَ في حاجةٍ لتذكرَ ما تراه الآنَ بعينيك 00
كنتَ ولا تزالُ ترى قوافلَ الشهداء ِ كل يوم ،لكنكَ لم تنسى أبداً جنازة أخيكَ 00(أحمد) ذو الاثني عشرَ ربيعاً ،كنتَ تؤُمن أن هَولاء الحمقى هُم من زجَ بأنفسهم إلى الموت 00كانوا قد اختاروا طريقهم ِبأنفسهم – حسبَ قولك- وكنتَ تراهم فتزمُ شفتيكَ حانقاً ،هَولاء الأغبياء وكأنهم لا يعرفونَ مصيرهم ،كنتَ تتألم لمقتل ِ أحدهم وتنتابك لمسة ٌ من شفقة ، ولكن 00 ما كانَ هذا ليغيرَ رأيك00
لكن ، هذا 00طفل ٌفي عمرِ الزهور 00لم يقترف ذنباً 00لم يرتكب جرماً 00سقط َ وحقيبة ُ المدرسة ِ بين أنامله الصغيرة 00سقط َ الجسدُ الدامي وسط َ كومة ٍ من الأوراق ِ البيضاء الناصعة 00لم يحمل حجراً قط 00ولم يُحاول التعرضَ لأحد00
هزكَ موتُ أخيكَ من الداخل ،وكسرَ فيك أشياءَ لم تستطع جَبرهَا ،ولم تعَلم لمَ لا يكونُ موتُ أخيك كما موتُ آلاف ِ الأطفال هُنا وهُناك في أراضي فلسطينَ المحتلة 00
أحزناً على طفولته المسروقة ؟!أم على حياته التي انتهت حتى قبلَ أن تبدأ؟!أو رُبما لأنه أخوك ؟؟!
الذي ارتبط موته بتجربة ٍ مريرة ٍ في ذاكرتك ،بمنظر أمك بشعَرها المنكوش 00وثوبها المعفر 00ووجهها الباكي 00وعشرات ِ النسوة ِ خلفها يزغردن كأشبه ما يكونُ بموكب احتفالي 00
ولا يزالُ صوتُ أختك يرنُ في ذاكرتك وهي تصرخ : لا أفهمُ لِمَ هذه التقاليدُ البالية !00 لم تُجبرُ أم ٌ ثكلى على إخفاء ِ مشاعرها !00لتزغرد وسط َ دموعها !00لم لا تستطيعُ التعبير عن مشاعرها الحقيقية !00وِلمَ لا نستطيع البكاء كآلاف ِ الأمهات ِ في هذا العالم ؟! ألأننا في فلسطين ؟! ولِمَ ؟! وما الاختلاف ؟! أليستَ أمومتنا كباقي الأمهات ؟! لِمَ لا نستطيعُ رفع صوتنا بالبكاء ِ والعويل ؟! ولِمَ ولِمَ ؟
وتسَاءلت أنتَ حقاً ؟؟
لِمَ لا نبكي ؟ وشُهدائنا يفوقون كُلَ شهداء ِ العالم ؟ لِمَ ؟ ونحنُ نُودُع ُأغلى ما لدَينا الثرى ؟ لِمَ وجراحنا تزدادُ يوماً بعد يوم ؟ لِمَ ونحنُ لا نصحو إلا بهمومنا وآلامنا ؟
نحنُ لا نريدُ من العالم ِ أن يمجد موقفنا ،لا نريدُ أن نوصفَ بأبطال ِ الحجارة ، لا نريدُ تقديساً لجهادنا( المقدس )،لا نريدُ مشاعرَ وعواطفَ جوفاء ،نريد موقفاً 00دعماً 00من كل ِ الشرفاء ِ في هذا العالم 00
هنا 00وجدتَ نفسك 00ولأول ِ مرة في حياتك 00حددت موقفاً 00
هرعتَ إلى قريتك ،كنتَ تطيرُ برجليك ، إلى أن وصلت ،لكن القرية َ لم تكن كالمعتاد 00الناسُ غير الناس 00والبشرُ غيرا لبشر شئ ٌ ما تغير ، الجهادُ والنضالُ والثورة أصبحت مفاهيماً بالية ً بالنسبة إليهم ،حديثك َعن الصبر في سبيل ِ تحقيق النصر أصبحَ مملا بالنسبة ِ إليهم ،وكأنَ يأسَ العالم انتقل إليهم ،ضاع َ كل شئ ولم يبقَ غير الأمل 00كانَ هذا حديثهم 00
ولِمَ نقاتلُ ونجاهد ؟! وفي سبيل ِ ماذا ؟! إنها أشبهَ ما تكون بمعركة ٍ انتحارية 00
نحنُ نخوضُ حرباً بلا سلاح ٍأو عتاد ،نحنُ نقف عراة ً أمام دباباتِ العدو ِالغاشم ،لا نملك إلا الحجارة 00
ولِمَ نجاهدُ ؟! لنقتلَ إسرائيلياً في مقابل ِ قتل ِ وجرح ِ وأسرِ الآلافِ منا ،وليُجرَح إسرائيلي ٌ واحد ليقومَ العالمُ كله من أجله فيما يموتُ الآلافُ منا بلا ثمن 00
اتُرك عنكَ الأوهام وعش الواقع ،من الغباء ِ التفكيرُ في غير ِ ذلك 00
واسودت الدنيا في عينيك 00وأقفلت أبوابها في وجهك 00الآن !!!
وبعدَ أن علمتك الأيام 00الآن 00
اليومَ عرفتَ معنى الذل والقهر ، لأنكَ عرفت الحقيقة 00 تعجزُ الآنَ عن التخلي عنها 00
تختنقُ الأشياءُ في داخلك ، يضجُ صدركَ بما فيه ،تحتبسُ الكلماتُ بين شفتيك 00
وتتذكرُ مقولة َأمك 00في كل ٍ بلدِ من العالم اليوم مُحمد 00في العالم ٍألفُ محمد 00
لكنهم اليومَ كما كنتَ أنتَ بالأمس 00مجردُ أصفار ٍ في هذا العالم 00
وتنحدرُ دمعة ٌ ساخنة ٌمن مقلتيك 00ويضيقُ صدركَ أسى 00 اليومَ تحققت رغبة ُ أمك حيَنما قالت:
((آه لو كانَ كل العالم كمثلكَ يا مُحمد ))000