PDA

View Full Version : سحر الرياض الأسود



إبراهيم سنان
26-07-2002, 04:30 PM
حينما تكون في الرياض عاصمة الدولة .. تحس بنوع من الراحة لا تجدها في أي مدينة أخرى .. ولكن عندما يطول بك البقاء يبدأ الاختناق والملل . ولكن والحق يقال ما أن ابتعد لمدة اسبوع واحد حتى أجد نفسي وقد اشتقت اليها ..

وكنت قد عدت للتو من جدة .. وفي الطائرة كنت أرى الرمال تتدرج وتتحول لتصبح عمرانا منوعا زاهيا ... وما أجمل الرحلة اذا كانت ليلا .. فكأنك تدخل في مجرة جديدة بنجوم وكواكب من تحتك ..

ورائحة المطار وان بدات للزائر لأول مرة رائحة كريهة الا أن التعود يجعلها راحة الراحة لأنها أصبحت كأدخنة الحطب الذي يشير الى أنك قد اقتربت من ديارك... لو كنت بدويا

طريق المطار .. المخارج . الاشارات.. كل شيء تحس بأنك قد اشتقت اليه .. وتعلم ايضا أنك سوف تمل بعد شهرين ... انه سحر الرياض لا أعلم ولكنه سحر .. يجعلك دائما تكره وجودك فيها ولكن لا تنكر اشتياقك اليها ...

وصلت وبدأت أوضب اشيائي وكأن الأيام بعد أول وصول تسابقك .. فتجد نفسك وقد أكملت الاسبوع الأول وكأنك بالامس قد وصلت ...

واذا بالهاتف يرن ..في وقت الظهيرة . بعد كبسة دسمة وكوب من اللبن أفضل أن يرد جهاز التسجيل الجائع أبدا

واذا بي اسمع صوتا وكأنها قناة أجنبية قد فتحت في التلفاز .

ابراهيم لقد وصلت للرياض اليوم وأحببت أن تكون أنت اول من أخبره لانني اشتقت اليك واريد أن اراك .. وانا غاضب جدا لان ؟؟؟؟؟؟؟

وما كاد يكمل حتى توقف التسجيل . ولا تلوموني لانني سبق وأطلت جهاز التسجيل .. فوجدت رسالة لاحد الاصدقاء يخبرني بتفاصيل رحلته الى الثمامة . وكانه لا يسكن معي في نفس المبنى في الشقة المجاورة ... كسل منطقي في أجواء تنتشر فيها روائح الكبسات واللبن وعبير البطيخ ...

لقد كان تيري هو المتصل ..

ولا أخفيكم بأنني قد قلت في نفسي .. ماذا يريد هذا يبدو أنه قد التصق بي ..

تجاهلت المكالمة . ولكن تيري لم يفقد الأمل .. فمازال يعيد الاتصال بي في أوقات كثيرة ويسجل رقم هاتفه .. فقلت لماذا لا اتصل عليه وارى ماذا يريد ..

والحق ان الكسل قد اصابني وكنت اعتقد انه يريد مني التجوال معه في مدينة الرياض لانني سبق وألمحت له بأنني احفظها شبرا شبرا. ووعدته بأن اعوض عليه زيارته لجدة لانه لم يسفتيد مني شيئا هناك...

الو.. تيري اهلا كيف الحال يا رجل ؛ اعتذر عن التأخر في الرد عليك ولكنني كنت مشغولا مع الاهل والاصدقاء ..

لا عليك فانا توقعت هذا . ولكن هل استطيع مقابلتك اليوم فأنا اريد الجلوس والتحدث اليك...

جميل أين تريد ان نتقابل ..

انت اختر المكان فأنت صاحب الدار ...

لم يأتي في بالي أنه يريد مني اختيار مكان غريب . فهذا ما فهمته ...؟

اتصلت عليه من أحد المقاهي الحديثة في العليا ... واتاني هناك .. وجلسنا وكان يكرر علي دائما : لقد أتيت الى هذا المكان مرارا وتكرارا ..

وأنا كنت ابتسم اليه دون مبالاة .. الى أن قال لي ..

ابراهيم يبدو أنك لم تفهم اريد ان نذهب انا وانت في زياردة الى اماكن لا اعرفها في الرياض .. اريد ان ارى اماكن لم ارها قبلا..

لا بأس اذن دعنا اليوم نجلس هنا وسنذهب الى حيث تريد يا تيري في وقت لاحق او موعد آخر ...

ولكن أخبرني ما أخبار اصدقائك في جدة ماذا حدث لهم ...

ابدا لقد تشاجرنا بعد آخر لقاء جمعنا .. فانت أثرت بعض الأمور التي كنا دائما نحاول تجنبها أمام الغرباء ..

(لا ادري ولكنني احسست بنوع من الشعور بالسعادة . هل هو شماتة .. ام ماذا لم أكن اعرف لماذا ..)

انتبه تيري الى ابتسامتي . فقال لي يبدو أنك مرتاح جدا ..

نعم فانا احب العاصمة ..

ومذا تحب فيها .. انها غابة من الإسمنت لو انقطع الماء الآتي من المنطقة الشرقية . ستصبح هي الجحيم بعينه...

ارتعشت اوصالي وكأنه اخبرني عن شيء جديد .. لقد سمعت هذا الكلام في أكثر من مناسبة.. ولكن لماذا تضايقت عندما أخبرني به تيري .. لماذا كرهت معرفته بحقيقة الأمر .. لماذا اختنق صدري غضبا ...

غيرت الموضوع وقلت له.. ولكنها مدينة جميلة وهادئة . ولو شائت الأقدار ان يحدث مكروه ما فلن يتغير الحال كثيرا.. فنحن ابناء الصحراء ... فان ذهبت غابات الإسمنت فلم نكن يوما من الايام في غابات استوائية... انها صحراء تحولت الى غابة جميلة وزاهية وتلك الاشجار الاسمنتية تنتعش بالارواح التي تعيش فيها..

ضحك تيري ... يبدو يا ابراهيم انك تضايقت من كلامي .. ولكن صدقني هذه هي الحقيقة .. لقد قرأت دراسة خاصة عن هذا الأمر .

دراسة خاصة .. اين وفي أي جريدة...

لا أبدا انها دراسة خاصة نوع ما في جريدة اجنبية . كتب المقال احد الموظفين السابقين في السفارة حين كان يعمل هنا ...

(احدث نفسي غريب ان الدراسات تنشر في الجرائد الخارجية ونحن هنا .ما زلنا آخر من يعلم .. )

تجاهلت الامر .. نعم تيري هناك دراسات أخرى في الجامعة في كلية الزراعة ... يمكنك الإطلاع عليها اذا احببت ربما تزيد من معلوماتك بخصوص حاجة المنطقة للماء ..

ابراهيم .. ابراهيم ...صديقي ... احب فيك ولائك لدولتك ..

وانا احب فيك ولائك لمصالحك

ماذا تعني بهذا

لاشيء

خرجنا من المقهى في وقت متأخر .. وأخذت بالدوران في شوارع الرياض . العليا .. التخصصي .. التحلية ... الثلاثين...

كنا نتفرج بصمت .. ولا أعلم لما طالت فترة الصمت تلك ... ولكن عند احد الإشارات اعترضت سيارة فاخرة أمامي . لقد تجاوز خطوط المشاة وأوقف السيارة بطريقة وكأنه يقفل الطريق على الجميع ورائه.. كان شابا تبدو عليه علامات البذخ .. صغير في العمر يركب سيارة تتجاوز قيمتها حدود الخمسمائة الف ريال.. وبصراحة هي من السيارات التي أعجز حتى الآن عن حفظ اسمها وماركتها...

تضايقت واطلقت بعض الشتائم بصوت منخفض ... ومن ثم قلت : ياليت أحد دوريات المرور قريبة .. وقلتها بلغة انجليزية..

فانفجر تيري ضاحكا ..

لقد تحققت امنيتك قبل ان تقف السيارة أمامك ..

نعم لقد كانت دورية دراجة في الجانب الآخر من الشارع .. يرتكي على مقعدها شاب نحيل الجسم .. يبدو على وجهه الإرهاق ..كان ينظر الى تلك السيارة بطريقة وكانه عاجز ولا يستطيع التحدث ... ولكنه غاضب وناقم في نفس ا لوقت .. فهو يتجنب النظر في الآخرين الذين كانوا يبادلونه نظرات اللوم .. فهو يمثل النظام والقانون .. ولكنه صامت عاجز لا يتصرف...

اضاء النور الأخضر وانطلقت السيارة .. وانفتح الطريق أمام الجميع ... وكان العسكري مازال يحدق في ألارض ويضرب برجله الرصيف يكاد يحفره..

تحركت ببطيء .. فكم من شخص مثل ذلك الصبي في هذا الوقت بالذات يمارس هواية السرعة ..

نظرت الى تيري .. فوجدته مبتسما ...

لماذا تبتسم يا تيري .. هل هي امنيتي التي اضحكتك .

لا أبدا يا ابراهيم ... ولكن الامر ليس غريبا عليك ولا علي فابناء الطبقات المميزة هنا لديكم يتغاضى عنهم القانون ..

(استات كثيرا من أن يحدث ها الأمر أمام تيري .. وايضا استغرب من نفسي فربما حدث أمامه كثيرا ولكن في غير وجودي .. فلماذا أغضب .. هل الغيرة الوطنية تجعلني أقف هذا الموقف... هل اعتباري أنه غريب ويجب أن يكون صامتا وانا في موقف القوة ... تناقضات شوهت جزءا من شوارع الرياض .. لقد كرهت ذلك الشارع وكرهت ذلك المقهى.. ولقد صدف أن أتيت في يوم آخر من نفس المكان في الصباح الباكر .. لقد كان مكانا رماديا رماديا رماديا .. بكل ما تعنيه الكلمة...)

عدت الى البيت وحاولت النوم كثيرا .. ولكن النوم اتاني في وقت متاخر فوقعت صريعا من التعب وإجهاد التفكير ...

كنت أنا وتيري قد تواعدنا على يوم آخر نقضيه في الرياض كاملا .. يريد أن يرى أماكن لم يرها من قبل...

اتى ذلك اليوم.. وكجميع المتناقضات وجدت نفسي متحمس اريد ان اتعرض لمواقف مشابهة.. رغم ألم تلك المواقف في نفسي الا انها كانت لذيذة .. لانني عرفت انها شيء يدل على احساسي الوطني .. يدل على انه مهما كنت معترضا على الكثير من الامور .. سوف أحفظ لبلدي حقها في قلبي.. نعم لقد ادمنت تجريحات تيري .. كان الم لذيذا يذكرني في كل مرة يخترق صدري بانني احب وطني..

تقابلنا أمام مبنى الشركة التي يعمل فيها تيري... وفي هذه المرة طلب مني أن اركب معه لأنه يريد أن يعرف الطرق حين أدله عليها...

ركبنا سيارة .. تكاد تكون مصفحة .. فالباب لا ينغلق بسهولة ..وكذلك زجاج النافذة كان يفتح ببطيء مع أنها سيارة جديدة جدا...

ماهذا يا تيري ان سيارتك تحتاج الى تشحيم ...

يضحك هل لاحظت ذلك .. انك شديد الملاحظة .. انها سيارة خاصة بالسفارة .. فأنا هنا قادم في عمل خاص مع الشركة ووفر لي صديق يعمل في السفارة هذه السيارة..

اذن نحن في خطر الايقاف لانها سيارة لا تخصك... كنت فعلا ادعي البلاهة ولقد ا حرجت نفسي .. لان تيري لاحظ ذلك... فكيف سيوقف رجل مرور سيارة تحمل الألواح الخضراء..

ابتسم تيري وقال لا عليك فأنت في سيارتي أكثر أمانا في سيارتك...

بالتأكيد فهي بالكاد تتحرك كانها دبابة عسكرية...

اين تريدنا أن نذهب يا صديقي العزيز ابراهيم .. وكانت هناك نبرة تضايق او نبرة العزم على أمر ما... لم أخف ولكن كنت اعتقد أنه تضايق من ملاحظاتي المتكررة ...

فلنبدأ في منفوحة..

مرورا بطريق الملك فهد .. دخلنا في شارع الوزير .... ومن هناك الى منفوحة .. الشارع العام .. غبيرة ...

ومن ثم قلت له هذه هي الرياض القديمة حيث كان الأغلبية يجتمعون .. مع قليل من الشرح وحيث كان يسكن لأهل والأصدقاء .. وبعض الطرائف عن مراهقتي هناك... وذكريات اساطير التفحيط ... (المرزوق).. وو و اشخاص اخرون تذكرتهم عندما كنت هناك.. ملعب الأبطال الذي تخرج منه لاعبون لأاندية العاصمة كالهلال والأغلبية للنصر .. كنت أشرح ذكرياتي المتعلقة بهذه الأماكن والحارات



.. ابراهيم .. يبدو أن هذا ما يدعون بالداون تاون ... Down Town وهو مسمى يطلق في امريكا على اسفل المدينة بمعنى الاحياء القديمة التي تكثر فيها الجرائم والعصابات..(. ولا أخفيكم كانت فعلا داون تاون الرياض ..)

ولكن هذا الوصف خرج مرا من فمي حين نطقته أنا .. فالحياة هنا كانت لها ذكريات خاصة .. وليس من الجميل أن نطلق اسما مشابها لهذا ..

تيري تعلم لقد رضيت بتشبيهك نسبيا .. ولكن ليس اطلاقا...

وكيف ذلك..

من حيث ان المكان قديم.. نوعية الاشخاص التي اصبحت تسكن فيه واغلبهم من المقيمين .. من ناحية الاهمال في جميع الخدمات ... ولكن مهما كان المكان سيئا في نظرك فهو لا يتجاوز شكلا يخص الابينة والشوارع .. اما الاشخاص والحوادث التي تحصل هنا ... ليس هناك اي مقارنة مع ما اراه او اسمعه او شاهدته على الاخبار من جرائم العصابات والمخدرات والاغتصاب ..

نعم يا ابراهيم .. انا لم اقصد ذلك .. قصدت نفس الشيء الذي تتحدث عنه .. ولا احد يشك بمستوى الامن لديكم وقلة الجرائم... ولكن يا ابراهيم .. اريد أن اناقشك في فكرة معينة...

ان تقول عدد الجرائم وتتحدث عن نسبتها في أمريكا وارتفاعها هناك... اين عرفت هذا كله...

من الجرائد والتلفاز..

اذن يا ابراهيم اريد أن اسألك كصديق.. لماذا تضايقت في تلك المرة عندما اخبرتك عن الدراسة التي تخص ضرورة الماء وحاجته في الرياض... اليس الأمر سيان ومتماثل في هذه الحالة..

(بصراحة لقد فوجئت بانه مازال يذكر الموقف .. ولم أعلق الا بأن قلت له..)

لأن الحقيقة يا تيري لم اقرأ في جرائدنا دراسة تشير الى خطورة هذا الأمر وغضبت عندما علمت ان هناك من كتب في هذا الأمر قبل جرائدنا الوطنية...

لكن يا ابراهيم طبيعة الشعب لديكم حساسة جدا لمثل هذه المواضيع وقلقة.. وانت تعرف ان الرياض العاصمة وازدهارها بالدرجة الأولى يعتمد على النمو السكاني .. فلا أعتقد ان الجرائد الرسيمة كما احب أن اسميها يا ابراهيم .. سوف تثير هذه التساؤلات بشكل يدعو للقلق لدى السكان...

ولكن الحقيقة يجب ان تعرف يا تيري .. نحن اصبحنا شعب متقدم ومثقف ويجب أن يوازن بين احتياجاته وضرورياته المستقبلية .. ومن حق كل مواطن ان يخطط بحرص لمستقبله ومستقبل ابنائه... والى متى تظل الحجة على الشعوب العربية بأنه عاطفي وحساس وغير منطقي أو واقعي .. (لقد كنت اتحدث بنبرة الواثق مع ان كلام تيري كان فيه الكثير من الصواب ..)

(و عدت بالذاكرة سريعا اثناء حديثي الى ما فعله الثكير من المواطنيني عندما تعرضت الرياض لصواريخ صدام اثناء ازمة الخليج .. فهناك اشخاص كثير غادروا الرياض وآخرون اشتروا منازل ومزارع في قرى ومدن أخرى بعيدة عن الرياض... وكانت الامور فوضوية لدرجة كبيرة.... ربما لم تكن ظاهرة بدرجة كبيرة الان انها حقيقة حصلت وبسنبة مربكة ومخيفة.. وكأنه هروب جماعي...)

نعم يا ابراهيم كلامك صحيح عندما تكون الخيارت كثيرة .. ولكن اخبرني ها انت في الرياض لماذا لم تسكن جدة .. او الدمام ... لانك بكل بساطة تحب الرياض... اذن انت تفكر بقلبك وليس بعقلك...

ربما يا تيري كلام حقيقي .. ولكن لو أن هناك خيارات أخرى كجامعات بمستوى جامعة الملك سعود لو كانت فروع الوزارات تؤدي اعمالها بدون الرجوع الى الوزارة المركزية.. لو ان الادرات والمصالح الفرعية .. تملك صلاحيات كتلك الممنوحة للإدارات المركزية في الرياض.. لو أن حجم التدفق المالي للشركات ورؤوس الأموال يعادل ما يحدث هنا في الرياض.. اشياء كثيرة يا تيري لا أملك فيها الخيار .. وكانت الصدف ان كان خيري المنطقي والعقلي حيث وافق خياري القلبي والعاطفي .. اذن هو ليس حجة لتلغي تفكيري وتحاجني بشعوري وتركز عليه

لا بأس يا ابراهيم .. لقد لامست جانبا انت من الصدق وكذلك أنا . ولكن يظل هناك أمور لا تستطيع تغييرها ولا تملك التغيير..

(غيرت الموضوع فلقد كنا قد وصلنا الى الدخل المحدود ولي فيه اصدقاء كثر .. وهو كثيرا ما يشابه في تركيبته السكانية احياء أخرى في شرق الرياض .. كالروضة والنسيم ...)

ها نحن يا تيري في منطقة تسمى الدخل المحدود .. وسميت كذلك نسبة لطريقة الحصول على الارضي والقروض الخاصة ببناء هذه المنازل,,, وهنا الجميع في أغلبهم ينتمون الى قبائل ومجتمعات قبلية ... لذلك تجد ان هذا من الاحياء الأكثر ترابطا في الرياض وما يحدث في جزء منه يسمع عنه البقية في الطرف الآخر .. كما أنه العادات والتقاليد القبلية مازالت مستمرة هنا .. وربما يصل الأمر الى نوع من التعصب بحيث تجد مجموعة من المراهقين ينتمون لقبيلة معينة يتضاربون مع مجموعة أخرى... وان اختلفوا في القبيلة اتفقوا على انهم ابناء حي واحد...

يضحك تيري ويقول لا تغضب يا ابراهيم .. ولكن ما تتحدث عنه يشابه كثيرا بروكلين فهناك العرقيات الايطالية الغالبة وايضا الايرلندية... ويبدو ان التراكيب الاجتماعية في العالم لابد ان تتشابه في كثير من الاحيان...

نعم نعم يا تيري ولكن ان قلت ايطاليا فدعني اذكرك بانهم في اوروبا يلقبونهم بعرب اوروبا..

اذن انتم تجعلون التعصب القبلي والعرق والعائلي صفة خاصة بالعرب حتى انكم تصفون من يمتلك تلك الصفات بالعرب ...

ليس لهذه الدرجة .. ولكن انا اتحدث عن المجتمع الامريكي المختلط .. لان اوروبا ما زال وضعها مستقرا فيما يخص العرقيات والاجناس ...

نعم والدليل كوسوفو والبوسنة والهرسك..

يبتسم تيري وينزل رأسه .. كانت تلك يا ابراهيم عنصرية دينية ..

ولكن يا تيري انتم اسميتموها في جميع وسائل الاعلام بالابادة العرقية.. فكيف تقول لي ان اوروبا مستقرة ...

كنت اقصد ان سكانها لم يختلطوا كثير كامريكا اعذرني على سوء التعبير.. ولكنني احاول ان اقرب الفهم اليك..

لا داعي يا تيري ان تقرب فسياق الحديث دائما يشرح ما يتضمنه ...

نعم اعود مرة أخرى يا تيري وأقول لك بروكيلن حي لعصابات المافيا .. حيث القتل والمخدرات والجرائم الشنيعة.. ام الدخل المحدود فهو حي لعوائل بسيطة كل الحالات الاجرامية لا تعتبر ظاهرة كما هناك في امريكا ولكن حالات شاذة...

ابراهيم اعيد عليك واقول دائما تقول لي احصائيات ظاهرة عامة .. حالات شاذة... ولا استطيع ان انكر معلوماتك عن امريكا ... ولكن اخبرني هل لديكم مراكز احصائية متخصصة بمثل هذه الأمور... هل هناك مركز وطني للدراسات يجمع البيانات والاستبيانات ويعمل احصائيات معتمدة.. اخبرني

لا يا تيري انت اخبرني لانك تسألني في أمر انت اعلم مني به...

كل ما اسمعه يا ابراهيم دراسات جامعية لطلاب او دكاترة .. لم تتجاوز حدودها والعينات العشوائية فيها مدينة الرياض .. و كل النسب المعلنة تخص مدينة الرياض فقط... ولو كان هناك مراكز لشملت حتى القرى والهجر ..

(...لا ادري ان تيري دائما يكون مصيب في امور لا اجد لها تفسيرا او تبريرا .. لماذا اجد نفسي في موضع الدفاع عن اشياء بالفعل هي غير موجودة .. مازلت اتحدث عن المفروض في واقع يلامسه تيري اكثر مني انا... انهم وانا متاكد من ذلك يتابعون كل المتغيرات على المجتمع السعودي .. وليس المجتمع السعودي بل كل المجتمعات العربية والاسلامية...)

ابراهيم فيما تفكر اين ذهبت بتفكيرك.. ارجوا ان تفاجئني بشيء جديد..

لا ابدا يا تيري بالامس كان رماديا واليوم ازداد لونه تعتيما..

ماهو يا ابراهيم ذلك اللون واين تراه

(..انتبهت لنفسي ولا اعلم لمذا قلت تلك الكلمات .. ابدا ابدا يا تيري لقد دخت من كثرة الدوران في الشوارع واريد العودة الى المنزل ..)

اووه هل انت على مايرام هل تود ان اذهب بك الى الطبيب .. انني املك دخول مدفوع مسبقا الى ثلاث مستشفيات خاصة في الرياض اختر منها ما تشاء...

((اصيح في نفسي .. ااااااه يا تيري سوف تعميني قريبا ياليتك سكت.. وكان مثل ابي يتردد في رأسي " جا يكحلها اعماها" ..)

لا شكرا فأنا احمل بطاقة تجعلني ادخل الى جميع المستشفيات في وطني ...

عظيم هل هي نوع من التامين الصحي ..

لا ليس كذلك

اذن ما هي تلك البطاقة..

بطاقة الاحوال ...
يتردد في ضميري ( ان الشميسي يناديني؛ يناديني؛ يناديني...)

تقصد الرعاية الصحة المجانية.. فعلا هي شيء مميز لديكم... ولكنها اذا استمرت بدون تنظيم سوف يتدهور الحال الى الاسوأ وتصبح الرعاية سيئة ..

(..مرة أخرى تختفي امامي الشوارع واستغرق في التفكير..اخاطب نفسي: كانك ترا يا تيري.. انه نظام مازال الجميع يدرسه منذ ان كان خطة خمسية الى ان اصبح خطة مفتوحة المدة ...لا اعلم هل تلك الرداسة معقدة لدرجة انها اعجزت الجميع .. ام ان ما تطلبه من مادة لا يعادل ما ستعود به.. ربما العائد المعنوي في صحة المجتمع والشعب ليس مردودا ماديا كافيا لترجيح كفة التوازن بين الربح أو الخسارة.. فأرقام الوفيات لا تدخل في عامل الخسائر كما أن عدد الولادات لا تدخل في عامل الربح.. انها اموال تذهب ان عادت اموال طبقت الخطة الخمسية في خمس ايام .. وعجبي ...)

عدنا من حيث اتينا بعد ان مررنا بحي السلي والغالة ( الفيصلية ) .. كنت صامتا طول الطريق وهو يشبه لي الغالة بحي هارلم في امريكا ... وهو حي اغلبية السكان فيه من الزنوج الامريكان ... ويقول انه نفس الأمر فالحكومة المحلية والفدرالية في امريكا هناك تقصر في واجباتها تجاه تلك الاحياء .. وربما التمييز العنصري لم ينتهي في امريكا ... ويبدو انه لم ينتهي لديكم ايضا...

لا اريد ان اتحدث فقط اشير اليه بالعودة وهو في كل مرة يسالني هل احتاج الذهاب الى الطبيب...وانا اشير له بان النوم سوف يفيدني وينهي اوجاعي ...

لا يعلم ان الطبيب لن يجد قلبا او كبدا كما كانت .. لقد احترقت قهرا ... ان كانت الغالة كما يدعي مهملة بسبب نوع من العنصرية .. فمابال النضيم ايضا ... العزيزية في جنوب الرياض..

لماذا تتجه الانظار شمالا ؛ شمالا ؛ شمالا...

يبدو ان خطوط المياه المعدنية وكذلك اسلاك الهاتف والكهرباء النحاسية .. ومجارير الصرف الصحي الحديدية. كلها تسير باتجاه المجال المغناطيسي شمالا؛؛ شمال؛ا شمالا.....

اصر ان يوصلني البيت على ان اعود في وقت لاحق لاخذ سيارتي من امام شركته التي يعمل فيها....

دخلت المنزل وكانني كنت في رحلة استكشاف لمدينة لم ارها في حياتي .. ربما ازال النظارات الشمسية عن عيني .. ربما كنت اتجاهل هذه الامور لتظل الرياض جميلة في عيني ...

لم اعد احتمل التفكير لقد رميت بجسدي على الفراش واستغرقت في النوم محاولا نسيان ما حدث ..

لقد انهارت في ذلك اليوم حضارة وتقدم وتطور كنت اراها سابقا...

افقت على رنين الهاتف .. رفعت السماعة .. الو .. بصوت يملأاه النوم والتعب ..

هيا ايها الكسول ان سيارتك سوف تحترق في حرارة الشمس الن تأتي لكي تأخذها ...

اهلا تيري الم تتعب لقد عدت الى البيت منهكا ...

لا ابدا فانا في اوج نشاطي كما اود ان ادعوك اليوم الى حفل توديعي من السعودية. سوف يكون الحفل في السفارة .. تعال الىالمكتب واخبرك بكل شيء ...

لا ادري ولكن مع انني كرهت الذهاب في ذلك اليوم .. الا انني كما قلت مازالت تلك الجروح تشعر بالحاجة الى النزيف ...

لبست ثيابي وذهبت الى شركة تيري وصعدت اليه وكنت قد وعدته بأن لا امر الا وقد زرته في مكتبه...

إبراهيم سنان
26-07-2002, 04:31 PM
اهلا ابراهيم ها انا ارتب مكتبي واجمع اغراضي سوف اغادر غدا صباحا ...

حقا لماذا هل اكملت مهمتك في الرياض .. عفوا قصدي في الشركة ...

يضحك بصوت عالي ويقول لا عليك فحتى انا رأيت فيلم ميل جبسون نظرية المؤامرة ولقد قرأت الكتاب قبل أن ارى الفيلم... لا عليك لقد انهيت مهمتي على اكمل وجه...

وهل ساعدتك فيها ..(. قلت ذلك وانا احس بالذنب على انني تعرفت عليه ...)

لو كانت مهمتي كما تتوقع فلم تكن انت ذو نفع .. ابراهيم لقد رأيت في دولتك امورا انا اعلمها منذ أن كنت هناك في امريكا .. فكيف تريدني ان استفيد منك وانت تفتقر الى المعرفة بمدينة كالرياض...

صدقت .. لقد ارحتني لانني لم اكن لاسامح نفسي يا تيري لو ان ميل جبسن مات في ذلك الفيلم ..

يضحك ويضرب الارض برجله عائدا الى الوراء بالكرسي .. لكم احببت ان امكث معك اطول مدة ممكنة يا ابراهيم ...

لا عليك ربما نتقابل هناك في امريكا .. لاخبرك اشياء انت تجهلها عنها ...

تيري بهدوء بعد ضحك كثير .. ربما يا ابراهيم من يدري .. المهم انني ادعوك لحضور الحفل الليلة في السفارة (.......) سوف يكون حفل عشاء ...

ولماذا لا تكون الحفلة في سفارة دولتك ..

لانه حفل غير رسمي صديقي في السفارة الاخرى هو الذي يرتبها لذلك كانت حيث هو ...

لا بأس هل هناك كرت دعوة لانك تعلم ان الدخول الى حي السفارات ليلا غير مصرح به...

غريبة مع انني ارى الكثير من الفتيات والشباب السعوديية في ساحة الكندي الى اوقات متأخرة من اللليل...

انا لست من نفس الفئة .. لذلك لا أحب المجازفة والرجوع من امام الحي الدبلومسي .. الا ان كنت لا تريد فعلا حضوري ..

ينهض من الكرسي بسرعة .. ولا ادري مع انني لم اعد اميل اليه كصديق الا ان تصرفاته العفوية تجبرني على ان اقدر له اهتمامه ...

يقترب مني كلا يا ابراهيم ارجوا انت تهينني بكلامك هذا .. انت صديق عزيز علي ولولا عملي وظروفه لما تعاملت معك بالطريقة هذي ... وكانت تلك الكلمات تخرج من فم تيري وكأنها النور امامي ... لان طبيعة عمله التي هو عليها الان ليس لها ظروف تمنعه من يتعامل معي بطريقة معينة... ولكن يبدو انه اراد ان يخبرني شيئا ما .. وربما كان عقلي قد فهم الامور بتلك الصورة ..

ولكن المهم انه رفع السماعة وطلب من صديقه ان يوفر له بطاقة دعوة لي .. واعتقد ان الطرف الآخر قد سأله ان كنت ساحضر لوحدي أو مع عائلتي ...هذا ما فهمته من حديث تيري .. الذي رد بان ناداه بالغبي وقال كلمة يشير فيها بانني لست كمن يعرف صديقه على الطرف الآخر من الهاتف ...

اخذت سيارتي وعدت لى البيت .. وبعد صلاة العشاء ... اعددت نفسي وتهيات ومادمت سأكون في حفل كلها اجانب فلماذا أكون غريبا وملفتا للأنظار ألبس لباسي العادي ... فاحببت أن انسجم مع المحيط الذي اكون فيه لكي اجد نوعا من الحرية في التصرف والتحدث مع من اريد .. فأنا اعشق الحديث الى الاجانب منذ أن عرفت تيري...

لبست بدلة سموكنق كما يسمونها وخنقت نفسي بربطة عنق ... ولمعت حذائي .. وخلال هذا الموقف امام المرآة خيل لي أنني استمع الى موسيقة فيلم مهمة مستحيلة ... كأنني اذهب الى مهمة سرية او شيء من هذاالقبيل...

ركبت سيارتي وحركت باتجاه ذلك الجزء الغامض من الرياض ...

الحي الدبلوماسي ..

اقتربت من المدخل للحي .. اوقفني ذلك العريف او الرقيب .. لا افهم كثيرا في لغة الشرائط والنياشين.. ولكنه كان يتحدث بلهجة صارمة

ماذا تريد والى اين تذهب ...

بدون أن أجيبه بأي كلمة أخرجت له كرت الدعوة .. وأشرت الى اسمي ومن ثم أخرجت بطاقة الاحوال ..

لم يكن متزمتا كثيرا .. او ربما انه لم يكن يعرف القراءة فتهيأ له أنني شخص مهم .. فكثيرا ما اجد الصمت في مثل هذه المواقف يجعلني ذو شخصية خطيرة وقوية... ولو قلت لكم انه في كل مرة اتجاهل العسكر بكل عين وقحة في المطار او امام المباني الحكومية او حتى اسواق العوائل فان لا احد منهم يتعرض لي بالسؤال .. وفي كل مرة اسلم على احدهم حين اقترب منه اجده ينفض جيبوي وعقلي بحثا عن بطاقات واجابات ..

لا علينا اعود واقول انني وصلت الى حيث كان الحفل .. ودخلت ووجدت الجميع قد اختلط بالجميع ... والموسيقى الهادئة تملأ المكان .. والبوفيه المفتوح في احد الجوانب .. الاضاءات الخفيفة تضفي على الجو نوع خاص قد يكون مر على احدكم في صالات احد الفنادق ليلا بعد منتصف الليل...

كانت هناك نافذة كبيرة زجاجية تطل على ساحة خارجية وحديقة صغيرة يقف الجميع فيها ازواجا ...

الاختلاط ليس غريبا عليهم...

اهلا اهلا ابراهيم .. يخرج الي تيري وانا مازلت اقف عند الباب .. الاحظ تصرفات الجميع واتابع الاوجه وهي عادة سيئة لدي .. ولكنها تعطيني الكثير من الانطباعات عن الاشخاص فمن يدري ربما يصادف فاكلم احد من الحضور فيكون لدي انطباع مسبق عن ملامح وجهه ..

تعال الى هنا ... وبدأ بتعريفي بالحضور واتذكر انه ركز على الاشخاص من نفس جنسيته فقط ... الا شخص واحد كان يبدو عليه ملامح الشرق اوسطية .. ولم اسأله من اي دولة انت فالكتاب ظاهر من عنوانه عفوا اسلوبه وطريقة كلامه...

تركني تيري وانصرف يتحدث الى الاخرين .. وانا كنت الشخص الوحيد الذي تظهر عليه ملامح عدم الانسجام .. وكان كلامي يأتي مقطعا وبالقطارة ..

من انت

ابراهيم صديق تيري

ما جنسيتك

سعودي

ماذا تعمل

طالب جامعي لست موظفا

واعتقد انه بهذا يكون الجميع قد اجرى معي مقابلة شخصية ... كان تيري يأتي بين الحين والآخر ليطمئن علي وكأنه يحاول ادخالي في جو الحفل .. الذي يبدو أنه يحوي كل ما لا يوجد في الخارج او محرما ... لذلك لم اجازف بشرب أو اكل اي شيء ... وكان تيري يقول لي هل تريد ان احضر لك شيئا .. وكنت بلا خجل اطلبه مشروبا غازيا مقفلا او قارورة مياه مقفلة ... وكنت اركز على الاقفال حتى حين يبدأ تيري بالابتعاد .. كنت اشير اليه بان اشد يد على يد والويها وهو يتراجع مبتسما .. ويشير الى رأسه بحركة كأنه يصفني بالجنون..

في هذه الاجواء . سمعت صوتا يبدو مألوفا .. ليس لشخص أعرفه ولكن لشخصية اعرفها ... صوت انثوي جميل ... وضحكة هائدة لكنها مثيرة وملفتة...

انها فتاة خليجية .. بالأصح سعودية ... تلبس السواريه القصير الى اطراف الركبة .. المفتوح الى اعلى الظهر اسفل الرقبة .. كانت الفتاة جميلة وفاتنة...

نظرت اليها مستغربا ... فاقتربت مني وحدثتني باللغة الانجليزية..

كنت متضايقا من شكلها .. وكانني كنت اتمنى ان تنشق الارض وتبلعها .. ولا اخفيكم انني اعجبت بها .. ولكن هناك الغيرة التي تدفعني الى احتقارها و تجعلني اشمئز .. لقد كانت طوال اليوم تحدث الجميع وتنتقل بين الاشخاص تارة لوحدها وتارة بصحبة فتاة أخرى..

خاطبتها بلهجة محلية صارمة.. وكأنني اريد ان ارى وقع ذلك عليها ...

يا سلام .. ماذا أرى ماذا أرى ..

تبدل وجه الفتاة وانكمش قليلا .. ولكن وجهي كان اكثر تجاعيدا وخصوصا ما بين عيني وجبيني ...

انت سعودي ؟؟؟

وانتي ؟؟

سعودية ...

ماذا تفعلين هنا ... بدأت أخاطبها بهدوء .. لقد اشفقت عليها وعلى حالة الاحراج التي هي فيها .. كما أنني لا اريد تنفيرها .. فهي حالة عجيبة لأول مرة أصادفها في حياتي ...

لقد اتيت مع احدى صديقاتي .. هي اجنبية واستطاعت الحصول على تذاكر لعدة اشخاص وكنت احدى المدعوات معها ..

وكم أنتن يا ترى يا هل ترى ؟

تبتسم وتقول يبدو انك لأول مرة تحضر مثل هذه الحفلات .. ان الكثير من السعوديين والسعوديات ياتون الى حفلات السفارات الاجنبية .. فتلك الواقفة هناك طالبة في كلية ( ....) .. وتلك الواقفة هناك مع الشاب الآخر .. انما هي ايضا سعودية والشاب هو سعودي ايضا...

جلست اتابع يدها وهي تشير الى ابناء وطني وبنات وطني .. وكأن الحفل اختفى منه الأجانب ولم يبقى الا ابناء وبنات وطني ... انها تشير الى فتيات يلبسن ملابس فاضحة .. وشباب يمسكون الكاسات ويشاركون الاخرين في الشراب ....

ان رأسي يدور .. وأنفاسي أصبحت أكثر سرعة ...

لقد فقدت الاحساس بالمكان .. واصبحت الاصوات اصداءا في اذني ... احس بنفسي اهتز قليلا ... لقد كان تيري ..: ابراهيم ما بك هل انت بخير ..

ينظر الى الفتاة وتقول له .. يبدو يا تيري ان صاحبك ليس من هذا العالم .. لقد ذهبت من على وجهها امارات الحياء والخجل التي رأيتها قبل قليل ...

هل كنت تعلم بهذا ..

نعم وماذا سيكون ردة فعلك لو أخبرتك ...

لم أكن ساحضر أبدا ...

لماذا ؟

التزمت الصمت ولم أعرف كيف أجيب .... ولكن هناك شيء على طرف لساني فكرة خرجت من مكان ما سؤال اريد ان أساله لتيري .. ولكنه كان قد ذهب ليحضر لي بعض العصير...

وفي خلال ذهابه ... كنت ارى هناك في زاوية بعيدة ثلاث فتيات يجلسن بهدوء الى بعض .. كانت ملابسهن محتشمة .. والحجاب يغطي رؤوسهن ... هذا أمر آخر ايضا ...

لم أعد احتمل الجلوس في مكاني ... قمت وذهبت اليهن .. وبكل جرأة وربما اعتبرها الجميع من حولي وقاحة .. هل أنتن سعوديات ... كنت اريد ان أقول اليهن اذا كانوا يلبسون الحجاب ويخافون الله فلماذا يأتون الى ماكان مثل هذا...

ولكن اجابتني الكبيرة فيهن .. لا نحن ( .... ) .. لقد كانوا من جنسية غير عربية ... وعمل أبي يتطلب أن نحضر معه الى بعض لحفلات .. ونحن لا نخرج كثيرا من البيت .. واليوم اختي الصغيرة قالت انها تريد الخروج فما كان من أبي الا أن اخذنا معه الى هنا .. لان امي غير موجودة وهو لا يريد ان يدعنا نخرج لوحدنا ...

نظرت اليهن نظرة اعجاب واحترام ... مسلمات في اي مكان مسلمات .. خارج الحدود او داخل الحدود .. خارج الاحياء الدبلوماسية أو خارجها .. مسلمات ...

عدت الى مقعدي لأنني خفت أ ن اسبب لهن احراجا... وجلست أفكر .. اذا كانت بنت البلد تفعل هذا وهي رمز أمام الشعوب المسلمة .. اذا كانت تتصرف بهذه الطريق .. وهي الأجدر في بيئة لم تختلط فيها بالشيوعيين أو العلمانيين... ماهي حجتها .. لماذا تفعل هذا الأمر ...

لم يعد يهمني الشباب لأنني بعد ما رايته عرفت أن الأمر قد وصل الى اللحم الحي ... الى العظم....

عاد تيري .. وأنا لا أطيق نفسي واريد ان استأذن منه وأنصرف ...

وفجأة عاد ذلك الخاطر والسؤال الى ذهني ...

تيري لقد دعتك الفتاة السعودية قبل قليل باسمك..

نعم.. انها تعرفني لقد سبق وتقابلنا في امريكا ...

لقد قالت لي انها أتت مع صديقة أجنبية لها .وهي من وفرت لها كرت الدعوة...

يضحك تيري .. هذه هي القصة المتعارف عليها اي فتاة سعودية تقابل شاب سعودي مثلك في حفل مثل هذا ... ولكنك صديقي ولن أخفيك الحقيقة .. ان أغلب الموجودات هنا من السعوديات على علاقات بشباب سعوديين لهم اعمال مع السفارات او اصدقاء اجانب .. او سعوديات لهن اصدقاء اجانب تعرفن عليه في الخارج ... كأن تدعو أنت صديقتك معك اليوم لو كان لديك واحدة .. يقول ذلك ويبتسم ويغمز بعينه...

لم ارد على تعبيره ذلك باي تعبير .. ولم أحرك ساكنا ... واخذ يشير بيده على اجسام عارية ... ويشهد الله أنه في كل مرة كان يشير بيده على فتاة سعودية .. وكانني اسمع في اذني حديث كاسيات عاريات من هول ما أراه ....

اخيرا يا تيري ( اعميتها ).. لم اودعه .. لم اره لم اسمعه ...

خرجت .. ركبت سيارتي .. حركت .. كنت أتحرك وكأنني إنسان آلي . كان الوقت متاخرا ولكن الظلمة حالكة مع أن الطريق مضاء باعمدة الانارة.. كل الطريق لا أرى أمامي الا سودا سوادا سوادا. .. فقدت الاحساس باالاتجاه .. هل انا على طريق الدمام ام الدائري . اين المخرج الذي يوصلني الى البيت .. لم أعد اعرف اين أنا .. فقط اتبع الخطوط البيضاء على لون الازفلت الاسود ... لا ادري كيف وصلت الى البيت واي طريق سلكت...تذكرت رحلة العودة من جدة الى الرياض ... اعدت شريط الذكريات... وجوانحي احس بوخز في اطرافها .. الام في قلبي وعقلي ..تذكرت كل ما شاهدته وانا معا تيري في الرياض

وعرفت ان ذلك السحر الذي طالما شدني باشواقي الى الرياض....هو بعد ان كان رماديا رماديا رماديا

اصبح اسودا حالك السواد

فقدت الاحساس بالمكان والزمان .... انني الان في فراشي واللحاف على اطراف عيني .. انظر الى السقف في ظلام دامس .. صدري يختنق والعبرات تريد ان تخرج ...

لقد انهارت ايضا ... العقيدة والقيم والاخلاق التي اقتنعت بوجودها 100%

اذن اي جروح اداوي يا وطني يا امتي يا شعبي

من ينقذني ويفك عني

سحر الرياض الاسود

THUNDER_SS
27-07-2002, 06:27 AM
الأخ الكريم / شلفنطح شطح نطح ..

السلام عليكم ورحمة الله ..

حقيقه وبدون مبالغه .. أحدى أجمل النصوص اللتي قراءتها ، برغم كم السرد الذي يشكو منه الكثير .. لكنه هنا صفه أضفت الكثير من المتعه والتشويق لمتابعة القراءه ... فعلاً رائع ..

وجدت أني أشاركك قولك : " استات كثيرا من أن يحدث ها الأمر أمام تيري .. وايضا استغرب من نفسي فربما حدث أمامه كثيرا ولكن في غير وجودي .. فلماذا أغضب .. هل الغيرة الوطنية تجعلني أقف هذا الموقف... هل اعتباري أنه غريب ويجب أن يكون صامتا وانا في موقف القوة ... تناقضات شوهت جزءا من شوارع الرياض .. لقد كرهت ذلك الشارع وكرهت ذلك المقهى.. ولقد صدف أن أتيت في يوم آخر من نفس المكان في الصباح الباكر .. لقد كان مكانا رماديا رماديا رماديا .. بكل ما تعنيه الكلمة ... "
أيضاً قولك : " رغم ألم تلك المواقف في نفسي الا انها كانت لذيذة .. لانني عرفت انها شيء يدل على احساسي الوطني .. يدل على انه مهما كنت معترضا على الكثير من الامور .. سوف أحفظ لبلدي حقها في قلبي.. نعم لقد ادمنت تجريحات تيري .. كان الم لذيذا يذكرني في كل مرة يخترق صدري بانني احب وطني.. "

وصولاً الى النهايه .. " فقدت الاحساس بالمكان والزمان .... انني الان في فراشي واللحاف على اطراف عيني .. انظر الى السقف في ظلام دامس .. صدري يختنق والعبرات تريد ان تخرج ...
لقد انهارت ايضا ... العقيدة والقيم والاخلاق التي اقتنعت بوجودها 100%
اذن اي جروح اداوي يا وطني يا امتي يا شعبي .. "

مشكلة هويّه .. أنتماء .. فشل في تحديد معالم تخصصنا .. ؟ بالنسبه لي لا أجد مشكله .. مادام عمق معرفتي وثقتي " بأسلامي " قد حدد معالم حقيقة الأنتماء والهويه .. لكن المشكله في جروح وطني وأبناء وطني .. !!

الخلل وأين يكمن :
في التركيبة السكانية ضمن إيقاع سريع متسارع للتطور نحو مجتمع استهلاكي تغيب فيه وتحتجب معالم الثقافة الأسلاميه التي كانت سائدة من قبل بما فيها مظاهر التراث الشعبي من عادات وتقاليد، ويضيع فيه السكان الأصليون في بحر متلاطم من القوميات والأجناس الأخرى..

أنعدام القدره على نقد الذات .. بغية الوصول إلى المعرفة لأن "نقطة الانطلاق النقدي المحكم هي وعي المرء لما هو حقاً وهو أعرف نفسك".. لأن هذه المعرفة هي السبيل إلى إيقاظ الوعي بالهوية الأسلاميه التي هي باعث الشعور بحقيقة الانتماء من حيث المبدأ، لكنها تكتسب أهميتها من كونها تشكل تحريضاً على الفعل ومحفّزاً على العمل، فالإحساس بالهوية ليس مطلوباً لخلق إحساسٍ متراخ يعقبه إخلاد إلى السكينة، بل إنه ذو وظيفة هامه تحرض على الحركة وإثبات الوجود في حومة الصراع وخصوصاً أمام هجمات "الآخر" الذي جعل همّه إلغاء هذا الوجود أو تجاهله أو تشكيله على الصورة التي يحبّ أن نكون عليها .. في غياب .. خير أمه أخرجت للناس .. ؟؟

أقول .. شكلي بربست واجد .. ويمكن شطحت بعد :D: .. ولي العذر مادام الكاتب شلفنطح شطح ... نطح .. ;)

خالص الشكر ووافر التقدير والأحترام ... :kk

سلطان كان زمان
27-07-2002, 12:45 PM
.

بشائر النور
28-07-2002, 03:41 PM
سحر الرياض الاسود....

كلمات نابضه....

لحياة عجيبه....
ولكنه كما قلت سحر الرياض.....
دعني اخبرك انا عن سحرها الابيض...
عن مساجدها....
عن فتياتها المتلفعات بحجاب الايمان والنقاء...
عن طهرها الذي ....كم من راغب في تنجيسه...
عن نسائها....وذالك الايمان العجيب.....مهما ابحرن....تجدهن عائدات الى شاطئ النجاة وبر الايمان.....
سحرها الابيض.....في وجوه اطفالها....
وكم من طفل سمعته يقول :عندما اكبر سوف اقاتل الكفار...
عن معلمات صالحات....يسعين...ويجتهدن.....عن وقورات رائعات
هذا هو وجه الرياض....
وهذ هو سحرها الابيض....
فقط ....انت هو المخطئ....
امسك عدوك بزمامك....واخذ يقودك الى حيث مستنقعات الوحل....
وكم رأيتها موحله اكبرمما يجب....اكثر من واقعها..
اي مكر يا بني الاصفر...؟
عتبي عليك....وليس على الاماكن والظروف.....ولا على قسوة الحياة
كنت تستطيع ان تأخذه الى حيث يشرق النور.....
الى حيث مجالس العلم .....ودور الطاعه....
وتقول له....لا يغرك تهافت الفراش على النور.....
انها مجرد فراشات ونور زائف








كلمة حق الاسلوب في منتهى الروعه

إبراهيم سنان
28-07-2002, 04:15 PM
شكرا عزيزي على ردك

فعلا هو الانتماء .. ؟

ولكن الانتماء الأوحد في جميع هذه الصفات هو الإسلام .. فالوطنية بنيت على أساس الدعوة والإصلاح .. وهيكلة الدولة وضم ابنائها تحت شعار دولة اسلامية .. يتصدر فيها العائل ويقف مسؤولا أمام كل تمثيل .. سواء قومي او عقائدي .. ويتحمل مسؤلية البناء بنظام اسلامي يلزم ما يسمى المال العام في بيت المال ان يذهب الى حيث يوجب النظام الإسلامي..

ولكن الانهيار في جانب يجعل الاحكام الأخرى تصبح هشة وقابل للكسر .. فالاهمال بواجبات الراعي .. تجعل المواطن ينتقص من انتمائه الوطني .. ولكن هذا الانتماء في حقيقته انتماء عقيدة اسلامية ..

اذن كنتيجة منطقية حين تنكسر بعض الانتماءات الثانوية في الهوامش بمقدار ما تشكل من اهمية لكل من يتبناها تبدأ الفوضى تصيب الهوية الكاملة ..وهي الاسلامية


ارجوا ان اكون قد اوصلت فكرتي بقدر ما ذكرت يا اخي

واعذرني على الاطالة ولكنها قصة قصيرة بقدر ما استطيع

شكرا لك

إبراهيم سنان
28-07-2002, 04:21 PM
شكرا بشائر النور


نعم كان ابراهيم هو المخطيء .. ولكن خطأه لن يجعل تلك السلبيات تختفي لوحدها ..

والسحر الأبيض الذي ذكرتيه خالف نقطة واحدة وجزئية بسيطة .. ولكن لن يلغي باقي النقاط المطروحة كالاهمال في عملية التطوير .. محسوبية الاهتمام .. الطبقيات ..

اخطاء في المجتمع لم يكن الفكرة في وجود تيري أو خلافه الا أنه في حين كنتي يا بشائر مسحورة بالسحر الابيض اتى احدهم من الخارج وتصيد اخطاء موجودة وواقعية...

خطأ ابراهيم انه راى تلك الأمور حين اشار اليها الغريب والعدو .. ولم يشاهدها هو قبله ولم يعمل على اصلاحها ...

نعم لقد كان ابراهيم مسحورا بالرياض وبسحرها الابيض .. حتى اغفل واجبه كمواطن مسلم وجبت عليه النصيحة لان الدين النصيحة .. فمل يكن يرى الاخطاء والثغرات الاجتماعية .. لانه كان مخدرا بالايجابيات .. ولكن الحقيقة ان السلبيات اذا لم يتم تصحيحها سوف تتكاثر وتطال كل شيء صالح...

شكرا لك يا بشائر