PDA

View Full Version : غــــــــــــــــــربة



غايه
24-11-2002, 12:35 PM
ينبتون من أضلاع الليل، يولون وجوههم شطر الأرض والنخل، لا تضاريس ولا لغة تخون إنفلاتهم حيث يلدون كل تفاصيل التعود لديهم.


**


تخرج من ربكة الحلم وتستعيذ بالله منه، تنهض كليلة القدر لتضيء حداد المكان، تلصق ظهرها على جدار الطين مللا، حيث لا صوت ولا روح غيرها.
تستنفر كل عاداتها التي ورثتها أما عن جدة لترفع خيوط اللحاف الأسود الشبكي بقطعتين من الذهب. رغم ذلك تتسلل بعض الشعيرات البيضاء من أطراف اللحاف ومن خلاله، تضع المزيد من الورس والزعفران على جبهتها، تنهض بكل هدوء وتثاقل تتجه للمطبخ لتعد القهوة وهي ترتل بعض الآيات وشيئا من الأدعية، تحبس كل التذكر فهي تتحرك الآن بناء على العادة لا أكثر، تخرج من مطبخها الصغير لتفترش ظل شجرة البيت التي يقارب عمرها عمر جدها إن لم يكن اكثر، تتكئ عليها بكل طمأنينة وكأنها تذكر سندا ما، وكأنها تستشعر روحا نبضت هنا. تتخيل كل المشاهد التي مرت على المتكئين على ذات الشجرة، تستشعر أحلامهم هنا ورغباتهم، تحاول أن تمتص تلك الأوقات التي قضتها أمامهم لتشعر بقلوبهم النابضة كيف أحبتها وكيف تشكلت صورتها في دواخلهم، وكيف تشكلت صورهم، تعرف أنه ليس ثمة من يراقبها وليس ثمة من تراقب، كل الأشياء تتبخر بسرعة. لا مجال لأن يتكئ غيرها. تتفقد الآن أصابعها التي توقفت عن خياطة "الكميم"، ليس عجزا وإنما لا يوجد راس لتمارس عليه طقوسها. سقطت الإبر كما سقطت الرؤوس، تميل عن جذع الشجرة قليلا وكأنها ترغب في أن تتخلص من هذه الأحزان، تلصق كفيها ببعضهما لتصفق صفقات خفيفة، تترنم ببعض الموروثات الشعبية.
تفجأها اللحظة ما أن يتحرك شيء بكل نعومة خلف ظهرها، يتطاير كل شيء وكأنها لم تتذكر، ما ان تستدير حتى تعود بكل يأس.
- ها قد عدت. لم أرك منذ مدة، حتى أنتِ تغيبين مع الكل، لكنك تعودين بين حين وحين، هم رحلوا وتركوا لي ظل شجرة وبيتا خاويا.
- .....


تتجه إليها بكل دلال وخفة وكأنها تستجدي العفو والمغفرة. تربت على رأسها وتلاطفها.
- لابد أنك جائعة.
- .....
تنهض لتبحث عن ما يمكن أن تسد به جوع قطتها الوحيدة، تجري القطة وراءاها بكل خبث ومراوغة وهي منتشية تعسف بذيلها في كل جهة، تترك لها بعض الطعام في صحن قديم وتعود لذات المكان لتراقبها من بعيد، ما أن تنتهي القطة من تناول طعامها حتى تفر هاربة دون إلتفاتة.
- لا تنس أن تعودي! (تصرخ عليها)، رغم كل هذا فأنا انتظرك، أنت تغبين لكنك تعودين، هم لا يفعلون، هم تركوا لي الحصير والشجرة، لا ظل ينبض بالحياة هنا، تذكريني عندما تكونين جائعة، لا تغيبي طويلا، أقصد لا ترحلي.
تضع رأسها بين كفيها ثم تبعدهما بسرعة وتستعيذ من فعلتها.
- أستغفر الله من فعل الشيطان!
يفتح الباب الخارجي للبيت بصخب واضح، تتراكض مجموعة من الصغار خلف ديك هارب، يملأون المكان بغبار أقدامهم العارية، وللمرة الأولى تبتسم منذ استيقاظها.
- لا تدعوه يهرب، أمسكوا به، بل تمسكوا به، أقصد أعيدوه لقفصه واحبسوه! أسوأ شيء أن تتركوه يرحل فقط لغضب عابر!
- إن شاء الله ن إن شاء الله.
يصرخ أحد الصبية وهو في عجلة من أمره ليكمل المطاردة.
- ونعم بالله.
تلتفت للشجرة وتبسم
- رحلوا بغبارهم، بقينا أنا وأنتِ، على الأقل أنت تمنحيني ظلا وسندا، ماذا أمنحك أنا غير جسدي المثقل بالوخز والتذكر؟!
تمر نسمة هواء لتحرك أغصان الشجرة، لتمنحها شيئا من الصبر والإجابة.
- أقله أنت تجيبين وهم لا يفعلون. هم لا يسمعون ندائي القديم وعظامي الموهنة بالبرد والسن، قاموا بغرسك هنا ظلما لكي تجاوريني وأجاورك، هذا يضمن لي بقاءك أنت على الأقل من بينهم. وغدا عندما ارحل ستدركين أنك - من بيننا - الأكثر معاناة من غربة المكان والروح!
تعبرها الريح بشدة ليتساقط الكثير من الورق على حصير العجوز.
- لست وحدك من يبكي، لقد كنت قاسية عليك وأنت ظلي الوحيد، هل يبكيك فراقي أم يبكيك الكم الذي ينتظرك من الوحدة؟! سأسند الآن ظهري عليك وهذا المرة الأولى التي أستأذنك فيها، سأنام قليلا لكني لا أعدك أني سأستعيذ من ربكة الحلم ثانية، اقله أضمن لك أن لن تكوني وحيدة مثلي بعد اليوم!

بسيط
24-11-2002, 08:33 PM
الكريمة//غايه ،،،

أهلاً00 وسهلاً00 بيك أولاً

وألف شكراً00 لِهذا النص الذي تكـتـنـفهُ الروعةُ 00 والبهــاء

كُل المُنى00 بدوام الصحة والعافية 0

غايه
24-11-2002, 08:41 PM
شكرا لك و لترحيبك..
دمت بود
غايه