PDA

View Full Version : موت قصة



ياسر عبدالباقي
24-11-2002, 11:22 PM
أخاف من الظلام ، كما أخاف من الكوابيس ، منذ أيام طويلة ، بدأت الأحلام المخيفة تداهمني ، تقضّ مضجعي ، تقلق راحتي ، فأعلنت الحرب ، وقررت ألا أنام لأسبوع واحد لعل الكوابيس تيأس مني وترحل .
في اليوم الأول حيث كانت الساعة الواحدة ليلاً ، وأنا في صراع شديد مع الأرق، فكرت في استغلال الوقت في الكتابة ، فغمضت عيناي مسترخياً .

كان الظلام حالكاً في الغرفة التي تفوح منها رائحة غريبة تدعو للاشمئزاز ، بان لي شبح واقفً مستنداً إلى الجدار دون حراك ، دقائق مضت وأنا أحاول ان أتبين وجه الشبح الغامض حتى قام بإشعال عود الثقاب ليولع بها سيجارته ، فظهرت لي ملامح وجهه ، وجه أبيض طويل جامد التعابير ، شعر أشقر ، عينان زرقاوان فيهما غموض خيل لي أنهما تنظران نحوي ، كانت النافدة الوحيدة في الغرفة مغلقة منعت دخول الضوء . تحرك الرجل الأشقر قليلاً ، ثم بدأ يدور في محيط الغرفة إلى درجة اعتقدت أن قدميه لا تلامسان الأرض حيث كنت لا أسمع وقع نعليه ، توقف الرجل فجأة في منتصف الغرفة ، وراح يحدق فيّ بعينيه الغامضتين ، وصدر منه صوت عميق وقوي : أنتَ !

أرعبني صوته ، كما أرعبتني نظراته ، اهتز جسدي رعباً ، عملت جاهداً لأقنع نفسي بأني أحلم ، عاد الرجل يدور في محيط الغرفة ، وإن كانت خطواته هذه المرة سريعة : لماذا أنت خائف ؟ أخائف أنت مني ؟!

لم أكن خائفاً فقط ، بل كنت في حالة حيرة أيضاً من تلك الشخصية الغريبة التي وضعتها في قصتي ، ها هي الآن تتكلم معي بكل جرأة ووقاحة دون خوف مني ، عاد صوته إلى نبرته المرعبة : من أنتَ ؟

لكن السؤال من هو ؟ ولما تلك النظرات الشريرة المحدقة فيّ ، فأسرعت لإشعال سيجارتي لأخفي أرتباكي الواضح ، فكتبت : من أنت ؟

اتسعت عيناه بشكل مخيف وبدتا كأنهما تودان الفرار من محجريهما ، وانطلق كالطلقة : أنا .. الكابوس .. كابوسك .. قلق .. حدق بي .. هيا .. حدق .

لا أرى سوى عينين تحاولان التهامي ، بادلته النظرات بتحدٍ ، ها أنا وجهاً لوجه أمام كابوسي مصدر قلقي ، كأني في ساحة معركة ، في صراع حضاري مع رجل أشقر .

تلك الرائحة التي تدعو للاشمئزاز ، ما زالت عالقة في الغرفة كأنها قطعة منها ، أشعل الرجل الثقاب وتحرك نحو النافدة ، ونظرته مصوبة نحوي .. يا الهي كم هي قوية وملتهبة ، على ضوء الثقاب بدت لي ملامح امرأة ممددة على السرير ذات شعر أحمر ، بيضاء ، كالثلج ، وفي جبهة رأسها ثقب صغير يمر عبره خيط رفيع من الدم وأحسست بقشعريرة تهز جسدي .

-أنها زوجتي ، هكذا قالها ببرود دون أي تأثير لم أستطع أن أمنع نفسي من التقيؤ على بدلتي، شعرت باختناق كاد يقتلني ، فذهبت لأفتح نافدة غرفتي ، إلا أنه ناداني : هيه !




التفت نحوه لاهثاً متسائلاً ، صاح : أجلس .

أطعته فجلست ، يملك قوى خارقة أجبرتني على الامتثال له ، أبتسم ، ابتسامته مخيفة أيضاً ، أشار بيده نحوها : قتلت . قالها وكأنها حية أمامه ، لقد قتلها . سألت نفسي .

-أنت القاتل . يا إلهي أنه يعرف بما أفكر ، أشار بإصبعه نحوي ، إلى درجة شعرت بها تلمسني ، خفت منه ، ها هو الرجل يتهمني بقتل زوجته ، لكني لم أقتلها حتى أني لا أعرفها ، أنه يتلاعب بي ليخيفني ، بذلت جهداً كبيراً لأبدو أمامه قوياً .

-نعم أنت قتلتها ، تابع صارخاً ، وضعتني في هذه الغرفة المظلمة مع امرأة مقتولة ، حاولت الدفاع عن نفسي أردت أن أقول له بأني لم أقصد وضعه مع زوجة مقتولة ، بإمكاني أعادة صيغه القصـ.. ، إلا أنه كان يقرأ أفكاري : لا يهمني أن تبرأ نفسك لن تستطيع إعادة زوجتي إلى الحياة .. هل تدري بما أفكر ! و ضحك أخافتني ضحكته الهستيرية ، تمنيت أن أغوص إلى أعماقه لأعرف بما يفكر ، لكنه كشف عن نواياه قائلاً : الانتقام ، عاد الرجل يدور في محيط الغرفة تاركاً صدى كلمة الانتقام تتردد في الغرفة ، كان دورانه في الغرفة يسبب لي صداعاً رهيباً ، فأخرجت من جيبي زجاجة دواء مهدأ أحملها وقت الحاجة ، لكن الزجاجة كانت خالية من الدواء ، فرميتها حانقاً ، فكسرت المصباح الوحيد في غرفتي ، وبدأ المكان مخيفاً ، توقف الرجل عن الدوران ، كما توقف الصداع .

-لقد تعادلنا .. كلنا نعيش في غرفة مظلمة ما عدا الجثة . وسكت ولكن أنفاسه لم تسكت ، لم أعد أستطيع أن أفكر ، أشعر به يسيطر على أفكاري ، أحلامي . لقد فرض الخوف أيضاً ، غرفة مظلمة ، وعينان محدقتان ، أخرج من جيبه شمعة وقال: أحملها لضرورة ، راقبته بارتياب وهو يشعل الشمعة وكأنها تحترق في صدري ، وضعها على كف يده وقال الحياة مملة ، والموت رحمة لنا . ومن ثم رمى الشمعة حيثما ترقد الجثة ، فأرتعدت لرؤية المرأة وهي تحترق ، خيل لي أنها تصرخ وتطلب مني مساعدتها ، كان الرجل يضحك بهستيرية ، وأحسست بالنار تكاد تحرقني معها ، حاولت الهرب من الباب لكنه كان موصداً ، فاستدرت لأفتح النافذة ووقفت محملقاً إلى الشارع ، توترت أعصابي فالموت يحيط بي من كل مكان ، أن بقيت في الغرفة حرقتني النار ، وأن قفزت من النافذة لوصلت حطاماً ، وضحكات الرجل تزدني رعباً : الحياة مملة والموت رحمة لنا .. لا أحد يهرب من كابوسه ، ثواني فقط هي تحدد حياتي . فجأة استيقظت ففتحت عيني بهلع ووجدت نفسي أهوي و أوراقي تتناثر من حولي .