PDA

View Full Version : قراءة من " أيام من الأيام "



تأمل
30-01-2001, 05:40 PM
أيام من الأيام
د. طه حسين

هذه قراءة لمعناة الكاتب طه حسين مع الأعاقة ، أتمنى تعجبكم ...
عند التحدث عن مشكلات المعوقين التي لعب المجتمع دوراً كبيراً في نسجها وتشكيل عناصر المأساة فيها وإيضاحها نجد إن قصة حياة عميد الأدب العربي د. طه حسين تفرض نفسها علينا بمرَها قبل حلولها ، وآلامها قبل نجاحها .
حقيقة قد يكون الزمن الذي عاش فيه الدكتور طه حسين يختلف كثيراً عما نعيشه الآن، نظراً للثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم ، والأجهزة التعويضية التي صنعت من اجل المعوقين.
كما النظرة الاجتماعية للمعوقين قد اختلفت لما قدمه هؤلاء من أشكال مختلفة لأساليب تحقيق الذات.
وقد رأينا أن نقتطف بعض فقرات من السيرة الذاتية للعميد ، والتى قام هو بتصويرها فكانت أصدق تصوير . و مما لا شك فيه أن كثيراً من "المكفوفين" قد يروا أنفسهم في بعض الفقرات..وسنعرض فيما يلي على لسان كاتب السيرة ، بعض هذه الفقرات التى قد تعين القارىء على معرفة ما كان يعانى منه الكفيف في الماضى وكذلك فى الحاضر –في بعض الأحيان- وكيف يستطيع الاخرون زيادة إعاقة هذا الكفيف عن أن يسير ويسلك السلوك السوي ، وكيف نجح البعض الآخر فى معاونته للتخلص من بعض إحساساته بالنقص
عندما يتحدث العميد عن نشأته يقول :
كان سابع ثلاثة من أبناء أبيه، وخامس أحد عشر من أشقائه . وكان يشعر بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب و الأطفال مكاناً خاصاً يمتاز به عن مكان إخوته وأخواته .
أكان هذا المكان يرضيه ؟ أكان يؤذيه ؟الحق أنه لا يتبين ذلك إلا فى غموض وإبهام .
والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكماً صادقاً . كن يحس من أمه الرحمة و الرأفة ،وكان يجد منأبيه ليناً ورفقاً ، وكان يشعر من أخوته بشىء من الأحتياط فى تحدثهم إليه ومعاملتهم له .ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئاً من الإهمال أحياناً، ومن الغلظة أحياناً أخرى … وكان يجد الى جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئا من الاهمال أيضا
والأزورار ( الأعراض والانحراف) من وقت إلى وقت وكان احتياط أخوته و أخواته يؤذيه لأنه كان يجد فيه
شيئا من الاشفاق مشوبا بشى من الازدراء. على انه لم يلبث أن تبين ان سبب هذا كله، فقد أحس أن لغيره
من الناس عليه فظلآ وأن اخوته يستطيعون ما لا يستطيع وينهضون من الأمر لما لا ينهض له. وأحس أن أمه تأذن لاخوته واخواته فى أشياء تحظرها عليه . وكان ذلك يثير حفيظته(بغضه)، ولكن لم تلبث هذه الحفيظه
أن استحالت الى حزن صامت عميق، ذلك أنه سمع اخوته يصفون مالا علم له به ، فعلم أنهم يرون مالا يرى
(الأيام ص71،91 الجزء الاول) وفى فقرة اخرى نجد ان سلوك الآخرين نحوه دفعه الى التقيد والحذر وحرمانه
من أشياء عديدة ، فيقول العميد: كان اول مره بما يلقى من الامر فى سبيل أن يكتشف مالا يعلم . وكان ذلك يكلفه
كثيرا من الألم و العنا . ولكن حادثه واحدة حدت من ميله الى الاستطلاع وملأت قلبه حيا لم يفارقه الى الآن..كان
جالسا الى العشا بين اخوته وابيه، وكانت امه تشرف كعادتها على حفلة الطعام، ترشد الخادم و ترشد اخواته
اللائى كن يشاركن الخادم فى القيام بما يحتاج اليه الطاعمون.
وكان ياكل كما يكل الناس. ولكن الأمر خطر له خاطر غريب! ما الذى يقع لو انه اخذا القمة بكلتا يديه بدل ان
ياخذها بيد واحدة؟ ما الذى يمنعه من هذه التجربة ؟ لاشى. اذا لقد اخذ القمة بكلتا يديه وغمسها فى الطبق المشترك ثم رفعها الى فمه!! فأما اخوته فاغرقو فى الضحك. واما امه فاجهشت بالبكاء. واما ابوه فقال فى صوت
هادى وحزين : ما هكذا تواخر القمة يابنى..واما هو فلم يعرف كيف قضى ليلته.
من ذلك الوقت تقيدت حركاته بشىء من الرزانة والاشفاق والحياء لا حدله .
ومن ذلك الوقت حرم على نفسه الوان من الطعام لم تبح له الا بعد ان جاوز الخامسة والعشرين. حرم على نفسه
الحساء والارز وكل الالوان التى توكل بالملاعق، لأنه كان يعرف انه لا يحسن اصطناع الملعقة . وكان يكره
ان يضحك اخوته ، او تبكى امه، او يعلمه ابوه فى هدو و حزن .
هذه الحادثة اعانته على ان يفهم حقا ما يتحدث به الرواة عن ابي العلاء المعرى من انه اكل ذات مرة عسل،
فسقط بعضه على صدره وهو لايدرى . فلما خرج الى الدرس قال له بعض تلاميذه : ياسيدى اكلت عسل ؟
فاسرع بيده الى صدره وقال : نعم ،قاتل الله اشره !! ثم حرم العسل على نفسه طوال حياة .
واعانته هذه الحادثة على ان يفهم طور من اطوار ابى العلاء حق الفهم. ذالك ان ابا العلاء كان يستتر
فى اكله حتى على خادمه،فقد كان ياكل فى نفق تحت الارض وكان يامر خادمه ان عد له طعمه فى هذ نفق


ثم يخرخ ، ويخلو هو الى طمعامه فياخذ منه مايشتهى .وقد زعموا ان تلاميذه تذاكروا مرة "بطيخ حلب"
وجودته ، فتكلف ابو العلاء وارسل الى حلب من اشترى لهم منه شيئا، فاكلوا واحتفظ الخادم لسيده بشىء
من البطيخ وضعه فى النفق ولكنه لم يضعه فى المكان الذي تعود ان بضع فيه طعم الشيخ ، وكره الشيخ ان
يسأل عن حضه من البطيخ ، فلبث البطيخ في مكانه حتى فسد ولم يذقه الشيخ .
فهم صاحبنا هذه الأطوار من حياة ابي العلاء حف الفهم ، ولكنه لم يكن يجرؤ على أن يعلن إلى أهله هذه
الرغبة .على أنه خلا إلى بعض الطعام أحيانا كثيرة ذلك في شهر رمضان وفي أيام المواسم الحافلة ،
حين كان أهله يتخذون ألوان من الطعام الحلوة ، يغلفها هو من دونهم حتى لا يستطيع أحد أن يشرف عليه
و هو يأكل . على أنه عندما استطاع أن يملك أمر نفسه أتخذ من هذه الخطة له نظاما ، فبدأ بذلك حين سافر
إلى أوربا لأول مرة ،متكلف التعب وأبى أن يذهب إلى مائدة السفينة ،فكان الطعام يحمل إليه في غرفته .
ثم وصل إلى فرنسا فكانت كعادته إذا نزل في فندق أو في أسره ، وأن يحمل إليه الطعام في غرفته دون
أن يتكلف الذهاب إلى المائدة العامة ، ولم يترك هذه العادات ألا حين خطب قرينته ، فأخرجته من عادات
كثيرة كان قد ألفها .
هذه الحادثة ـ الأولى المبكرة الساخرة منه ـ أخذته بألوان من الشدة قي حياته ، جعلته مضرب المثل في الأسرة
وبين الذين عرفوه حين تجاوز حياة الأسرة إلى الحياة الإجتماعية . كان قليل الأكل لا لأنه كان قليل الميل إلى
الطعام، بل لأنه كان يخشى أن يوصف بالشره أو أن يتغامز عليه أخوته . وقد آلمه ذلك أول الأمر ، ولكنه لم
يلبث أن تعوده حتى أصبح من العسير عليه أن يأكل كما يأكل الناس . كان يسرف في تصغير اللقمة ، كان له
عم يغظه ذلك منه كلما رآه فيغضب وينهره ويلح عليه في تكبير اللقمة ، فيضحك إخوته . وكان ذلك سببا قي
أن كره عمه كرها شديدا .
وكان يستحي أن يشرب على المائدة ، مخافة أن يضطرب القدح في يده ، أو لا يحسن تناوله حين يقدم إليه ،
فكان طعامه جافا كلما جلس على المائدة ، حتى إذا نهض عنه ليغسل يديه من حنفية كانت هناك يشرب من
مائها ما شاء الله أن يشرب . ولم يكن هذا الماء نقيا دائما ، ولم يكن هذا النوع من رى الظمأ ملائما للصحة فانتهى به الأمر أن أصبح ممعودا (مضطرب المعدة ) ، وما استطاع أحد أن يعرف لذلك سبباً ..ثم حرم
على نفسه من ألوان اللعب والعبث كل شىء ، إلا ما لا يكلفه عناءً ولا يعرضه للضحك أو الإشفاق .
فكان أحب اللعب إليه أن يجمع طائفة من الحديد ويتنحى بها زاوية البيت ، فيجمعها ويفرقها ، ويقع بعضها
ببعض ، بنفق في ذلك الساعة ، حتى إذا سئمها وقف على إخوته أو أترابه وهم يلعبون فشاركهم في اللعب
بعقله لا بيده . وكذلك عرف أكثر ألوان اللعب دون أن يأخذ منها بحظ . ( الأيام الجزء الأول ص 24:19) .
من هنا يمكننا أن نتعرف على مدى تأثير من يحطون بالمعوق في سلوكه سوى بالسلب أو بالإيجاب ، وتسنى
لنا ذلك عند ذكر العميد لدور قرينته في تخليصه من بعض سلبياته التي كانت بمثابة رد فعل لتصرفات المحيطين
به دون قصد منهم .
ولقد بهذه الفقرات من السيرة ذاتية لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لنصور مراحل حياته دون الخوف في
التفاصيل لعل القارئ إذا أراد أن يستزيد أن يرجع لكتاب الأيام الذي صور تصويراً صادقاً ما يجول من مشاعر
قي نفوس مكفوفي ذلك الزمن ، وإن كان مكفوفي هذه الأيام يشعرون بهذه المشاعر أيضاً .




ا











<IMG SRC="http://www.alsakher.com/ubb/smilies/cwm15.gif" border=0> <IMG SRC="http://www.alsakher.com/ubb/smilies/cwm15.gif" border=0> <IMG SRC="http://www.alsakher.com/ubb/smilies/cwm15.gif" border=0>

طنط بكيزه
31-01-2001, 09:13 AM
يعطيك العافيه
يااخت تأمل
ولان موضوعك يحكي عن مشكله مهمه
بينتقل للمواضيع الجاده

------------------
أحزان قلبي لا تزول
.......حتى أبشر بالقبول

وأرى كتاب باليمين
......وتقر عيني بالرسول