PDA

View Full Version : بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسسن أخلاقهم



لسان الميزان
13-01-2003, 06:10 AM
هذه رسالة قيمة للإمام ابن الجوزي، ادهشتني !!!
أرجو أن تستمتعوا بها..ليتني اعرف كيف اضعها كملف مرفق.


" بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسسن أخلاقهم "

اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور و اوكدها والصبيان أمانة عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في صوابه أبوه وكل معلم له مؤدب ، وإن عود الشر و أهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له. وقد قال الله عز وجل :  يا أيها الذين أمنوا قوا أنفسكم و أهيلكم ناراً  ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته بأن يؤدبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته و إرضاعه إلا امرأة متدينة تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث ، ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته ، و أول ذلك ظهور أوائل الحياء ، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه ، حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء ، وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه ، و أول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه ، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ، وان يقول عليه بسم الله عند أخذه ، وان يأكل مما يليه وان لا يبادر إلى الطعام قبل غيره ، وان لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وان لا يسرع في الأكل ، وان يجيد المضغ ، وان لا يوالي بين اللقم ، ولا يلطخ يده ولا ثوبه ، وان يعوّد الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث لا يرى الأدم حتماً ، ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم ، وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل ، وان يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان ، وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ويقرره عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وان الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوباً من ابريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ، ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة ، وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشؤه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لجوجاً ذا فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأدي ، ثم يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار
و أحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع ، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد.
ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود أن يكرم عليه ويجازي عليه بما يفرح به ويمدح بين اظهر الناس ، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له انه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ، فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة ، فعند ذلك إن عاد ثانياً فينبغي أن يعاتب سراً ويعظم الأمر فيه ويقال له : إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وان يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ، ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه ، وليكن الأب حافظاً هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا ، و الام تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلاً ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم بل يعوّد الخشونة في المفرش والملبس والمطعم ، وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد انه قبيح ، فإذا ترك تعود فعل القبيح ، ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ، ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ، ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطامعه وملابسه أو لوحه ودواته ، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ، ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاده المحتشمين ، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة. وإن كان من أولاد الفقراء ، فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وان ذلك من دأب الطلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها.
وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما اكثر مما يحذر من الحيات العقارب ، فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما اضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضاً ، وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ، ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل. ويعلم كيفية الجلوس ويمنع لغو الكلام وفحشه ، ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء ، واصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء. وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ دأب المماليك والنسوان. وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب ، فإن منع الصبي من اللعبة و إرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه

وينغص عليه العيش ، حتى يطلب الحيلة والخلاص منه رأساً. وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن هو اكبر منه سناً من قريب و أجنبي. وان ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وان يترك اللعب بين أيديهم. ومهما بلغ سن التمييز ، فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع.
ويخوّف من السرقة واكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش ، وكل ما يغلب على الصبيان ، فإذا وقع نشؤه كذلك في الصبا فهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور ، فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل ، وان الدنيا كلها لا اصل لها إذ لا بقاء لها ، وان الموت يقطع نعيمها ، وأنها دار ممر لا مقر ، وان الآخرة دار مقر لا دار ممر ، وان الموت منتظر في كل ساعة ، وان الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان ، فإذا كان نشؤ صالحاً كان هذا الكلام عند البلوغ واقعاً مؤثراً ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر. وإن وقع نشؤ بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس التزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس. فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى ، فإن الصبي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً و إنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين. قال الني صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة و إنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانة " قال سهل بن عبد الله التستري : كنت و أنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً :ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت : كيف اذكره ؟ قال : بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك ، الله معي الله ناظر إلى الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات ، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال : قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة ، فقلته فوقع في قلبي حلاوته ، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة ، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت حلاوة في سري ، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه ؟ إياك والمعصية ، فكنت اخلو بنفسي فبعثوا بي إلى المكتب فقلت : أني لأخشى أن يتفرق علي همي ولكن شارطوا المعلم أني اذهب إليه ساعة فأتعلم ثم ارجع ، فمضت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة ، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها فأتيت البصره فسألت علماءها فلم يشف أحد عني شيئاً. فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة أبن أبى عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني ، فأقمت عنده مدة انتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ، ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاداً على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي ، فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن اطوي ثلاث ليال ثم افطر ليلة. ثم خمساً ثم سبعاً ، ثم خمساً وعشرين ليلة ، فكنت على ذلك عشرين سنة ، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ، ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال احمد: فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى.

ابتسامة
13-01-2003, 10:24 PM
حياك الرحمن


اختيار رائع :)

جزاك الله الف خير ونفع بك الاسلام والمسلمين:)