PDA

View Full Version : عبرات فوق السنا - قصة بأجزاء مترابطة



منصف
08-06-2003, 08:13 AM
(1)

كان الظلام يلف البلدة بثوبه الأسود، والسكون مطبق على الجميع، كأنما جنازة مهيبة تمر بالديار، أو موكب ملك من ملوك الدنيا العظام يسير في الطريق، والكل مطأطئ رأسه ولا ينطق ببنت شفة، فقد أرخى الليل سدوله، وغطى بأستاره الكون الفسيح، فنامت الأشجار محتضنة الطيور، وسكنت الأزقة والدروب، وأطفأت السرج، وأخمدت النيران، ولا تكاد تسمع إلا صوت الهدوء يخيم على الأفق .
وقف القمر يطل على الكون ليراقب هذا المشهد المهيب، ويرسل سناه على الأرض ليكسيها باللون الفضي الجميل، ويطبع صورته على سطح الماء، تحركه نسيمات الهواء العليل، فترتسم دوائر صغيرة ما أن تتلاشى حتى تعود مرة أخرى، والقمر يتابع هذه الصورة ويبتسم، يسلي نفسه بها تارة، ثم يبحث عن شئ آخر، فلا يلبث أن يعود إليها مرة أخرى، فالكل متدثر بفراشه، وما من مستيقظ .
وفجأة تلمع نافذة من بعيد، فيطرق القمر سمعه، ويرسل سناه ليستوضح الأمر، ويستكشف الخبر، فإذا بصوت خافت متحشرج يصحبه زفرات وأنين وبكاء حار، لا يكاد يسمع، وإذا بيد صغيرة بيضاء، مرفوعة نحو السماء، وفتاة شاحبة الوجه غائرة العينين، قد تشرب لونها الأبيض بحمرة، يكاد يتفجر منه الدم لو مسه الهواء، فأكسبتها نضارة رغم ما يلم بها من حزن وخوف، تقول بصوت متقطع يغلبه دموع حارة بللت وجنتيها المحمرتين، يا من تجيب المضطر إذا دعاك وتكشف السوء، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، يا غافر الذنب، ويا قابل التوبة، أقبل توبتي، واغفر زلتي، وارحم ذلتي ، يا من تذل له الرقاب، وتخضع له الأعناق، اللهم عفوك أرجو، ورضاك أرنو، فيا رب أفغر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، رب لا تأخذني إن نسيت أو أخطأت، رب ولا تحمل على إصراً كما حملته على الذين ممن قبلي، رب ولا تحملني ما لا طاقة لي به، واعفو عني واغفر لي وارحمني، أنت رب السموات وما أظللن، وأنت قيوم الأراضين وما أقللن، يا حي يا قيوم برحتك أستغيث، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، الله عفوك ورضاك، اللهم يا من تتنزل في هذه الساعة من الليل فتقول هل من سال فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر لهن اللهم إني أسألك العفو واستغفرك من الذنب فتكرم عليّ بمنتك واغفر لي برحمتك، اللهم إنك القائل وقولك الحق "ادعوني استجب لكم" اللهم دعوتك كما أمرتني فاستجب لي كما وعدتني، إنك لا تخلف الميعاد .
ولكن من هي هذه الفتاة؟ ولماذا تدعو بهذه الحرقة،؟وما هي قصتها؟ …. يتبع

*.......*.......*

(2)

ما إن انتهت من دعائها حتى أجهشت بالبكاء، فسكت الصمت إجلالاً واحتراماً، وجال القمر بسناه على دموعها الساخنة التي بللت الوجه الجميل، فشع بريق من مقلتيها أعشى القمر من نوره، وأضاء الغرفة بضيائه، وراحت تتذكر تلك اللحظة التي سمعت اسمها في المذياع، يعلن أسماء الناجحين في الثانوية، وكيف أن أمها قد جهزت الشريط لتسجل المذيع وهو ينطق بحروف اسمها من بين المتفوقات، ليتردد في جنبات البيت الذي أعد كأنه صالة عرس وأفراح فالزينات معلقة وعبق البخور يملأ الغرف فلا يكاد يرى الجالسون بعضهم بعضاً من دخانه، وهاهو الأب الرؤوم بسنواته السبعين وظهره المتقوس المنهك من حمل السنين، نسي آلامه وتجاهل أمراضه، قد حمل الجريدة بيده المرتجفة التي خط فيها الزمن لوحة متعرجة ذابلة، وراح يدور بالجريدة بين أصحابه يريهم اسم ابنته في لوحة المتفوقين وهو يقول هاهي أمل قد حققت أمل حياتي وغداً تدخل الجامعة وتخرج منها بأكبر الشهادات، آه يا آخر العنقود، يا من أعادت روح الشباب لهذا الكهل العجوز .
وتذرف دمعة حارة على الهالة السوداء من عينين متورمتين، قد أرقها السهر، وأعياها الانتظار، حتى ما عادت تفرق بين ليل ونهار، وبين حبيب وعدو، وتعقبها بشهقة لو سمعها بشر لخر في مكانه صريعاً، وتعقبها زفرة يحرق حر أنفاسها الفؤاد. أه من تلك الأيام الخوالي، آه من تلك السنين التي مرت كلمح البصر، ليتها تعود ليت من ذهب يرجع، أين ذهبوا ولمن تركوا من شغاف قلبه يعشقهم؟
ويتساءل القمر ما لهذه الزهرة الندية، ما حصل لهان وما الأمر الذي أذبلها، هل قطفت من بستانها وفرقة عن باقتها؟ من الذي أبعد عنها الفراشات فلا تحوم حولها، وطرد النحل فلا يمتص رحيقها، وأبعد الأطفال فلا يلعبون حولها…. يتبع

*.......*.......*

(3)

جالت بنظرة شاردة في الغرفة الموحشة وتلفتت يمنة ويسرة، كأنها تبحث عن شئ أضاعته، أو خائفة من شئ ما، فتلاقت نظراتها مع القمر الذي كان يطل عليها بسناه من خلال النافذة، تذكرت تلك الليالي الجميلة التي كانت تسهر فيها حتى الفجر تذاكر الدروس وتحضر للجامعة ولا سمير لها سوى القمر، وأكواب الشاي التي كانت تعدها لها والدتها . تسهر وتغالب النعاس تستيقظ تارة أخرى حتى يشفق عليها والدها فيدخل عند أذان الفجر في غرفتها ليدثرها ، ويبعد الكتاب الذي سقط على صدرها .
كانت الأيام تمر سريعة ولا تحس بها كعادة ساعات السعادة والهناء تمر على الإنسان فلا يشعر بها فإذا ما جاءته عارضة من العوارض أو ألمت به ملمة استيقظ من ذلك الحلم الجميل واسودت الدنيا في عينيه وغربت شمس حياته وأرعدت سماءه وأبرقت، وأحس بأنه مسجون في تلك المشكلة ولا يمكن أن يخرج منها وإن حياته قد انتهت وساعته قد اقتربت، وتمنى لو أن الأرض قد انشقت وبلعته أو صاعقة من السماء أحرقته فيرتاح من هذه الحياة التعيسة، وينتهي شقاءه فيها فما رأى يوم سعيد قط .
ويتمادى في غيه وضلاله ، يبحث عن إنسان ينقذه أو شئ ينسيه مأساته ، وقد يتطور الأمر فيرتكب المحرمات ويتعطى المسكرات والمخدرات ويمشي في طريق يرسمه له الشيطان فيتبع خطواته ويسير على حسب نهجه له . ولو فكر قليلاً وأمعن النظر لوجد سعادته بين يديه وحل مشكلته أمام عينيه ، كلمة قالها يونس عليه السلام فأخرجه الله من سجنه وفك بها قيد أسره (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) كلمة لها مفعول السحر إذا اقترنت بإيمان صادق ورضى بقضاء الله وقدره وإن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطأه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وان لو اجتمعت الإنس والجن برها وفاجرها سعيدها وشقيها على أن ينفعوه بشئ لم ينفعوه إلا بشئ قد كتبه الله له وان لو اجتمعت الإنس والجن برها وفاجرها سعيدها وشقيها على أن يضروه بشئ لم يضروه إلا بشئ قد كتبه الله عليه . غير أن النفس البشرية ضعيفة بطبعها، تخاف من المجهول وتخشى ما تجهل والشيطان يغذي هذا الجانب ويشجعه، فإذا ما سار المرء خلفه وسلمه نفسه لعب به كما يلعب الطفل بالكرة والطفلة بدميتها ترفعها تارة وتخفضها أخرى، تحركها كيف تشاء وهكذا الإنسان مع نفسه والشيطان، ولا عاصم من ذلك إلا باتباع الحق وتسليم الأمر لله والسير على نهج شريعته الغراء .

*.......*.......*

(4)

لا تزال ذكرى دخولها الجامعة في اليوم الأول ماثلة أمام عينيها وتتذكر تلك اللحظات كأنها شريط فلم سنمائي يمر أمام عينيها، أرتال من الطلبة والطالبات، اختلطت روائح العطور التي يضعونها وألوان الحلل التي يتزينون بها فيخيل للداخل إلى مكتب التسجيل كأنه في قاعة عرس أو يوم عيد، ورغم برودة الجو وعمل المكيفات داخل المكتب، إلا أن العدد الكبير الذي كان يغص به المكتب كفيلاً وحرارة الأجساد والأنفاس المنتشرة في المكان كانت كفيلة بأن تقضي على أي نسمة باردة، وصوت والدها الذي ينادي على موظف التسجيل يضيع وسط الضجيج الصادر من الطلاب كل يغني على ليلاه ويبحث عن مبتغاه ويسأل عن هذه المادة من يدرسها وهل يمكن أن يسجل في غيرها وذاك يقلب الأوراق يبحث عن ورقة ناقصة يتأفف ويقول كانت بين يدي منذ لحظات، وآخر يبحث عن مرشد يرشده أو دليل يدله فيما يختار وماذا يسجل من المواد وآخر وآخر وآخر، جماعات من البشر تخالطت أجسادهم وتناثرت أفكارهم، منهم السعيد الذي سجل واختار ما يريد ومنهم الحزين الذي لم يجد كل ما يطلب ومنهم الضاحك ومنهم العابس .
وتدور بكرة الفلم سريعة فترى نفسها جالسة في مدرج الجامعة مجتهدة في دراستها، معروفة بحسن خلقها وكمال أدبها جميع زميلاتها يحببنها ويرغبن في التقرب منها والتودد إليها، لتفوقها المميز، وحلو حديثها، وجمال محيها، وزادتها اللثغة في لسانها جمالاً، فكانت في الجامعة كالشامة السمراء في البشرة البيضاء، فهي معروفة ومميزة بين جميع الطالبات .
وذات يوم وبينما كانت تهم بمغادرة الجامعة والطالبات متحلقات حولها كالفراشات يحمن حول الزهرة الندية، يطلبن ريحها، ويلثمن رحيقها، إذا بعين ترقبها من بعيد تسير معها إذا سارت وتقف حيثما وقفت، فأحست بالخوف من تلك النظرات، فضمت إليها كتبها وتشبثت بها كأنها طوق النجاة، وزادت دقات قلبها حتى كاد يسمع من حولها، وارتفع صدرها وانخفض وكلما ارتفع ارتفعت معه كتبها التي تضمها إليه وتنخفض معها، كأنما الهواء ممتنع عن دخول رئتيها، فأسرعت الخطى تطوي الأرض طياً، وتلك العين خلفها تراقبها بصمت وتلاحقها حتى إذا وصلت إلى السيارة رمت نفسها على أقرب مقعد وصلت إليه وأغمضت عينيها أسرعت بغلق النافذة وانكمشت في الزاوية وجسدها الغض الطري يرتجف… يتبع

*......*.......*

(5)

ظلت تلك النظرات تلاحقها يوم بعد يوم حتى ألفتها واعتادت عليها، بل وصارت تبحث عنها إذا افتقدتها، فإذا تلاقت العيون نطقت دون حروف وبدأت لغتها الخاصة بالحديث، تظاهرت بعدم الاهتمام، وواصلت سيرها دون أن تلتفت حتى إذا ما ركبت السيارة وابتعدت عن الطريق التفتت من خلف النافذة لترى شبح صاحب العين يصغر ويختفي شيئاً فشئ حتى يتلاشى عن مرمى بصرها .
وهكذا في كل يوم، حتى تعلقت بتلك النظرات وصاحبها ، وصارت تتساءل في نفسها ماذا يريد مني؟ أهو صامت لا يتكلم؟ هل هو خجل؟ أم أن البيان يقف حائر أمام ما يختلج في صدره فلا يبوح بما يكنه .
لعبت لغة العيون لعبتها ، وخاضت بها عباب بحر الخيال، وشرقت بها وغربت، وركبتها موجه، وأبحرت بها في مياهه الصافية وشمسه المشرقة وطيور النورس تحلق حولها . وهكذا تفعل لغة العيون، فالصمت أبلغ من البيان، فكم من صامت يخطب دون حرف ، ألم يكن صامت البكر دليل على رضاها ، وإذا صمت المربي عن فعل ولده واكتفى بنظرة من عينه كانت أشد على الولد من الضرب والتوبيخ ، فالكلام يفصح عن مكنون الفؤاد ولكن الصمت يحير المكلم ويجعل تفكيره يذهب إلى أبعد وأشد مما يفكر به المتكلم ويريد قوله .
وذات يوم وبينما هي سائرة في طريقها إذا بصوت رقيق خفيض يقول : ساحرتي وملاكي، هل لي بكلمة ؟ أنا راغب في الزواج منك . فأنا أراقب منذ مدة وعرفت أخلاقك وأدبك . وأنا غرضي شريف .
لم تدعه يكمل كلامه والتفت إليه غاضبة وقالت بصوت مرتج مرتعد أن لم تتأدب أخبرت عائلتي والويل لك . رد بصوت رقيق وكلمات مذهولة بريئة : لن أعتبر هذا رد على طلبي ولكن سأنتظر منك جواب بعد يومين فإما تسعديني فأكون عبداً تحت قدميك وخادم بين يديك، وإما تقتليني وأكون كسائر شهداء الحب والغرام ، وأعدك بأن لا تريني بعدها أبداً .
وقعت كلماته في قلبها البريء وأصابته في مقتل، فأسرعت السير تتعثر قدماها حتى لم تكد تحملها وارتعدت فرائصها وتصبب جبينها عرقاً من هول ما سمعت ، شعور غريب يمر بها لأول مرة في حياتها فهي بين خوف ممزوج بسعادة، فهي لم تتعرض لموقف مثله من قبل أبداً، قد أصبحت فتاة ناضجة تجد من يرغب بها ويفتتن بجمالها وحسنها ، شعور غريب طرد النوم عن عينيها، وأسهرها الليل ، للأول مرة تفتح الكتاب ولا تفهم منه شئ ، تجد صدى كلماته الرقيقة وصوته العذب الجميل يتردد في جنبات غرفتها كأنه تغريد بلبل صداح ، ثم تفيق من حلمها، وتقول لنفسها ما هذا الذي أفكر فيه؟ ألا يمكن أن يكون هذا من ضمن الشباب الذين يخدعون البنات، ويتلاعبون في مشاعرهم . ثم لا تلبث حتى تغرق في أحلامها مرة أخرى وتعيش في خيال جميل…تحلم بذلك الفارس الذي يأتي على حصانه الأبيض يركبها معه على صهوته يطير بها في أفلاك السماء وسط النجوم والقمر… يتبع

*......*.......*

(6)

كان اليوم الجامعي يمر بطيئاً، كأنما عقارب الساعة واقفة لا تتحرك، والمحاضرات التي كانت تنتظرها بشوق وتمر ساعاتها كالبرق صارت مملة وطويلة، تتحرق بشوق إلى نهاية يومها الدراسي، فالفارس بانتظارها ممتطياً صهوة جواده الأبيض الجامح يبحث عن محبوبته ليخطفها ويهرب بها في دروب الصحاري والغفار، آه يا له من حلم جميل حلق بها في أطياف الخيال وبحوره… وفجأة تهزها زميلتها في المدرج لتنبهها إلى نهاية المحاضرة .
كان الارتباك بادياً على موهي تتصنع الثبات خرجت من باب الجامعة تسترق النظرات بطرف عينيها تبحث عن فارسها دون أن تلتفت تسمرت عينيها في المكان الذي ألفت وقوفه فيه ولكنه لم يظهر فأخذت تلتفت دون أن تحرك رأسها ، حتى وجدته واقفاً في مكان بعيد يبتسم بخجل ونظرة بريئة ، فعادت الروح إليها أخرجت زفرة من أعماق قلبها فرفعت هامتها تمشي بمرح وتضحك بغنج كأنما وجدت ضالتها ، حتى إذا وصلت إلى السيارة التي تقلها إلى البيت جلست في مقعدها تسترق النظرات لذلك الشبح الواقف من بعيد حتى يتلاشى ويذوب والسيارة تبتعد عنه .
في تلك الليلة لم تفتح كتابا ولم تقرأ موضوعاً ولكن سرحت بخيالها في ذلك الفارس، ثم تقف أمام مرآتها تنظر إلى جمالها وحسنها كأنها لم ترى نفسها من قبل أحست بأنوثتها وجمالها لأول مرة، لقد كبرت وأصبحت امرأة ناضجة كاملة . أخذت تلف وتدور حول نفسها كفراشة تحوم حول الأزهار تحط على زهرة فلا تلبث حتى تنتقل إلى أخرى . وفجأة يقطع ذلك رنين الهاتف فترفعه متأففة لهذا المزعج الذي أيقضها من حلمها الجميل فإذا بذلك الصوت الذي سمعته عند باب الجامعة يقول لها عذراً يا ملاكي لم استطع الانتظار أكثر من ذلك فأردت أن أسبق الوقت ولزمان وأعرف ردك على طلبي ، هزتها تلك الكلمات الرقيقة ولصوت العذب فارتج صوتها وتلعثمت الكلمات في شفتيها ولم تنطق ببنت شفة فأردف يقول أرجوك لا تقفلي الهاتف ودعيني أكمل حديثي ثم لك مطلق الحرية بعدها … وراح يصف ما يختلج في قلبه من حب واحترام لتلك البنية الرقيقة الساحرة الجميلة وكيف ظل متردداً الأيام والشهور يبحث عن طريقة ليفصح ما يكنه في قلبه من حب وكيف كان يسهر الليالي يناجي القمر ويسامر النجوم وحيداً فقد مات جميع أفراد أسرته في حادث على الطريق عندما كان صغيراً ولم ينجوا منهم أحد وقد تربى في كنف جده المريض وورث عنه مالاً وعقارات وهو يرغب الآن في تعويض ذلك بتكوين أسرة كبيرة ينجب العديد من الأطفال يلعبون حوله ويمرحون ويحقق لهم ما حرم منه و.. و.. و ..
(7)



كان لكلماته مفعول السحر في نفسها فشاركته أحداثها وعاشت معه تفاصيلها الأليمة الموجعة فرق له ذاك الخفاق الصغير بين أضلعها حتى ذرفت اللؤلؤ المكنون في جوهرتيها، فسمع صوت نشيجها فبادلها بآخر، وتصاعدت الأنفاس الحارة واستمرت المحادثة حتى قطعها صوت المؤذن يعلن ميلاد يوم جديد وبزوق فجر آخر على تلك البنية الطاهرة يغير به مجرى حياتها وسير أيامها فاستأذنها المحب بالذهاب للصلاة في المسجد، وأغلق الهاتف، وفتح في اللحظة ذاتها الباب لسرب من الأحلام والخيال تركها على نار من الشوق واللهفة، فلم تشعر بالوقت الطويل الذي مر خلال المكالمة، أهكذا يفعل الوجد بالمحبين؟ أم أن الوقت قد توقف عند حديثه ولم يمضي كما هي سنته التي جبل عليها ؟ أحست بعد كلامه بشيء غامض غريب، شوق وقلق، سعادة وخوف، ولكن يبدد القلق والخوف كلماته العذبة الرقيقة التي يرن صدى صوته الرخيم في أذنيها، لتحل السعادة والشوق جميع أعماقها .
كان لتلك المكالمة مفعول السحر عليها فهي لم تسمع مثل هذا الكلام من قبل ولم يحدثها أحد بهذا الأسلوب قط، فصارت تنتظر هذه المكالمات بفارغ الصبر في كل يوم، وإذا ما انشغل عنها أو تأخر في يوم من الأيام عاتبته بكلمات هي الشهد في عباراتها، فتزيده تعلقا بها وتودد إليها حتى ترضى وتصفح، ولا ينال العفو حتى يبدي الأسف والأسى على ما بدر منه وصدر ويظل يتعبد في محراب حبها الساعات الطوال، فتزداد هي دلالاً وتمنعاً، ويزداد هو تلوعاً وحبا، وما تلبث أن تضحك له ضحكة يذوب من صدى صوتها الهامس الحديد ويتفجر الجلمود، فتعود المياه إلى مجراها، وهكذا في كل يوم حتى ألفت تلك العلاقة وأحبتها وصارت جزء منها، ولا يمكن أن تتصور الحياة من دونها، فهو لها الماء للزهرة لو منعت عنه ذبلت وكالدواء للمريض لو انقطع عنه مات .
وذات صباح وبينما كانت تهم بالخروج من المنزل إذا بالهاتف يرن ثم يقطع ثم يرن مرة أخرى فعلمت بأنه المتصل ولكن على غير عادته وفي وقت لم تتفق معه عليه كعادتهما فأسرعت برفع السماعة والاستفسار عن هذا الاتصال المفاجئ … يتبع

محبة القلم
08-06-2003, 10:12 AM
ننتظر القادم.