PDA

View Full Version : عفواً أبو مازن: هنا نختلف(القدس)



الغالب
09-06-2003, 03:40 AM
عفواً أبو مازن: هنا نختلف

أ. عبد الباري عطوان


صحيفة القدس العربي 5/6/2003

أخطر ما في قمتي شرم الشيخ والعقبة اللتين انعقدتا يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين هو تركيزهما بشكل فاجر في وضوحه على الإرهاب العربي، وتعهد كل الأطراف المشاركة بمكافحته دون هوادة، ولم نسمع كلمة واحدة، ولو عابرة، عن الإرهاب الإسرائيلي، الذي حصد أرواح أكثر من ثلاثة آلاف إنسان عربي في أقل من عامين، ودمر آلاف المنازل وأقعد أكثر من سبعة آلاف مصاب على الأقل.


استمعنا إلى جميع الخطباء والمتحدثين العرب في قمة شرم الشيخ لعلنا نعثر على إدانة ولو خجولة لهذا الإرهاب، لكننا لم نجد ووجدنا في المقابل حرصاً مبالغاً فيه على أمن "إسرائيل" واستقرارها وازدهارها.

توقعنا أن يصحح السيد محمود عباس أبو مازن الزعيم الفلسطيني المتوج أمريكياً والمعتمد عربياً من قمة شرم الشيخ، أن يصحح هذا الخطأ في كلمته التي ألقاها أمام العالم في قمة العقبة الثلاثية، ولكن خطابه جاء مثل خطب الخواجات، يدين الإرهاب الفلسطيني ويعتبره منافياً لتقاليدنا الدينية والأخلاقية، ويتعهد بالقضاء عليه بحزم ودون هوادة. ويبدو أنه يتحدث عن دين آخر وأخلاق أخرى لا نعرفها.

السيد أبو مازن تحدث عن معاناة الفلسطينيين وعذابات الإسرائيليين، وكان أكثر حنية وتعاطفاً مع الآخرين. فنحن نعرف معاناة الفلسطينيين، مثلما نعرف مصدرها، ولكننا لا نعرف شيئاً عن عذابات الإسرائيليين، اللهم إلا إذا كانت هذه العذابات ناتجة عن التعب من القتل والنسف والتدمير ومصادرة الأراضي، وقتل الأطفال والأبرياء.

قمة العقبة في تقديرنا أخطر بكثير من قمتي كامب ديفيد الأولى والثانية، كما أنها أكثر خطورة من اتفاقات أوسلو وما تلاها من لقاءات وقمم في شرم الشيخ أو البيت الأبيض، ونوضح ذلك في النقاط التالية:

أولاً: الرئيس الأمريكي جورج بوش قال إنه يؤيد ويساند أمن واستقرار الدولة اليهودية، أثناء خطابه في قمة العقبة، وهذا في حد ذاته تبن لطروحات شارون، وكل اليمين الإسرائيلي المتطرف.

الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية يعني قانونياً أن هذه الدولة هي لليهود فقط، ولا مكان لغيرهم فيها. أي أن المليون عربي إسرائيلي المقيمين حالياً في الجليل والمثلث والنقب لا يحق لهم البقاء، كما لا يحق لهم المطالبة بالمساواة. فهم عرب مسيحيون، وعرب مسلمون، وعليهم الذهاب إلى الدولة الفلسطينية التي ستقام لاستيعابهم.

ثانياً: هذا التعريف العنصري للدولة اليهودية يعني إلغاءً عملياً لحق العودة لأكثر من ستة ملايين فلسطيني، فحق العودة لهذه الدولة اليهودية بات محصوراً في العنصر اليهودي فقط، واللاجئون الفلسطينيون ليسوا يهوداً.

ثالثاً: خريطة الطريق التي انعقدت قمتا شرم الشيخ والعقبة من أجل اعتمادها وتطبيقها هي من إعداد أربعة أطراف: الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا والولايات المتحدة. والملاحظ أن أياً من الأطراف الثلاثة لم يدع إلى هاتين القمتين، فقد تفردت الإدارة الأمريكية بتطبيق الخريطة، وقررت إرسال مراقبين أمريكيين فقط للإشراف على عملية التنفيذ.

رابعاً: لم نسمع كلمة القدس في أي من خطابات الزعماء العرب في قمة شرم الشيخ، ولا في كلمة الرئيس بوش، كما أن السيد أبو مازن لم يتطرق إليها مطلقاً في خطابه، وكأن هذه الكلمة هي رجس من عمل الشيطان. كما أننا لم نسمع كلمة واحدة عن حق العودة، الأمر الذي يعني أننا أمام مؤامرة كبيرة تهدف إلى التخلي عن هذين الركنين الأساسيين في الحقوق الفلسطينية المشروعة.

خامساً: السيد أبو مازن تعهد في كلمته بأنه سيعمل ضد التحريض على العنف والكراهية، وسيتخذ إجراءات لضمان أن لا يصدر أي تحريض عن المؤسسات الفلسطينية وهذا يعني، وببساطة شديدة، أن أي شخص سيطالب بالانتفاضة هو إرهابي يحرض على العنف، وكل كاتب يذكر حق الفلسطينيين بالعودة ويؤكد أن "إسرائيل" قامت على أراضي الشعب الفلسطيني هو يدعو إلى الكراهية.

المطلوب وفق أقوال السيد أبو مازن أن نمدح الكرم الإسرائيلي، وأن نشيد بالنموذج الإسرائيلي في التسامح والعدالة، وأن نهاجم كل إنسان عربي أو أوروبي يرى أن شارون إرهابي، ونؤكد له أنه رجل سلام لم يرتكب أي مجازر في تاريخه.

الإرهابيون والعنصريون فقط هم الفلسطينيون من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ومن الفصائل المتطرفة مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية. هؤلاء يستحقون القتل والسحل لأنهم يشجعون على الكراهية والعنف وزوال دولة "إسرائيل" الديمقراطية الحضارية هبة أمريكا والغرب إلى الشرق العربي المتخلف.

نحن الآن أمام كارثة، والعد التنازلي للفتنة والحرب الأهلية الفلسطينية قد بدأ. أبو مازن يحاور الآن حماس والجهاد، ويطلب هدنة، كسباً للوقت وانتظاراً للانتهاء من إعداد قوات الأمن الفلسطينية التي تتدرب حالياً على أيدي خبراء (سي. آي. إيه) في معسكرات خاصة في أريحا، لإنجاز هذه المهمة.

أبو مازن تعهد بنزع أسلحة المقاومة، وإنهاء عسكرة الانتفاضة، واعتبر سلاح الأمن الفلسطيني هو السلاح الشرعي الوحيد، وخبرتنا تقول إن مقاتلي حماس والجهاد وكتائب شهداء الأقصى لن ينزعوا أسلحتهم طوعاً، ولهذا فالكارثة قادمة.

إنها وصفة سحرية للكارثة، الكارثة للفلسطينيين طبعاً، والإنقاذ للإسرائيليين. فشارون عجز عن إنهاء الانتفاضة بكل ما في جعبته من قمع وإرهاب ودموية، وها هو يجير هذه المهمة إلى الفلسطينيين أنفسهم، ويشّهد زعيم أكبر دولة في العالم على ذلك.

نقول للسيد أبو مازن إننا متمسكون بحق العودة، وكل الأرض الفلسطينية، مثلما نحن، والغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، متشبثون بالقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية. وسنظل نحرض على استعادة هذه الحقوق كاملة، ولن نقذف المحتل بالزهور، ولن ندبك ونغني الدلعونا احتفالاً بكل مستوطنة يقيمها أو يوسعها، وسنزرع كل قيم التحرر في أذهان وعقول أطفالنا في مخيمات الشتات والمنافي ونذكرهم بالتمسك بحقهم في العودة إلى يافا وحيفا وعكا وصفد والمجدل وترشيحا واسدود و حمامة والرملة وبئر السبع.

ولا يضيرنا أن نتهم بالتحريض أو حتى الإرهاب. فالفرنسيون لم يكونوا إرهابيين عندما قاوموا النازية، والأمريكيون لم يكونوا كذلك عندما حملوا السلاح ضد المستعمر البريطاني