PDA

View Full Version : الوصفة الأمريكية للإصلاح المزعوم ..



العبدلى احمد
18-06-2003, 02:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله

لا يجب رفض الوصفة الأمريكية للإصلاح المزعوم لمجرد انها جاءت من أمريكا بل يجب ويتحتم قبولها لأنها في الحقيقة تبلور مطالب قومية قديمة وجديدة في الاصلاح والتقدم. وهذه الخدعة الإعلامية هي اخر ما وصلت إليه الطروحات الأمريكية في التغيير ، إلا أن أمريكا استمرت في طريقها لتحدث من التغيير ما استطاعت إليه سبيلا ( في العراق حيث الاحتلال المباشر) تاركة للنخب التابعة لها خلال التكتيكات المناسبة ومنها تكتيك الخداع الإعلامي توطين المطالب الأمريكية، أي جعلها تبدو وكأنها نابعة من التاريخ والظروف المحلية . ومجموعة المطالب أو الطروحات الأمريكية للتغيير السياسي والثقافي تصب بالطبع في اتجاه ضمان مصالحها المختلفة من المادية إلي المعنوية (ضرب الخصم الإسلامي) من خلال انشاء نظم حكم موالية لها تماما مع علمنة وتغريب المجتمعات إلي أقصي درجة مستطاعة. وهنا نجد الاتجاه الثاني المطالب أو بالاصح الذي يطرح تصورا للتغير وهو اتجاه الأنظمة. إن هذه الانظمة وجدت نفسها في مأزق فهي لاتريد التغيير في أي اتجاه سوي اتجاه تعميق وترسيخ استمراريتها ودوام طغيانها. لكنها من ناحية اخري تجد نفسها مضطرة إلي التمشي مع المطالب الأمريكية في التغيير لتحقيق نفس هدف البقاء والاستمرارية لأن الوقوع في خصومة مع أمريكا يعني النهاية بالنسبة لها جميعا. وهنا تفتق ذهن الأنظمة عن اسلوب مثير في التعامل مع مطلب التغيير القادم من أمريكا والقادم كذلك من الشعوب لكنها بالطبع لا تهم الانظمة في شئ. وهذا الاسلوب هو القبول الظاهري بالمطالب الأمريكية في الاصلاح السياسي ولكن مع تفريغها من معني الاصلاح الحقيقي وتحويلها إلي ما يقوي الأنظمة وقد سبق أن اشرنا في مقال سابق إلي هذا المسلك وقلنا إن التجديد اصبح يعني توريث الحكم للابناء والاقارب كما أن الجانب الشكلي طغي علي الجانب الفعلي والمضموني بحيث رأينا اتجاها لبعض المظهريات التي توصف بالديموقراطية دون أن تنطوي بالفعل علي أي مضمون أو جوهر ديموقراطي أو دون أن تغطي هذه الشكليات التجميلية كل المساحة التي يجب أن تغطيها بالديموقراطية. وعلي الجانب الاخر قبلت الانظمة وبحماسة صادقة واندفاع جارف بالمطلب الأمريكي في ضرب الإسلام تحت شعارات الاصلاح الديني وتجديد الفكرالديني والمزاوجه بين الإسلام والديموقراطية وما اشبه. وذلك لأن الانظمة وجدت في المطلب الإمريكي بعلمنة وتغريب الإسلام ما يتناسب مع خطتها الأصلية القديمة بضرب الحركات الإسلامية ومعها الإسلام نفسه تحت شعارات مشابهه لما تطرحه أمريكا من عينة ضرب الإرهاب وتجفيف الينابع وما إلي غير ذلك. وهكذا انضمت الأنظمة إلي صفوف المطالبين بالتغيير رغم أن الجميع يعرف انها لا تريد التغيير. لكن الكلمة السحرية هنا كانت تحويل المطالب الأمريكية بالتغيير إلي المضمون والمفهوم والتوجه الذي يخدم مطالب الأنظمة ذاتها بالاستمرارية وخداع الجماهير وضرب العدو الإسلامي المشترك. ويتبقي الطرف الثالث المطالب بالتغيير وهو الجماهير وقواها الحية الإسلامية . وهنا كذلك لن يخلو الموقف من مفارقات غريبة فالجماهير هي الاخري تريد الاصلاح السياسي (وتريد الاصلاح بالدين وليس اصلاح الدين الذي نؤمن به) لكنها تريده حقيقيا علي عكس الاتجاه التجميلي الشكلي الذي تريده الحكومة، وتريدة علي عكس الاتجاه العلماني التغريبي النفعي والمحدود الذي تريده أمريكا. فأمريكا تريد اصلاحا ديموقراطيا علي نمط النظام السياسي الأمريكي نفسه أي نظام مصطنع لا تكون للسياسة فيه دخل حقيقي في صنع القرار ووضع وتنفيذ السياسات في ظل وجود قوي فعلية من جماعات ضغط ومؤسسات عسكرية واقتصادية تقوم هي بهذه المهمة تاركة للسياسيين فقط مهمة مظهرية بادية الاصطناع مثل تقسيمة التدريب في كرة القدم بين فريقين من اللاعبين ينتمون إلي نفس النادي(الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري). الجماهير تريد ديموقراطية حقيقية واحزاب وقوي فعلية لها وجود وانتخابات حرة وقدرة علي صياغة وتنفيذ القرار وليس لعبة سياسية عديمة الفاعلية علي طريقة الأمريكان. ومن هنا وجدنا الديموقراطية ترفع كشعار للتغيير من ثلاثة مصادر كل منها يريدها وفق مفهومه الخاص : الأمريكان يريدونها شكلية والأنظمة تريدها مظهرية والجماهير تطلبها حقيقية. ونفس الشئ ينطبق علي الدين الذي رفع هو الاخر كمطلب. فالأمريكان يريدون تغريبه وعلمنته، والأنظمه تريد اقصاءه وسط الحديث الخادع عن اصلاحه ،والجماهير تريد العمل به. لكن المطلب الشعبي في التغيير لم يجد من يرفع لواءه ويطالب به ،لأن الساحة سرعان ما امتلأت بضجيج المطالب الأمريكية التي سابقتها الأنظمة بعد تحويلها إلي مفاهيمها الخاصه. ومن الطريف أن الصراع سرعان ما نشب بين النخب الموالية لأمريكا وبين الأنظمة حول سرقة واختطاف الأنظمة للمطالب الأمريكية بطريقتها الخاصة. فبعد أن كانت أمريكا تتهم الإسلاميين باختطاف الإسلام وتغييره علي طريقتهم الخاصة(ويبدو ان أمريكا نصبت نفسها مذهبا اسلاميا خامسا) ،وجدت أمريكا أن حلفاءها وأصدقاءها وأتباعها من الأنظمة يختطفون مطالبها في التغيير ويغيرونها من وجهة نظرهم هم ولخدمة مصالحهم بدلا من أن تكون هذه المطالب أداة لخدمة مصالحها هي !