PDA

View Full Version : دولة الخلافة هل كانت اسلامية؟؟



الناصرى
26-06-2003, 02:46 AM
دولة الخلافة
=======================
القوميون والمتأسلمون والعروبة والاسلام(3)
=======================

دولـة الخـلافـة

57 - إن كان المقصود دولة واحدة تضمَ أغلب المسلمين وترعى المسلمين وغير المسلمين فيها رعاية الاسلام لهم كما كان الأمر في دولة الخلافة منذ الخلقة الأول أبي بكر حتى الخليفة الأخير عبد المجيد الثاني ، فإنَا نقول إن دولة الخلافة تلك التي ماتزال ذكراها تعشعش في رؤوس بعض المسلمين ، لم تكن إسلامية في عصرها ، ولاهي ممكنة في هذا العصر .
كيف لم تكن دولة الخلافة حتى في أيام الخلفاء الراشدين دولة إسلامية ؟
هذا السؤال الاستنكاري الذي نتوقعه ذو أسباب مشروعة ، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن تاريخ الاسلام بدأ دعوة ثم لم يلبث أن أقام المسلمون لهم دولة في المدينة ينتمون إليها وينتمي إليها غيرهم . وأن قد كان لتلك الدولة دستور عرفناه باسم الصحيفة ، وكان لهم حاكم هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانه كان يمارس في المدينة سلطات القادة في الدول : فيجنَد الجيش ويعين الأمراء ويبرم المعاهدات ويجبي الضرائب من زكاة وجزية ، ويوزع الفيء .. وكان - كما عرفنا - يحكم بإجلاء من يخونون الدولة خارج حدودها ويقود المدافعين عن تلك الحدود ضد الغزو الخارجي . كل هذا واضح الدلالة على أن قد كانت المدينة " دولة " وكان الرسول حاكماً .
ثم إن أحداً لايستطيع أن يجهل أو يتجاهل إجماع المذاهب الاسلامية من أول أهل السنة إلى الخوارج ومابينهما من معتزلة وشيعة ومرجئة على وجوب قيام " إمام " على رعاية شؤون المسلمين . ثم إن كل مجادلة تنكر علاقة الاسلام ديناً بالدولة حكما ليست إلا سفسطة تسقط إلى مستوى الجهالة إذا ماذكرت آيات القرآن التي تنظم الزواج والطلاق والبنوة والميراث وحقوق القرابة وتحدد الجرائم ، وتعين لبعضها نماذج من العقوبة ، وتبيح المعاملات إلا في بعض الأموال كالخمر ، وتأمر باحترام العقود إلا إذا كانت وليدة إكراه ، وتحمي أموال القصَر حتى يبلغوا سنَ الرشد . ثم تأمر بجمع الزكاة من أصحاب الأموال لتعيد توزيعه على من هم في حاجة إليه …. الخ . إن الاسلام يلزم المسلمين بنظام عام من العلاقات فيما بينهم والعلاقات مع غيرهم . وهو نظام اجتماعي ليس متروكاً لاختيار الأفراد لأنه ليس متعلقاً بأيَ فرد فيلتزمه أو يتركه على مسؤوليته في الدنيا والآخرة ، بل متعلق بالحياة في مجتمع أفراد عليهم جميعاً أن يلتزموه راغبين أو كارهين . وأينما قام نظام ملزم للعلاقات بين الأفراد في المجتمع قامت الضرورة الاجتماعية لمن يقوم على حفظ هذا النظام وإلزام الأفراد به وما يقتضيه الالزام من تشريع وإدارة وقضاء وتنفيذ وردع . أي - باختصار - تقوم الضرورة الاجتماعية للدولة . تلك هي مجمل الحجج التي ساندت وتساند الرأي الحق في علاقة الاسلام بالدولة وتحيل المجادلة فيه إلى مجرد سفسطة .
ومع ذلك فإن دولة الخلافة لم تكن إسلامية في عصرها .
لماذا ؟
58 - إن الأسباب بسيطة وبدهية . وماعقَد بساطتها وأفسد بداهتها إلا الذين راحوا يفتشون في كتاب الله عن آية تلزم المسلمين بدولة الخلافة ، والذين أنكروا دولة الخلافة لأنهم لم يجدوا في كتاب الله آية تلزم المسلمين بها
والحق أن دولة الخلافة لم تكن دولة إسلامية كما أنها لم تكن دولة غير إسلامية . لأن ماهو إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان فرضاً أو واجباً وماهو غير إسلامي لايكون كذلك إلا إذا كان محرَماً أو مكروهاً . أي أن يكون في الاسلام أمر به أو منع له . أما إذا كان مباحاً لاختيار المسلمين : إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا تركوه فمسؤولية اختياره أو تركه عليهم وحدهم ولا ينسب اختياره أو تركه إلى الاسلام . وقد كان هذا شأن دولة الخلافة منذ أبي بكر . ختم القرآن ولم يأمر بها ولم ينه عنها . وتوفي الرسول عليه الصلاة والسلام وما أوصى باختيار ، أو عدم اختيار خليفة من بعده . وعندما قال إن الأنبياء لا يورثون قطع كل شك في أن أحداً من بعده لن يخلفه في شيء . لا الرسالة ولا الحكم ولا المال .
ولكنه ترك في المسلمين كتاب الله ، وفي كتاب الله احكام عدة لنظام عام لعلاقات الأفراد في المجتمع كما ترك فيهم تجربة حية من " دولة " المدينة التي كان هو حاكمها فكانوا من بعده يواجهون ضرورة بقاء الدولة . وهي ضرورة اجتماعية . كانت كذلك قبل الاسلام وستبقى كذلك في كل مجتمع ولو لم يكن فيه مسلمون . ولقد كان الاسلام ومايزال فذَاً من بين الاديان والنظم في إقرار الضرورات وتغليب أحكامها حتى على أحكام المحظورات
وهكذا لم يكن قيام " دولة " في المدينة أو مابعد هذا فرضاً من فروض الاسلام خاصاً بمجتمع من المسلمين دون باقي المجتمعات حتى يقال " للدولة " أية دولة ، انها فرض أو واجب أو ضرورة إسلامية . بل جرى المسلمون على ماجرت عليه ، وماتزال تجري عليه ، كل المجتمعات لمواجهة ضرورة قيام من يلي " الأمر " المشترك بين أفراد الجماعة ويرعى الحدود بينهم . أما ماجاء في سورة النساء : ( إن الله يأمركم إن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ، إن الله نعَما يعظكم به ، إن الله كان سميعاً بصيراً . ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردَوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا ) { الآية 58 ، 59 } ، فإن قصارى مايمكن أن يتصل منه بموضوع " الدولة " أنه ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين فيها ، فيأمر الأخيرين بطاعة الأولين ( أولي الأمر ) مادام الأولون على طاعة الله والرسول ، فإن تنازعوا احتكموا جميعاً إلى القرآن والرسول . ولكن ليس في القرآن ما يأمر بإقامة " دولة " معينة .
" الدولة " أية دولة ، إذن ، ضرورة اجتماعية وليست ضرورة إسلامية . وصدق علي بن أبي طالب حين قال "لابد للناس من إمارة برَة أو فاجرة " .
59 - في مواجهة الضرورة الاجتماعية لبقاء " الدولة " التي فقدت حاكمها بوفاة الرسول تشاور قادة المسلمين واختلفوا . ونعلم من أمر ذاك الخلاف وما انتهى اليه انه كان مظهراً للصراع بين علاقة الانتماء إلى" الشعب "
حديث التكوين وبقايا علاقات الانتماء القبلي التي كانت ماتزال كامنة لم تستأصل بعد . صراع جيل على الانتماءين . الانتماء القبلي منذ مولده والانتماء القبلي منذ الهجرة . وسيعود ذاك الصراع إلى الظهور من مكمنه مرات أخرى بعد ذلك كلما عرض أمر اختيار أمير للمؤمنين .
هكذا بادر سعد بن عبادة زعيم الخزرج والمتحدث باسم الأنصار إلى الاجتماع بهم في سقيفة بني ساعدة ، قبل أن يدفن النبي ، فاختاره الأنصار للامارة . فجاء إليهم قادة المهاجرين وهناك تناظروا فتفاضلوا في أمرين يشير كل منهما إلى إحدى علاقتي انتماء المتصارعتين : القبلية والوطنية . فالمهاجرون - عند أبي بكر - هم " أول الناس إسلاماً " و " عشيرة رسول الله " . أما الأنصار - عند سعد بن عبادة - فلهم " سابقة في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيلة في العرب " . أما الامارة - عند علي بن أبي طالب - فلأهل البيت : " لاتخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله ، يامعشر المهاجرين ، لنحن أحق الناس به " . وانتهى التناقض بين طرفي الصراع بحل "جدلي"،
فقد بويع بالخلافة أفضل واحد من عشرة كانوا بمثابة الحكومة في دولة المدينة . " كانوا أمام الرسول في القتال ووراءه في الصلاة " . وقد كان أولئك العشرة معروفين باسم " المهاجرين الأولين " وإن لم يكونوا أوائل المهاجرين . انهم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعليَ بن أبي طالب ، وطلحة بن عبد الله ، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وكلهم من قريش . اختير من بينهم أبو بكر فكان أول خليفة . وهو خليفة بمعنى أنه تولى الحكم بعد وفاة الرسول ولكن - وهذا على أكبر قدر من الأهمية - ليس بمعنى انه تلقى الحكم منه نصاً أو وصية أو ميراثاً . وعندما يلي عمر بن الخطاب الأمر من بعده لن يقبل أن يلقب بالخليفة لأن ذاك أبو بكر ، ولا بخليفة الخليفة لأن ذاك يطول - كما قال - ويختار لقب أمير المؤمنين " ويكون أول من لقب به .
على هذا الوجه نشأت " دولة " الخلافة ، بعد انقطاع الوحي وبعد انقضاء السَنَة كليهما . وكان مصدرها الوحيد هو اختيار قادة المسلمين بعد وفاة الرسول . وهو اختيار جاء بعد خلاف وصراع وتفاضل على أسس خالطتها العصبية القبلية . وما كان لصحابة رسول الله أن يتفاضلوا على تلك الأسس أو أن يختلفوا في الخلافة لو كان في الاسلام حكم بها . ولن يلبث كثير من أولئك الصحابة أنفسهم أن يختلفوا فيها ويقتتلوا عليها بعد وفاة الخليفة الرابع عثمان بن عفان وتكون فتنة . ويتأكد بذلك أن " دولة الخلافة " لم تكن إسلامية وإلا لما اختلف فيها حتى القتال ، أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالقرآن والسنَة .
هذا عن نشأة دولة الخلافة . فماذا عن تكوينها ؟
60 - إن عناصر تكوين " الدولة " ثلاثة : الأرض والشعب والسيادة . نعني سيادة الشعب على الأرض ، التي تمارسها الحكومة ، فتسمى حينئذ سلطة .
أما عن الأرض ، فقد كانت " دولة "الخلافة على مدى سيادتها الطويلة غير ثابتة الحدود . كانت حدودها تتبع أقدام جيوشها فتقف حيث تقف ، وتمتد حيث تتقدم ، وتنحسر حيث تتقهقر . ولقد بدأت من المدينة ثم الجزيرة العربية ، ومازالت تتسع حتى وصلت يوماً إلى حدود فرنسا في غرب أوروبا ، وحدود النمسا في شرقها ، وحدود الصين والهند وروسيا في آسيا ، بالاضافة إلى كل مانعرفه الآن باسم الوطن العربي الذي لم ينتقص منه شيء منذ الفتح العربي الاسلامي حتى بداية القرن التاسع عشر ؛ وبالتالي كان الأكثر استقراراً على مدى قرون طويلة . أما مايليه في جميع الاتجاهات فقد خرجت منه أقطار وأضيفت إليه أقطار . وكان " السيف " هو الفيصل فيما خرج وما أضيف ، لأنه هو الذي كان يخط الحدود الفاصلة . ومن هنا كانت دولة الخلافة منذ بدايتها حتى نهايتها دولة " مقاتلة " ولانقول " عسكرية " حتى لايختلط مانريد من بيان علاقاتها الخارجية بما لانريد من بيان علاقاتها الداخلية . نريد أن نقول إنها كانت دولة "مقاتلة" بمعنى محاربة ، غزواً كلما استطاعت
ودفاعات بقدر ماتستطيع . وكان القتال أو " الجهاد " نشاطاً مستمراً يشترك فيه كل الرعايا متطوعين أو مجنَدين ، وتشترك في التعبئة له كل الولايات ، ولو كان عليها ولاة " متمردون " .
ولقد اتخذ بعض المنافقين الأوربيين من ذاك التاريخ حجة يزعمون بها أن الاسلام قد فرض بالسيف لابالدعوة .
وأجهد بعض المسلمين أنفسهم في محاولة تبرئة الاسلام من تلك التهمة الظالمة . وكان الطرفان فيما ذهبا إليه مخطئين . لأن ارتباط الحدود بالغزو أو الدفاع ، وبالتالي كون الدولة " مقاتلة " لم يكن اختياراً اسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة في عصر الخلافة . أية دولة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون دولة مقاتلة لتبقى .
أما عن الشعب فلم يثبت عدداً ولو عند أرقام الشعوب ، بل كان يتبع امتداد الحدود وانحسارها . وقد ضمت دولة الخلافة مئات التجمعات والجماعات البشرية من قبائل وشعوب وأمم مختلفة في الجنس واللون والعادات والتقاليد والأديان أيضاً . وخرج منها عشرات من تلك التجمعات والجماعات . ولم يستقر فيها بدون خروج أو دخول إلا تلك الشعوب التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم الأمة العربية . ولم يكن تعدد الشعوب اختياراً إسلامياً بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تضم شعوباً وأمماً شتَى .
أما عن السيادة ، ونعني بها سيادة الشعب على الأرض ، فقد كان تمثلها وتجسدها قيادة مركزية واحدة هي شخص " الخليفة " . وكان يحدث كثيراً أن يتمرد على الخليفة من يطمعون في توليها دونه ويدَعون - بحجج شتَى - انهم أولى بها منه ، وينشئون من تلك الحجج مذاهب وأفكاراً . كما تمرد معاوية بن أبي سفيان في عهد الخليفة عليَ بن أبي طالب ( 657 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة الأمويين . وكما تمرد أبو العباس السفاح في عهد مروان الثاني ( 749 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية أسرة العباسيين . وكما تمرد عبيد الله بن محمد المهدي في المغرب في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله ( 909 م ) وانتصر ، فبدأت به ولاية الفاطميين التي شملت كل المغرب العربي ومصر والشام ، وكانت القاهرة عاصمتها .. الخ ، ولكن بالرغم من كل هذا ، وحتى حينما كان ثمة " خليفتان " في أيام الفاطميين ، كانت دولة الخلافة واحدة والسيادة فيها واحدة يمثَلها خليفة واحد . ذلك لأن " شرعية " الولاية كانت لخليفة واحد ، وكان كل من يصل ، بطريقة أو بأخرى ، إلى مركز الخلافة ينكرها على غيره ولو كان غيره متوليها فمنكرها على الآخر . كان لابدَ لأي خليفة أن يدعيها لنفسه وينكرها على غيره . ولم يكن ذلك اختياراً إسلامياً ، بل كان إحدى خصائص الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة ، فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون ذات قيادة مركزية واحدة ولو كانت قيادة اسمية .
أما عن نظام الحكم فقد كان يتولى الخلافة من يختاره القادة مبايعة في عهد الخلفاء الراشدين ، ثم استقرت الخلافة ميراثاً فيما تلا ذلك من عهود لاتقطعها إلا ثورة تتولى بها أسرة جديدة فيكون الأمر فيها وراثة . ولكن حتى وهي وراثة ، كان لابد من أن تم لها طقوس البيعة من مجموعة محدودة من البارزين في الدولة . وكانت الدولة مقسمة إلى إمارات أو ولايات أو ايالات في عهد العثمانيين . يعين الخليفة ولاتها وأمراءها ويعين بجوار كل وال وأمير " قاضياً " ليحكم بين الناس بما أنزل الله . وكانت واردات الدولة من الزكاة والخراج ( ضريبة الأرض ) والجزية . أما فيما عدا ذلك فقد كان الولاة أو الأمراء على أكبر قدر من الاستقلال الذاتي عن الخليفة بإدارة ولاياتهم أو إماراتهم . وقد حدث كثيراً أن أغرى هذا الاستقلال الذاتي بمحاولة الاستقلال الكامل مثل مافعل الحمدانيون في شمال الجزيرة والشام ( 929 م ) والطولونيون في مصر ( 869 م) والادارسة في المغرب ( 974م ) وبني الأغلب في تونس ( 800 م ) . كما حدث أن أصبح الوزراء من حول الخليفة هم الحاكمين باسم الخليفة يأمرونه فيأتمر كما كان الأمر بين سلاطين السلاجقة من بني بويه وخلفاء من العباسيين على مدى قرن كامل ، حمل خلاله أحدهم ، بأمر الخليفة عضد الدولة ، لقب " ملك الشرق والغرب " . ولم يكن كل هذا اختياراً إسلامياً . بل هكذا كان نظام الحكم في الدولة ، أية دولة ، في عصر الخلافة . فكان محتوماً على دولة الخلافة أن يكون نظام الحكم فيها على ما قدَمنا .
لماذا ؟
61 - لقد أجهد كثير من الكتَاب أنفسهم وهم يحاولون أن يردَوا خصائص دولة الخلافة إلى الاسلام لتصبح "النموذج " الاسلامي للدولة . ومايزال بعض دعاة الوحدة الاسلامية يجترون ذكراها ويحلمون بعودتها لأنهم يرونها الدولة الاسلامية النموذجية . وليس في كل هذا شيء من الحقيقة . إنما أخطأ الذين قالوا إن دولة الخلافة دولة إسلامية أو إنها النموذج الاسلامي للدولة لأنهم عزلوها عن تاريخها ونموذج " الدولة " في عصرها - وما سبق عصرها أيضاً - لتكون " خاصة " بالاسلام فتستحق أن يقال لها دولة إسلامية . وهي لم تكن كذلك على أي وجه ، بل كانت واحدة من دول عديدة متعاصرة وسابقة تحمل جميعاً الخصائص ذاتها : الأرض غير ثابتة الحدود ؛ الخليط من الشعوب ؛ القتال المستمر ؛ القيادة المركزية الواحدة ؛ الصراع على القيادة المركزية ؛ الولايات المستقلة ذاتياً ؛ تمرد أمراء الولايات على القيادة المركزية ؛ وحتى نظام جباية الأموال . يكفي أن نضرب مثلاً واحداً من تلك الجباية . لقد كانت الزكاة ( او الاعشار ) التي تجبى من الأغنياء وتخصص للانفاق في حماية الدولة وأجور المدافعين عنها ومساعدة المحتاجين معروفة في الامبراطورية الرومانية . وكانت ضريبة الأرض ( الخراج ) معروفة فيها كذلك . أما الجزية ( ضريبة الاعناق ) فقد كانت معروفة في الامبراطورية الفارسية . ذلك لأن دولة الخلافة لم تكن إلا واحدة من نموذج " الدولة " السائد في عصرها - وما قبله - وهو ما يعرف باسم " الامبراطورية " . كل ما يميزها هو المضمون الحضاري لنشاط الدولة ، وهو مضمون إسلامي لاشك فيه .


الامـبراطـوريـة

62 -نحتاج إلى أكبر قدر من بساطة التعبير عن موضوع معقد لنعرف كيف أن دولة الخلافة كانت امبراطورية فنعرف أنها لم تكن إسلامية ثم نعرف ونتأكد من أنها غير ممكنة القيام في هذا العصر . حينئذ نكون قد طهَرنا عقول بعضنا من فكرة ماتزال تعيش فيه ، تعبر عن وجودها من حين إلى حين ، تحت شعار الوحدة الاسلامية مما يسهل علينا المتابعة أن نتابع تطور " الدولة " في علاقتها بتطور المجتمعات . وأن نركز انتباهنا على عنصر " الأرض " بالذات وتطور علاقة الدولة به . ثم أن نتذكر أن كل ذلك التاريخ الذي أمتد مئات القرون كان يجري في ظل قاعدة شرعية مستقرة . شرعية لدى كل المجتمعات ، مستقرة فيما بينها جميعاً كقاعدة لعلاقة الدولة بالأرض . تلك القاعدة هي ما يعرف باسم " حق الفتح " . وهو حق لم يتفق المجتمع البشري على إنهاء شرعيته إلا عام 1919 حين وضع عهد عصبة الأمم على أثر الحرب الأوروبية الأولى . أما قبل ذلك ، وعلى مدى التاريخ فقد كان الاستيلاء بالقوة على أية أرض يكسب الفاتحين حق ملكيتها وضمها إلى ممتلكاتهم .
وهو حق يعرفه الغالب ، ويعترف به المغلوب ، ويقره الذين لم يكونوا طرفاً غالباً أو مغلوباً
63 - في ظل هذا الحق بدأ تاريخ المجتمعات أسراً وعشائر وقبائل متقاتلة على الاستيلاء على مواقع المراعي والصيد ومواطن الأرض الخصبة في أودية الأنهار ، حيث موارد المياه دائمة لاتنضب ، وحيث ثمار الأرض موثوقة النمو لاتغيب ، بدأ استقرار الجماعات القبلية التي أدركتها أولاً . استقرت شعوباً ، وبدأت في تكوين حضارتها فتكونت مجموعات متناثرة من " الممالك " في كل مكان صلح للزراعة بفعل ماء نهر أو ماء مطر .
نموذجها مصر ومابين النهرين . في الأولى قامت الحضارة الفرعونية وفي الثانية قامت الحضارة البابلية . غير أن استقرار بعض الشعوب على الأرض الخصبة لم يكن يعني - عند المجتمعات القبلية التي لم تستقر بعد- أنها قد تحصنت دون " الفتح " بمن استقر عليها . بالعكس . كانت تلك بداية حروب أوسع نطاقاً وأكثر شراسة من الحروب القبلية . كان عصر غزو القبائل للممالك وعصر مطاردتها أيضاً . حتى انك لترى اينما وجهت البصر قبيلة مقاتلة تعتدي على حدود قبيلة أخرى اقل منها استعداداً للقتال ثم تستقر في أرضها مؤسسة " دولة " الى أن تزيحها قبيلة أخرى كما قال أحد المؤرخين . هكذا يحدثنا التاريخ عن تعرض مصر ومابين النهرين لغزوات القبائل الأكادية ( 2000 ق.م ) والهكسوس ( 1750 ق.م ) والحامورية ( 1200 ق.م ) والآشورية ( 800 ق.م ) والميدية ( 700 ق.م ) .. الخ . كما يحدثنا عن قبائل الهون التي اجتاحت " العالم " تقريباً ( 355 م ) ودفعت أمامها مجموعة من القبائل التي كانت تتجول في أوروبا : التورنجية ، والبرغندية ،
والانكليزية ، والسكسونية ، والقوط ، والوندال ، والألمان .. الخ . فتقع تلك القبائل على جسم الامبراطورية الرومانية وتمزقها تمزيقاً ... بينما يكون فرع آخر من قبائل الهون قد مزَق جسد الصين وفارس .
في المقابل يحدثنا التاريخ عن القادة " العظام " من مصر وما بين النهرين والصين والهند وروما ووادي الدانوب ، فنلاحظ أن " عظمتهم " قد قامت على أساس واحد هو انتصاراتهم الساحقة " خارج حدودهم " ، أي وهم يطاردون القبائل المغيرة الى مراكز تجمعاتها ، ويضمون تلك المراكز الى الأرض التي انطلقوا منها .
64 - لم تكن الأرض ، أية أرض ، تخص إلا من استولى عليها . وهي لاتخصه إلا إلى المدى الذي يستطيع أن يدافع عنها . فاندثر من الممالك وتكونت " دول " بالغة الاتساع هي " الامبراطوريات " . منها الامبراطورية الهيلينية التي بدأت بغزو الاسكندر الأكبر آسيا الصغرى ( 334 ق.م ) ثم غرب آسيا وفارس والهند ومصر . وحين مات عام 323 ق. م . سئل لمن يترك ملكه فردد شعار العصر كله : " لمن هو أعظمكم قوة " .ومنها الامبراطورية الرومانية التي كانت مؤلفة من نحو مائة شعب منذ أن تحولت من مملكة الى امبراطورية على يد أغسطس ( 27 - 14 ق .م ) وشملت كل أوروبا تقريباً وغرب آسيا وشمال أفريقيا،
واستمرت 500 سنة . ثم مزقتها القبائل لتعود تحت حكم البابوات فعلياً والأباطرة اسمياً منذ شارلمان ( 805 م ) حتى قضى عليها نابليون عام 1806 ليكون قائداً لامبراطورية جديدة . ومنها الامبراطورية الفارسية التي شملت كل الأرض من أول اليونان حتى الهند وبقيت إلى أن ظهر الاسلام . ومنها امبراطورية الصين تحت حكم أسرة الهان التي استمرت 400 سنة ( 202 ق.م - 221 م ) ثم مزقتها القبائل الغازية لتعود امبراطورية مرة أخرى تحت حكم اسرة التانج وتبقى 300 سنة ( 618 - 609 ) . ثم مزقتها جحافل المغول ليقيم فيها أحد قادتهم ، قوبلاي خان ، امبراطورية جديدة . ولقد بقيت الامبراطورية الصينية تحت أسرة مانشو تأخذ الجزية من منغوليا ومنشوريا وتركستان وبورما ونيبال وكوريا حتى أواخر القرن الثامن عشر . وآخرها الامبراطورية العثمانية . بدأت عام 1324 وأنتهت عام 1919 .
باختصار ، عندما تكون الأرض متاحة لمن يستطيع أن يستولي عليها يترتب على ذلك عدة نتائج محتومة هي ذاتها الخصائص المحتومة للدولة المسماة " الامبراطورية " . فأولاً لاتكون لها حدود ثابتة بل تتبع حدودها أقدام جيوشها فتقف حيث تقف وتمتد حيث تتقدم وتمتد حيث تتقدم وتنحسر حيث تتقهقر ، إذ هي دولة
" مكرهة " على القتال ضد ماتتعرض له الحدود من هجمات وغزوات غير منقطعة . وفي كل مرة توقفت فيه امبراطورية عن القتال أواسترخت وضعفت ، فتك بها وتمزقت أو فقدت بعض أرضها وانكمشت . فكان محتوماً على الدولة " الامبراطورية " أن تكون مقاتلة غزواً أو دفاعاً . وثانياً ، إن هذا الغزو والدفاع لم يكن يسمح لدولة الامبراطورية أن تختار شعبها بل كان عليها ، إن غزت ، إما أن تبيد الشعوب أو تضمها ، وإن انهزمت أن تفقد شعوباً ضمتها من قبل . وثالثاً ، كان محتوماً عليها بفعل أنها مقاتلة دائماً على حدود متسعة وأعداء مختلفين أن تكون تحت قيادة مركزية واحدة تعبَيء الجيوش وتسيَرها الى حيث المخاطر التي تهدد الحدود ، أو إلى حيث الحدود المفتوحة لغزو جديد . وكان اختيار القيادة يتم على أساس الكفاءة الشخصية أو يفوض ميراثاً ، ولكن لابد من استشارة القادة فيه . ورابعاً ، كانت مهمة القيادة المركزية ( الامبراطور ) اساساً هي إدارة اعباء النشاط القتالي على الحدود غزواً أو دفاعاً ، أو قيادته بالفعل ، فأوكلت إلى ممثلين لها أمر إدارة الأقاليم أو الولايات أو الامارات مكتفية بإلزامهم بأن يجمعوا الأموال اللازمة للادارة المركزية وتعبئة الجيوش للقتال . فكانت كل إمارة أو ولاية أو إقليم مستقلاً استقلالاً ذاتياً ، مما أدى في كثير من الحالات ، إلى تمرد الحكام الاقليميين على القيادة المركزية فأضاف إلى أعباء الحروب الخارجية أعباء الحروب الداخلية .
هكذا كانت الامبراطوريات نموذج " الدولة " في العصر الذي سبق دولة الخلافة وعاصرها . ولم يكن في استطاعة المسلمين أن يقيموا في الجزيرة العربية " مملكة " بل كان لابد لهم من أن يقاتلوا عند الحدود الشمالية للجزيرة حتى لاتذهب الجزيرة ضحية الامبراطورية الفارسية أو الامبراطورية الرومانية كما ذهبت ممالك جنوب الجزيرة العربية . ولم يكن في استطاعة دولة الخلافة أن تتوقف عن الفتح عند حدود الجزيرة العربية ، ولقد حاول عمر أن يحول دون فتح مايلي العراق شرقاً بعد فتح المدائن ، ولكن هذا لم يكن متوقفاً على الطرف العربي الاسلامي وحده .
ولم يكن من " قوانين " وجود الامبراطوريات ومنها الفارسية والرومانية ، الكف عن القتال قبل أن تصفَى "القوة الجديدة النامية " ، فلم يكف العرب المسلمون عن الفتح طالما كانوا قادرين . وحين عجزت الامبراطورية العثمانية توقفت ثم بدأ الدفاع ثم الاقتطاع ، إلى أن قسم مابقي فيها من شرائح شرائح على مائدة المنتصرين في الحرب الاوروبية الأولى عام 1919 . اقتسموه ثم اتفقوا في عهد عصبة الأمم على إنهاء مشروعية " الفتح " .
65 - لم تكن دولة الخلافة بكل خصائصها ، إذن ، اختياراً اسلامياً . نريد أن نقول إنها ليست نظاماً للدولة مقصوراً على المسلمين ، وليس الاسلام مصدر نظامها . ولكنها نموذج " دولة " ساد الأرض جميعاً عشرات القرون قبل ظهور الاسلام ومئات السنين بعد ظهوره فكان محتوماً على دولة الخلافة أن تكون على نموذج الدولة في عصرها أو ألاَ تكون . وقد كانت .
66 - هذا النموذج انقضى عصره ولم يعد قابلاً للتكرار . ذلك لأن الحروب القبلية ، والقبلية الشعوبية ، التي اسفرت عن " الامبراطوريات " استمرت في شكل حروب " امبراطورية " قروناً طويلة . وفي قلب كل امبراطورية تجاوز عمرها تلك الحروب فلم تتمزق ، بقيت مساحة كبيرة أو صغيرة من الأرض بعيدة عن تخريب الحروب التي كانت تدور على الحدود ، فتوفرت للشعب أو الشعوب التي تقيم فيها مرحلة تاريخية طويلة نسبياً من الاستقرار دخلت به ، وفي حماية الدولة الامبراطورية ، مرحلة تكوينها القومي ، أو أتمته ، فأصبحت أمة بما تعنيه الأمة من اختصاص شعب معين بأرض معينة . ومن ناحية أخرى فإن المطاردة القبلية والامبراطورية دفعت مجموعات من القبائل الى حيث قاتلوا عن مواقعهم وظهورهم إلى البحر ، فكان لابد لهم من الانتصار ، فالاستقرار ، فبدأوا في تكوينهم القومي واصبحوا فيما بعد أمماً . هكذا تكونت الأمة العربية والأمة التركية في قلب دولة الخلافة . وتكونت الأمة الايرانية في قلب الامبراطورية الفارسية ، وتكونت الأمة الايطالية في قلب الامبراطورية الرومانية . وتكونت أمم أوروبا جميعاً من تجمعات قبلية استقرت على الأرض بعد غزوها .
بدأت الأمة الانكليزية في التكوين بعد أن غزتها قبائل السكسون القادمون من اقليم نهر الالب ، وقبائل الانكليز القادمون من سلزوج ، وقبائل القوط القادمون من جتلنده ، وهناك استمرت الحروب القبلية أكثر من قرن إلى أن انتصر الغزاة على البريطانيين ( السكان الأصليين ) عام 577 ، واسموا الأرض " انجلند " .
وبدأت الأمة الفرنسية في التكوين بعد أن غزاها " الفرنجة " أو الفرانك بقيادة كلوفيس عام 480 م فهزم القوط الغربيين والبرغندين ووحدهما في مملكة واحدة استقرت وأخذت اسمها من " الفرنك " فكانت فرنسا . وكان اولئك القوط الغربيون قد فتحوا اسبانيا بقيادة ثيودريك الثاني فاستقر الأمر فيها وبدأ الشعب الاسباني مرحلة تكوينه القومي ..
وهكذا مازالت القبائل تستقر لتصبح شعوباً مستقرة أو أمما متكونة قادرة على أن تدفع عنها غارات ما تبقى من قبائل هزيلة جائلة . فلما أصبح لكل شعب أو أمة أرض ، كان لابد لحق " الفتح " أن يخلي مكانه لحق
" تقرير المصير " . ومؤداه أن من حق كل شعب أو أمة أن يستقل عن غيره من الشعوب والأمم الأخرى
" بالارض " التي يقيم عليها .. فنكون قد وصلنا الى القرن العشرين .
ونعجب أنه مايزال في القرن العشرين من يجدون فراغاً من الهموم ليحلموا بعودة دولة الخلافة ، ويزعمون أنها نموذج الدولة الاسلامية . وهو حلم غير قابل للتحقق في هذا العصر لأنه ليس عصر الامبراطوريات وحق الفتح بل عصر " الدول " ثابتة الحدود ، وحق تقرير المصير .فلا يكون على من يريد أن يعيد دولة الخلافة أن يفعل اقل من غزو الكرة الأرضية كلها ، وتلك عودة إلى نموذج الدولة الموهومة التي تكلمنا عنها من قبل . من يريد فليحاول ، فهذا شأنه . ولكن لما كان الاسلام من شأننا جميعاً فنرجو أن يعفي " مشروعه الامبراطوري " من نسبته إلى الاسلام حتى لاينسب فشله إلى الاسلام على الأقل .
67 - ولقد فشلت من قبل دولة الخلافة فانقضت ، أفلا يعقلون ؟ لم تفشل لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا أقل معرفة بالدين الاسلامي كما يزعم البعض ، فإن أحداً منهم لم يكن " مفتياً " تفسد أحوال الرعية إن أخطأ في الاجتهاد وفسدت فتواه . ومن قبلهم تولَى الخلافة من جهروا بالمنكر من الكفر مثل الأموي وليد الثاني ( 743 - 744 م ) ، ولم تسقط دولة الخلافة أو تنقض . وما نحسبهم أقل معرفة بالدين من البرامكة أو السلاجقة أو المماليك الذين ازدهرت في أيام توليهم السلطة الفعلية دولة الخلافة وأينعت . ولانحسبهم أقل حرصاً على الدين وأحكامه من الفاطميين الذين شوهوا مناسكه بكل البدع المزوَقة التي نعرفها . على أي حال لم تنجب أسرة العثمانيين مثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بل إن العثمانيين هم الذين اخترعوا منصب " المفتي " ليحصنوا احكام الدين ضد مخاطر الاجتهاد في شعب لايعرف لغة القرآن . وأول من صاغ احكام الشريعة ( المذهب الحنفي ) في مواد مرقمة كما يفعلون في التشريع الحديث واصدروه فيما يعرف " بالمجلة " حتى لايترك الأمر لمطلق اجتهاد القضاة والمفتين . وفي عهدهم وليس في عهد غيرهم ، عزل خلفاء ، من بينهم عبد الحميد الثاني استناداً - ولو شكلياً - إلى فتوى بعدم صلاحيتهم لتولي الأمر . وأبطل العلماء قرارين باضطهاد المسيحيين لمخالفتهما لأحكام الدين الاسلامي ، فلم ينفذا . القرار الأول أصدره السلطان سليم الأول عام 1517 والقرار الثاني أصدره ابراهيم الأول عام 1645 . ولم تفشل دولة الخلافة لأن الخلفاء من بني عثمان كانوا فاسقين ، فإن قائمة أسماء الفاسقين ممن تولوا الخلافة أطول بكثير من قائمة أسماء كل الخلفاء العثمانيين . ليس هذا دفاعاً عن الخلفاء من بني عثمان ، فإنَا نعرف من أمرهم مايعرفون ، وإنما هو رفع لخطأ شائع يردَ انهيار الدولة الى سبب وحيد يتعلق بأشخاص حكامها . والحق أنه طالما كانت دولة الخلافة في عنفوان شبابها كانت قادرة على الحياة بالرغم ممن تولى الخلافة فيها من الجهلة والفاسقين والأطفال أو الشيوخ العاجزين . فلما هزمت ووهنت قوَتها ، آن لها أن تموت بالرغم من كل تمنيات المسلمين .
68 - كذلك لم تفشل دولة الخلافة العثمانية لأن دعاة القومية العربية ، أو العرب عامة ، قد تآمروا ضّدها وخربوها كيداً للوحدة الاسلامية واستكمالاً لدور الصليبيين . ذلك لأن دولة الخلافة قد دبت على طريق نهايتها وأوغلت فيه قبل أن يعرف عربي واحد كلمة القومية ، وقبل أن يحلم عربي واحد بالوحدة العربية ؛ قبل هذا بعشرات السنين . لقد بدأت أسباب أسباب انفراطها منذ أن بدأت تفرط في ولايتها على رعاياها وأرضها . كان ذلك يوم أخذت تبيع " الامتيازات " للدول الأخرى ، ثم تكره على بيعها ، ثم تغتصب منها اغتصاباً . لم يكن أحد قد عرف كلمة القومية أو حلم بالوحدة العربية حين باعت دولة الخلافة الامتيازات لفرنسا ( 1535 )
ثم لانكلترا ( 1579 ) ثم لهولندا ( 1598 ) ثم لروسيا ( 1700 ) ثم للسويد ( 1737 ) ثم لنابولي (1740)
ثم للدانمرك ( 1756 ) ثم لبروسيا ( 1797 ) ثم لاسبانيا ( 1782) ثم للولايات المتحدة ( 1830 ) ثم لبلجيكا (1838 ) ثم للبرتغال ( 1848 ) ثم لليونان (1854 ) . والامتيازات تعني أن كلاً من تلك الدول كانت ذات سلطات مباشرة على رعاياها ، مستقلة عن سلطة دولة الخلافة في قلب دولة الخلافة وعلى أرضها . إنها تلك الامتيازات التي بدأت بذوراً ، ثم نبتت نفوذاً ثم أثمرت استعماراً . فقد كانت الجيوش الروسية تكتسح جند الخلافة متجهة إلى العاصمة الآستانة ( القسطنطينية ) عام 1768 فتخلت دولة الخلافة عن قبرص ورودس وكريت لتعزز قواتها على الحدود الشمالية . وقي عام 1829 هزمت جيوش دولة الخلافة في أدرنة ففقدت اليونان وأجزاء من القوقاز ، وسلطتها على بلاد البلقان .
لم تستطع دولة الخلافة أن تصنع شيئاً وهي ترى الاقطار العربية تسلب واحداً بعد الآخر .احتلت فرنسا الجزائر (1830 ) وتونس ( 1881 ) ، واحتلت انكلترا جنوب الجزيرة العربية ( 1838 ) ، والاحساء (1871 ) ، ومصر ( 1882 ) ، ومسقط ( 1892 ) والكويت ( 1899 ) ، واحتلت ايطاليا ليبيا ( 1912 ) أما ماتبقى من الأقطار العربية ولايات من دولة الخلافة ، فقد اقتسمه المستعمرون بعد انتصارهم على دولة الخلافة وحلفائها عام 1918 . القطر العربي الوحيد الذي استطاع أن يقاوم الاستعمار الاوروبي على مدى القرن التاسع عشر كله وحتى عام 1908 هو مراكش ، وذلك لأن مراكش هي القطر العربي الوحيد الذي لم يكن جزءاً من الدولة العثمانية . فأية وحدة اسلامية تلك التي يحلمون بالعودة إليها ؟
69 - أما متى تحررت تلك الأقطار العربية ؟ فلنتذكر ، ( إنَ الذكرى تنفع المؤمنين ) . تحررت بعد أن اندثرت دولة الخلافة وبدون دولة خلافة أو دولة وحدة إسلامية من أي نوع كانت . ولكنها ماتحررت إذ تحررت إلا في نطاق حركة التحرر العربي التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين . وما تحرر قطر منها إلا بمساندة ومساهمة القوى القومية العربية وجماهير الأمة العربية من الخليج إلى المحيط . فأية قومية تلك التي يناهضونها باسم الوحدة الاسلامية ؟
70 - أما لماذا بدأت الحركة القومية العربية في المشرق أولاً فلأنها لم تصطنع اصطناعاً . بدأت حيث توفر مبررها التاريخي ، فكان محتوماً أن تبدأ حيث توفر . ولو أنها بدأت في غير المشرق العربي لكانت جديرة بأن تتهم بالاصطناع الذي يعني انعدام المبرر . ذلك لأنه في مطلع القرن العشرين كانت كل أقطار الوطن العربي تحت سيطرة الاحتلال الأوروبي ماعدا أقطار المشرق فقد كانت ماتزال اجزاء من دولة الخلافة . ولم تلبث الحركة القومية التركية ( الطورانية ) ممثلة في قيادتها جمعية " الاتحاد والترقي " أن ألغت ( فعلياً ) دولة الخلافة من حيث هي دولة مشتركة بين أمتين ، العربية والتركية . وحوَلوها إلى دولة تركية تحكم العرب وتحاول سلبهم خصائص القومية " بتتريكهم " . ولقد كان الشوفينيون الاتراك مسلمين ، ولم تكن غايتهم من قهر العرب إعادتهم إلى الاسلام بعد أن ارتدَوا . بل كانت غايتهم السيطرة على " أمة الاسلام " التي علمتهم كيف يكونون أمة ، وكيف يكونون مسلمين . وحيث بدأ الهجوم بدأت المقاومة . وبدأ الدفاع عن القومية العربية حيث بدأ الهجوم على القومية العربية . كان المهاجمون تركاً فكان المقاومون عرباً . أما في المغرب العربي ومصر وحيث السيطرة الأوروبية فلم يحتج العرب إلى أن يميزوا أنفسهم عن أعدائهم بالعروبة أو بالانتماء القومي إلى الأمة العربية . ولو أنهم فعلوا لكان ذاك اصطناعاً حقاً . فقيل أنهم عرب ، وقيل أنهم مسلمون ، بدون تفرقة ، جرياً على ماكان يطلقه عليهم المستعمرون بدون تفريق .
ومع ذلك فإن الحركة العربية القومية التي بدأت في المشرق لم تلبث أن امتدت إلى كل مكان متاح . فنرى من فصائلها المنظمة " المنتدى العربي " ( 1909 ) ، و " الجمعية القحطانية " ( 1903 ) و " جمعية العهد" (1914) ، تنشأ في قلب العاصمة الآستانة . ونرى " رابطة الوطن العربي " ( 1904 ) ، و " العربية الفتاة " (1912 ) تنشآن في باريس وتنشطان في كل مكان . ونرى في العراق " الجمعية الاصلاحية " ( 1913 ) ، وفي القاهرة " حزب اللامركزية " ( 1912 ) ، ... الخ .
هل كان القادة مسلمين أو غير مسلمين ؟ هذا سؤال لاننزلق إلى وحل الاجابة عليه . نحن نعرفهم جميعاً عرباً دافعوا عن أمتهم واستشهد كثير منهم في سبيل الدفاع عنها . ونعرف منهم دفعة واحدة من الذين استشهدوا على أعواد المشانق السفاح التركي أحمد جمال " باشا " : عبد الحميد الزهراوي ، وعبد الكريم خليل ، ومحمد المحمصاني ، وسالم الجزائري ، وعبد القادر خرسا ، ونور الدين القاضي ، وسعيد عقل ، وجورجي حداد ، وعمر حمد ، وعبد الغني العريس ، وعارف الشهابي ، وأحمد طبارة ، ومحمد الشنطي ، وتوفيق البساط ، وأمين لطفي ، وشفيق المؤيد ، وعبد الوهاب الانكليزي ، ورفيق رزق سلوم .
فمن ذا الذي يجرؤ على أن يخوض في دماء شهداء الأمة العربية ليبحث عن الدين الذي كانوا اليه ينتمون ؟ .

الناصرى
26-06-2003, 02:50 AM
71 - ثم ان كل فصائل الحركة العربية قد اجتمعوا في باريس ( 1913 ) يحاولون الدفاع عن الدولة المشتركة ، دولة الخلافة ، أو دولة الوحدة الاسلامية التي يحملون القومية العربية مسؤولية وفاتها ، كان الشوفينيون الأتراك قد أنهوها فعلاً ، متحالفين في ذلك مع سادتهم من المستعمرين فاجتمعت فصائل الحركة العربية في مؤتمر باريس تحاول الابقاء عليها . فنرى المؤتمر ينتهي إلى المطالبة بإصلاح الدولة وتحرير إدارتها من التسلط التركي والمساواة بين رعاياها من العرب والاتراك ولم يطالبوا باستقلال العرب عن الدولة المشتركة أو التي كانوا يريدون لها أن تبقى مشتركة لتكون أكثر مقدرة على مقاومة المد الاستعماري كما كانوا يعتقدون . فلما أن قامر الاتراك بمصير الاقطار العربية في رهان الحرب الأوروبية الأولى واختاروا جانب المهزومين راهن العرب على ثقتهم بالمنتصرين . ومع ذلك فقد بقيت تركيا مستقلة وسقطت بقية الأقطار العربية في قبضة المستعمرين . حينئذ بدأت حركة التحرر العربي تعبيء قواها القومية في سبيل التحرر والوحدة . فما الذي جنته الأفكار القومية والدعوة إلى الوحدة العربية على تلك الدولة التي كانت قد أنقضت قبل أن تبدأ الحركة القومية العربية بسنين ؟
72 - لا ، لم تفشل دولة الخلافة لأي سبب من تلك " الأعراض " التي كانت تنبيء بأن في دولة الخلافة ذاتها داءها الدفين : الشيخوخة . ولقد طالت فترة شيخوختها حتى تجاوزت عصرها . عصر الدولة " الامبراطورية"
طالت أكثر من أية امبراطورية عرفها التاريخ ، فما بين تولي أبي بكر ( عام 632 ) وسقوط عبد المجيد الثاني ( عام 1924 ) انقضت 1292 سنة . كانت خصائص الدولة " الامبراطورية " التي عرفناها قد أصبحت غير صالحة للحياة في عصر الدول القومية الناشئة . والقوى الرأسمالية النامية . والقوى الاستعمارية الضارية . ولقد حاول نابليون أن ينشيء دولة " امبراطورية " طبقاً لذلك النموذج الموشك على الانقراض فلم تكد تعيش امبراطوريته ربع قرن . هزمتها القوى القومية الناشئة في اسبانيا وألمانيا وروسيا ، وخذلتها القوى اللرأسمالية النامية في فرنسا ذاتها ، وسحقتها القوى الاستعمارية الضارية بقيادة بريطانيا . ولقد كانت دولة الخلافة هي آخر نموذج للدولة الامبراطورية . كانت قد نشأت حولها دول قومية ذات نظام رأسمالي سيطرت على أركان الأرض جميعاً . اسبانيا . والبرتغال . وهولندا . وانكلترا . وفرنسا . وألمانيا . وروسيا . وايطاليا
فأغراها اتساع المستعمرات بأن تستعير اسم الدولة المنقرضة فأسمت نفسها امبراطوريات . ولكن وحدة الاسم لاتخفي اختلاف المسميات . كانت الدولة الامبراطورية المنقرضة دولة مشتركة بين كل الشعوب فيها . أما الامبراطورية الحديثة فدولة مستغلة لكل من تسيطر عليه من شعوب .
على أي حال انقرضت دولة الخلافة لأنها فشلت في أن تعيش في غير عصرها ، فهل ثمة من يحلم بالعودة إلى دولة فاشلة ؟

الــدولــة الـمـمـكـنــة

73 - لايبقى من الدلالات المحتملة لتعبير " الدولة الاسلامية " التي يدعون إليها إلا أن تكون دولة يكون "نظامها " إسلامياً . كان يمكن أن تخرج هذه الدعوة من نطاق حديث عن العلاقة بين العروبة والاسلام ، لولا أن بعض الدعاة إليها في الوطن العربي يطرحونها مقترنة بحجة داحضة ومناهضة للعروبة معاً . يقولون : إنه لكي تكون الدولة إسلامية النظام يجب ألا تقوم على أسس قومية . وهم - في هذا - ينقلون نقلاً شائها عن الداعية الهندي الكبير أبو الأعلى المودودي ، فلا ينصفونه ولا ينصفون أنفسهم .
فالمودودي أولاً وأخيراً داعية إلى ثورة إسلامية عالمية تستهدف تغيير ما بنفوس البشر حتى يكونوا قادرين على تغيير واقعهم الاجتماعي ، وذلك عن طريق التربية الاسلامية ليكون المسلمون المعاصرون في كل مكان من الأرض أشبه إيماناً وتقوى بالمسلمين في عصر الرسالة والخلفاء الراشدين . في نطاق هذا انتقد كل أشكال الدول التي تداولت على الأرض منذ مقتل عليَ بن أبي طالب حتى وفاته ، قياساً على مفاهيم ثابتة في الاسلام وفي الدولة أقام عليها صرح أفكار متماسكة إن يتجزأ ينقض .
يهمنا منها أن " الأمة " عنده غير ذات صلة بالأرض فهي كل جماعة من البشر متميزة دينياً أو عرقياً . أما القومية فهي عنده عصبية عدوانية إطلاقاً . ولعله في هذا كان متأثراً بحملة العداء للقومية التي شنَها الحلفاء خلال الحرب الأوروبية الثانية ( 1939 - 1945 ) وسخروا لها مالايحصى من الكتَاب والكتب لتسهم بدور مرسوم في هزيمة ألمانيا النازية ( النازي مختصر اسم الحزب القومي الاشتراكي الذي كان يقوده هتلر ديكتاتور ألمانيا ) ، فتأثر المودودي بالمفهوم الدعائي العدائي للقومية وهو يكتب ويبشر خلال الحرب وويلاتها كما تأثر - لاشك تأثر - بالصراع الطائفي بين الهندوس والمسلمين في ظل الحكم البريطاني للهند ، فهو يسمي كل طائفة منها " أمة " ، والانتماء إليها " قومية " ، ثم يعمم خبرته بذلك الصراع ، فيقول إن كل قومية هي عصبية عدوانية .
أما مفهوم " الأمة " كطور متقدم من أطوار التكوين البشري ، متميز عما سبقه من أطوار عشائرية أو قبلية أو شعوبية ، والقومية كتعبير عن علاقة مميزة للانتماء إلى أمة معينة وليست ممتازة ، أو بأي مفهوم مما ذكرناه من قبل ( فقرة 15 ) ، فلم يتوقف عنده المودودي .
أياً ماكان الأمر ، فبهذا المفهوم الخاص لم يتصور المودودي إمكان قيام دولة إسلامية وقومية معاً لأن الدولة ، حينئذ ، ستكون عدوانية في سياستها الخارجية ، استبدادية في سياستها الداخلية لمجرد أنها قومية ولو كانت إسلامية . اتساقاً مع هذا المفهوم عارض بقوة الدعوة إلى قيام دولة باكستان الاسلامية منفصلة عن الهند . قال مستنكراً وساخراً في محاضرة ألقاها في الجامعة الاسلامية بمدينة أليجار بالهند يوم 12 أيلول / سبتمبر 1940 : " إن مثل هذه الدولة القومية الاسلامية ستعاقب بالاعدام ، أو النفي ، أفعالاً لاتعاقب عليها الدولة غير الاسلامية إلاَ بالحبس ، ومع ذلك سيطلق على قادة هذه الدولة لقب المجاهدين في سبيل الله حال حياتهم ، وأولياء الله الصالحين بعد مماتهم ، لمجرد أن تصادف أن كانوا مسلمين بالميلاد " . وكان منطقياً مع نفسه ودعوته حين استطرد فقال : " من هنا فإنه من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن طراز الدولة القومية يمكن أن يكون على أي وجه مساعداً على تحقيق الثورة الاسلامية . إن السؤال الذي يواجهنا هو : إذا كان علينا أن نغيَر الحياة الاجتماعية للبشر تغييراً ثورياً ، حتى في دولة قومية إسلامية ، وإذا كان علينا أن نقوم بهذا بدون مساعدة تلك الدولة ، بل بالرغم من معارضتها الايجابية ، وهو الأكثر احتمالاً ، فلماذا يكون علينا أن ننتظر إلى أن تأخذ تلك المعارضة شكل الدولة بدلاً من أن نبادر إلى التقدم عن طريق الثورة ؟ .. لماذا نضيع وقتنا بغباء في العمل من أجل مايسمى الدولة القومية الاسلامية ونبدد جهودنا في إقامتها . إننا نعرف أنها لن تكون غير ذات فائدة لهدفنا فحسب ، بل ستكون عقبة على طريقنا أيضاً " ( حركة الثورة الاسلامية - الطبعة السابعة بالانكليزية . لاهور - صفحة 27 ) .
حينما تقوم دولة باكستان ( آب / أغسطس 1947 ) سيلائم أبو الأعلى المودودي بين بعض أفكاره وبين نظم الحكم في الدول الحديثة فمع استمرار تمسَكه بأن السيادة لله وحده . وأن البشر خلفاء في الأرض جملة ، والمساواة بينهم في الخلافة ، ينتهي إلى قبول أن يكون الدستور مكتوباً ، وأن يقوم بالتشريع نواب عن الشعب وأن تكون الحكومة مسؤولة أمامهم ، وأن يكون رئيس الدولة منتخباً .. الخ ، كما فعل في محاضرته التي ألقاها في كراتشي في تشرين الثاني / نوفمبر 1952 بدعوة من نقابة المحامين ضمن الحوار الذي كان دائراً حول وضع دستور إسلامي لباكستان . ( نشرت بالانكليزية في طبعتها الخامسة عام 1978 في لاهور تحت عنوان " المبادىء الأولية للدولة الاسلامية " ) . وسيفاجأ مصدوره بعد تجربة حية استمرت نحو ربع قرن كامل بأن الدولة الاسلامية التي قامت تحمل اسم " باكستان " على أساس من وحدة الانتماء إلى الدين لم تلبث أن انشقت إلى دولتين إسلاميتي النظام أيضاً على أساس وحدة الانتماء القومي ، فينفصل شعب البنغال ( نحو خمسين مليوناً يتكلمون اللغة البنغالية ) بإقليمها الشرقي مكوناً دولة " بنغلادش " ويبقى شعب البنجاب ( نحو خمسة وأربعين مليوناً يتكلمون اللغة الأوردَية ) دولة مستقلة باسم باكستان في إقليمها الغربي ( 1972 ) ، لتثبت التجربة الحية لمن يعقلون أن وحدة الانتماء إلى الدين لاتلغي وحدة الانتماء القومي ، وإن اختلاف الانتماء القومي لايعارض ولايناقض وحدة الانتماء إلى الدين ، وأن تجاهل أو إدانة أو مناهضة القومية من اجل إقامة دولة إسلامية لايؤدي إلاَ إلى إخفاق هذه الدولة الاسلامية في المحافظة على وحدتها .
74 -على أي حال ، وبغير حاجة إلى دروس التجربة الباكستانية ، ومن أجل الاجهاز على مماحكات الذين يناهضون العروبة بالاسلام سنثبت فيما يلي أن الدعوة إلى إقامة دولة إسلامية بمعنى أن يكون نظامها إسلامياً
هي دعوة إلى دولة ممكنة التحقق ، وأنها إذ تقترن بمناهضة العروبة تصبح دولة مستحيلة وأن مناهضة العروبة فكراً ، هي في واقع الأمر وحقيقته مناهضة للدولة الاسلامية ، عملاً .
75 - أما أن قيام دولة " نظامها " إسلامي ممكن فلا يستطيع إنكاره بحسن نية إلاَ جاهل بالاسلام أصلاً ، أو جاهل أصيل بماهية " النظام " في الدولة . يهمنا الآن هذا الأخير وسنهتم بالأول فيما بعد .
76 - إن " النظام " في الدولة - أية دولة - عبارة عن مجموعة كثيفة من قواعد السلوك العامة ( تخاطب الناس كافة ) المجردة ( لاتنصبَ على واقعة معينة بذاتها مكاناً أو زماناً أو أشخاصاً ) الملزمة للكافة تقوم على حراستها وضمان نفاذها ولو بالاكراه سلطة ( حكومة ) . هذه القواعد تقبل تقسيمات " فنية " عدة من مستحدثات منهج البحث العلمي . فهي قواعد دستورية أو قانونية أو إدارية تبعاً لدرجة سمو بعضها على بعض . وهي قواعد آمرة أو ناهية أو مكملة تبعاً لعلاقتها بما يتفق عليه الأشخاص . وهي قواعد موضوعية أو اجرائية أو تنفيذية تبعاً لموقعها من مراحل العلاقات . وهي قواعد مدنية أو تجارية أو جزائية تبعاً لنوع المضمون الذي تنظمه ... إلى آخر هذه التقسيمات المتداولة في دراسات فقه القانون . ولأنها قواعد سلوك عامة ومجردة _وملزمة فإنها هي المنظم للعلاقات بين الأشخاص في المجتمع ، ومن هنا يطلق عليها جملة " النظام " ؛ وضدَه " الفوضى " . ولقد تفنن بعض الذين يسمونهم فلاسفة التنوير الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر ( هوبز ، لوك مونتسيكو ، روسو ... الخ ) في تبرير نشأة " النظام " فزعموا أنه نشأ اتفاقاً بين الناس ، لأسباب اختلفوا فيها كبديل تعاقدي مشروط عن " حياة الطبيعة " السابقة عليه ، والتي كان كل فرد فيها مطلق الحرية . وكان أهم ماجاؤوا به فلسفتهم التي تحمل عنوان " العقد الاجتماعي " هو الاقرار بالمساواة بين الاشخاص في الحرية ومع أن التاريخ لم يثبت أنَ البشرية قد مرت في أي مرحلة من مراحلها بما يسمَى " حياة الطبيعة " ، ولا أثبت أن قد حدث يوماً اتفاق بين الناس على إنشاء نظام مشروط أو غير مشروط ، إلا أن هذا لم يؤثر في المكسب الحضاري المتمثل في اهتداء الأوروبيين ، أخيراً ، إلى قاعدة المساواة بين الناس بعد أن كان أرسطو معلمهم ، قد أنكرها بأكثر من عشرين قرناً . على قاعدة المساواة ، ومحافظة عليها أن تختلَ ، أصبح مسلماً أن مصدر " مشروعية " أي نظام هو قبول الناس له قبولاً حراً بدون إكراه . نقول " مشروعية " ولا نقول " شرعية " . الأولى تعني صلاحية النظام لمجتمع معين . والثانية تعني اتفاق الممارسة مع قواعده .
غير أنه لم يكن خافياً على أحد ، ومايزال غير خاف ، التناقض الظاهر بين فكرة النظام وفكرة الحرية ، وهو تناقض ممتد على أبعاد عدَة . أولها ، أن النظام إذ ينطوي على إلزام الكافة بقواعد عامة للسلوك لابد أن يحد من حرية افراد - قلوا أو كثروا - في أن يختاروا لأنفسهم السلوك الذي يرتضونه . إذ لايستوي الناس كافة فيما يختارون من سلوك . وثانيها ، أنه إذ ينطوي على الالزام بقواعد مجردة للسلوك ، لابد أن يحد من حرية أفراد - قلوا أو كثروا - في اختيار أنماط السلوك التي تلائم الظروف الواقعية لحياتهم . إذ لايستوي الناس كافة في ظروف الحياة الواقعية . وثالثها ، أنه حتى لو قبل الناس نظاماً معيناً في وقت معين فإن أحوالهم الاجتماعية متغيرة متطورة أبداً ، وبالتالي فإنَ قبول الناس في الماضي القريب أو البعيد ليس دليلاً على استمرار قبولهم في المستقبل البعيد أو القريب .. وحين يبقى نظام كان في الماضي مقبولاً ، بالرغم من انتهاء القبول بانقضاء مبرراته ، لابد أن يحد من حرية افراد - قلوا أو كثروا - وربما أجيال جديدة لم تقبله قط .
فكأن رد مشروعية النظام إلى قبول الناس محال . إنما هي القوة البدنية ، ثم القتالية ، ثم العددية ، ثم الاقتصادية ، ثم الفكرية .. التي تداولت الضعفاء تنشيء لهم نظاماً من قواعد يضعها الأقوياء ويكرهونهم على التزامها ، وهو قول مايزال متردداً .
77 - قد ينطوي كل من القولين على قدر من الصحة إذا توازيا زماناً ، ويكون كل منهما صحيحاً إذا تتابعا في الزمان . فمن ناحية أولى مايزال صحيحاً ، منذ الاقرار بالمساواة بين البشر ، أن مصدر مشروعية أي نظام هو قبول الناس . ولكن مايزال صحيحاً من ناحية ثانية أن الاقرار الفكري بالمساواة بين البشر لم يتحول إلى مساواة واقعية . إنه الفارق بين الواقع والمثل الأعلى . غير أنه صحيح من ناحية ثالثة ، بحكم سنَة التطور التي لاتتبدل ، أن البشرية تسعى حثيثاً للاقتراب من المثل الأعلى . فمن أجل التحقق من قبول الناس نظامهم ، أو تحقيقه ، أبدعت البشرية على مدى قرون تلك الأساليب الوضعية المتطورة من أول التعليم حتى الاستفتاء الشعبيَ وما بينهما من إسقاط الاستبداد وتدوين الدساتير وفرض سيادة القانون والفصل بين السلطات والتمثيل النيابي ، والانتخاب السري ، والاقتراع العام ، وحرية الرأي والتعبير والاجتماع والكتابة والنشر وتكوين الجمعيات والأحزاب والمظاهرات والاضراب وحرية الثورة أيضاً . الغاية الأساسية لكل هذه الأساليب متكافلة ، أو ما يسمونه " الديموقراطية " أن يقوم " النظام " في الدولة ويبقى مقبولاً من الناس .
أما علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام العامة فهو ترجيح رأي الأغلبية . ليس لأن ماتراه الأغلبية هو الرأي الصحيح . فهذا غير صحيح . إذ الأمر من الصحة والخطأ هو كما قال العالم العربي ابن الهيثم : " كل مذهبين مختلفين إما أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً . وإما أن يكونا جميعاً كاذبين ، وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحد ، وهو الحقيقة . فإذا تحقق في البحث وأتعم في النظر ظهر الاتفاق وانتهى الخلاف " . الصحيح إذن هو مايطابق الحقيقة . والحقيقة ذات وجود موضوعي غير متوقف على وعي الناس وإن ظن كل واحد منهم أن قد وعاها . فإن اختلفوا في أمرها وجب الحوار عليهم جميعاً ليكمل وعي بعضهم وعي البعض الآخر . فإن لم يتفقوا تبقى الحقيقة غير معروفة على وجه اليقين . فلا وعي الأغلبية ولاوعي الأقلية دليل بذاته على صحة آرائهم . وفي هذا يستوون . إنما يرجح رأي الأغلبية بحكم المساواة بين البشر ، والحفاظ على وحدة المجتمع . ذلك لأن الأغلبية لاتتعدد وقد تتعدد الأقليات في مجتمع واحد . حينئذ لن يكون بين الأقليات مرجع فلا تبقى ملتئمة إلا مكرهة ، وهي حرب تمزق المجتمع الواحد . ثم انه بحكم المساواة بين البشر والحفاظ على وحدة المجتمع الذي يبرر ترجيح رأي الأغلبية تبقى للاقلية حرية المعارضة والنقد والدعوة إلى رأيها ، وإقناع الناس بصحته بأدلة قد تستقيها من آثار ممارسة رأي الأغلبية ... إلى أن تحصل لرأيها على الأغلبية فيصبح الحكم لها بعد أن كان عليها .
أما عن علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام المجردة فإفساح مجال كبير وغالب من النظام لتلك القواعد المسماة " مكملة " أي التي تبيح للناس أن ينظموا العلاقات فيما بينهم على مايختارون غيرمكرهين فيصبح ما اتفقوا عليه جزءاًمن النظام تحرسه السلطة وتفرض نفاذه على من اتفقوا عليه ولو بالاكراه ، وذلك هو مجال العقود . ثم الاباحة لكل ماهو غير ممنوع بقاعدة صريحة من قواعد النظام وهو مجال أكثر اتساعاً من مجال العقود .
أما عن علاج مشكلة عدم قبول أفراد - قلوا أو كثروا - لبعض قواعد النظام الملزمة لمجرد أن من سبقوهم قد قبلوها فبالاحتفاظ للناس - أو أغلبيتهم - بحرية إلغاء أو تعديل القواعد التي لم تعد مقبولة أو اضافة قواعد جديدة يقبلونها .
وهكذا يحتفظ المجتمع بوحدته منظما ، ويحتفظ النظام باستمراره قائما ومشروعا بدون أن يقف عائقا في سبيل التطور في الزمان والمكان . ولكن إلى أي حد ؟ . نعني هل توجد في النظام - أي نظام - حدود لايسمح النظام - أي نظام - للناس بحرية تجاوزها أو الاتفاق على تجاوزها ؟ نعم
78 - ليس الجواب من عندنا ، وليس نقلا عن أي مجيب في العصر الحديث أو العصور السحيقة . إنه جواب البشرية منذ أن وجد بشر على الأرض . إذ لم يحدث قط في تاريخ البشر أن وجد " فرد " بدون مجتمع ولو كان المجتمع أمه وأباه . هكذا كان الأمر من الأسرة إلى العشيرة ، إلى القبيلة ، إلى الشعب ، إلى الأمة ، إلى الدول ، منذ أن وجدت الدول . تختلف تلك الحدود من مجتمع إلى مجتمع في الزمان وفي المكان ، ويختلف الجزاء على خرقها تبعا لصلاحيته في الحفاظ عليها ، وهو أمر لايستوي زمانا أو مكاناً ولكن لم يوجد، ولايوجد ، ولايمكن أن يوجد مجتمع بشري بغير نظام ؛ ولم يوجد ، ولايوجد ، ولايمكن أن يوجد، " نظام " بغير حدود . ذلك لأن الحدود هي الحل الوحيد للتناقض الأزلي بين وحدة المجتمع وتعدد الأفراد فيه . وحدة المجتمع تتطلب وحدة النظام ؛ وتعدد الأفراد - والناس مختلفون سنا وجنسا وفكرا ورغبات ومقدرة على العمل ، أو متميزون - يتطلب حرية كل واحد في اختيار النظام الذي يرتضيه ، أي تعدد النظم . فكان الحل منذ البداية وحتى الآن ، هو الابقاء على وحدة المجتمع ، وبالتالي وحدة النظام ، متمثلة في قاعدة أو مجموعة من قواعد النظام ذاته - قليلة عادة - لها ذات خصائص القواعد الأخرى ، فهي عامة ومجردة وملزمة للكافة ، إنما تتميز بأنه غير مباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها . وبالتالي صلح مميزاً للنظام عن غيره . ويحمل كل نظام عادة اسم مصدره الفكري أو الفلسفي أو العقائدي . فيقال نظام ليبرالي ، أو ديموقراطي ، أو اشتراكي ، أو ماركسي ، بمعنى أن تلك المذاهب أو العقائد هي مصدر تلك " القواعد - الحدود " التي لاتباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها في كلَ من تلك النظم . وهكذا نجد أن كل النظم ، أياً كان مضمونها ، أو اختلافها أو حتى تناقضها ، في كل الدول ، أياً كان مواقعها من الأرض ، تتضمن تلك " القواعد - الحدود " التي يسمونها في علم القانون " قواعد النظام العام " . وكل المجتمعات منذ بدء الخليقة كانت منظمة على وجه أو على آخر نظما تتضمن تلك القواعد أو الحدود . الخلاف الوحيد بين المجتمعات على مدى الزمان ، أو بين الدول على الأرض ، هو في مضمون تلك القواعد .
ولأن هذه القواعد مستقرة وثابتة فإنَ الناس لايشعرون بها عادة . إنهم يلائمون - بمضي زمن الممارسة - بين مايريدون وبين أحكامها ، أو - بمعنى آخر - بين مصالحهم ومصلحة مجتمعهم ، وما يزالون حتى تتحول تلك الملاءمة إلى ضوابط اجتماعية للسلوك قد لايعرف أحد من أين جاءت ، يسمونها العرف أو التقاليد أو الآداب ، يستنكر الناس الخروج عليها ، فتدخل في نسيج التكوين الحضاري للمجتمع ، ويكون ذلك كافياً لاستقرارها واستمرارها منظما للسلوك والعلاقات . من هنا لم يكن غريبا أن تساوي بعض التشريعات الحديثة بين قوة إلزام قواعد النظام العام وقواعد الآداب ، وتعتدَ بالعرف أو التقاليد منظمين للعلاقات بين الاشخاص في حالة غياب قاعدة تشريعية . هذا هو " النظام " باختصار شديد . فهل يمكن أن تقوم دولة " نظامها " إسلامي ؟
79 - يمكن أن يقوم نظام إسلامي في أية دولة يقبله شعبها . وهو يقبله إما بالاجماع وإما بالأغلبية . ليس ثمة صعوبة فنية في هذا . فهكذا تقوم النظم المشروعة في كل الدول . وسيكون مصدر مشروعيته كنظام للدولة هو قبول الناس له . وليس ثمة أية غرابة في هذا . فالقبول العام ( إجماعاً أو أغلبية ) هو مصدر مشروعية كل النظم المشروعة .
80 - اما أن يكون الناس قد قبلوه بالاجماع أو بالأغلبية لأنهم " يؤمنون " بقدسيته فإن الايمان باعث على القبول ، وليس قبولا أو بديلا عنه . وهو من طبائع البشر كل البشر . كل إنسان يقبل نظاماً لأن قواعده تصوغ العلاقات بين الأشخاص صيغة تتفق وفكرة أو فلسفة أو عقيدة " يؤمن " هذا الشخص بها . إن النظم الليبرالية القائمة في كثير من دول العالم المعاصر تقبل فتعتبر مشروعة مع أن الباعث على قبولها " إيمان " راسخ بالحرية الفردية التي منحها للانسان " القانون الطبيعي " الأزلي الخالد الذي لايجوز إنكار وجوده أو تكذيب وعوده . وهذه هي الايديولوجية الليبرالية ، أو هذا هو جوهرها . وكثير من دول العالم المعاصر ذوات نظم مقبولة فمشروعة مع أن الباعث على قبولها " إيمان " صمدي بقدرة " وسائل إنتاج الحياة المادية " المحرك الازلي الخالد لارادة الانسان ، والتي لايجوز إنكار قدرتها أو تكذيب وعودها . وهذه هي الايدلوجية الماركسية أو هذا هو جوهرها . ومن قبل هذا كان الايمان بأن الله قد اختار الملوك بعنايته هو الباعث على قبول النظام الملكي . ومن قبل كان الايمان بان بابا الكنيسة الكاثوليكية هو قائم مقام الله في الأرض هو الباعث على قبول كل النظم في اوروبا على مدى قرون طويلة . وكان الايمان بحكمة كونفوشيوس في الصين وقدسية بوذا في الهند ، وألوهية فرعون في مصر ، بواعث على قبول النظم السائدة . ثم إن الايمان بالمصدر العقائدي للنظام ، أيَ نظام ، هو الدليل القطعي على أن قبول الناس له هو قبول حر لاإكراه فيه . إذ لايكره انسان على قبول مايؤمن به . ومن هنا يجاهد كل مجتمع في كل دولة بالنفس والمال لتأصيل ايديولوجيته وتجميلها ، وتطويرها ، ونشرها ، والدفاع عنها . ولقد كان الناس - منذ بداية التاريخ - يقاتلون حتى الموت دفاعا عن النظم التي قبلوها لأن قواعدها تعبَر عما يؤمنون به ، كما أن الدول المعاصرة تتقاتل ، بوحشية لم يعرفها التاريخ ، دفاعا عن الايديولوجيات التي صيغت في قواعد نظمها . ليس هذا - إذن - جديدا على البشرية . وليس جديداً أيضاً أن نقول إن من " يؤمن " بفكرة أو فلسفة أو عقيدة أو ايديولوجية هو " كافر " بما يخالفها من أفكار أو فلسفات أو عقائد أو ايديولوجيات . ولما كان من المحال التحقق من مضمون الايمان بدون التعبير عنه ، وكان من المحال التحقق من صدق هذا التعبير ، فإنه يلزم ويكفي القبول مصدراً لمشروعية النظم بدون تفتيش عما في الصدور من بواعث .
81 - مايصدق بالنسبة إلى كل النظم يصدق بالنسبة إلى النظام الاسلامي . فيكفي لقيامه مشروعاً أن يقبله الناس أو أن تقبله أغلبية الناس . وليس لكائن من كان أن يبتدع في النظم بدعة عدم الاعتداد بالقبول العام لأن الباعث عليه ايمان بعقيدة الاسلام .. إنه لغو قبيح لأنه لايبتدع بدعته هذه إلا ليستبدل بالايمان بعقيدة الاسلام ايماناً بعقيدة أخرى إذ لامفر من أن يكون الباعث على القبول ايمانا . وليس لكائن من كان أن يبتدع بدعة في الاسلام نظاما فيقيمه على الايمان ولايعتد بالقبول به .
وهي بدعة لأن الله تعالى قد قال : ( لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) { البقرة : 256 } . وللفظ الدين كما ورد في القرآن دلالات متعددة . وهي في هذة الآية تدل على الاسلام نظاما ، إذ أن الاكراه في العقيدة محال . ولقد قبل الأعراب الاسلام نظاماوقبلوا فيه ، فلما زعموا أن الباعث على قبولهم ايمانهم قال الله تعالى : ( قالت الاعراب آمنَا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولَما يدخل الايمان في قلوبكم ، وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من أعمالكم شيئا ، إن الله غفور رحيم ) { الحجرات : 14 } ، ( ولايلتكم من أعمالكم ) أي لاينقصكم من ثواب أعمالكم . وهو واضح الدلالة على أنَ العبرة في مشروعية الالزام بقواعد النظام الاسلامي قبوله ، وليس بالباعث على قبوله .
وفي يوم فتح مكة دخل الكافرون المنهزمون في الاسلام أفواجا فور الهزيمة فأصبحوا مسلمين . أي قبلوا الاسلام نظاماً ، وقبلوا فيه . ولم يتوقف أحد ليفتش عن الايمان في الصدور ليكتشف كيف يتحول الناس أفواجا من الكفر إلى الايمان في بضع ساعات وبمجرد أن ينهزموا وهم يقاتلون المؤمنين ! ولكن هذا هو الاسلام نظاماً . إحدى قواعده المميزة قبول من يشهد على نفسه علناً بأنه يقبله بصيغة الشهادة المعروفة فيعامله بأحكامه ويترك مافي السرائر إلى عالم السرائر ، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء . ومن السنَة الفعلية المتواترة ماذكرناه من قبل من أمر " الصحيفة " التي اقامت نظاما للعلاقات فيما بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة ، يتولى الرسول صلى الله عليه وسلم القيام على نفاذ قواعدها ، ولو بالاكراه ، على من قبلوها ( فقرة 28 وما بعدها ) .
82 - ليس ثمة أية صعوبة فنية أيضا في معرفة متى يكون النظام اسلاميا . ونحن نفضل أن يكون حديثنا عن النظام الاسلامي وليس عن الشريعة الاسلامية . لأن تعبير الشريعة الاسلامية أصبح يطلق على مايشمل الآراء والمذاهب الفقهية المختلفة . ويسيء البعض استعماله فيعتبر أن رأيه أو مذهبه هو الشريعة الاسلامية ويكاد أن يفرضه بالقوة ، مع أنَ كل الآراء والمذاهب التي يشملها تعبير الشريعة الاسلامية ليست إسلامية بذاتها ، وليس أصحابها رسلاً بعد الرسول ، إنما تستمد هذه النسبة من أنها اجتهادات تدور في نطاق مالا يجوز الاجتهاد فيه ، لاتتجاوزه . مناط التمييز إذن هو تلك القواعد التي لااجتهاد فيها . وليس لهذه القواعد مصدر في الاسلام إلا القرآن والأحاديث المتواترة . وقد أرشد علم أصول الفقه من لايريد أن يضل إلى مناط التمييز بين مالا تباح مخالفته أو الاتفاق على مخالفته من أحكام الاسلام وبين مايرد فيه الخلاف اجتهاداً بدون إثم . فنقول أنه أرشد من لايريد أن يضلَ إلى مناط تمييز " قواعد النظام العام " التي يتميز بها النظام ، فيصحَ أن يقال إنه نظام إسلامي . إنها كل قاعدة سلوك عامة ( تخاطب الكافة ) مجردة ( لاتنصبَ على واقعة معينة بذاتها زماناً أو مكاناً أو أشخاصا) ملزمة ( آمرة أو ناهية ) يقينية الورود ( من عند الله أو الرسول ) قطعيَة الدلالة ( لاتحتمل التأويل ) .
القرآن كله يقيني الورود من عند الله . هذا مسلَم لدى المسلمين كافة ( نتجاهل فئة تافهة أنكرت نسبة سورة يوسف إليه ) ، أما الدلالة فقد قال الله تعالى : ( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَ أم الكتاب وأخر متشابهات ) { آل عمران : 7 } . الآيات المحكمات هنَ وحدهن قطعيَات الدلالة . أما المتشابهات فقابلات للتأويل . وفي تأويلهن اختلف المسلمون ويختلفون بدون إثم . من أخطأ فهو مثوب ومن اصاب فهو مثوب مرتين . قد يرجع الخلاف إلى دلالة اللفظة على معنيين ، وقد يرجع إلى المفاضلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي .. إلى آخر أسباب هذا الخلاف المعروفة في فقه القرآن . المهم أن كل قاعدة تجيء عن طريق التأويل هي قاعدة " وضعية " وليست " الهية " ، فهي ليست من قواعد النظام العام الاسلامي .
أما بالنسبة إلى السنَة ، ونعني بها ماصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته رسولا عليه البلاغ المبين فمنها ماورد بطريق التواتر ومنها ماورد بطريق الآحاد . والتواتر أن ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع ثم ينقل عنهم جمع مثلهم ، وهكذا يصل إلينا ، وأن يبلغ الناقلون من كل طبقة حداً من الكثرة يستحيل معه التواطؤ على الكذب . أو هو كما يقال نقل الكافة عن الكافة . ومع ملاحظة أن دلالة " الكثرة " و "الاستحالة " و " الكافة " مسألة يرد فيها الخلاف ، فإن التواتر ثابت للسنَة الفعلية في أداء فروض العبادات . اما السنَة القولية فالمتواتر منها غير موجود في الأحاديث المروية في الكتب المدونة على مايرى بعض العلماء أما الذين يرون أنه موجود في الكتب المدونة فيشترطون لأخذه مأخذ التواتر أن تخرجه كتب الحيث جميعاً ، وأن تتعدد طرق إخراجه كي لايكون بعضهم مكرراً ماقال البعض الآخر ، وأن يثبت هذا التعدد في طرق الاخراج في أول الرواية ووسطها وآخرها . إن وجد هذا الحديث فهو يقيني الورود من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكن يقين وروده لايعني بالضرورة أنه قطعي الدَلالة . فقد يكون قابلاً للتأويل ولو كان متواترا .
وفي تأويله اختلف المسلمون ويختلفون بدون إثم لأسباب كثيرة معروفة في فقه السنَة . المهم أن كل قاعدة تستند إلى حديث غير متواتر ، أو تجيء عن طريق تأويل حديث متواتر ، هي قاعدة " وضعية " وليست " بيانا " ، فهي ليست من قواعد النظام العام الاسلامي .

الناصرى
26-06-2003, 02:53 AM
83 - كل قاعدة سلوك عامة مجردة آمرة أو ناهية بالمعنى الذي أشرنا اليه من قبل جاءت بها آية من آيات القرآن محكمة أو حديث متواتر قطعَي الدلالة ، هي قاعدة ملزمة للكافة ، لايجوز لأحد أن يخالفها ، وليس مباحاً الاتفاق على مخالفتها . ليس هذا محل خلاف ولااجتهاد . وبالتالي يكون نظام الدولة إسلاميا ويتميز بأنه إسلامي إذا تضمنت قواعد النظام العام فيه تلك القواعد كلها غير منقوصة . نقول تضمنت لأنه مباح للناس أن يضيفوا إليها مايرون ، لأسباب تتصل بظروفهم المتغيرة في المكان ، المتطورة في الزمان ، قواعد وضعية يرفعونها عن مخاطر الخلاف إلى مرتبة قواعد النظام العام .
84 - كلَ ماعدا هذا مما يقال إنه من مصادر الشريعة الاسلامية هو من عند البشر فهو موضوع ، وكل ماجاء من قواعد بناء عليه جاء بها البشر ، فهي موضوعة . الاستنباط موضوع ، والقياس موضوع ، والاستحسان موضوع ، والاستصحاب موضوع ، والضرورة موضوعة ، والمصالح المرسلة موضوعة والاجماع موضوع . .الخ . وكل مابني عليه من فقه ومذاهب موضوع . وكل موضوع ينسب إلى من اجتهد فوضعه ، أو من اجتهدوا فوضعوه ، لايحتج به على الاسلام بل الاسلام حجة عليه . فلا يحتجَ به على المسلمين إلا إذا قبلوه ، وفي حدود مايقبلون منه ، فإن يكرهوا عليه يصبح غير مشروع .
85 - لايعني هذا أنه مرفوض ولكن يعني تماماً أنه غير مفروض . والواقع من الأمر أن أجيال المسلمين الذين وضعوه ، أو وضعوا أصوله ، كانوا أكثر منا فهماً لدلالة لغة القرآن ، وأقرب منا زماناً بمن نقلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأكثر منا اهتماماببناء حياة إسلامية ، واكثر منا تحرراً من تأثير النظم غير الاسلامية ، فكانوا اكثر منا كفاءةً ذاتية في الاجتهاد ووضع المذاهب ، بحيث يكاد ماتركوه لنا أن يكون مجرد إعادة النظر في بعض القواعد الفرعية ، أو استحداث قواعد جديدة ملائمة لتنظيم علاقات الناس في أزمنة وأمكنة ومجالات لم تكن لتخطر لهم على بال . ومع ذلك فهي قواعد ومذاهب غير مفروضة ، وليست من النظام العام الاسلامي . يحول دون هذا ، ذلك الحد الفاصل بين الايمان والكفر : التوحيد . إن شهادة أن " لاإله إلا الله " تعني على سبيل القطع أن ليس مقدَساً إلا كلام الله ، وليس ملزماً للمسلمين كافة إلا أوامره ونواهيه . كل ماعدا ذلك ليس مقدَسا وغير ملزم للمسلمين إلا إذا حولوه إلى نظام ارتضوه فالتزموه . وإذا كان أئمة السلف قد وضعوا تلك المذاهب العبقرية في زمانهم فإنَ زماننا يتيح مالم يكن متاحاً لهم موضوعياً . فنحن نقرأ القرآن محفوظاً في مصاحف متاحة بيسر لمن أراد ، ونعيد قراءته كلما أردنا ، وكان أسلافنا يفتشون في أطراف الأرض عن مسلم يحفظ القرآن ليستمعوا إليه . ونحن نحصل بيسر على مادونوه ، مطبوعا في كتب في متناول أيدينا ، وكانوا يجهدون أنفسهم سفرأً وإقامة لاستنساخ كتاب منسوخ . ونحن نستمع إلى التفسير والشروح ونتلقَى الدروس مذاعة أو مسجلة ، مقروءة أو مسموعة ، ونحن جلوس في بيوتنا ، أما هم فكانوا يقطعون الفيافي والقفار ويعبرون الجبال والأنهار إلى العواصم القليلة لعلهم يجدون مكاناً من حلقة في مسجد حول عالم يلقي درسا . وكان علمهم بالطبيعة المادية والطبيعة البشرية محدوداً فأصبح علمنا بهما يكاد يكون غير محدود . أهم من هذا كله أنَ أياً منهم ماكان ليستطيع أن يعرف إلاَ ماقاله غيره ممن سبقوه ، ولكنَا نستطيع أن نضيف إلى معرفتنا ماقاله هو ومن سبقوه مالم يكن يعرفه أي منهم : ماقاله من جاء من بعده . وماكان يجتمع منهم أثنان فيتحاوران إلا نادرا ، أما نحن فنستطيع أن نجمعهم جميعا في مكان واحد لنقرأ حوارهم ونحاورهم ، ونرد كل خلاف إلى كتاب الله ، هو كتابنا كما هو كتابهم . وهكذا نستطيع في نطاق الالتزام بقواعد النظام العام الاسلامي ، أن نستنبط كما استنبطوا ، ونقيس كما قاسوا ، ونستحسن كما استحسنوا ، ونستصحب كما استصحبوا ، ونرعى مصالحنا المرسلة كما رعوا ، ونجمع إن كانوا قد أجمعوا ، فإن اختلفنا كما اختلفوا يرجح مذهب الأغلبية منا ، لالأن الاغلبية هي مناط الصحة والخطأ ، ولكن للأسباب التي أوردناها من قبل ( فقرة 76 ) ، لأننا نؤمن كما آمنوا بأن الاسلام دين المساواة . وكل ماقد ننشئه من قواعد دستورية أو قانونية أو ادارية ، آمرة أو ناهية أو مكملة ، .. ، وكل مانلغيه منها أو نعدَله أو نضيفه سيكون جزءا من النظام الاسلامي مادام دائرا في نطاق قواعد النظام العام الاسلامي ملتزما حدوده .
86 -ليس ثمة - إذن - أية صعوبة فنية في قيام نظام إسلامي في أية دولة يقبله شعبها ، أو اغلبيته ، قبولا حرا مطهرا من الاكراه ( يمكن أن يقال ديموقراطيا) . ولكن هناك صعوبات واقعية لاتتصل بإمكانية إقامة النظام الاسلامي بل بتحقيق شرط قبوله . ماهي ؟ . إنني اريد أن اترك الجواب للسيد " أبو الأعلى المودودي " الذي قد يختلف معه كثيرون في بعض أفكاره ؟ ونحن نختلف معه في بعضها ، ولكن لايمكن لأحد أن يتهم بحق ، إخلاصه في دعوته إلى النظام الاسلامي . قال في محاضرته التي أشرنا إليها من قبل :
" لقد أصبح تعبير الدولة الاسلامية في أيامنا هذه مثل لعبة أطفال . لقد سيطرت الفكرة على خيال بعض الناس ، وذهب بعضهم إلى حد تبنيها كهدف واقعي . ولكن تلك الأساليب الغريبة المقترحة لتحقيقها تجعلها غاية مستحيلة كما هو مستحيل الوصول إلى أمريكا ( من الهند ) بالسيارة . يرجع هذا التفكير الخاطيء إلى واقع أن أسبابا تاريخية وسياسية معينة قد فجرت الرغبة في دولة مثل أعلى يمكن أن يطلق عليها اسم دولة إسلامية غير أنه لم تحدث أية محاولة لتحديد طبيعة هذه الدولة بطريقة علمية ، أو دراسة كيفية إقامتها . اهذا فقد تضاعفت ضرورة تناول هذه المشكلة تناولاً علمياً . إنني في غير حاجة ، في هذا الجمع من المثقفين ( كانت المحاضرة في الجامعة الاسلامية ) إلى أن اضيع وقتا طويلا في بيان أن الدولة أيا كانت طبيعتها ، لاتقوم بأساليب مصطنعة ، إنها ليست جهازاً صناعياً تركَب أجزاؤه في مكان ، ثم ينقل لاقامته في مكان آخر ، حسب هوى الناس . بالعكس . إن الدولة ناتج طبيعي لتفاعل عوامل معنوية ونفسية وثقافية وتاريخية ذات وجود سابق في مكان معين .. إنه من غير القابل للانكار في علم الاجتماع أن الدولة ليست إلا محصلة طبيعية لظروف متحققة من قبل مجتمع معين " . ( المرجع السابق - صفحة 5 و 6 ) وفي محاضرته اللاحقة التي ألقاها في كراتشي بعد قيام دولة باكستان ، يعدَد المودودي الصعوبات الواقعية التي تعترض محاولة وضع دستور اسلامي ، فيذكر منها الجهل العام باللغة العربية ، وبدلالة ألفاظ القرآن والحديث والفقه ، والأسلوب غير المألوف الذي دونت به المذاهب ، والعيب الدامغ لنظام التعليم ، حيث يتخصص البعض في دراسة القرآن والحديث والفقه ويبقون جهلة جهلاً يكاد يكون مطبقاً بالعلوم الحديثة مثل العلوم السياسية والاقتصادية والدستورية ، اما الذين يتخصصون في دراسة هذه العلوم فلا يكادون يعرفون شيئا عن التراث الاسلامي العظيم ( المباديء الأساسية للدولة الاسلامية - المرجع السابق - صفحة 6 وما بعدها ) .
كان أبو الأعلى المودودي يتحدث عن الصعوبات الواقعية التي تعترض محاولة وضع دستور إسلامي في باكستان ( استمر الحوار حول الدستور عشر سنوات بعد محاضرته فلم يوضع إلا اول آذار / مارس 1962 )
ومن هنا كانت وقفته الصلبة ضد إقامة دولة اسلامية قبل أن توفر الثورة الاسلامية العوامل المعنوية والنفسية والثقافية والتاريخية لقيامها . فهل يصدق هذا على الأمة العربية ؟
87 - إلى حد محدود . فالجهل بدلالة ألفاظ القرآن والحديث والفقه عام في الأمة العربية . ولكن اللغة العربية هي لغة هذه الأمة ، لغتها القومية ، وبالتالي فإن عامة شعبها قابلون بيسر لفهم دلالة ألفاظ القرآن والحديث ، إذا أوفى من يفهمونها من العلماء ، وهم كثر ، بواجبهم ، بأن قدموا هذه الدلالات إلى الناس مصوغة بلفة يفهمها العامة بدلاً من مجابهتهم بآيات عربية ولكنهم لايفهمون دلالة ألفاظها كما كانت عند النزول منذ أكثر من أربعة عشر قرنا . فيبتزون ايمانهم بقدسيتها حتى لايتساءلوا ، ويضفون من قدسيتها قدسية على مذاهبهم فيسيطرون . كذلك الأمر بالنسبة إلى كتب التراث واسلوب تدوينها ودلالة ألفاظها . إن اكثر العرب لايفهمونها إلا بجهد جهيد لايقدر على بذله إلا الدارسون . ولكن معرفة اللغة الأصيلة للمدونات قادرة على إدراك الناس ماقاله السلف ، بعيداً عن مخاطر الترجمة ، لو قدمت اليهم بصيغ مألوفة وتبويب مما يألفون . والفارق بين اليسر والعسر في كل من الأمة العربية والهند أو أي مجتمع غير عربي واضح في مشكلة التخصص . إذ لايوجد في الأمة العربية فصل قطعي بين التخصص في العلوم الاسلامية والتخصص في العلوم الحديثة لوحدة لغة المعرفة في المجالين . يوجد تفاوت يمكن أن يزول بالاجتهاد الذاتي والجهد الجماعي ، وهو يسير . والواقع من أمر الأمة العربية أنها منذ مطلع القرن الحالي - على الأقل - وهي تتهيأ ثقافيا لقبول النظام الاسلامي ، بفضل الجامعات المتخصصة في العلوم الاسلامية المنتشرة في الوطن العربي ، ومعاهدها العديدة ومدارسها التي لاحصر لها ، وحركة التجديد التي بدأها الامام محمد عبده ، وما تزال نامية ، والجمع بين دراسة التراث والعلوم الحديثة في أغلب الجامعات وعلى رأسها الجامعة الأزهرية العتيدة ، مما أضعف من فارق التخصص إلى حد أن الفقه أصبح مجالاً مفتوحا للحوار في الصحف العامة !
نقول تتهيأ ثقافياً ولم نقل تتهيأ معنوياً ونفسياً . افتقاد العوامل المعنوية والنفسية اللازمة لاقامة دولة إسلامية صعوبة كأداء عرفها المودودي في الهند ويعرفها كل داعية في أي مجتمع غير عربي ، اما في الأمة العربية فلا وجود لها أصلاً ، ذلك لأن مصدر العوامل المعنوية والنفسية في مجتمع مَا ، حضارته . ولقد عرفنا من قبل ( فقرة 40 وما بعدها ) كيف أن الحضارة العربية هي حضارة إسلامية ، وضربنا هناك أمثلة من شواهدها . نضيف هنا من حياة العامة من العرب ، مسلمين وغير مسلمين ، أمثلة من المعايير القيمية الحضارية التي تفرق بين ماهو مقبول اجتماعيا وماهو مرفوض ، المعترف - علمياً - بأنها شواهد ومميزات الانتماء الحضاري .
88 - في أنفسنا نرى أن أيَ إنسان عربي ، مسلماً أو غير مسلم ، لايكاد يكفَ طوال يومه عن الحكم بمقاييس حضارته على مالا حصر له من الأحداث الصغيرة ، أي التي يحكم في أمرها تلقائيا معبراً عن مكنون شخصيته . فالكذب " حرام " حتى لو كان أبيض . والقسوة " حرام " حتى على الحيوانات ، والسخرية " حرام" حتى ممن يثيرها ، والحكم التلقائي على بؤس مخلوق بائس هو " حرام " ، ويؤكد بأنه " والله حرام " .. والظلم " حرام " . والحصول على أموال الغير بدون حق ، حتى برضاء هذا الغير " خدعوه والله ده حرام ". وعدم النكافؤ بين الزوجين سنَاً " والله حرام " ، والشفقة بصبية مشغولين بعمل شاقَ عليهم يعبر عنها العربي بقوله التلقائي " والله حرام " .. وما يقال تلقائيا ، نصحاً أو عتابا أو احتجاجا ، على المستعلين أو المغرورين أو المفترين أو المستبدين هو " ياناس حرام عليكم " .. واذا اعترض شخص من لايعرفه ، يمازحه ، فاضطرب الغريب ، قيل له تلقائيا : " ياشيخ سيبه ، حرام عليك " .. وإن فقدت الأم ابنها " فياحرام " .. إلى آخر عشرات الألوف بل ربما الملايين من الأحداث الصغيرة التي لاتكفَ عن المرور بحياة العربي يقيمها حين لايقبلها ، وقبل أن يعرف أسبابها ، وبدون أن تكون له صلة مباشرة بها ، وحتى لو كان حادثاً مرحاً .. بأنها
"حرام " . ثم يفصح عن المصدر الاسلامي لذلك المعيار القيمي حين يقول مؤكدا مذكرا : " والله حرام " . ولايعلق بهذا ابدا على الاحداث التي يقبلها لأن إحدى قيمنا الحضارية ايضا هي أن كل ماليس حرام مباح
يستوي في هذه الأحكام العربي المسلم وغير المسلم ، الشاب والكهل والشيخ ، ساكن المدن والمقيم في القرى والجائل في الصحارى ، الرجال والنساء ، اخترناها - أولاً - لأن الانسان العربي يرددها بدون أن يختارها مذهبا، وثانيا: لأنها أحكام تصدر بدون تحضير أو دراسة أو رجوع إلى المراجع ؛ تصدر على السجية . وثالثاً : لأنها أحكام لاتصدر ضد أحد ولايرجى منها أن تكون ملزمة لأحد ، ولكنها تعبير تلقائي عن الشخصية العربية في مواجهة موقف ليست هي طرفاً فيه . رابعا : لأنها أحكام سابقة على أية قواعد سلوك وضعية ، وقائمة فوق أية قواعد سلوك وضعية ، وباقية بعد أية قواعد سلوك وضعية ، يضمرها في ذاته حتى الذي يخالفها جهراً . خامسا لأنها معايير حضارة المجتمع العربي تعبر عن ذاتها من خلال ماينطق به الأفراد من أحكام .
وماالجديد في هذا ؟ .. إن لكل حضارة ضوابط سلوك تعبر عن ذاتها من خلال ماينطق به تلقائيا الأفراد من أحكام . لكل حضارة ذلك التعبير المتداول في كتب الاجتماع الغربية : " تابو " أي ضابط تحريم ! هو كذلك ، فنحن لانأتي بجديد . إنما نريد أن نؤكد من جديد مالم نكفَ عن تأييده على مدى ربع قرن أو يزيد من " أن الاسلام هو الهيكل الأساسي للحضارة العربية " .
لقد كانت تلك المعايير القيمية في أول عهد العرب بالاسلام من قواعد النظام العام المفروضة يلقى من يخالفها جزاءه . وشغل ردها إلى مصدرها الاسلامي ، وشرحها ، مكاناً ملحوظا في المذاهب وآراء المجتهدين . ومازال العرب مسلمين وغير مسلمين يلائمون بين أحكامها وما يريدون حتى تحوّلت خلال تلك الملاءمة إلى ضوابط اجتماعية للسلوك ، بالرغم من أن قد كف الجزاء وقفل باب الاجتهاد منذ قرون . فيستنكر الناس الخروج عليهم بقولهم " حرام " أو " والله حرام " معبرين بدون وعي عن أصلها الاسلامي . فنقول أنها قد دخلت في نسيج التكوين الحضاري العربي فهي الآن عرف أو تقاليد أو آداب نسميها إسلامية إن شئنا ، أو عربية إن شئنا ، لأنهما بالنسبة إلى الحضارة العربية مترادفان . وعلى الذين يبحثون عن التراث في كتب صاغها أسلافنا أن ينتبهوا إليه في أنفسهم . فالماضي لايعود ولايمكن إعادته : ( لكل أجل كتاب ) { الرعد : 38 } إنما تحمل الحضارة التراث ، وليس ماكتب عنه ، من جيل إلى جيل : فتراث أية أمة هو مابقي صالحاً للحياة منذ سالف الزمان ، وليس كل ماكتبه عن حياتها السلف الصالح . إذن ، لاتحتاج الأمة العربية الى تهيئة معنوية أو نفسية لقبول النظام الاسلامي إذ هي مهيأة حضارياً .

الناصرى
26-06-2003, 02:55 AM
89 - وهكذا نرى بوضوح أنه ، إذا صدقت الدعوة وحسنت النية ، وقيل للدعاة الصادقين إلى دولة إسلامية ، إن إقامة النظام ممكنة بلا ريب ، ولكن على أي أرض تقوم ؟ إذ لابد لكل دولة من أرض محددة ، وماهو الشعب الذي سيقيمها ؟ إذ لابد لكل دولة من شعب معين ، فلن يجد الصادقون أمة من أرض محددة وشعب معين مهيأة لقبولها أكثر من الأمة العربية .
فإن عقدوا العزم على إقامتها لاتواجههم إلا صعوبة تاريخية وهي صعوبة جدّية ولكنها غير مستعصية . إن الشعب العربي معتدىً عليه من خارجه اغتصاباً واحتلالاً وهيمنة وتبعية . ومعتدى عليه من داخله قهراً وظلماً وإذلالاً واستغلالاً . إنه يعاني من تناقض أساسي بين واقعه وحاجته يتمثل في أن ليس لكل ماهو متاح في أمته من أسباب التحرر والتقدم متاحاً له ليتحرر ويتقدم ، لأن العدوان الخارجي يسلبه إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته ، فيحول دون أن يطوّر حياته بماهو ممكن ومتاح لاأكثر ولا أقلّ
ولأن العدوان الداخليّ يسلبه القدر الأكبر مما أفلت من العدوان الخارجي فيستأثر به من دونه احتكاراً واستغلالاً ، ثم يفرض عليه تلك القسمة الضيزى بالقهر والظلم والاذلال ، ويحول دون ثورته بما يبقيه عليه من جهل وفقر ومرض فيبقيه عاجزاً عن استرداد إمكانات مادية وبشرية هو صاحبها بحكم أنها إمكانات أمته فلا يستطيع أن يطوّر حياته بما هو ممكن ومتاح لاأكثر ولاأقل . وأن العدوان الخارجي والعدوان الداخلي حليفان عليه يحقق كل منهما بعدوانه مايمكّن الآخر من العدوان ولو لم يكونا متحالفين . وأن العصر ليلقي عليه كل يوم دروساً صارمة . اليقين فيها أن لاأمل ، لاأمل على الاطلاق ، في أن يتقدم حرية ورخاء بقدر ماهو متاح في أمته إلا بأن يجاهد أعداءه جميعاً فيسترد حريته ، ويقيم وحدته القومية . وأنه ليتعلم كل يوم أن البشرية قد دخلت عصر الانتاج الكبير والدول العملاقة ، وأن مصير الدول العربية التي تجسد تجزئة الأمة أن تحتمي ، راغبة أو كارهة ، بمظلة التبعية السياسية ، لدفع خطر العدوان والتبعية الاقتصادية لدفع غائلة الجوع وأن تدفع من حرية أوطانها أثماناً باهظة لمن يحميها أو يغذيها . يحميها ولو من بطشه ذاته ، ويغذيها ولو من ثروتها ذاتها . وإن المعتدين لمعروفون بأسمائهم ودولهم ونظمهم ...
إذن ليس الشعب العربي في حاجة - في هذه المرحلة من تاريخه - إلى غير حديث صادق ودعوة حارة إلى الثورة العربية التى تحرره شعباً ووطناً ليقيم دولته ، حينئذ - وليس قبل ذلك - يكتمل تهيؤ الأمة العربية معنوياً ونفسياً وثقافياً وتاريخياً لتلقي وقبول الدعوة الى أن يكون نظام دولة الوحدة إسلامياً . ولسنا نشك لحظة في أنها ستقبله ، لأن الأمة العربية هي أمة الاسلام ، وإنجاز ثورته ، وحاضنة حضارته ، وحاملة رسالته ، إلى كل شعب يقبلها بدون إكراه في أية دولة من دول الأرض .
وهذا مافطنت إليه جماعة الاخوان المسلمين بإرشاد قائدها الشهيد حسن البنا . فبعد أن كان قانون " الاخوان المسلمين " الاول ، يتضمن هدف " تقوية روابط التعارف والاخاء بين الشعوب الاسلامية كافة بالتأليف بين قلوبهم والعمل الدائب على إزالة أسباب الفرقة والانقسام من صفوف المسلمين " عاد الاخوان المسلمون بعد تسع عشرة سنة ( 1948 ) من النمو والخبرة ، فأضافوا إلى قانونهم هدفاً محدداً هو : " تحرير وادي النيل والبلاد العربية جميعاً ، والوطن الاسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبي ، ومساعدة الاقليات الاسلامية في كل مكان ، وتأييد الوحدة العربية تأييداً كاملاً ، والسير إلى الوحدة الاسلامية " .

الهـــروب إلــى الماضــي

90 - في الوطن العربي حركة قومية تتحدث إلى الشعب العربي حديثاً صادقاً عن وحدته القومية وتدعوه دعوة حارة إلى الثورة العربية ضد أعدائه جميعاً ليتحرر شعباً ووطناً ويقيم دولته الواحدة ، وتحاول أن تستخدم كل أسلحة العصر من علم ومناهج ونظريات ومنظمات وخطط وأدوات لحشد الشعب العربي وتنظيمه وانتصاره في معركة ضارية ضد أعداء متعددين يستعملون في قهرها الاسلحة ذاتها ، وماهو أكثر منها أثراً .
وما تزال الحركة القومية متعثرة ، ما ان تنتصر حتى تهزم ، وما أن تتقدم حتى تتراجع ، ولكنها لم تهرب أبداً من ميدان الصراع ، لأنها تعلم تماماً أن تلك معارك مؤقتة وجزئية في حرب طويلة وشاملة لابديل فيها عن النصر العربي ...
فيترحم بعض الظالمين على المناضلين من أجل تحرير أمتهم ووحدتها الذين فقدوا جذورهم وراحوا يلتمسون أسباب القوة عند الغرب ويستوردون منه أفكارهم وأساليبهم وينسون أن الأوروبيين هم الذين استعمروا بلادهم وأذلوا قومهم وحطموا حضارتهم عامدين ، وأن مفكري الغرب قد أضلوهم أولاً ، ويضللونهم اليوم ، ولن يكفوا عن تضليلهم إلى يوم يبعثون ، لأنهم بهذا التضليل سادوا وبهذا التضليل يسودون وأن السادة لايصدقون مع العبيد أبداً . ونواجه بدعوة عاطفة حيناً ، عاصفة حيناً آخر ، غاضبة في كل حين : أن عودوا إلى تراثكم تعرفوا كل شيء ، فقد سبق أسلافكم الغرب إلى معرفة ماتحاولون معرفته لو كنتم تعقلون ..
لبيكم إن كنتم صادقين عطفاً .
ولنتفق ، أولاً ، على أننا راغبون في أن نعود إلى تراثنا ، لا لنعرفه فقط بل لننميه ، وهل يستطيع أحد ، حتى لو رغب ، أن يجتث جذوره ، وينسلخ من تراثه ؟ قد يغالط نفسه ، ولكن تراثه يبقى فيه . إن بقاء التراث في الانسان هيكلاً لشخصيته ومصدر استوائها ومنبع قوتها ، هو أحد أسباب اهتمام القوميين بدراسة الأمة ، والدفاع عن وحدتها ، وهو الضوء الذي أثار مداركهم فعرفوا مايرددون : إن وحدة تاريخ الأمة يحدد وحدة مصيرها ، لو كنتم تعلمون .
ولنتفق ثانياً ، على أن الأوروبيين المستعمرين الذين قضوا قروناً طويلة في " عز " السيادة على العالم سيحتاجون إلى وقت طويل ، وإلى دروس صارمة ، ليتعلموا المساواة بين البشر . إن التحرر من الاستعمار الأوروبي ، واسترداد سيادة الشعب العربي على وطنه ، هو الذي يعدّ له القوميون ما استطاعوا من قوة تلقنهم دروساً صارمة ، ليتعلموا أننا وهم ، في البشرية متساوون .
ولنتفق ، أخيراً على أن بعض القضايا العلمية والفكرية التي ينقلها عنهم القوميون قد طرحها وناقشها أسلافنا من الأئمة والعلماء والمتكلمين على أوسع نطاق قبل بداية الألف الميلادية الثانية . وكانت لهم فيها مذاهب ومدارس وصراعات وصلت إلى حد القتل والقتال انتصاراً للفكرة . ونعرف أن كثيراً من أسلافنا قد سبقوا كثيراً من مفكري أوروبا إلى كثير من الأفكار والنظريات . نعرف أن محيي الدين بن عربي قد سبق اكهارت إلى معرفة " وحدة الوجود " . وأن الغزالي سبق ديفيد هيوم إلى معرفة " السببية " . وأن ابن رشد سبق وليم جتنر إلى معرفة " المنفعة " . وأن جبير الاندلسي سبق سبينوزا إلى معرفة " وحدة المادة والروح " . وأن الفارابي سبق داروين إلى معرفة " التطور " . وأن ابن سينا سبق ديكارت إلى معرفة " الآنية " . وأن ابن خلدون سبق ماركس إلى معرفة " المادية التاريخية " ... الخ . ونعرف أنه منذ القرن التاسع الميلادي ، وقبل أن يسجن الأوروبيون غاليليو بسبعة قرون ، كان كل من ابن خرداذبة ، وابن رسته ، والمسعودي قد اكتشف أن الأرض كروية ، واستنبط ابن سينا فكرة عن الجاذبية ، وتولّى البيروني قياس محيط الأرض هندسياً ...الخ
ونعرف أن أسلافنا قد اخترعوا الرقّاص ، ورسموا الخرائط ، وأنشأوا صناعة الطب والصيدلة ، وابتكروا الصفر ،وعلّموا الناس الجبر واللوغرتمات ( ماتزال في اسمها اللاتيني ، الذي نكتبه بحروف عربية ، تنبيء بمبتكرها ومعلمها الأول الخوارزمي ) ... الخ . بل نعرف أن إخوان الصفا كانوا في دراساتهم الفلكية قد أسموا يوم الأحد " يوم الشمس " ويوم الاثنين " يوم القمر " ويوم الثلاثاء " يوم المريخ " ويوم الاربعاء " يوم عطارد " ويوم الخميس " يوم المشتري " ويوم الجمعة " يوم الزهرة " ويوم السبت " يوم زحل " فترجمها الأوروبيون وأطلقوها أسماء لأيام الاسبوع ، ولم تزل .
كل هذا نعرفه جيداً ويعرفه بعض الأوروبيين ويعترفون به .
ولكن المسألة كلها ليست هنا . إنما المسألة هي أننا كما حملنا بذور المعرفة عمن سبقونا ، ونّميناها ، ثم نقلناها إلى أوروبا ، تلقاها الأوروبيون فنمّوها ، فإذا بنا نلتقي بها مرة أخرى متطورة ، مصقولة ، مبلورة ، مرتبة ، مبوبة ، أغنى في المضمون ، وأتقن في الصنعة . نحن إذن لاننهل من مورد للمعرفة متطفلين عليه ، بل نحن ، مثل كل الأمم التي أسهمت في التقدم الحضاري ، شركاء في التراث الانساني ، ومن حقنا أن نستفيد منه إذا أردنا أن نعود إلى تراثنا لننميه ، ثم نقدم إلى البشرية مرة أخرى إضافة إلى مايقدمه الآخرون .
هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى فإن العودة إلى تراثنا ليست كلمة تقال ، بل جهداً يبذل في معركة ضارية نخوضها ضد الذين يريدون أن يقطعوا جذورنا وأن يسلخونا من ذلك التراث . والعبرة هنا ليست بالمقدرة على اجترار التراث ولكن بالمقدرة على إنمائه . وتلك معركة لن ننتصر فيها إلا بذات الأسلحة متقنة الصنع ماضية الأثر التي تدور بها معارك العصر . إن إعجابنا ببطولة المبارزين يلتحمون في قتال مباشر لايعني أن نواجه طائرات الفانتوم بالخناجر . كذلك إذا كنا نريد أن نحافظ على تراثنا وننميه ، فإننا لانستطيع هذا بالهروب إلى مخازن السلف الصالح ، بل نستطيعه فقط عندما نقبل التحدي الحضاري ونخوض صراعاته بأدواته .
مثلاً :
قال الله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) { الانفال : 60 } فهل إعداد القوة المستطاعة هو الأمر الملزم ، أو رباط الخيل ؟ لقد كان رباط الخيل أقوى نماذج طاعة أمر الله في الاعداد للقوة ، فهل مايزال كما كان ؟ وهل يرهب عدواً اليوم ؟ أو أن طاعة أمر الله لاتتم - اليوم - إلا بأقوى مانستطيع من أسباب القوة الرهيبة ، الفكرية والبشرية والتنظيمية والبرية والبحرية والجوية ... الخ ؟ وهل نعد الآن القادة العلماء بأسلحة الحرب الالكترونية ، أم يكفينا ماقاله الامام ابن تيمية وهو يحرض ويقود الجند المتطوعين دفاعاً عن سورية " العربية " ضد غزو التتار " المسلمين " ؟
ثم إن تراثنا جميعا خال مما يشبه مانحن فيه : فمنذ القرن الثامن عشر - على نطاق واسع أوجد الأوروبيون الرأسماليون صيفة لاستعباد الشعوب والأمم . الغزو حرباً أو الهيمنة بدون حرب ، لنزح ثروات المستعمرات ونقلها إلى دولهم في صورة مواد خام أو بضائع أو أموال أو أرباح ، وتسخير قوة العمل في الشعوب المستعمرة لخدمة التقدم في بلاد الغالبين . ونعاصر - اليوم - فرض التبعية عن طريق مؤسسات علمية وثقافية وصناعية وتجارية ومالية بدون حرب .. بل في بعض الأوقات بناء على طلب نفر من التابعين .. فما الحل ؟ .. وهل له سابقة في التراث ؟
ثم ألا يتذكرون ؟
لقد بعدنا عن تراثنا يوم أن تستر الاستبداد بالدين ، وأصبح للأحاديث الموضوعية وللاجماع المصطنع ، وللقياس الخاطيء وللمذاهب الخاصة ، قدسية النص القرآني . وأطلقت الأحكام من حدودها في الزمان والمكان ، وتحولت دولة المسلمين إلى دولة " كهانة " يسوسها نفر من العجزة يسمونهم الخلفاء أو أمراء المؤمنين ، يلقّنهم نفر من الجهلة يقال لهم " رجال الدين " مايضفي الشرعية على مايريد نفر من القادة المستبدين يستخدمون الأولين والاخيرين ، فتجمّدت المذاهب في الشريعة على مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية ، فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور الذي هو حصيلة حرية فاعلة .
اجتهد كهنة الاستبداد فقالوا لايجوز الاجتهاد . لو صحت المقدمة لبطلت النهاية . ولو صحت النهاية لبطلت المقدمة . وحين أرادوا أن يفرضوا على المسلمين مذهباً ناقضوا أنفسهم ، فقد اختاروا المذهب الذي ينسب إلى الامام أبي حنيفة من بين أحد عشر مذهباً ( الحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي ، والزيدي ، والجعفري
والأوزاعي ، والثوري ، والليثي ، والظاهري ، والطبري ) . ويتميز المذهب الحنفي عن المذاهب الأخرى بالتوسع في الأخذ بالرأي ( الاجتهاد ) ، وبأنه مذهب لم يضعه أبو حنيفة ، بل وضعه معه ومن بعده جماعة من تلاميذه أشهرهم أبو يوسف ومحمد وزفر ، ثم بأنه قد وضع نتيجة حوار بين عديدين يجلسون إلى الامام ويناقشون ما يعنّ لهم من مسائل ، حتى إذا ماانتهوا إلى رأي في مسألة دوّنها أحدهم ، ثم جمعت المدونات فيما بعد . فكأنهم حين اختاروا مذهباً وفرضوه استبداداً بالرأي ، اختاروا المذهب الذي يرفض الاستبداد بالرأي . فلو طبق عليهم المذهب الحنفي لبطل رأيهم . وكل استبداد ينطوي بالضرورة على تناقض مفضوح .
ومازالوا يستبدون بنا حتى أوهنوا قوانا الفكرية وأضعفوا إرادتنا الفعلية ، ودربونا على الضعف ، فأصبحنا مستضعفين . فانقضت علينا شعوب متحررة الفكر ، نافذة الارادة ، طاغية القوة ، باغية القصد ، فلم نستطع لهم دفعاً ! فاستولوا علينا أرضاً وبشراً ، وأقاموا بيننا وبين العودة إلى تراثنا حاجزاً من نظامهم الربوي العدواني ، فهل يتركون لنا حرية العودة إليه أم أن علينا أن نحطم ماأقاموه حائلاً بيننا وبينه ويكون التحرر هو البداية ؟
هل يصح قول آخر ؟ هل يصح القول إن شعباً عربياً مسلماً يقيم وهو متحرر صرحاً حضارياً ثم يتخلى عنه بدون إكراه . أليس هذا ظلماً بيّناً للتراث ؟
91 - لاجدوى ، إذن ، من الهروب إلى الماضي ، فهو محال . ومن ضروب الهروب إلى الماضي المحال أفكار الأمة العربية وجوداً ، والعودة إلى الروابط الشعوبية أو القبلية الدارسة ، ومنها استنكار القومية انتماء والعودة إلى أنماط الدول البائدة . وهو مايفعله الذين يناهضون العروبة بالاسلام ، فيستعدون الشعب العربي المسلم ، ويختلفون تناقضاً من عندهم بين أمة العرب وأمة المسلمين ، ويحرفون الكلم ، فلا يفعلون إلا أن يظلموا الشعب العربي فيصدوه عن دعوتهم ، ويظلموا أنفسهم كمسلمين بما يفترون كذباً ، فلا يصدقهم أحد ، ولا يثق بهم أحد ، فيحيلون الدعوة إلى الدولة الاسلامية الممكنة دعوة إلى دولة مستحيلة . ( ومن أظلم ممن أفترى على الله كذباً أو كذّب بالحق لّما جاءه ) { العنكبوت : 68 } . صدق الله العظيم .
ولكن لماذا ؟
الجواب آت .