PDA

View Full Version : على متن الخطيئة ( قصة قصيرة )



أبو شيماء
15-07-2003, 08:19 AM
أنتظر آراءكم وملاحظاتكم وتعقيباتكم
**************************************************
جلست مقرفصة يخفق رأسها مرات متوالية ، وبين يديها صحفة العشاء ، تنظر بشوق عودة الحبيب ، وقد طال الانتظار كعادته هذه الأيام ، فحلق فكر الزوجة الحنون قليلا ؛ يقطع حلقات الزمن المتقاربة ليستعيد ذكريات أيام غضة حلوة ، تجلس فيها بعد صلاة العشاء ، ترقب بلهف أوبة من تستطفئ بطلعته البهية لهيب شوقها ، يصلي مع إخوانه ثم يعود سريعا إلى التي اختارها قلبه وروحه ليشبكا أصابعهما يمشيان سويا بخطى واثقة من خالص حبهما ورقيق ودهما ، بعد وثوقها بخالقها وبارئهما الجليل ، يجلسان وقد تعانقت أرواحهما ، تفضي إليه بمشاعرها ، فتشي نظراته وبسماته ، قبل أن يتلفظ لسانه بما يكن لها قلبه من صافي الهوى وحلو المشاعر ، في جو ( رومانسي ) جميل ، ينسيان فيه كل شيء غير أنهما حبيبان ارتبطت مشاعرهما وأحاسيسهما على كتاب الباري وسنة الحبيب ، يقفان سويا على أمالهما وآلامهما ، ويحلقان في سماء وحدة الهدف ، وعلو الغاية ، وسامي الآمال التي تنقش بالأصابع الطاهرة على ورود حب يتبادلها الحبيبان ......
أرجعت الفكر كرتين تقلب صفحات تلك الأيام في محاولة جادة للتنعم بها أطول مدة تجود بها تلك الوريقات الغضة في تلك اللحظات الجميلة ......
غير أن الفكر مهما حلق مرتشفا من رحيق الماضي ، أو غارسا رياحين مستقبل ، فإلى الواقع يعود ، وحتما لحيظاته سيعايش ......
نظرت بعينيها المرهقتين إلى عقارب الساعة ، فإذا هي تشير إلى الثانية عشر منتصف الليل ، وقد أخذ منها النعاس مأخذه ، وكوى بطنها لهيب الجوع الذي يحلو لها أن تطفيه في حضرة حبيبها منصرم أيامها ......
قد طال الانتظار ، وامتدت أجنحة الغيبة ، تعانق هذا الليل الموحش ، فأين أنت أي حبيبي ؟ هل سئمت مسامرتي ؟ أم نسيت تضحياتي الطويلة ؟ فرشت لك فؤادي وتوجتك ملكا على عرش قلبي ، تعانقك الروح العاشقة بشغف ، وتلفك في حناياها لفة مشتاق ، ونقشت عليها اسمك وصورتك بقلم مداده خالص تضحيتي وإيثاري ، وأهديتك أنسك من خالص دمي ، مستعذبة كل نصب ، ومسترخصة ما غلا ونفس في سبيل سعادتك ، أسقيك راحتك من كؤوس راحاتي ........
قد كنت نعم الرجل ، يسير نحو المجد ونعم الرجال ،أمارات السعادة تشع في تقاسيم وجهك ، ويملأ البشر محياك ، يوم كان قلبك معلقا بربك ، مرتبطا ببيتك ، حريصا على ما يسعدك ويسعدنا ، لا تأل جهدا في تطبيق ما الله أمر ، وكنت نعم المرأة جهدي ، أبذل كل ما في وسعي لأكون المرأة والمرآة الصالحة لك ،وها أنا الآن لم آل جهدا في إحاطتك بالنصح ، فعرضت وصرحت ، وألنت وعطفت ،وبالحكمة نبهت وأرشدت ، وما زلت أطمع في رجوعك إلى سابق عهدك وأفضل ، كي نسير مطمئنين نحو الجنان ......
قامت تقلب ستائر نوافذ الغرفة ، علها تحظى بشعاع أنوار سيارة أبي أحمد ، أو تشم عبير قدومه .....
أمسكت بـ (المحمول) الذي لا يزال فيه رنين صوت الغالي في أيام غابرة وهو يردد عبارات الشوق معتذرا عن احتمالية تأخره عنها لظروف ما ؛ علها تجد فيه اتصالا عابرا جاد به وقت أبي أحمد الثمين في حياته الجديدة ، ولكن لا أثر ، حاولت الاتصال به لكن أحدا لم يرفع السماعة ......
انحدرت دمعات رقيقة من عين المؤمنة الصبور ، فكتبت على خدها قبل أن يتلفظ لسانها ، وهي ترسل زفرة عميقة : هداك الله يا أبا أحمد ....
وضعت العشاء في حافظة ، كما حفظت وده في قلبها ، ولهج لسانها بالدعاء بالهداية والصلاح لزوجها الحبيب ، ثم توضأت وتلت أذكار النوم احتياطا كيلا يغلبها النوم ، رغم أنها لا تنويه قبل لقائها لغاليها ، ولكن كان الإرهاق أقوى من تجلدها ، فنامت طاهرة على ذكر مولاها .......
آلة الزمن تشير إلى الثانية أو قبلها بقليل عندما استقر الحال بسيارة أبي أحمد بجانب ( بيته ) ، أدار قفل الباب بنسخة المفتاح التي في جيبه ، ودلف سريعا إلى الداخل كهارب من تابع ....
انتابه شعور غريب أحاط وجدانه بحبال نسجت في الآونة الأخيرة في مصنع ما اعتاد أبو أحمد استيراد بضائعه منها ، وما كانت تلك الدولة في قائمة التبادل التجاري في يوم من أيامه ، لحقه شعور آخر وهو يدفع قدميه ذارعا أروقة البيت أن ثمة فجوة بين أقدامه وبين ما تطأ عليه والذي يتسم بما كان سابقا في اعتبارات أبي أحمد يدعى بـ ( الطهارة ) ، غير أنه لم يلتفت لأي من الشعورين ، ربما لاكتظاظ المحل بما هو أقسى .......
نظر إلى حافظة الطعام ، ولم يكترث بما فيها ، ففي ( المشاوي الليلية ) و ( الأصدقاء ) الغنى والغناء ، قد يختلف الطعم هناك ، وقد يلوح طيف الاجتماع بالغالية والأنس بها ثم ، غير أن سلاسل التقليد والتبعية العمياء بدأت تثبت جذورها .....
انزرق نحو الغرفة مرتميا على الفراش بجانب زوجته التي غطت في نوم عميق ...
( مكيف ) الغرفة ينفخ دون كلل ، برودة قد لا تكافئ حر الباطن .....
يمينا وشمالا قلب مضجعه .....
تغمض عينه لحظة ، فتأبى الأجفان إلا التنافر ، وكأنها شحنات متحدة الجنس ، أو قومين استشرت العداوة بينهما ، سئم أصوات الحشرات الليلية التي أبت إلا أن تشاركه ليلته ، وكأن أصواتها فواصل لقطات من فلم طويل اغرورقت عيناه بالدموع وملئت فصوله بالتأوهات ، أعد على يد مخرج أبصر بخبرته في هطل المدامع ومد الآهات وأسمع ، فلم يعلن في كل لقطة منه ميلاد أشجان جديدة وقصة أحزان فريدة ، بطلها جسم ممدد على فراش هو عبارة عن خيوط جمر رصت على بعضها ، حتى أصبح لا يدري أفي مكان راحة أنزل جسمه أم موطن عذاب ......
خطر لقلبه المرهق خاطر ، فأزاح جسمه المثقل عن ذلك الفراش ، ومضى يسحب قدميه نحو ( الشرفة ) ، جلس على كرسي كثيرا ما اتكأ عليه في سنوات مضت متصفحا كتابا يغذي به فكره ، ويزكي به نفسه ، ويرفع قدره ، في أتم مشاعر الراحة والاستقرار ، مرتشفا كوبا من الشاي يقدم له من كف طاهر آثر الإخلاص والتضحية دوما .....
لم يعد للجلوس ثم نفس الطعم ، ولم يكن بأحسن حالا من التمدد على الفراش ( الوثير ) ...
أرسل لحظه نحو السماء مستجديا النجوم أن تحله من عقد الصداقة الذي أبرمته معه في الآونة الأخيرة ، غير أن الأخيرة لم توافق ريثما تستأذن خالقها الجليل في حل عقود صحبة من هذا النوع ، فهي بأمره ، وهو أعلم بحال الطرف الآخر .....
لم يزل مراقبا بعيون حائرة ، فلا تسأله عن حركة الكواكب والأجرام ومطالعها فله من ذلك علم وخبر ، تسري بين عينيه أسرع من ليل جثم الهم فيه على قلبه .....
بدأ يستعيد ذكريات يومه ( الجميلة ) .....
قفزت إلى ذهنه صورة تلك ( الغزالة ) التي رما لها رقم ( جواله ) في بعض المنتزهات ، فداسته بقدمها ، ومضت ...
زفر زفرة عميقة خرجت من أعماق صدره : لم لم أنفذ معها الخطة التي اتبعتها مع ( فلانة ) ، بل لم لا تكن ( فلانة ) لي وحدي ؟ ما بالها تشمخ بأنفها متى أرادت ؟ أغرها محاولاتي الدائمة لكسب ودها ؟ ...
أمسك بخشبة ( الشرفة ) بقوة حتى كاد أن يغرز أصابعه فيها : آه آه سأمزقها إربا إربا لتعلم أنها أقل مما تظن ....
صور أخرى تزاحم فتصل مجسدة نشوة الجلوس مع صواحب أخر ، ناقلة لكل تفاصيل القصة معهن من ألفها ( العسلي ) إلى ياءها الذي لم تكتمل لذته ، بل كان مجرد وقود استعار متأجج يطلب المزيد والمزيد ، مخلفا اختلاط اللذة بالألم ، واحتضان النشوة للعذاب ، قلق يطلب تهدئة ، واستعار يرقب من يطفئه ........
حاول لملمة أفكاره قليلا عله يصل إلى خطط أفضل ، ولذة أغزر ، ونشوة لا خليط لها ، فعز المطلوب فيما يدير فكره فيه ، وأبدت القصة بكافة فصولها الاعتذار عن تحقيقه ، لم يقنعه ذلك ، فأعاد الكرة تلو الكرة ....
ضرب الأرض بقدميه بقوة ، وقام من على الكرسي ، وعقد يديه إلى الخلف ، وذرع الشرفة جيئة وذهابا ، منكسا رأسه تارة ، (رافعه ) تارة أخرى ، وكأنه مكلف بمسح شامل لكل نقطة فيها ، تارة يسبح بفكره في بعض خلافاته مع أصحابه ، وتارة يبحث عن حل لمشاكله الاقتصادية الجديدة ، وثالثة في كيفية التخلص من حالة الملل القاتلة في العمل ، ثم يرحل فكره حيث أبويه وما استجد من اضطرابات في علاقته بهما ، ثم يعود أخيرا إلى تصفية الحسابات مع ( الخليلات ) وما أدراك ما الخليلات ...
أسدل يديه وجلس على الكرسي ثم قام فجلس فكرر وأعاد كمن يتدرب على لقطة في مسلسل .....
جرته أقدامه إلى ( الصالة ) ، فركن جسده إلى بعض زواياها ، وجال ببصره في ما حوله ، نقوش سقفية بدت باهتة اللون على غير عادتها ، لوائح وزهور لم يعد للنظر إليها نفس الطعم الرائع ، حتى فراش الأرضية التي يطأ عليه يلتقي وبصره بنفور كلما نكس رأسه محدقا فيه .....
نظر إلى التلفاز المرتكن في الزاوية الأخرى يلفه الصمت الرهيب ، فقرأ في صفحة حاله رغبة في الإشاحة بوجهه عنه لو يملك القدرة على ذلك ، فمشى نحوه ,وضغط على مفتاح تشغيله ، وجلس متكئا بيده اليسرى ، وفي الأخرى جهاز التحكم ، وبدأ تقليب القنوات سريعا ، مع كل ضغطة آه متبوعة بعبارة يلفظها القلب المعنى قبل اللسان :
مللت هذا المسلسل الطويل ..... سئمت هذا الفلم ...... أكره هذه المذيعة رتيبة النغمة .... تبا لهذه الساقطة التي تكتفي بتهييج غريزتي ، ثم تتركني مخلفة نيرانها المضطرمة ... أليس لديكم إلا العناق والتقبيل ؟؟!! .... لا تذكروني بتلك ( اللئيمة ) التي تتمنع مني دوما على غير عادة صويحباتي ..... آه أين صويحباتي ؟ لم لا أعش تلك اللذائذ دوما .....
رمى بالجهاز بعد أن ضغط على زر الإغلاق بقوة .....
دخل الغرفة ( الباردة ) رويدا رويدا ، ورمى بنفسه حيث اعتاد الناس الراحة ، وبدأ يتابع حركة عقارب المنبه الذي هيأته الزوجة الحنون لإيقاظها لصلاة الفجر ، يعد حركة العقارب ، ويعد مرات تغيير هيأته .......
حاول الاستقرار ....طلب النوم ........ استجدى الغمض المريح ....
ولكن .....
تأبى المعصية إلا ضريبتها ....
وتأبى السعادة إلا درب التقوى ........