PDA

View Full Version : العـا...ر .....ـة .. الصفحات السود !!



ak84
26-07-2003, 05:35 AM
وأحس الجميع براحة .. ربما لأنهم أرادوا الإحساس بذلك!!
أحمد .. يبدو أنه الوحيد الذي لم يرتح لهذا التفسير .. فقد بقي متشبثا بصدر أمه وكأنه يتوقع ما هو أسوأ...
وقد كان أحمد على حق..!!





التاريخ ... 13 فبراير 1991 الموافق 27 رجب 1411هـ
الساعة ... الرابعة صباحاً..
المكان ... العامرية .. غرب بغداد.



في الرمق الأخير من الليل .. وفي اللحظات الأهدأ من عمره... كانت طائرة سوداء اللون .. ماسية التشكيل . . تتهادى فوق سحب شتاء عربي..

تندفع في صمت .. وتتسلل كالموت .. بين ثياب الليل.

وفي ملجأ العامرية كان الجميع يغط في نوم عميق ... تتمدد كل أسرة على مساحة مترية محدودة .. فالرجال في الجبهات .. وهذا الملجأ محرم على من لم يقفز سور الخمسين من الرجال إلا إذا كان مريضا أو معاقا.. فهو دار للنساء والأطفال .... والعجزة .

أم غيداء .. قد تكون هي الوحيدة التي لم تنم .. فالرضيع أحمد تولى أمر إزعاجها ولم يكف عن البكاء حتى نال وجبته كاملة ..الآن أحمد وقد أصبح في مزاج أفضل بعد أن انتزع رضعته انتزاعاً .. يلعب بشعر أخته الصغيرة التي تلهو في دنيا الأحلام ..يداعبها أحمد مطلقاً ضحكاته وهمهماته التي كانت ترسم ابتسامة مشرقة على وجه أمه المتعب.

خارج الملجأ .. غير بعيد .. يخطو أبو إبراهيم متكئاً على عصاه التي أصبحت معينه الوحيد بعد الله ، فأبنائه الثلاثة موزعون على جبهات الحرب .. يتقدم أبو إبراهيم مردداً أذكاره الصباحية داخلاً مسجد العامرية لكي يؤذن لصلاة الفجر..

وفوق السحب .. وفي ثنايا ظلام الليل والبرد.. يقول الطيار الوحيد لقيادته على الأرض .. الهدف جاهز .. ويأتيه الرد .. حسناً .. نفذ القسم الأول .. .... .... ...

ونفذ......

أبو إبراهيم يضع إصبعيه في أذنيه .. مردداً النداء الخالد .... الله أكبر .. الله أكبر

يترك أحمد شعر أخته وينظر إلى الأعلى منتبهاً ..

. . أم غيداء تلتفت فجأة ... تجاه إحساس غريب..

بعض لحظة...

وانفجار مروع لا يشبهه شيء .. صوت يصم الآذان .. يجمد الدم في العروق ..
صوت ... كان كافياً ليقف كل من كان في الملجأ على قدميه..

تساؤلات ... وهمهمات .. وبكاء أطفال .. ووجوه مشدوهة ... وكلمات لم تنطق .

أخيراً تساءل .. أحد ما ... ماذا حدث ...؟؟

كان الرد آتيا من أحد الشيوخ ... لقد دمرت القذيفة سقف الملجأ .. كان يشير إلى فتحة ينبعث منها الدخان في سقف الملجأ..

قال أحدهم محاولاً تهدئة الناس .. الحمد لله .. لم يصب أحد بأذى..

وأحس الجميع براحة .. ربما لأنهم أرادوا الإحساس بذلك!!

أحمد .. يبدو أنه الوحيد الذي لم يرتح لهذا التفسير .. فقد بقي متشبثا بصدر أمه وكأنه يتوقع ما هو أسوأ...

وقد كان أحمد على حق..!!

فوق عرش الظلام ... يخاطب الطيار قيادته... لقد تم القسم الأول من الخطه .. أصبح هناك ثغرة في سقف الملجأ.. جاءه الرد ... حسناً ... أتم المهمة .

رفع الطيار غطاءً ظهر تحته زر أحمر ... ضغط عليه بشعور من يضيء مصباحاً للقراءة ...لا أكثر!!

لكنه كان باباً من عذاب..

صاروخ من موت .. مسافر بين السماء والأرض ..يعرف طريقه جيداً ..كصقر..يقترب مسرعاً ... متوحشاً .. قاتلاً.. ليضرب بكل عنف ووحشية وهمجية قرون التخلف على وجه الأرض، وبربرية إنسان القرن العشرين .. وحيوانية الحضارة ... ضارباً أرض الملجأ.

أبواب من الرعب والنار والموت فتحت في الملجأ .. الجدران التي كانت بسماكة نصف متر ارتجت ..لكنها أصبحت فرناً حقيقياً لكل من كان في الداخل .. الأطفال .. تلك المخلوقات الصغيرة ... الضعيفة .. تناثروا أشلاء في كل مكان .. بعضهم احترق كلياً ولم يعثروا حتى على رماده ..البعض وجدوه متفحماً ..والقليل منهم وجدوه متيبساً كقطعة خشب .

النيران تلتهم كل شيء ..وتمتص كل جزئ أوكسيجين في فضاء الملجأ، وقوة ضغط الهواء الناتجة عن انفجار الصاروخ أتمت ما بدأته قوة الإنفجار .

كانت الرؤوس تتطاير لترتطم بجدران الملجأ وأجساد الناس ..اللهب كان نهماً ليلتهم الضحايا الذين كان بعضهم ينظر إلى ساقيه وهما تتفحمان .... يموت على مراحل . البعض الآخر .. الأسوأ حظاً .. وقع عليه حطام السقف فحطم عظامه بينما واصلت النيران التهام أبنائه على بعد نظرة منه.

الكثيرون أصبحوا دخاناً .... لم يعد لهم أي أثر .!!


آآآآآآآآه .. احمد .. لقد نسيناه ... أين أنت يا أحمد ... .... .... هناك نعم .. إنه هناك ... أخيراً وجدناك يا أحمد ... إنه في المكان الأكثر أماناً في العالم بالنسبة إليه ... حضن أمه .. لكن أحمد لا يضحك .. ولا يشد شعر أخته التي يبدو أنها لا تزال نائمه !! .. هل أنت غاضب منا يا أحمد ... لماذا لا تضحك لنا كعادتك ... لماذا لا تشاغبنا كعادتك ... أنت حتى لا تنظر إلينا ..... كعادتك ..

لقد انقطعت ضحكاته ... وصرخاته ... وحتى ......... أنفاسه ..

لقد مات احمد. وهل أدرك أحمد أنه قد عاش ... لقد مات قبل أن يعرف أنه ولد .
في حضنها .. نعم .. لكنها هي الأخرى أصبحت صامتة ...ساكنة ... هامدة.
وأخته الصغيرة كذلك .. لقد رحلت نائمة .. ربما ستصحو في مكان أفضل .

وفوق السحاب ....... أتاه الرد من القواعد الأرضية ...Good Job!

وبعد الشروق .. نشرت الصحف حصيلة الغزوة الميمونة .......
الضحايا ... 408
النساء........261 بما فيه أم غيداء.
الأطفال......52 بما فيهم أحمد وأخته .
العجزة......97 بما فيهم أبو إبراهيم .

كان هذا أحصاء ... ولكن الجثث الكاملة لم توافق عدد القتلى ... كثيرون كانوا بعض جثة .. والبعض كان أكبر ما وجد منه .. جزءا من كف.


كان هؤلاء هم الإرهابيون الذين يهددون مصالح أمريكا وأمن الخليج..

أحمد وأم غيداء ربما كانا قادة تنظيم معادٍ للولايات المتحده ..أو أنهما قادا تحالفاً لغزو الكويت واحتلال السعودية .

أخته الصغيرة .. ربما كانت عميلة أستخباراتية لنظام إرهابي يهدد أمن النظام العالمي الجديد.

أبو إبراهيم .. بالتأكيد أصولي يدعو إلى العنف ويشجع على التطرف ... ألا يصلي الفجر في المسجد؟؟!


وفي الطرف الأخر من العالم .. أبٌ يتحدث إلى ابنه مربياً ... " من الأفضل التعامل معهم صغاراً .. ومن الأسهل أيضاً"

ويخرج بعدها في مؤتمر صحفي ليقول للعالم بكل صفاقة .....

" يجب أن يعرف الجميع أن مصالح أمريكا دائماً في المقدمة "

"AMERICA ALWAYS COMES FIRST"


وبعد عشر سنين .. يجمع الإبن جنوده ليوضح لأبيه أن قد فهم الدرس ... وأننا لا نقرأ التاريخ.

الضمير
26-07-2003, 06:21 AM
مــا أجمــل أن يبكــــي الإنســـان والبسمــــة علـــى شفتيــــه وان يضحـــك والدمعـــــــة فــــي عينيــــــــــــه
هذا ماحصل معي بالضبط
ــــــــــــــــــــــ

وبعد عشر سنين .. يجمع الإبن جنوده ليوضح لأبيه أن قد فهم الدرس ... وأننا لا نقرأ التاريخ.
ــــــــــــــــــ
احيي فيك فيضان مشاعرك
وروعة التعبير وجودة المفرده
ولاعدمنا هذه الاحاسيس الصادقه

ak84
01-05-2004, 02:14 AM
تسلم على المشاركة ...........
:)

عبدالرحمن الخلف
01-05-2004, 02:33 AM
أخي الفاضل ak84

الموضوع تجاوز المدة النظامية ..

اسمح لي بإغلاقه .