PDA

View Full Version : ربما كانت الماشية أعقل من البشر..!!



الفياض
29-07-2003, 06:05 PM
في يوم بهيج من أيام الربيع اليانعه هب النسيم العليل على القرية الريفية الصغيرة...وأقبل النسيم يدغدغ يتلات الزهور...ويداعب ذوائب الشجر...
وخرج فلاحوا القرية يستبقون إلى مزارعهم الصغيرة...وخلفهم كان الرعاة الصغار من فتيان وفتيات يسوقون ماشيتهم إلى المراعي الخضراء....وهنا وهناك كنت ترى فتاة أو فتاتين قد حملت إحداهما إفطارا لأبيها ....أو تريد مساعدة زوجها في حقله....كانت القرية كلها في ذروة من النشاط....
خلف هذ كله ..كانت الشمس قد بدأت تدب دبيبا خافتا لتعلن للحياة انبلاج فجر جديد....
وهكذا يستمر أهل القرية الوادعة في عملهم...فالفلاحون قد يستريحون في وقت الضهر وعند احمرار قرص الشمس....وقد لا يجلسون لأنهم يحسون في عملهم بالمتعة بدلا من التعب...
أما فتيان القرية فإنهم حينما يكلّون من رعي ماشيتهم فإنهم يطلقون لها العنان خاصة عندما يبتعدون عن القرية فلا حسيب ولا رقيب فينصبون لهم شركا ..ثم يبدأون باقتناصه ...ويجدون كل المتعة عندما يمر عليهم الوقت وهم لم يصيبوه...وهكذا يظلون يقتربون منه ويقتربون حتى لا يصير بينه وبينم إلا مقدار ذراع أو أقل ...ويبقون في لهوهم سادرين ...فلا ينبهم إلا صيحة أحد الفلاحين ..يصرخ بالماشية التى اعتدت على حماه وحقله فيذهبون سريعا إلى ماشيتهم التي بدأت تقفز يمنة ويسرة من الرعب والصراخ..ولا يقفون بها إلا بعد أن يذيقوها درسا لا بأس به في عدم التعدي على حقوق الغير...وما أحوج الإنسان إلى مثل هذا الدرس بدلا من الماشية الضعيفة......!!
وعند المساء...وقبل أن تودع الشمس الدنيا كنت تراهم قافلين إلى بيوتهم هذا قد أخذ لأهله من حقله ما وجده فيه من فاكهة وخضر ..وهذا يحمل بقايا طعامه ..وهذا يحمل فأسه وحطبه الذي سيجعله بد قليل دفأ له
وهناك كنت ترى الماشية الضعيفة فد بدأت أدراجها في العودة إلى حضائرها وكأنها حينما تتسلق الجبال...أو تنحط في الوديان كتيبة جيش قد هزمها العدو فهي تعود كليلة متعبة قد ملأت بطونها طعاما وأجسامها تعبا ونصبا...تعود الماشية وحدها ..فقد عرفت هذا الطريق منذ فترة طويلة..تمضي فيه ولا تقف إلا عند أحواض الماء ...تعب منها ما يملأ الباقي من بطونها...ثم تؤوي إلى حضائرها لكي تنعم بجو دفيء وليلة سعيدة بعيدة عن جو القرية الباردة......
وهكذا كانت القرية الجميلة تغدو كل صباح ,,,وهكذا كانت تعود كل مساء....لا يكدر صفوها كدر ولا يعكر جوها الجميل شيء ولا ينغصه...
حتى كان ذات صباح باهت ..أن رأى الفلاحون...شيئايحوم فوق قريتهم...وقد يهوي إليها قليلا...,وحينا يصعد في السماء ...ففزع الجميع وعادوا أدراجهم سريعا..إلى القرية...يشحذون بنادقهم القديمة ويلمعون سيوفهم ويخرجون بها في الشمس لعل الغازي المجهول يرى بريقها في الشمس فيمضي هاربا على وجهه..
وهكذا ضل هذا الطائر الكبير يحوم فوق القرية ...حينا من زمان...ثم مضى واختفى عن أنضار أهل القرية الصغيرة.....
وبعد أسبوعين أو أكثر من يوم رأو ذلك الطائر العظيم....حلق في السماء من جديد ولكنه لم يرض بالتحليق مرة أخرى بل هبط حتى حط على تل ممهد من تلال القرية الوادعة فابتدر شجعان القرية وأكابرها بسيوفهم وبنادقهم مكان الهبوط...قد آلوا على أنفسهم أن لا يجعلوا لمثل هذا المجهول مكانا بين أحضان قريتهم الوادعة
وعندا وصلوا على حيث حط الطائر رأور رجلين أنيقين يقفان بجانب هذا الطائر الضخم لم يلبثوا أن صافحوهم...وتبادلوا الابتسامات...قفد كان الجميع لا يفهمون لغة بعض وهناك قدم لهم الرجلين هدايا وألبسة جميلة في نضر الفلاحين والرعاة....ثم رفعوا لهم أيديهم يشيرون إلى الوداع وانصرفوا إلى طائرهم الضخم إلي ما لبث أن هدر وزأر زأرة انتفض لها القرية أجمعين ولم ينتبهوا حتى كان الطائر الضخم يغيب في السماء..
التفت أهل القرية إلى هداياهم التي بدأوا يقتسمونها ..حيث كان أغلب أهل القرية متواجدين في هذا الموقع..وكان لشيخ القرية النصيب الأكبر من الهدايا بالرغم من أنه لم يأت إلى حيث كانوا وقوفا خشية على نفسه من أن يهلك فتضيع القرية من بعده....
وبعد أسبوع عاد الطائر الضخم محلقا في سماء القرية....فاستقبله أهل القرية هذه المرة بالترحاب وأهازيج الفرح بدلا من البنادق القديمة والسيوف الصداة ..,حط الطائر في مكانه المعهود..وتوافد أهل القرية على ذلك المكان مستبشرين فرحين...ونزل الركاب وكانوا ثلاثة هذه المرة وهنا كان بإمكان الجميع أن يتحدثوا إلى بعض فقد كان ثالثهم يترجم للاثنين الآخرين...ولأهل القرية الذين كانوا متحمسين لمعرفة مجيء هؤلاء الضيوف...
وبعد أن طلبوا مقابلة شيخ القبيلة ...ودخلوا إلى بيته ..مبدين تواضعا جما...وبعد اجتماع طال الساعة خرجوا من عنده فرحين مستبشرين...واتجهوا إلى طائرهم الضخم الذي ما أن وصلوه حتى أخرجوا منه بضائع وهدايا لأهل القرية وأبنائها ...خاصين الشيخ الكبير بأكثرها وأوفرها......
وهكذا ضل أهل القرية ينتضرون الطائر كل أسبوع ..منتظرين معه هداياه وبضائعه الجميلة..
وبعد برهة من زمن انقطع الطائر الضخم عن الزيارات المتكررة ..وانقطعت عن أهل القرية الهدايا والهبات ..وبات أهل القرية ينتضرونه بفارغ الصبر....
وفي ليلة من ليال الخريف...كان ليلة هادئة ساكنة نعم فيه كبار أهل القرية بنوم جميل...أما فتيان القرية فكانوا مجتمعين إلى ذلك التل الذي حط عليه الطائر أول مرة.... يتحدثون عن جمال ملابس هؤلاء الغرباء وسطاعة ألوانها ..كذلك كان فتيات القرية متحلقات إلى بعض يتحدن عن أناقة الضيوف وحسن مضهرهم...وهكذا ضلوا حتى كاد أن يغلبهم النعاس ..فقام كل منهم يعتمد على الآخر حتى وصل كل منهم إلى مكان نومه ....وغط الجميع في نوم عميق...........!
ومع بزوغ شمس ذلك اليوم الخريفي استيقظ أهل القرية الوادعة على صوت لم يسمعوا مثله من قبل ...فضنوا أنه الطائر الحبيب ..........لا كن لم يروا فوق رؤوسهم شيئا.....وهكذ1 ضل الجميع في حيرة ..فالصوت يقترب ويقترب...ولا كن لا يرون شيئا....
فأمسكوا ببنادقهم...وسيوفهم....وأدخلوا أبنائهم إلى الدور ...وبقوا في أماكنهم ينتضرون انبلاج الحدث...كان الكل مشغولا مهموما...قد ارتسمت على وجوههم علائم القلق...وقد تقببضت وبد عليها الخوف والاضطراب ....بعكس ذلك كنت ترى شيخ القريه ...مبتسما ..هادئا..قد نعم بنوم جميل وإفطار أجمل....لكنهم لم ينتبهوا إليه..أو بالأحرى لا يقدروا أن يطيلوا النظر إلى وجهه ..أو أن يحللوا ما في نفسه هيبة منه وخوفا.....
وفجأة ترآءى لهم غبار من بعيد...يثور وكأنه إعصار يتقدم إلى القرية في بطء وتؤده...والصوت يقترب ويقترب وفجأة لاح لهم أمام الإعصار شبح يسير ما أسرع ما تبينوه ...فقد كان ضيفهم العزيز....فانطلقت صيحة الفرح وأهازيج المرح....واقترب الصوت أكثر.وفجأة بانت لهم أشياء جمة وكأنها الأبنية الضخمة التي سمعوا بها بعيدا عن قريتهم...وكأنها هي أقبلت..تسير في تؤدة وتمهل....وأقبل الشيخ الجليل قابضا علي يد ضيفه العزيز...حتى وقفوا في مكان يشرف على جمع أهل القرية الذي حلق بهذه الأبنية الضخمة يتعجب من كبير صنعها...ويرحب بأناس ينزلون منها..ويقفون بجانبها وكأنهم سكان هذه البيوت قد استقضوا بعد نوم جميل....
وهنا تنحنح الشيخ فالتفت الجميع إليه....فرفع إليهم يده ثم قال : يا أهل القرية أنتم تعرفون مدى حب هؤلاء الضيوف الأعزاء لنا.....وتعلمون مدى حرصهم على سعادتنا...فلذلك فإنهم أخبروني في اجتماعهم بي تلك المرة...بأن قريتنا الجميلة ...تندفن تحتها كنوز عظيمة..هي جديرة بالأخذ والبحث...ولذلك فإنهم سيقومون بهذا العمل الشاق بدلا منا نحن...وكأني بكم يا أهل القربة وقد وجد ضيوفنا الأعزاء هذا الكنز ومنحناهم جزاء يسيرا منه ثم أخذنا الباقي نقتسمه فغدونا سادة الناس وأباطرة الدنيا.....وإن كل ما يطلبون منا هو أن لا نعارضهم في أي ارض بحثوا أو نقبوا...وهم يعدونا بعد ذلك بالكنز العظيم....
فصفق أهل القرية البلهاء له ودعوا له بطول العمر والصحة والشباب...وللضيوف الأعزاء بالتوفيق في الكشف عن هذا الكنز العظيم....
وهنا تحركت الأبنية الضخمة واستقرت في أول مزرعة وصلت إليها وكانت لشاب يتيم من أهل القرية فداسوا زرعها وثمرها ثم أقبلوا ينقبون ويحفرون أرضها والمسكين لا بنبس ببنت شفة خوفا من الشيخ الجليل وإيمانا بالكنز العظيم...
وضل الضيوف من مزرعة إلى مزرعة...حتى كان ذلك اليوم الذي صاح فيه الضيوف...مستبشرين بالكنز العظيم....وأقبل أهل القرية فوجدوهم قد وضعوه داخل أوعية كبيرة مستديرة ...وقالوا لهم إننا سوف نرسله إلى المدينة لنتحقق من غلائه وجودته.....
وعاد البشير من المدينة بالأوعية فارغة .....وبأياد محملة بالهدايا والنقود....واستقبله أهل القرية فرحين ,,,تقاسموا الهدايا داعين لهم بالفوز والنجاح...واجتمع الضيوف بشيخ القرية وأعطوه مبلغا لم يكن يحلم بأخذه لو عاش مائة عام أخرى....وطلبوا منه مغادرة القرية هو وأتباعه لأنها لم تعد صالحة للسكنى مع هذا الدخان الذي أصبح يخيم على سفوح تلال القرية الوادعة....
تذمر الشيخ في البداية ...لا كن الضيف العزيز ضحك ضحكة جوفاء ...ثم قال ...لا تخف سنشعل نارا عضيمة في أحد المزارع.....ستكون ذريعة لك عند أهل القرية...بالذهاب من القرية...ومغادرتها...
وهكذا ذهب الشيخ قابضا على يد ضيفه العزيز....حتى وقفوا على مكان يشرفون منه على أهل القرية الذين اجتمعوا إلى النار العظيمة ينضرون إليها وهي تحطم أشجارا زرعها آبائهم وأجدادهم..بأيديهم...وسقوها بعرقهم حتى غدت باسقة الفروع يانعة الثمار ...فتنحنح الشيخ ثم قال: تعرفون خطر هذه النار ..وشدة حرها...وخبث دخانها...فلا بد لنا من مغادرة القرية...لأننا مهددون بالخطر عندما نبقى هنا..وضيوفنا الأعزاء قد وعدونا بحمل الكنز إلينا أينما نرحل ونذهب وشرطهم هو المغادرة من القرية فقط ....
وهنا بدأ التذمر على وجوه أهل القرية...والغضب فما كان من الضيف العزيز إلا أن رما إليهم بهدايا لم يروا مثلها ووعد أول الراحلين بأكثر من ذلك نقودا وهدايا
فانطلق أهل القرية يلمون بضائعهم وملابسهم وأدواتهم تأهبا للرحيل

وفي صبيحة يوم من أيام الربيع الباسمة كانت الماشية تغادر القرية وخلفها لم يكن الرعاة بل كان خلفها أهل القرية جمعاء ..وهنا تذكروا مسيرتهم كل يوم إلى الحقول و المزارع الصغيرة فأطلقوا أنة تأوه وحزن لم يسكتها إلا تنحنح الشيخ الذي كان يسير خلفهم بعصاه...وكأنهم ماشية أمام راعيها
وضلوا يسيرون ويسيرون..حتى غربت شمس ذلك اليوم...وهنا وجد الشيخ الجليل كل الصعوبة في رد الماشية التي تعودت الرجوع إلى قريتها في مثل هذا الوقت ولم تجد معها كل أنواع التهديد..والعنف...فرمى إليها بهدايا من العشب الأخضر ..لكنها لم تلق له بالا ....وانطلقت في طريقها إلى القرية ....فما كان من أهل القرية إلا أن ساروا خلفها....شاقين طريقهم إلى القرية

وعلى سفح جبل كبير كان هناك رجل يراقب الموقف كاملا...ضحك بملء فيه ثم قال :ربما كانت الماشية في يوم ما أعقل من البشر في طلب الحقوق والثورة ضد الطغيان......!!

موسى الأمير
30-07-2003, 08:05 PM
الفياض .. مرحباً بك في سماء الساخر ..

قصتك جيدة تنم عن إبداع قادم ..

أنصحك بقراءة القصص القصيرة للمنفلوطي وغيره فسوف تستفيد من تجاربهم ..

ونحن بانتظارك ..

روحان ،،

الفياض
02-08-2003, 11:24 PM
بارك الله فيك يا أخي..........
وأنا سوف أجري عليها بعض التعديل ومن ثم سوف أنزلها في مقالات ساخرة
بأذن الله...

الرحال اليماني
03-08-2003, 05:52 PM
قصتك .. رائعة ..

تخفي بين ثناياها إلى جانب الجمال ..

ودقة التصوير ..

معان سامية ..

إلى الأمام ..

وبانتظار تعديلاتك ..

الرحال ،،

الفياض
08-08-2003, 10:09 PM
جزاك الله خير أخي الكريم

وهاهي القصة في مقالات ساخرة تحت عنوان:

هنا يرقد أبو رغال عصره...

تحياتي لك