PDA

View Full Version : الحَمَام في كوفنتري



ThirdEyeBlind
02-08-2003, 12:04 AM
-1-

أهلاً بالشيب.

تحقيقاً لنبوءة صديقي الذي لقبني بالوقور من قبل خمس سنوات.
أهلاً بالشيب أو على رأي السوريين (أهلين بحارتك)

لم ألمس ذلك الجزء السوري بي إلا عندما صعدت جبل قاسيون ، هناك تُطل على المدينة كلها و لا شئ فوقك إلا السماء، لا تعلم من أين يبدأ أو ينتهي الأفق و لم أشعر بنفسي بأني صغيرٌ أمام هذا التراكم الهائل من الأبنية و الشوارع و الناس المذهولين بثقافة الإسفلت ، لم أشعر بأني صغير أبداً بل أحسستني كبيراً ، و زَرَعَت دمشق بي شعوراً آخر بقربي من نفسي.

كنتُ كلما زرت سوريا احتجزني جدي عنده في مزرعته بمنطقه تقابل جبل الشيخ تماماً اسمها (خان دنّون) . جبل الشيخ هذا رابض على مفترق لبنان- سوريا و من عليه تستطيع أن ترى – بقليل من الغيوم – فلسطين.
و هناك في خان دنون أخبرني المحتجز الآخر ابن خالتي بأن خالنا لم يسافر إلى روسيا كما تجيب نساء العائله كلما رأينا صورته في الألبوم القديم ، إنما هو سجين في أحد سجون تدمر.
يبدو أن لعائلتنا جذراً قوياً في الإرهاب و مقاومة الإحتلال، ربما من هنا استنتجتُ فكرة احتلال سلطة لوطنها.
فمن ذاك المبنى في أقصى جنوب شرق عمّان إلى ذاك في أقصى غربها قصصٌ لا تُروى بالتأكيد فخراً.

يا أهلاً بالشيب

ترك ظهور الصحّاف في هذا الوقت بالشعر الأشيب تأثيراً كان من توابع زلزال النكسة الثانيه.
قلتُ لصديقي يومها هل أحسست بعمان يوم سقوط بغداد ؟ هل شعرتَ بالهزيمة تختال في شوارعها و تقتعد مقاهي الأرصفه ؟
حتى تلك العجوز التي أقابلها كل يوم على موقف السرفيس ، متشحة السواد و التجاعيد ، و من أطراف ربطة الرأس تنفر بعض خصل الشيب. لا أعلمُ لماذا أكن لهذه العجوز إحساساً غريباً حتى أني اقتربتُ مرةً من الجلوس معها على الرصيف و إخبارها بكل شئ.
كل شئ ! هل أملكُ أسراراً لأخبئها ؟ لا أعلم ، أعلم فقط بأني أملك من الصور في عقلي ما يكفي لترمي بي بعيداً عن باقي الناس (العاديين).
حتى تلك العجوز التي كلما مدّ عليها أحد المارة ببعض النقود تبكي. هذه العجوز التي تشعر بالمهانة كل دقيقه لم تكن لتشعر بإحساس أمرّ من تلك الهزيمه.

عندما يوجعك الوطن و الشوارع و أعلامٌ تنتحبُ سراً على كتف الغيوم .
عندما يكتب أخاك الصغير قصيدة يُقارب إحساسه فيها يأسك ، تكون قد هرمت.
و تبقى حكاية بضعة شعيرات بيضاء تتسلق على جانبي رأسك منطقيه.
فأهلاً بالشيب.


-2-

فهل سمعت عن صُداع ٍ حسّي ؟

نتحدثُ هنا عن مصطلحات نفسيه لا طبيّه ، فهناك الصداع التوتري ، و النصفي الذي ينتج عن التوتر أيضاً ، لكنني عندما فتشتُ عن مصطلح الصداع الحسي وجدتُ لهُ تفسيراً وحيداً.

أنتَ مُلقىً على كرسيٍّ مهترئ في الباص ، تنسى كالعاده بأنك يجب أن تختار الجانب الشرقي ، عندما لا تكون الشمس تسبح في الجانب الغربي من السماء فيلفحك هواء أشعتها ، و تحتارُ في وصف هذا النافذه فتارة تخبر نفسك بأنها نافذة للشمس ، و أخرى تخبرها أنها نافذة للجحيم
و ما يهمك ، فكلاهما من نار.
ذلك الشعور الذي يخدرك فيخدش جفونك و يسبح في غبار رأسك ، فتستسلم لأفكارٍ جوفاء.
أذكر مرةً بأني جلستُ في المدرج الروماني لساعة و نصف ، حاولت بعدها أن أذكر بم فكّرت كل هذا الوقت ، وجدتُ أني كنتُ أفكر بلا شئ، فقط صورة نفسي جالساً على مقعدٍ حجري.
و ذلك الشعور الذي يصحبُ خَدَرَك ؛ من جوع و عطش و إرهاق و نعاس .
فتفكر بالمعنى الإنجليزي المرادف للجوع ، حيث يكفيك أن تقول (Starving) بدلاً من (أتضور جوعاً) أو (سأموت من الجوع) ، و بنفس الطريقه ترى أن (Exhausted) تعبر بخطىً واسعه كلمة (مُرهَق).
ترى من النافذة أناسٌ يرتمون خلف نظارتك السوداء ، شجيراتٌ صغيرةٌ على جوانب الطريق تمر بسرعةٍ عبر أصابعك ، ترمُقك الأيائل الصغيرة بحزنٍ جميل فتتبع أثرها لتجد بأنك ما زلت هنا.
لا نتحدثُ هنا عن مصطلحات .
نتحدثُ هنا عن صداعٍ حسّي.


-3-

قال لي صديقي بأن أكثر ما يزعجه في كوفنتري هو الحمام.

تذكرتُ حينها صورة كبيرة لأبي في روما بالشارلستون و شعر الخنافس.
كان يملك شاربين تبني عليهما حمامةٍ عَشاً رغم أن الحمام لا يبني أعشاشهُ في شاربي الغير!
كان واقفاً في ساحةٍ تدلت آثارها القديمة على الشرفات و الأرصفه، مادّاً ذراعيه كالمصلوب و الحمام من على جانبيه و أمامه كأنهُ موشكٌ على الطيران به.
كلما نظرت إلى تلك الصوره نَفَرَت أطيافٌ بيضاء على أجنحتي و حملتني ل لا شئ.
كم أحب تلك البقعة البيضاء في عقلي ، الخالية من كل شئٍ إلا النور و المليئة بصورٍ لنفسي .. كم أصبحُ جميلاً بتلك البقعه .
مرة لعبتُ الشطرنج مع ملاك فغلبني لكنني لم أحزن ، و لا أدري كيف لمح صديقي الملاك دمعة في صدري فأخرج منديلاً من جيبه و مسح صدري فمت.

لن أخبرك بما رأيت عندما متُّ.. لكن قل لي يا صديقي كيف يكون الحمام أكثر ما يزعجك في كوفنتري

غريبفيمدينة
02-08-2003, 02:13 AM
عندما يوجعك الوطن و الشوارع و أعلامٌ تنتحبُ سراً على كتف الغيوم .

قلت....وأعلام....نعم واعلام....

نكون قد........قد هرمنا......وقد انتحبنا

شكرا لك

تحياتيmdh

ThirdEyeBlind
04-08-2003, 08:15 PM
و السلطات تُعدُّ - مسبقاً- قبوراً مهيئةً للإحتفال

غريب في مدينة ..

تحياتي المثقلة بالوطن :)