PDA

View Full Version : ضوء السواد



ThirdEyeBlind
24-08-2003, 08:32 PM
تهادى الليل و أطبَقَ على عنق المدينه ، و مضى يبحثُ عن شوارع تلفظُ ضوءها الأخير.
كان اليوم بارداً كالعاده ، أبَتْ فيه الشمس إلا أن تستسلمَ لرماد الغيوم الخانقه و بدَت تلك الغيوم توابيت لأشعتها. أما آن لهذا الشتاء المُضني أن ينتهي .. تراءت لي مقدّمة النشره الجويّه بمعطفها الأسود الطويل و هي تُشير بيدها و ابتسامة لا لونَ لها إلى منخفضٍ جديد و هبَطَت في مخيلتي تداعيات هذا المنخفض : سماء و شوارع تنزف في آنٍ واحد ، وجوهٌ متجهّمه في موقف الحافله ، لم أعد أذكر آخر مرة رأيتُ بها ما يشجعني على التفاؤل صباحاً.
سوف ترتَجِف من البرد و سوف يبدو لها صدري مكان بعيد المنال من دفءٍ و حنان. لو أنني فقط أستطيع أن أُدير ظهري لكل شئٍ هنا و أتجه شمالاً لأصلها و أضمها ، و أبحثُ عن مكان ملائم لأصابعي على وجهها.. قلتُ لها : سأطيل النظر في عينيكِ .. لكني لا أريد أن أعرف ما لونهما .. صمتَت .. و لفَحَت أنفاسها المشتعلة وجهي تلعنُ المسافات .. أنتَ شرير و بعيد .. كم أحب تعابيرها الطفوليّة تلك و أبحثُ دائماً في كلامها عما يكسر قسوة كلماتي التي ألقى بها جفاف سنيني من امرأة مثلها في صدري.

لم يعد هناك من خيار إلا مشاهدة التلفاز و متابعة ما يجري في العراق حيث يستفزني نبأ هنا و يثيرني خبر هناك ، و بما أن بث أي شئ غير أنباء الحرب يُعَد خيانة عظمى و تُتّهم تلك القناه بالتآمر مع المخابرات الأمريكيّه. إمتلأ رأسي بصور المراسلين المُتَحفزين للإنبطاح على الأرض عند سماع صوت انفجار ما.


قررتُ منذ صغري أني سأصبح صحفياً لأغير صيغ التقارير التى تُحشى بها الجرائد بإملاءاتٍ حكوميه ، و ألغي مصطلحات ترسَّبت في ذهني من جرائد رسميه أو شبه رسميه . لم تكن لدي فكره عن التكنيك الذي يجري به العمل الصحافي، إلى أن وصلت إلى مفترق ما يُسمّى الأدب / الصحافه ؛ كلاهما أو أحداهما ، بحيث كنتُ أُشير في كل نقاش إلى أن كلا العملين يُثري الآخر ؛ فالأدب يُثري أسلوب المُراسلين بالمرونه و استعمال مصطلحات رشيقه تنهض من قاع المصطلحات الذي ترسبت به منذ نشأة الحكومات القسريه و أحكامها عرفية كانت أم إحترازيه في احتضان الصحافه و نزع لسان الشعب منها.
و الصحافه تمنح الأدب واقعيه يحتاجها الأديب في شطحات خياله المحمومه في بحثه عن واقعيه نائمه تغفو في أحضان خيالات، و إصابة الهدف و الإنتثال للحقيقه التي أتهم الأدباء باسدال ستار الأحلام و الكذب عليها.


أذكر أني تناقشت و صديقه بموضوع كذب الشعراء و تساءلت هي عما يُشاع بأن الشعراء كذابين ، قلت لها – مقنعاً نفسي- أن الكلمه الأمثل لوصف هذه الحاله هي حالمين ، لأن الشعراء بطبيعتهم متمردين ، و إن لم يجدوا شيئاً ليكتبوا عنه لجؤوا إلى ردم الهوه ما بين الواقع و الحاله التي يعيشون بها بالخيال ، لذا يشعر معظمهم بالغربه عن نصوصهم بعد أن تُنفَض عن صدورهم ، و يعيش معظمهم حالة صراع نفسي بين الوعي و هو هنا الإنسان العادي الذي يذهب لوظيفته كل يوم كباقي الناس ، و يستقل الحافله و يسعى لإستقرار نوعي في حياته كما باقي الناس أيضاً ، و بين اللاوعي الذي يتمرد على هذا الواقع و يطمح لحياة أفضل و يثقل كاهله ببوحٍ صامت على الورق.


أنقذَني من هذه الدوامه هاتف صديقي : أنا في الطريق. حسناً .. هذا بالضبط ما أحتاجه للهروب من بقايا يوم متعب آخر.

جلست في السياره ، كان الليل قد أشبَعَ رغبة أضواء الشوارع في الإبهار ، و طفقتُ أراقب تلك الهالات الشاحبه التي تسبح حول كل ضوء .. لو أنني أستطيع تصوير كل هذا ، نفضتُ الفكرة عن رأسي ، نافضاً بالوقت نفسه حلماً آخر.
ما بك صامت .. نظرتُ إليه و كنا قد قطعنا بعض من الوقت كأني أراه لأول مره منذ أن إنطلقنا، كانت نظراته تائهه كأنه يبحثُ عن شئ لا يوجد ما برح أن أرّقهُ طوال الأسبوع الفائت منذ أن رأيته لآخر مره.
لم أنم من أربع و عشرين ساعه .. قالها و هو ينظر إلى الطريق و ابتسمَ كَدَراً .. رددتُ إليه ابتسامته بابتسامة أكثر كدراً.. جلت بأصابعي بين المحطات بحثاً عن أغنية تكسر هذا الجو المُتعب.. و بدا لي أني أستمتع أكثر بالتشويش بين المحطات.
إلى أين ؟ .. كالعاده.. كنا تعودنا على أن نجلس في الماكدونالدز منذ أربع أو خمس سنوات ، بعد أن جربنا كل الأماكن التي تتيح لنا الإكتفاء بقليلٍ من قهوه و سجائر ، و الكثير من الكلام ، فانتهينا إليه لأسعاره المعقوله و جوّه الأكثر ملائمةً لتعب أسبوع كامل. كنا قد أقنعنا أنفسنا – دون الحاجه لأن يصارح أحدٌ منا الآخر- بأن مقاطعة البضائع و المحال الأمريكيه لا يُجدي ، و استشهدنا بأصدقاءٍ لنا يعملون هنا .. و بكثير من الأنانيه قائلين أن لا مكان نرتاح به إلاه.


نزلنا من السياره و لا حظنا من خلال الواجهه تسمر الناس على شاشات التلفاز ، و لم أستطع إزاحة الفكره الخبيثه التي مرّت برأسي لصورة شاكيرا ببنطالها المثير على المسرح.
دخلنا ، و بينما كان صديقي يطلب القهوه إتضحت لي الصوره ؛ كان معظم موظفي المحل قد تركوا أماكنهم و وقفوا امام التلفاز و شاركهم نصف الرواد تقريباً ، كان صوت التلفاز يغطي على كل الأحاديث الجانبيه التي إنتشرت بين الطاولات، كان القصف على بغداد قد بدأ ، منهم من تابع صامتاً ، و منهم من حوّل الأمسيه إلى نقاشٍ سياسي ، و آخر من افتعل من الموضوع كله نكته.
أخذنا طلبنا و اتجهنا بعفويه إلى أقرب طاوله إلى التلفاز و جلسنا. هل تريد كيس السكر هذا ؟ .. ستُصاب بالسكري مبكراً.. رفع يده أن لا أُبالي .. فقد تعود مني هذا الجمله.

صمتنا نتابع التلفاز و أنا أطالع صور مراسل الجزيره بين دخان السجائر المحموم في طريقه إلى الإختفاء، ترى هل يعلم الدخان في سباقه المحموم هذا إلى الأعلى أنه يتجه إلى حتفه .. و مضيت أمارس هوايتي المفضله : مراقبة الناس عندما يشغلهم شئ ما.
على يميني كانت مجموعة من شباب و شابات في مقتبل العمر يتكلمون و يضحكون بصوتٍ عالٍ كأنهم على كوكب آخر أو في مقهىً آخر، و انتشرت أزواجٌ من الجنسين يهمسون لبعضهم ، كأن الحب أصبح خيانة في هذه اللحظه.
على الطاوله المقابله لي جلست فتاتان تتابعان الشاشات بقلق ، الفتاه المُقابله لي وضعت كفيها على خديها و أخذت تمتم كلما لمع ضوء انفجار قوي.

و بينما كنت أجول ببصري بين الوجوه لفت انتباهي وجه فتاة كانت تجلس مع شاب في صدر المقهى ، بوجهها المُمتلئ و ابتسامة عينيها .. إنها تشبهها حقاً .. طردتُ فكرة أن تكون هي من رأسي و قلت لصديقي الذي ما زال يُتابع الشاشه بقلق.. أنظر هناك تلك الفتاة ذات الرداء الأسود خلفي .. ألا تشبهها ؟ نظر إليها و قال : حرام عليك يا رجُل.. قلت له إنها حقاً تشبهها ، و رحت أسترسل بالتفاصيل التي تجمعهما .. كم أعشق وجهها .. و تلك الإبتسامه و شعرها الأسود المراوح بين الطول و القِصَر.. قلت لها يوماً قولي أني مجنون لكني أحس بأني أملكُ شعركِ .. كل إنحناءاتِ خصلة منه .. كلي لك قالت.
يا صغيرتي.. أنتِ أيضاً هنا تنتحلين جسد غيرك و ترافقين خطواتي و تنسحبين على كل فكرة أفكرها، أما قلت لكِ بأني أفكر عن إثنين . أستمتع بذلك الخدر اللذيذ الذي يرافق تفكيري بكِ و أمتصّه حتى الثماله و أعلم –بشكل غير منطقي- بأنك تفكرين بنفس الشئ و بنفس اللحظه .. هل هذا ما يسمونه بتوارد الخواطر؟ لا بد أنه هو. لم أؤمن يوماً بهذا الهراء و حتى لو أني سمعت شخصاً آخر يتكلم عنه لقلت أنه حالم.. لكنني أشعر به خلافاً لكل المبادئ التي عشتها و طبقتها ، بدءاً من نظرية السبب و المُسبّب ، مروراً بالواقعيه المفرطه ، إنتهاءاً بانشغالي عن هذا الأفكار بأمور أكثر واقعيّه..
لم أكن أشعر به فقط .. لكنه كان حقيقه ، و كنت دائماً تظهرين لي بهذه اللحظات -و ما زلتِ- لتقولي لي أنتَ تفكر بي ، أو أشعر بأنك ليس على ما يرام.. و كان هذا حقيقه.
ديار .. هل تسمعني .. أرجو أن تكون بخير .. كان القصف قد أضاءَ جزءاً كبيراً من محتويات الصوره في التلفاز.. و كانت الكاميرا مسمّره نحو نقطة واحده دون أن تتحرّك .. و ساد صمتٌ مخيف .. تساءل صديقي عما إن كان هذ1 الهدوء الذي يسبق أو يلي العاصفه.

لم يقطع هذا الهدوء إلا صوت رنين هاتفي معلنا عن رساله.. فابتسمتُ و أنا أعلم من مرسلها و ما بها.
لا تنظر إليها هكذا ! أنا بغار موت.. يا صغيرتي كم أحبك .. و كم أحب خوفك و قلقك و غيرتك.. كم أعشق تلك اللحظه الذي تصمتين بها .. و أكاد أرى عينيكِ تلمعان من بعيد.. هل سمعتِ يوماً عن سوادٍ مُضئ؟ سواد عينيكِ يُضئ ليلي .. أحب بكِ دمشق التي لن تحترق.. و عمّان النائمة في جرحي .. و بغداد التي تنزف نهرين.. و شوراع..
ديار.. ديار العمري هل تسمعني.. يبدو أن زميلنا ديار قد ذهب للإختباء في ملجأ..
و أحبك حتى امتلاء الأفق بالمآقي الذابله .. و حتى انشغال الليل ببقايا الصور .. أحبك حتى التعب و حتى انطفاء الشمس في صدري .. أحبك .. و أنطَفِئ ليلاً آخر في سوادك .. و أشتعلُ حبّاً يرسم الورد القاني على وجنتيكِ و يعصفُ بجسدكِ المشغول بسنابل قمحٍ و ياسمين ..
أرجو أن يكون ديار و زملائه بخير.. ديار هل تسمعني.. ديار..
أحبك حتى تشظّي المرايا لانعكاسات القُبَل .. و صمت الخطوات حين أمشي من غير طريق.. أحبك حتى انعطاف الروح على روحٍ تمرّ عبقاً للياسمين في صدري .. و أحبك حتى.. لا يهم .. المهم أني أحبكِ.

__________
آذار 2003

موسى الأمير
24-08-2003, 10:44 PM
الحب حين يقسو حتى على المآسي يصبح جنوناً ..

كنت حالماً وإن لم تكتب شعراً ..!