PDA

View Full Version : ( يوم رهيب في المحكمة )



منصور الظاهري
31-08-2003, 12:34 AM
***********
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

كنت جالساً في المنـزل في تمام الساعة العاشرة صباحاً أتصفح المواقع على شبكة الإنترنت وأتنقل من موقع إلى موقع، وفجأة إذا باب منـزلي يطرق طرقاً عنيفاً نهضت من مكاني مسرعاً وأنا أدعو الله أن يكون طارق خير فتحت الباب فإذا أنا أمام شرطي ( رجل أمن ) أخذتني الدهشة أو قل الرعب ولم أتكلم بشيء سوى أنني وقفت مدهوشاٍ، قال الشرطي : أنت فلان ؟ قلت بعد تردد : نعم وكادت هذه الكلمة ألا تخرج من فمي وقد ضاعت بين أمعائي وجفت عروق حلقي فلم تستطع أن تحملها ..
قال الشرطي : أنت مطلوب حضورك غداً للمحكمة ، وهذا هو بلاغ الإحضار تفضل وقَّع على استلامه . قلت : أنت متأكد -رحمك الله-؟ قال : ألست فلان الفلاني ؟ قلت : نعم هو أنا بشحمه ولحمه قال : إذاً وقَّع . وقّعت على الورقة وأخذت أذرع البيت طولاً وعرضاً أستحذي الفكر عن سبب هذا الطلب، فأنا رجل أخاف من ظلي كما يقال ، وليس لي ولله الحمد خصوم أو أعداء، فقامت تأخذ بي الظنون كل مأخذ واستعدت شريط الذكريات سريعاً علي أعثر على سبب لهذا الطلب ، وفجأة طرأت لي فكرة سريعة ، وهي أن أهرب فوراً فأسرعت ألملم أغراضي !! ثم رجع إليّ رشدي وقلت : سبحان الله أهرب ولِمَ أهرب ؟ أنا لم أفعل شيئاً يضطرني للهرب ثم إنهم سيعثرون عليّ عاجلاً أم آجلاً .
فتذكرت رحلة هروب ( صقر قريش ) عبد الرحمن الداخل وما صادفه فيها من الأهوال والمصائب وقلت : كيف لو كان في زمننا هذا ؟ والأنتربول الدولي موجود ، لكانت رحلته لا تتعدى أميالاً قليلة ثم يلقى عليه القبض .
ثم أخذت أتأمل في حالي فتذكرت قول الشاعر :
ضاقت به الارض حتى كاد هاربهم *** اذا راى ( غير شيء ) ظنه رجلا
المهم أني بت بشر ليلة أنتظر الصباح .. ولما أتى الموعد المحدد ، توكلت على الله بعد ما دعوت دعاء المكروب، وأطلقت قدمي للريح باتجاه المحكمة ، دخلت المحكمة فإذا أنا بشرطي يقف على باب القاضي ، فألقيت السلام عليه وقلت : أنا فلان الفلاني وقد طلب حضوري للمحكمة ، فاعتدل الشرطي في جلسته وكأنه سمع شيئا غير سار وأخذ ينظر إلي قليلاً وباشمئزاز، ثم أخذ يقلب ناظريه في من رأسي إلى أخمص قدمي .. قلت لا شك أن الأمر كارثة، وعادت لي الأفكار مرة أخرى وقلت : ليتني ـ وهل ينفع الندم الآن ـ هربت ونجوت بنفسي ، وليكن ما يكن وكما يقال ( يا روح ما بعدك روح ) .
قام الشرطي بعدما جمد الدم في عروقي، وفتح الباب ودخل إلى القاضي ليخبره بوصولي الميمون .. وهنا قررت أن أغتنم الفرصة ، ( وهل الحياة الا فرص ) فالأمر فيما يبدو خطير والنجاة النجاة .. استدرت للخلف وبدأت المسير على رؤوس أصابعي كي لا يسمع لي صوت ، وعندما وصلت الباب الذي يؤدي إلى ساحة المحكمة ومن ثم إلى البوابة الرئيسة، فإذا أنا بصوت يناديني قائلاً إلى أين أنت ذاهب ؟ حرت ولم أستطع جواباً قلت هاه .. نعم .. لا فقط أردت أن أتفرج بهذا المكان وأرفه عن نفسي قليلاً ..
قال :استرح هنا فالقاضي سوف يطلبك الآن ، جلست .. وما هي إلا لحظات وفتح الباب فإذا برجل يقول : أين فلان ؟ سكتُ ، ثم كرر مرة أخرى أين فلان ؟ فقال الشرطي : ألا تسمع إنه ينادي عليك أجب .. أجبته بعدما بحثت عن الكلمة التي ضاعت بين عروق حلقي قلت : نعم أنا هو ذلكم الضعيف المسكين .. قال تفضل بالدخول معي . دخلت على القاضي فرايت امراً منكرا ؟؟ رايت الشرر يتطاير من عيني القاضي .. فنظر إلي القاضي برهة .. ثم طار طائره وثار ثأره فزمجر قائلاً أهو أنت فلان ؟؟ قلت نعم . قال : ألا تستحي يا قليل المروءة وعديم الحياء أتفعل هذه الأفاعيل؟ وأخذ يزبد ويرعد .. فارتعدت يداي وجف حلقي وكدت أن أسقط على الأرض .. ثم تمالكت نفسي و قلت : وما فعلت -رحمك الله- قال : ألا تعلم .. قلت : والله لا أعلم .. قال : يا فلان هات أوراق الادعاء التي عندك .. فذهب ليحضرها .. ( فمرت علي تلك اللحظات وكأنها اعوام ) .. ثم أتى بها بسرعة أسبق من البرق .. قال القاضي : هذه ورقة إدعاء مقدمة من الكتب التي عندك بمكتبتك المنـزلية .. تشتكي فيها من الظلم والإهمال التي تلاقيه منك بعدما أدخلت في بيتك هذا المسمى ( الإنترزفت ) و والله لأجعلنك عبرة لغيرك ممن سلكوا هذا المسلك، وسأجعل تأديبي لك بمثابة رسالة لأولئك الذين فعلوا مثل فعلك ... ألا تستحي ؟؟
أين أنت من أسلافكم ؟ أبعتم الغالي بالرخيص والمفيد بغيره ؟
قلت :يا فضيلة القاضي : أنا لم أشتر هذا (الإنترنت ... وليس الإنترزفت) كما تقول -غفر الله لك- إلا منذ شهر ونصف فقط ... وانا ؟؟ ... فقاطعني قائلا : بل هو اسمه الإنترزفت ... وإلا كيف يجعلك تترك هذه الكتب منذ أن أدخلته منزلك وتعكف عليه وأنت من كنت تقضي الساعات الطوال يومياً مع الكتب، تقلبها وتحن عليها أكثر من نفسك وتستفيد منها ... ألا تعلم أن الكتاب إن وعظ أسمع ... وإن ألهى أمتع ... وإن أبكى أدمع ... وإن ضرب أوجع ... يفيدك ولا يستفيد منك ... مؤنس لا ينام يفيدك علم الأولين ويخبرك أخبار المتأخرين ... ثم بعدما أسكنت هذا الجهاز بيتك تبدل حالك وساءت أفعالك , واستدعى القاضي بالكتب التي قامت بتقديم هذه الشكوى ... وكان في مقدمة من حضر كتاب (أباطيل وأسمار) وقد كنت اكن لهذا الكتاب مودة عظيمة فقال كتاب اباطيل واسمار : يا فضيلة القاضي : إن هذا الماثل أمامكم كان لا يكاد يمر يوم من الأيام إلا ويأتيني ويقلب صفحاتي ويمسح الغبار عني وكأني ابنه أو قطعة منه ، حتى إنه قال له في يوم من الأيام صاحب له : أعرني هذا الكتاب يا فلان . فقال : أطلب المكتبة كلها إلا هذا الكتاب فإني لا أصبر على بعده لحظة واحدة ... والآن يا فضيلة القاضي لم أره منذ ما يزيد عن الشهر وتراكمت الأتربة على صفحاتي ولم أجد من يعتني بنظافتي، وكل ذلك بسبب هذا المسمى الإنترنت . أيرضيك ذلك أيها القاضي الكريم ؟... قال القاضي وبغضب وقد احدثت هذه الكلمات فعلها في مشاعره : لا عليكم أيها اليتامى والله لاجعلنه عبرة لغيره ولاجعلنا الشرطي يمزق ظهـره بالسياط حتى يذوق وبال أمره وسآمر به ليرمى بالسجن إنها والله المهزلة والظلم ..
وبعدما رأيت أن الأمر وصل بالقاضي إلى هذه الدرجة من الغضب ... وقد استنكرت فعلي الذي أقدمت عليه بغير قصد ، قلت : يا فضيلة القاضي ، إني أعترف بخطئي وقد تبت عما كنت أفعل وأعدك بأن أكون مثلما كنت سابقاً ، ولكن اصفح عني ولا تزدني هماً إلى همي ، فقد أثر علي كلام (كتاب أباطيل وأسمار) حتى كأن له وقع السياط في قلبي...
قال القاضي بعد طول تفكير : سأصفح عنك هذه المرة ، ولكن تكتب على نفسك إقراراً بعدم تكرار ذلك ، قلت : افعل . فنادى على الكاتب وقال : اكتب إقراراً على فلان بعدم هجره مكتبته وأن يعطيها من وقته كما كان سابقاً ... فأخذ الكاتب يعد الأوراق . فسرحت بخيالي وتذكرت أخانا الحكيم النجدي , وقلت : إذا كانت هذه الكتب التي في مكتبتي وهي لاتصل إلى نصف مكتبته قد فعلت الأفاعيل بالقاضي وجعلته يكاد أن يضربني بالسياط ... فكيف إذا أتت كتب مكتبة الحكيم النجدي ؟ والله ما أحسبه إلا وسيحكم عليه بالإعدام ... بل إن المحكمة ستغلق ذلك اليوم وتستنفر الموظفين لأخذ أقوال هذه الكتب الهائلة . ثم قلت في نفسي : ليت ذلك يكون ، أليس هو من أغراني بشراء هذا المسمى الإنترنت ... ليته يعرف ماذا حل بي بعد رأيه ... وبدأت أحوقل وأسترجع ...
وبعدما انتهى الكاتب من إعداد الأوراق ووقعت ثم هممت بالخروج من بوابة المحكمة إذا بعدة كتب تتجه إلى مكتب القاضي ... قلت في نفسي : الهرب يا فلان ... لابد أنها من بقية كتبي التي أعلنت الانقلاب علي . الهربَ الهربَ قبل أن يغير القاضي رأيه ويسفك دمي.. وليس ذلك جبناً مني فالشجاعة مزية من المزايا التي اتمتع بها ؟؟ ولكنني بعدما وضعت يدي على رقبتي اتحسسها تذكرت قول الشاعر :
ولو انني في السوق ابتاع مثلها *** وجـــــدك ما باليت’ ان اتقدما
فخارت قواي وانفل عزمي .. وفي هذه اللحظة العصيبة مر بجانبي أحد هذه الكتب، فأخذت أمعن النظر فيه لأتأكد، فإذا هو مكتوب عليه (خزانة الأدب ... المجلد الأول ... وإذا بختم على صفحته الأولى مكتوب فيه ... مكتبة الحكيم النجدي المنزلية ... ) فخرجت مسرعاً أحث الخطى إلى مكتبتي طالباً النجاة ...


بقلم / اخوكم منصور الظاهري

هوامش :
1/ كتاب ( اباطيل واسمار ) هو كتاب الفه شيخ العربية . محمود محمد شاكر رحمه الله تعالى دفاعا عن اللغة العربية وما يراد بها من قبل الحاقدين من مخلفات الاستعمار وهو بحق .. معركة ادبية رائعة خاضها الشيخ محمود شاكر باسلوبه المميز وبغزارة علمه المعروفه .. وهو جدير بالاطلاع ..
2/ المقصود بالقاضي هنا هو ( الضمير ) ...
3/ الحكيم النجدي . اخ كريم وصديق عزيز وقد دخلنا في عالم الانتر نت سويا وقد كنا مشتركين في منتدى واحد وقد الفت هذه القصة تعبيرا له عن الاوضاع بعد الانترنت وهي عبارة عن مناقشة ادبية بيننا طرحت عن طريق ذلك المنتدى ...

جاك العلم
31-08-2003, 01:22 AM
الأخ الكريم منصور الظاهري...

كتابك أصابه الغبار بعد شهر... فمابالك بكتب مضي عليها سنوات... أظن الآن فوقها طعوس... أخي الكريم... أتظن السبب يكمن في الإنترزفت... عفوا أعني الإنترنت... في بلاد الغرب... وأنا لست من المبهورين بهم... ولكن الحكمة ضالتي... نسبة استخدامهم للإنترنت تفوق بكثير نسبة استخدامنا له... ومع ذلك مارأيتهم في مكان إلا ويقرأون... بغض النظر عن نوعية القراءة... نحن أخي هجرنا الكتاب... قبل مجيء الإنترنت... وأول ماهجرنا من الكتب... قرآننا... هجرناه قراءةً... وهجرناه منهجا...

أخي العزيز... تمتعتُ بما كتبتَ... فلله درك على اسلوبك... ودر قاضيك... وكاتب عدله... وشهوده... وردنا وإياك إلى تلك الكتب التي أصابها ماأصابها من الغبار... ونفعنا بما فيها من علم... وأعان النجدي في محاكمته... ويالها من محاكمه...

:)

منصور الظاهري
06-09-2003, 11:22 PM
اخي الكريم / جاك العلم ..

الغرب يساقيد من الانتر نت في شيء مفيد ..
في بريطانيا الان المعلمين .. يصححون اسئلة الطلاب عن طريق الانتر نت ‍‍‍‍,, اما نحن وشبابنا .. فاشيئا من المضحكات المبكيات .. ولعلي لا اكون مبالغا ان قلت ان بعض المنتديات اصبحت ماخورا .. في عالم المعرفة ..

شبابنا همه انه يتعرف على بنت ويدردش في الشات ..

لك تحياتي اخي الكريم