PDA

View Full Version : إطلالة بدر واحدة .. تكفى



khaled1973
25-09-2003, 07:53 AM
عندما أرخى الليل سدوله
لا لا
تعبير قديم جدا..فلأتعب قليلا
عند هدأة الليل
أيضا قديم ومستهلك ، فضلا عن أنه كاذب
أمهلونى حتى أفكر
=====
دلوقتى
نعم .. هذه بداية مطمئنة : فهى مختصرة .. وصادقة .. وجديدة
ولكنها جافة جدا وبالعامية أيضا
أقول ؟ سأكتب بعد قليل
===============
البدر .. فى الربع الأول من السماء ، وصلاة العشاء .. حانت منذ ساعتين
حاول أن ينظر الى ذلك البدر فلم يستطع
منعه زحام المسير من أن يرفع رأسه لأعلى فيصطدم بأحدهم أو يدفعه آخر من الخلف
لابد لخطواته أن تلاحق الزحام رغم أكياس الهم الثقيلة المعقودة فى كعبيه
لابد أن يلاحق الزحام رغم هذا اليوم الشاق فى محل صديقه الذى يعمل به ست ساعات بعد انتهاء عمله الصباحى الحكومى
ست ساعات واقفا على قدمين أنهكهما العمر وطرقات الحياة الوعرة .. .. والاولاد
لم يشعر قبلا بدخول الليل فى القاهرة
أعمدة الإضاءة الحكومية قتلت القمر ، وقتلت الليل فأصبح كالنهار
شكرا للحكومة التى تحاول جاهدة منع اللصوص من العمل ليلا
لماذا يطفئون هذه الأعمدة فى النهار؟ .. .. خاصة تلك التى بجوار البنوك ؟
لكن البدر لايزال فى السماء
وسواس قهرى أرغمه فى النهاية ليرفع رقبته لأعلى
وبدت واضحة جدا تفاحة آدم الهزيلة والمحاطة بشرايين تحمل بقايا حب ، وبدايات حكمة ، وشظايا حياة
فجأة .. .. خبطة شديدة فى كتفه
صدمته .. وكادت تفلت من بين يديه كتابين اشتراهما لابنه
تبعها صوت غاضب ينهره
- مش تبص قدامك يا اخى؟ بتبص فوق ليه؟ انت شايف حاجة فوق؟
التفت الى الصوت يعتذر له .. لكن الصوت كان قد ابتعد جدا

يا أستاذ .. يا أستاذ .. أنا متأسف
الأستاذ المبتعد يلتفت بدوره
يلوح بيديه .. يشير إلى ساعة معصمه .. ثم إلى محطة القطار .. ويمضى
ناس القاهرة دائما فى حالة جرى
خاصة فى الميادين .. من المترو إلى الميكروباس
ومن القطار إلى الأوتوبيس
وهو معهم يجرى،من سابعة الصباح إلى عاشرة المساء
يجرى
عشر سنين يجرى .. فقط لأن المسير يجرى
السبع الاوائل مروا عجافا .. تلتها سبع عجاف أخرى
هو الآن فى السنة الرابعة من السبعة الثانية
لايدرى .. هل عمره أصبح سبعات متتالية عجاف فى عجاف!؟
الحمدلله الذى لا يحمد على مكروه سواه
عشر سنين منذ آخر سنة طيبة .. شاهد فيها البدر
كان بدره يلهو فوق شجرة التوت..يقفز بنعومة من فرع إلى فرع
يغنى له وقدماه ممددتان فى آخر ذلك الخط المحفور حتى آخر شجيرة فى الأرض
ورائحة النعناع غلالات يلتحف بها شعاع القمر
وينام فى الخط
أهل القاهرة لا يعرفون النوم فى الخط ، ولا يعرفون حتى سبب التسمية
ينام .. حتى يوقظه الماء المنساب حين يلامس قدميه
فيدرك أن الأرض قد ارتوت .. يقوم ليغلق سدة الماء
يودع البدر .. يعرج فى الطريق ليصلى الفجر .. يدخل البيت ..يغفو ساعة ..يوقظه أبوه
يتناول كتاب التاريخ ويخرج يصيب منه شيئا بجوار الترعة قبل أن يذهب إلى كليته
العصافير خرجت معه لتصيب هى الأخرى رزقها الذى فى السماء
هل كان لابد أن يذاكر وأن يتعلم وأن ينجح!!؟
دفعة قوية من الخلف

إيه ياعم..مش عايز تمشى إركن على جنب ياأخى
هى ناقصاك؟؟

الناس فى القاهرة دخان يرسم أشباحا
دخان القاهرة ليس من السيارات الفارهة الخالية ، ولا من الاوتوبيسات المزدحمة
دخان القاهرة .. لمن يعرف .. يحمل رائحة العرق المهدور
دخان القاهرة بشرى
وهو يعى الفكرة ويستطيع أن يميز صوت البركان..فقد أحرق و إحترق كثيرا حتى خمد بركانه داخله

معلهش ياسيدى
وذهبت النار
كان قد وصل إلى رصيف القطار
توقفت قدماه فجأة عن الخطى المتكررة والمعادة يوميا إلى ذات القطار
نظر إلى الرصيف الآخر ..حيث قطاره المؤدى إلى القمر
نظر إلى الكتابين فى يده
طل إطلالة أخيرة إلى السماء

حارجعلك.. أعلم الواد وارجعلك

طلة واحدة إلى البدر.. بعثت فيه كل النشاط الضائع
نسى تعب اليوم ووقفته فى المحل
إنطلق وسط الزحام،يشقه بنفس شقاوة طفولته عندما كان يزور القاهرة مجرد زيارات

إوعى ضهرك يا أستاذ
حاسبى يا ست
إوعى الجاز
إوعى الزيت
ناس القاهرة طيبون .. بمجرد أن يسمعوا الزيت والجاز فإنهم يخلون الطريق
وأخذ يجرى .. يضحك فى نفسه .. تصاحبه لعنات الناس وأحيانا إبتساماتهم
جلس فى القطار
أمسك بأحد الكتابين
تصادف أنه كتاب التاريخ
فتحه كيفما أتفق .. وقرأ
كانت الصفحة عن
حريق القاهرة 52
================================
خالد