PDA

View Full Version : استئذان في الانصــراف



seeker
02-10-2003, 06:21 PM
بعد إعلانه اعتزال الكتابة، محمد حسنين هيكل يكتب: استئذان في الانصــراف.. رجاء ودعاء‏..‏ وتقرير ختامي (1)

الأهرام المصرية

لقد كان يرد علي بالي منذ سنوات أن الوقت يقترب من لحظة يمكن فيها لمحارب قديم أن يستأذن في الانصراف‏,‏ وظني أن هذه اللحظة حل موعدها بالنسبة لي‏,‏ ففي يوم من أيام هذا الشهر‏(‏ سبتمبر‏2003)‏ استوفيت عامي الثمانين وذلك قول شهادة الميلاد وهو دقيق‏-‏ يومئ بحمد الله إلي عمر طويل مديد‏-‏ لكن هناك مع ذلك قولا آخر أكثر صوابا هو حساب زمان العمل علي مساحة العمر‏,‏ والحقيقة أنه في حالتي تواصل دون انقطاع لأكثر من ستين سنة‏(‏ قرابة اثنتين وستين‏)‏ لأن تجربتي معه بدأت بالتحديد يوم‏8‏ فبراير‏1942‏ حين رأي أستاذنا في مادة‏ جمع الأخبار‏ أن يعرض علي أربعة من تلاميذه‏-(‏ تكرمت المقادير وكنت أحدهم‏)-‏ فرصة التدريب العملي تحت إشرافه في جريدة الإجيبشيان جازيت وهو يومها مدير تحريرها‏,‏ وهي وقتها ـ وبسبب ظروف الحرب وزحام الجيوش ـ أوسع الجرائد الصادرة في مصر انتشارا‏(‏ رغم لغتها الإنجليزية‏).‏
وكانت فكرة هذا الأستاذ وهو‏ سكوت واطسن‏-‏ أن التدريب العملي يعطي تلاميذه إمكانية الجمع بين الدراسة والممارسة وذلك تأهيل ناجز ونافع‏.‏ وكان الرجل خبيرا عارفا‏,‏ فقد كان قبل التدريس مراسلا صحفيا غطي الحرب الأهلية في أسبانيا‏(1936-1939)‏ وفي تلك المهمة زامل أسماء علت ولمعت في آفاق النجوم‏(‏ من طراز‏ أرنست همنجواي‏‏ و‏‏جورج أورويل‏ و‏‏آرثر كوستلر‏‏ و‏أندريه مالرو‏ وغيرهم‏)‏ ولم نكن وقتها ندرك ما فيه الكفاية عن هؤلاء الرجال ولا عن المعركة الإنسانية الكبري التي نبهوا العالم إليها خبرا ورأيا لكن شخصية أستاذنا وما تميزت به من الحماسة المشبوبة بالنار‏-‏ تكفلت بتعويض النقص في معارفنا حتي أتيح لنا فيما بعد أن نستوعب تلك الرابطة الدقيقة العميقة بين الحرف والموقف‏.‏
وعلي أية حال فإنه من‏8‏ فبراير‏1942-‏ وحتي سبتمبر‏2003-‏ مشت الدراسة والممارسة بسرعة ومسافة فلكية باعتبار متغيرات العصور والعلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏.‏



وكان تقديري أن أي حياة‏-‏ عمرا وعملا‏-‏ لها فترة صلاحية بدنية وعقلية وأنه من الصواب أن يقر كل إنسان بهذه الحقيقة ويعطيها بالحس‏-‏ قبل النص‏-‏ واجبها واحترامها‏,‏ ثم إنه من اللائق أن يجيء مثل هذا الإقرار قبولا ورضا وليس إكراها وقسرا كما يستحسن أن يتوافق مع أوانه فلا ينتظر المعني به حتي تتطوع مصارحة مخلصة أو تداري مجاملة مشفقة لأن انتظار المصارحة مؤلم وغطاء المجاملة مهين‏.‏
وكذلك حاولت من سنوات أن أنبه نفسي‏-‏ بين وقت وآخر‏-‏ إلي مزالق الانتظار وضمن ما فعلت أنني وضعت حدودا لما أكتب بأفضلية أن يتساءل الناس‏ لماذا لا يكتب هذا الرجل‏-‏ أكثر‏‏ بدلا من أن يكون سؤالهم‏ لماذا يكتب هذا الرجل‏-‏ أصلا‏‏ وعلي نفس المنوال فإن ما يساورني الآن يتلخص في أفضلية أن يتساءل الناس‏‏ لماذا يستأذن هذا الرجل في الانصراف متعجلا‏-‏ بدلا من أن يكون سؤالهم‏‏ لماذا يتلكأ هذا الرجل متثاقلا‏.‏

وللحق‏-‏ وذلك اعتراف بالفضل واعتزاز بأصحابه‏-‏ فإن كثيرين تكرموا بجهدهم في تحويلي عما رأوه اتجاهي راغبين إقناعي بأني مازلت‏-‏ جسدا وفكرا‏-‏ قادرا علي الاستمرار مع إشارات عطوف إلي أنه ليس من حق محارب أن يلقي سلاحه مهما تكن الأسباب ولا من حق كاتب أن يتخلي عن قلمه مادام استطاع‏,‏ وكان جوابي‏-‏ مقدرا وليس معاندا‏-‏ أن عدد السنين حقيقة حساب ودوران أي عجلة طوال الوقت طاقة مستنفدة‏-‏ مؤثرة علي صلب معدنها ذاته ولو تعطل الناس مع حاصل الجمع أو تمنوا لو تتحمل المعادن إلي الأبد فذلك ليس من شأنه إلغاء قواعد الحساب أو تعطيل قوانين إجهاد المواد واستهلاكها‏.‏
‏ومن باب الدقة‏-‏ فإن هاجس الانصراف‏-‏ حتي بدون استئذان‏-‏ ومض لأول مرة في خواطري مساء يوم‏28‏ سبتمبر‏1970‏ في غرفة نوم‏ جمال عبد الناصر‏ نفسه وكان ذلك الصديق الكبير أمامي علي فراش نومه وقد تحول في دقائق إلي فراش موته‏.‏
ولم يكن سبب ما لمع‏-‏ برقا‏-‏ في خواطري مجرد التفجع والأسي‏-‏ وكان هناك منه كثير‏-‏ لكن السبب أنني وقد أدركت هول ما جري بعد فترة من العجز عن التصديق‏-‏ تلفت حولي ولمحت‏-‏ أو خيل إلي أنني لمحت‏-‏ ما أثار عندي ظنونا غامضة‏.‏
كنا في غرفة النوم‏-‏ أو الموت‏-‏ سبعة رجال بالعدد من حول جثمان الراحل الكبير الذي تقدم نحوه كبير أطبائه وسحب الملاءة علي وجهه في حركة بدت وكأنها فعل رمزي يقطع بالنهاية‏-‏ مهما كان العجز عن تصديقها‏.‏
وتردد الكلام همسا في الغرفة عن الإجراءات والترتيبات لهذه الليلة الحزينة وما بعدها ولمحت في عيون البعض تعبيرات أو إشارات توحي‏-‏ ربما‏-‏ بنذر غير محددة في أجواء هذه اللحظة لكنها بعد مفاجأة الأحزان قد تصبح خطيرة‏!‏
ومن الإنصاف أن ما لمحته في العيون والإيحاءات لم يكن ظاهرا بوسواس طمع في إرث سلطة أو علو موقع بل لعل‏ العام-‏ أو ما يبدو عاما‏-‏ بدا طاغيا علي‏‏ الخاص‏-‏ أو ما يبدو خاصا‏-‏ لأن المنطق الظاهر كان شدة الحرص علي الرجل الكبير الراحل والعزم علي تكملة مسيرته كهدف مقدس يتسابق الجميع عليها‏-‏ وفاء بأحقية يستشعرها كل منهم‏-‏ ويري نفسه أهلا لها بمسئولية وظيفة أو قرب اتصال لكن البشر هم البشر وفي أعماق نفوسهم فإن شدة الحرص والتفكير بأفعال التفضيل تحرض أصحابها وتدفعهم إلي سباق يعتقد كل منهم‏-‏ فيه‏-‏ أنه الأجدر والأولي‏-‏ وهنا موضع الالتباس وربما الاشتباك‏.‏
والواقع أن طرفات العيون وإيحاءاتها مما خيل إلي أنني لمحته راحت تفصح عن نفسها أكثر‏-‏ حين نزلنا إلي صالون بيت‏‏ جمال عبد الناصر‏ نستكمل كلامنا تاركين الراحل الكبير لأسرته تحيط فراشه‏-‏ في وداع أخير‏.‏
وفي صالون الدور الأول من البيت انضم إلينا‏-‏ نحن السبعة الذين وقفنا حوله لحظة النهاية‏-‏ تسعة أو عشرة رجال علي الأكثر في يدهم مفاتيح السلطة والقرار في البلد واستؤنف الكلام عن الإجراءات والترتيبات‏‏ وعن غد وبعد غد‏ وما يجري ويكون وراحت وساوسي تتنبه مهموما بأن ما أري وأسمع قد يكون نذير احتكاك قادم حتي وإن حاول البعض تفاديه أو كبته حتي لا يأخذ وزر الفتنة علي نفسه‏‏ أو علي الأقل كي لا يكون بادئا بها في ظرف لا يتحمل المجازفة‏.‏

وخطر ببالي أن صداقتي الحميمة لجمال عبد الناصر وحماستي لمبادئ مشروعه‏-‏ مرتبطة‏-‏ علي نحو ما‏-‏ بثقة مباشرة فيه والآن وقد غاب فإن علي أن أراجع وبحزم‏.‏ وبدا لي ـ دون ظل من شك أنني لا أريد أن أكون طرفا في صراع فالسلطة من البداية ليست حلمي ولا بين مطالبي ومع احترامي لبعض من أري حولي وعلاقة ود بيني وبين معظمهم‏-‏ فإن النقطة الحرجة في الموقف أن درجة قربي من‏ جمال عبد الناصر‏ لا تسمح بحياد فضلا عن أن الحياد قرب مصائر الأوطان هرب أو تهرب ومن ناحية أخري فلم يكن سرا أيامها أن علاقاتي ببعض أطراف السلطة مشدودة‏-‏ وخلافاتي مع الاتحاد الاشتراكي وتنظيمه الطليعي متوترة‏-‏ وحساسيتي من تصرفات أجهزة الأمن والتأمين‏-‏ كما هي في كل العصور‏-‏ جزءا من التكوين المهني والنفسي لصحفي يتمني الحرص علي تخوم مهنته وتلك أمور تترتب عليها نتائج في أجواء صراع علي السلطة لأن الاستقطاب عندها يكون حادا وعنيفا‏-‏ يفرض‏:‏ إما انحيازا غير مقنع إلي طرف‏-‏ أو عداء لا مبرر له مع طرف آخر وعليه فأمامي أحد موقفين‏:‏ إما الانصراف فور تشييع الراحل الكبير إلي مرقده الأخير‏-‏ وإما الانسياق إلي صراع لا أريده بوسائل لا أملكها‏-‏ ولا أريد امتلاكها‏.‏
وغداة تشييع الجثمان بعثت لرئيس الجمهورية بالنيابة‏-‏ أنور السادات‏-‏ كتاب استقالتي من الوزارة وكانت تلك خطوة أولي علي طريق الانصراف‏(‏ حتي من الأهرام‏)‏ وعندما تقابلنا في المساء‏(‏ من السابعة إلي الثالثة بعد منتصف الليل‏)-‏ فتح لي‏ أنور السادات‏‏ قلبه بغير تحفظات صريحا مع نفسه ومع الحقيقة ومع الظروف والملابسات‏(‏ ولا أزيد‏).,‏ وخرجت من قصر العروبة أستقبل نسمات فجر‏(3‏ أكتوبر‏1970)-‏ شبه مقتنع بأنه ليس وقت الانصراف من الساحة بعد‏-‏ مستأذنا أو بغير استئذان‏(‏ فقد وافق الرئيس المرشح‏‏ أنور السادات‏ علي ما طلبت بشأن الوزارة وكان يعرف قبل غيره أنها تكليف مؤقت لمهمة معينة‏-‏ ولأجل محدد‏-‏ سنة لا تزيد‏-‏ في ظرف رآه‏ جمال عبد الناصر‏ مهيأ لاختراق سياسي يتوازي مع الذروة في حرب الاستنزاف‏-,‏ وعليه فقد وافق‏‏ أنور السادات‏‏ علي نص استقالتي وكتب بخط يده ردا بالغ الرقة واللطف عليه لكنه اشترط بقائي في مجلس وزرائه إلي ما بعد الاستفتاء علي رئاسته حتي لا يقول الناس‏‏ إن أقرب أصدقاء‏‏ جمال عبد الناصر‏ لم يطق الصبر يوما عليه‏-‏ وكان الرجل في ذلك سمحا‏-‏ محبا ومقبلا‏).‏ ولم يطل الحديث بيننا عن الأهرام‏-‏ فقد كان قوله الفصل‏‏ إن ذلك هو المستحيل ذاته لأن الأوضاع كما أري والاحتمالات كما أقدر ثم إن البلد في حالة حرب‏-‏ هي بضروراتها أكبر من موقف أي رجل ومن رؤيته لدوره ومن آرائه واجتهاداته‏‏
وكنت وقتها في السابعة والأربعين‏.‏
ومرت سنوات عصيبة تفجر فيها صراع مراكز القوي‏(‏ وقد كان مثل عواصف الخماسين ثارت أوائل صيف ثم انصرفت‏)‏ وتعقدت الصلات مع الاتحاد السوفيتي‏(‏ فقد استحكم التوتر‏-‏ وكان يمكن تفاديه‏)‏ وتشابكت العلاقات مع الولايات المتحدة‏(‏ وكان متاحا إدارتها باقتدار يستغني عن‏ الرهان‏)-‏ وكان الأهم من ذلك كله أن شمس أكتوبر‏1973‏ طلعت أخيرا وعلت وسطعت‏
وفي تلك الظروف وقفت بكل جوارحي إلي جوار‏ أنور السادات‏‏ وليس في سمعي غير النداء الغلاب للمعركة محاولا‏-‏ ومدعوا‏-‏ إلي خدمة التخطيط الإعلامي لها والتحضير السياسي قبلها وأثناءها وبعدها وبلغ اعتزازي مداه حين عهد إلى‏ أنور السادات‏‏ بكتابة التوجه الإستراتيجي الصادر عنه بوصفه القائد الأعلي للقوات المسلحة المصرية‏-‏ إلي القائد العام المشير‏‏ أحمد إسماعيل علي‏-‏ يبلغه رسميا ومعه هيئة أركان الحرب بالمطلب الاستراتيجي المراد تحقيقه بقوة السلاح ابتداء من الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت‏6‏ أكتوبر‏1973,‏ ومرت الأيام والساعات مشحونة وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم السبت‏6‏ أكتوبر‏1973-‏ انطلق الشباب والرجال علي جسور العبور‏.‏
كان التوجيه الاستراتيجي من صفحتين اثنتين بدأ بتحليل الوضع في المنطقة مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ووجود أراض عربية محتلة‏,‏ وضغوط تعبئة عامة وكاملة للموارد والبشر بلغت مداها‏,‏ ثم انتقل إلي عرض للظروف الدولية والإقليمية وما تسمح به وما لا تسمح ثم ينتقل التوجيه مباشرة إلي تحديد الهدف الذي كلفت القوات المسلحة بتحقيقه وهو‏:‏

كسر نظرية‏‏ الأمن الإسرائيلي‏‏ التي اعتمدت عليها الدولة الصهيونية منذ قيامها وتمكنها من الاعتماد علي تفوق عسكري تعتبره رادعا في حد ذاته وأنه مع كسر نظرية‏ الأمن الإسرائيلي‏ بفعل عمل عسكري مسلح لديه الحافز والوسائل مع الخبرة والعلم‏-‏ يتحقق ميزان قوة مختلف يكون مدخلا إلي صراع إرادات شامل‏-‏ سياسي وعسكري يمكن الاستناد إليه في مواصلة تحرير الأراضي العربية المحتلة‏,‏ والعودة إلي خطوط‏4‏ يونيو‏1967‏ وفق شرعية قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن‏.‏
ثم ينتقل التوجيه الاستراتيجي في فقرة تالية‏-‏ إلي تأكيد ثقة القائد الأعلي للقوات المسلحة والتي سبق له اعتمادها ووضع توقيعه عليها‏-‏ تاركا لقيادة القوات حرية التصرف الميداني مخولة بكل الصلاحيات التي تكفل لها إدارة العمليات بأعلي كفاءة‏.‏
وكانت هناك‏-‏ يوم صدور التوجيه الاستراتيجي ثلاث خطط محددة‏:‏
‏‏- أولاها‏:‏ الخطة جرانيت‏(1)‏ وهدفها عبور قناة السويس بقوة خمس فرق من المشاة والمدرعات تعمل تشكيلاتها تحت إمرة ثلاثة من قواد الجيوش يختص كل منهم بمنطقة علي الخط الطويل الممتد من بورسعيد إلي السويس والمهمة للثلاثة عبور قناة السويس بقوة السلاح والتمسك بثلاثة رؤوس كباري عرضها عشرة كيلومترات علي الأقل كي تظل في حماية حائط الصواريخ حتي تسيطر علي رؤوس الكباري التي تبدأ منها الطرق الرئيسية الثلاثة‏:‏ الجنوبي والأوسط والساحلي‏.‏
‏‏ - والخطة الثانية‏:‏ هي جرانيت‏(2)‏ وهدفها التقدم بعد إتمام السيطرة علي رؤوس الكباري في ظرف ثلاثة أيام إلي احتلال مضايق سيناء والسيطرة عليها‏(‏ بالذات مضيق الجدي‏)‏ والتمسك بها تحت أي ظرف لأن ذلك يطرد القوات الإسرائيلية إلي مناطق مكشوفة تماما وفي الغالب يفرض عليها التراجع إلي خط‏‏ أم كتاف‏‏ علي الحدود بين مصر وفلسطين‏.‏
‏- وأما الخطة الثالثة وقد أطلق عليها الاسم الرمزي‏(‏ الخطة‏2000)‏ فهي مجهزة لاحتمال قيام القوات الإسرائيلية الخاصة باختراق قناة السويس في اتجاه معاكس‏(‏ من الشرق إلي الغرب‏)‏ بقصد النفاذ وراء الجيوش المصرية الثلاثة والقيام بعمليات‏‏ كوماندوز‏ لمهاجمة وتدمير أو شل فاعلية قواعد الصواريخ من طراز سام‏(2)‏ وسام‏(6)‏ وحرمان قوات العبور من حمايتها‏.‏
ومن الغريب أن تفاصيل هذه الخطة تشير بالتحديد لمنطقة‏ الدفرسوار‏ والخطة تعهد إلي احتياطي القيادة العامة وهو من فرقتين من المشاة الميكانيكية المتحركة تظل غربي القناة‏,‏ ولا تشارك في العبور لتكون لها حرية الحركة في أي لحظة إزاء أي مفاجأة‏.‏
‏(‏وهذه الخطة كانت وراءها قصة تقارب الخيال ولعلها تستحق أن تحكي ذات يوم بتفاصيلها وأبطالها‏).‏
وقد تم وضع الخطط الثلاث قبل رحيل‏ جمال عبد الناصر‏ وصدق بتوقيعه علي أولاها ثم وقع خلفه‏‏ أنور السادات‏ علي جرانيت‏(2)‏ والخطة‏(2000).‏ عندما قدمهما إليه الفريق محمد فوزي وزير الدفاع وقتها في شهر مارس‏1971.‏
ومن الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت‏(1)‏ و‏(2)‏ لحقت بها زيادات وتعديلات في السنوات ما بين‏1970-1973‏ وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة بتكنولوجيا السلاح‏,‏خصوصا في استخدامات الصواريخ‏,‏ والفضل عائد إلي الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع في تلك السنوات ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات مما أضاف إلي فكرة الخطة وتفاصيلها‏,‏ وغيرت أحيانا أسماءها وجعلتها علامة بارزة في التاريخ العسكري‏].‏
وليس هناك أدني شك في أن الساعات المجيدة من الثانية بعد الظهر إلي السابعة مساء حققت الهدف الاستراتيجي المطلوب فقد كانت الدبابات السورية تندفع بقوة عبر الجولان نحو بحيرة طبرية‏,‏ كما كانت جسور العبور علي الجهة المصرية مشهد عز في التاريخ العربي المعاصر‏.‏


ولعشرة أيام متواصلة كانت القوات العربية علي الجهتين تعطي بجود وسخاء أفضل ما عندها كفاءة وشجاعة ودما‏-‏ وبالفعل تغيرت الموازين‏!.‏
وطوال أيام الحرب من‏6‏ وحتي‏20‏ أكتوبر كنت مع الرئيس‏‏ السادات‏‏ كل مساء وحتي قرب منتصف الليل في قصر الطاهرة وكان يقيم فيه أيامها ومعه مكتب اتصال يحتل‏ بدروم‏‏ الدور الغاطس تحت الأرض‏.‏
وكتبت له خطابه الذي ألقاه في مجلس الشعب يوم‏16‏ أكتوبر‏1973‏ وعندما عاد بعد إلقائه اتصلت به من الأهرام أبلغه بما أعلنته رئيسة وزراء إسرائيل من أن جيش الدفاع‏(‏الإسرائيلي‏)‏ يواصل عملياته ويتقدم غرب القناة‏(‏ وكانت تلك أول أنباء عن الثغرة‏)‏ وطلب أن أنتظره علي التليفون دقيقة يتصل فيها بالمشير‏ أحمد إسماعيل‏‏ وعاد إلي ومعه طمأنينة لم أحسبها كافية‏,‏ وطلب إلي أن أتصل بنفسي بـ‏ أحمد إسماعيل‏ وأسمع منه وفعلت ومرة أخري عاودني الشعور نفسه‏.‏
وفي يوم‏17‏ أكتوبر حضرت معه لقاء واحدا ضمن ثلاثة لقاءات أجراها مع رئيس الوزراء السوفيتي‏‏ إليكس كوسيجين‏‏ وكان قد جاء في زيارة سرية للقاهرة ولم يكن ما سمعته مشجعا‏.‏
ومساء‏20‏ يناير ظهر الخلاف بيننا علنيا في موضوع قبول قرار مجلس الأمن رقم‏338‏ فقد أبديت تحفظات عليه وفي حضور المهندس‏ سيد مرعي‏ والسيد‏ حافظ إسماعيل‏ والدكتور‏ أشرف مروان‏.‏
وطرحت تعديلات علي نص القرار ـ لم يقبل بها‏.‏
وطرحت أهمية التشاور مع سوريا قبل قبول القرار‏,‏ وكان رأيه أن السوفيت سوف يقومون بإخطارهم وعلقت بأنهم شركاء لنا في الحرب وليسوا شركاء السوفييت ـ ولم يقتنع‏.‏
ورجوته كخط دفاع مأمون أن ينتظر حتي يجيء المراقبون الدوليون لضبط خطوط وقف إطلاق النار‏,‏ خصوصا أن فريقا منهم جاهز في‏‏ قبرص‏‏ ووصوله إلي هنا مسألة ساعات مع تذكر تجربة أن الإسرائيليين لن يحترموا قرارا من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بل سوف يستغلونه إلي أبعد مدي يستطيعون الوصول إليه‏.‏
ورد علي أمام الجميع‏:‏ بأن لديه تعهدا أمريكيا مكتوبا بتوقيع‏ نيكسون‏‏ وهذا في نوعه أنفع وأجدي ألف مرة من أمم متحدة لا تحل ولا تربط‏!
وقلت ما مؤداه‏:‏ إنني مشارك لسنوات طويلة في اتصالات ومحادثات مع إدارات أمريكية متعاقبة منذ سبتمبر‏1952,‏ وبالتالي فقد خبرت مراوغات السياسة الأمريكية وتعلمت أن أسمع ـ ثم أبحث ـ ثم أشك‏,‏ ثم اكتشف أن الكلام في الخطاب الأمريكي شيء والفعل نقيضه إذا لم يحاذر من يفهم الأمر‏!‏
ورد بما ملخصه‏:‏ ‏أن الاتصالات هذه المرة علي مستوي آخر‏-‏ غير مسبوق‏!-‏ فهي بينه وبين الرئيس‏ نيكسون‏(‏ رئيس الولايات المتحدة وقتها‏)‏ وهي تحتوي علي تعهدات مكتوبة موقعة بإمضاء رئيس أكبر وأقوي دولة في العالم.‏
وأضاف مؤكدا‏:إن الاتصالات هذه المرة تختلف في كل شيء عن كل ما سبقها‏.‏
‏(‏ولم أكن أعرف شيئا عن هذه الاتصالات حتي عثرت علي نصوصها في واشنطن بعد خمس عشرة سنة‏!)‏
وعدت مرة أخري عارفا أنني أضغط علي الرجل إلي درجة تقارب الإلحاح‏,‏ فأشرت إلي سابق تجارب إسرائيل مع العرب في استغلال قرارات وقف إطلاق النار بعد صدورها‏,‏ متجاهلة نداءات دولية وحججا واتهامات توجه إليها بالغش والتدليس‏.‏ ولكنها تظل متمسكة بما خطفته أو نشلته في حماية قرار دولي أطاعه العرب وأصرت هي علي عصيانه‏,‏ ورد الرئيس السادات بلهجة واثقة‏:‏ إطمئن‏.‏ قلت لك هذه المرة مختلفة لأن رئيس الولايات المتحدة بنفسه يدير الأزمة ـ وقد كتب إلي بما يبدد شكوكك وشكوك غيرك يبلغني أن طائرات الاستطلاع من طراز يوتو التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية سوف تحلق فوق خطوط القتال طوال اليوم حتي تصور المواقع علي الجانبين‏,‏ وتكشف وتحدد أي الطرفين يغش وأيهما يلتزم‏.‏ وإذن فإسرائيل لاتستطيع التلاعب‏,‏ وإذا حاولت فهناك لأول مرة من يستطيع أن يشكمها ويضعها في مكانها في الصندوق‏!‏
وواصلت الجدل معه شاعرا أنها الفرصة الأخيرة‏.‏

seeker
02-10-2003, 06:23 PM
بعد إعلانه اعتزال الكتابة، محمد حسنين هيكل يكتب: استئذان في الانصــراف.. رجاء ودعاء‏..‏ وتقرير ختامي (2)

الأهرام المصرية


وواصلت الجدل معه شاعرا أنها الفرصة الأخيرة‏.‏
شرحت له مخاوفي من احتمال انفراط عمل عربي مشترك وصل إلي درجة من التعبئة يمكن البناء عليها لإعادة بناء نظام عربي قادر يجعل الأمة بالفعل كما قال هو قبل أيام القوة السادسة في العالم‏ ورد وفي صوته نبرة صدق‏:‏ بأنه لابد أن أعرف أنه يختلف عن‏ جمال‏عبد الناصر‏ فهو لا يريد إقامة إمبراطورية‏ ومطلبه أن يستريح هو ويستريح الناس من عناء الحروب ليبدأوا عهدا من الرخاء يراه مقبلا‏‏



ومع أن ذلك الخلط بين عمل عربي مشترك ومطلب إمبراطوري مصري‏ روعني فقد مضيت أجادل‏ بأننا مازلنا وسط حرب لم تنته بعد‏ ووجه نظره إلي قائلا وهو يضحك بطريقته الشهيرة ما نصه‏ سجل عندك‏ هذه آخر الحروب‏‏
ثم استطرد بما مؤداه أنني مازلت اتكلم علي قديمه ولم استوعب بعد أنها حاجة جديدة‏‏
ونزل علي وجوم والغريب في الأمر أنني كنت مازلت قادرا علي فهم جزء من مشاعره‏‏
‏‏ كان عبء قرار الحرب عليه ثقيلا‏‏
‏ وكانت أيام القتال بالنسبة له شاغلا ملحا‏‏
‏‏ ثم إن الرجل في النهاية سمع مني كل ما قلته دون أن يعلو صوته‏‏ كما فعل مثلا مع السيد‏ حافظ إسماعيل‏ الذي حاول لفت نظره‏ إلي خشيته من أن يكون العسكريون قد نقلوا إليه أخبارا متشائمة ورد عليه الرئيس‏ السادات‏ بعنف أحرج الرجل المهذب والمنضبط‏‏
وفوق ذلك فقد انهمرت علي الرئيس السادات في تلك الفترة رسائل ثلاث من ملوك المنطقة وكأنها تعزز تعهدات‏ نيكسون‏
وكنت رأيت بعض الرسائل الواردة إليه من الملوك الثلاثة واستأذنته في صور منها وأذن‏
كانت رسائل الملوك الثلاثة التي انهمرت عليه فجأة‏ كثيرة‏
‏ رسائل من‏ محمد رضا بهلوي‏ شاه إيران وفي إحداها يقول‏ إن ما تحقق في ميدان القتال يكفي وإن التمادي بعد ذلك خطر وأنه في محادثة تليفونية مع الرئيس‏‏ نيكسون‏ فهم منه أن أمريكا لن تسمح بانتصار عربي بالسلاح السوفيتي لأن تلك مسألة تتصل بالاستراتيجية العالمية وإدارة الحرب الباردة‏
ثم يقول الشاه‏ إن أي انتصار كبير علي فرض إمكان تحقيقه يمكن أن يكون دافعا إلي مطالب شعبية يصعب الوفاء بها لأن شهية‏ الدهماء ‏Rif Raf‏ حسب وصفه سوف تطالب بمكاسب لا تقابلها موارد وذلك أقرب طريق إلي القلاقل الداخلية‏‏ وحتي إلي العصيان والثورة‏
‏ رسائل من‏ الحسن الثاني‏‏ ملك المغرب وفي إحداها يقول الملك‏ إن معلوماته تؤكد له أن‏ الجماعة‏ في تل أبيب‏‏ يقصد القيادة الإسرائيلية‏‏ تعلموا درسا‏‏ وأنه يعرف عن يقين وعن طريق‏ الحزب الملكي‏ من المهاجرين واليهود المغاربة من رعاياه وبعضهم في مواقع السلطة‏‏ أنهم في إسرائيل جاهزون لسلام حقيقي علي أساس انسحاب إلي خطوط‏4‏ يونيو‏1967
‏ورسائل معظمها شفوي من‏ فيصل بن عبد العزيز‏ ملك السعودية يحملها إليه السيد‏‏ كمال أدهم‏ مدير مخابراته وأهم مستشاريه‏‏ لكن الملك في رسائله يلمح ولا يصرح وهو في كل رسالة خصوصا إذا كانت مكتوبة‏ يترك القرار لحكمة الرئيس واثقا في حكمته وحسن تدبيره‏
وكان قصاري ما أفصح به الملك‏‏ فيصل‏‏ عن فكره هو استشهاده بالآية الكريمة التي تقولوإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله‏ وقد وصلت هذه الرسالة في يوم وصول‏ هنري كيسنجر‏‏ نفسه إلي القاهرة‏
وكنت أستشعر مدي تأثير رسائل الملوك الثلاثة علي الرئيس‏ السادات‏
وفي نهاية ليلة طويلة وعصيبة خرجت من قصر الطاهرة شاعرا بأننا علي أبواب أزمة في علاقاتنا هي بالتأكيد الأعمق‏
وعندما وصل‏ هنري كيسنجر‏‏ إلي القاهرة أول مرة يوم‏7‏ نوفمبر‏1973‏ وطلب أن يقابلني حاولت أن أعتذر بواسطة السفير‏‏ أشرف غربال‏ وهو وقتها المستشار الصحفي لرئيس الجمهورية‏‏ خصوصا بعد أن قرأت نص مشروع النقاط الست التي عرضها علي الرئيس‏‏ السادات‏ ونالت موافقته في لقائهما الأول وبالفعل اعتذرت عن غداء أقامه له السيد‏ حافظ إسماعيل‏ مستشار الرئيس للأمن القومي وقتها‏‏ في نادي‏‏ التحرير‏ لكن السفير‏ أشرف غربال‏ عاد إلي بعد قليل يبلغني أن الرئيس‏ السادات‏‏ يطلب مني أن أقابل‏‏ كيسنجر‏‏ واتصلت بالرئيس ولكنه كان قاطعا‏ لأننا في هذه اللحظة يجب أن نكون صفا واحدا وكلمة واحدة‏
وحضرت بالفعل حفل عشاء في بيت الصديق العزيز الراحل‏‏ إسماعيل فهمي‏ وزير الخارجية وقتها‏‏ وكان العشاء تكريما لـ‏‏ كيسنجر‏ واتفقنا علي أن يغادر وزير الخارجية الأمريكية حفل العشاء في الساعة العاشرة وألحق به بعد ربع ساعة إلي جناحه في الدور الثاني عشر من فندق هيلتون النيل حيث يقيم والوفد المرافق له وجلسنا لحديث طويل دام ساعتين ونصف ساعة‏‏

وصباح اليوم التالي اتصلت بالرئيس‏ السادات‏‏ وذهبت إليه في الساعة الحادية عشرة صباحا وكان لا يزال في سريره بعد حمام ساخن وهو بعد الحمام يرتدي‏‏ البرنس‏ الأبيض وفوقه غطاء أبيض مطرز باللون نفسه‏‏
وحاولت أن أروي له من أوراق كتبتها تفصيل ما دار بين‏ كيسنجر‏‏ وبيني وأهمها مخاوفي من أن مشروعه لحل الازمة خطير‏ خطوة بعد خطوة‏-‏ والبلاد العربية المعنية واحدة بعد واحدة‏ وأية مفاوضات لابد أن تجري تحت إشراف أمريكي لا دور فيها للاتحاد السوفيتي ولا لأوروبا إلا عندما يحل دور المراسم والتشريفات‏‏ وأبديت أن‏‏ كيسنجر‏‏ نفسه يصعب الاعتماد عليه لأنه بالضرورة منحاز وانحيازه طائفي وفكري وسياسي محكوم بصراع الحرب الباردة وليس بسلام عادل في صراع الشرق الأوسط‏
وكان رد الرئيس‏‏ السادات‏‏ أن‏‏ كيسنجر‏‏ هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن ينجز المهمة فهو الساحر الذي أنهي حرب فيتنام وفتح باب الصين والذي لا يتفاوض حتي في الاتحاد السوفيتي إلا مع الزعيم‏ ليونيد بريجنيف‏‏ ولا أحد غيره‏ ثم إن كون كيسنجر يهوديا يجعله مهيأ للضغط علي إسرائيل إذا اقتنع وهو‏أي الرئيس السادات‏‏ واثق من قدرته علي إقناعه وفي ذهنه تصور كامل لماينوي أن يعرضه عليه‏ ولم يدخل في التفاصيل‏‏
وخرجت من قصر الطاهرة يومها شاعرا بأنها نهاية النهاية وعلي أن أحدد موقفي‏‏
وكتبت مجموعة مقالات كنت أعرف مسبقا بأنها لن ترضيه‏‏ وقد صدرت فيما بعد علي شكل كتاب بعنوان‏‏ مفترق الطرق‏
وكانت بالفعل مفترق طرق‏ أقولها بشيء من الحزن مازال معي حتي الآن يقينا بأن فرصة لا مثيل لها تضيع وهي لاتلحق به مظنة الخيانة‏ كما يري البعض‏‏ لكنها تكشف عن أن الرجل تعامل مع المجهول مراهنا علي تصوراته الخاصة في ظروف لاتحتملها الحقائق يومها ولا التقويم الموضوعي للمواقف‏ وكانت مخاوفي غالبة‏
وفي الوقت نفسه فقد داخلني إحساس قوي بأن هذه التوجهات الجديدة تضع‏ شرعية أكتوبر‏ علي طريق صدام مع‏‏ شرعية يوليو‏ ومع أن‏‏ يوليو‏‏ كانت في حاجة إلي مراجعة فإن الصدام يصعب اعتباره مراجعة وقد قلت ذلك بنفسي للرئيس‏‏ السادات‏ عندما شاء بسماحته أن يعاود الاتصال بي وفعل ذلك فجأة صباح يوم في أكتوبر‏1974‏ بعد قطيعة تسعة شهور وبعد أسابيع وصل إلي حد أن عرض علي منصب نائب رئيس الوزراء في وزارة السيد‏ ممدوح سالم‏‏ وكذلك قلت بنفسي للسيد‏ ممدوح سالم‏‏ في مكتبه في وزارة الداخلية‏ ما مؤداه إنني أري أمامي شرعيتين متصادمتين دون أن أقتنع بمبرر أو سبب وكنت أتصور أنه يمكن البناء علي الايجابي لشرعية سابقة يضاف إلي منجزات شرعية لاحقة‏‏ وذلك يصحح ويرفع ولا ينقض أو يزيح‏ وإنه إذا كان هناك تصادم بالفعل بين شرعيتين فإن اختياري معروف وموقعي محدد‏ كانت شرعية أكتوبر تملك انتصارا لاشك فيه ولكنها في الوقت نفسه قادرة علي الاستناد إلي ما لا يقبل الجدل من شرعية يوليو‏‏ الثورة تأميم قناة السويس بناء السد العالي مشروعات التصنيع الحقوق الاجتماعية للعمال والفلاحين وهم أغلبية الشعب حتي بالعدد إلي جانب اخراج الاستعمار البريطاني والفرنسي من شرق العالم وغربه‏‏ وايقاظ مشاعر أمة وتحريك إرادتها‏
ولا أملك غير أن أقف ورء ما اقتنعت به‏ صوابا كان أو خطأ‏‏ لأن الخلاف لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر وإنما كان‏ مفترق طرق ‏حقيقيا ونهائيا لادخل فيه لعامل ذاتي لأن الرجل علي المستوي الانساني كان شخصية جذابة ومثيرة‏
وفي الحقيقة والواقع أن موضوع الخلاف بيننا صدر عن رؤي مغايرة وأحيانا متناقضة‏
‏‏-‏ كان اعتقادي‏-‏ ولايزال‏-‏ أن أي إنجاز عسكري عظيم يتحول إلي استعراض بطولي بالدم والنار‏-‏ ما لم تستطع كفاءة السياسة تعزيز وتوظيف فعل السلاح ومن ناحيته فإن‏‏ أنور السادات‏ بحقه الرئاسي وشجاعته في اتخاذ قرار القتال تصرف باعتقاد أن ما تحقق في الميدان يعطيه فرصة مناورة أوسع ومع الولايات المتحدة الأمريكية بالذات وفي حسابه أنها‏-‏ تملك مفاتيح الحل أو‏99%‏ من الأوراق كما أعلن أيامها‏.‏
‏- وكان خوفي‏-‏ وإلي الآن‏-‏ أن الأمة بكاملها وشعوب الدنيا حتي بمشاعرها‏-‏ أضافت إلي تلك المعركة من مواردها وجهودها وأعصابها واهتمامها ما لا تسهل تعبئته مرة أخري وعليه فإن الصمت‏‏ مستحيل‏‏ خصوصا إذا جاء من رجل شاءت له الظروف أن يكون في قلب الوقائع‏-‏ مشاركا وليس متفرجا‏-‏ كل ما يهمه الحصول علي خبر أو الانفراد بسبق‏!‏
-‏ وكان الأصعب والأقسي شعور جازم وملح بأن طريقة إدارة العملية السياسية بعد المعركة العسكرية سوف تضبط أحوال المنطقة وتمسك بتوازناتها لخمسين سنة قادمة علي الأقل لأن أطراف الصراع أعطوا قصاراهم ووصلوا إلي الحافة فإذا استطاع أحدهم في لحظة حرجة دفع الآخرين إلي السفح‏-‏ فقد سيطر علي الساحة وأملي إرادته علي المستقبل‏!‏


‏-‏ وكان قلقي أن إدارة العملية السياسية بعد القتال سوف تكون معيارا متوازنا‏-‏ سياسيا وأخلاقيا‏-‏ لكرامة السياسة المصرية وتوازن خطها فليس يعقل أن يكون سلاح الحرب‏-‏ بما تحقق من نصر‏-‏ عالميا‏(‏ سوفيتيا‏-‏ أوروبيا‏)‏ بنسبة‏99%‏ ثم تسلم أوراق الحل السياسي بعده بنسبة‏99%‏ إلي مشيئة أمريكية تتسيد وتستولي‏.‏
‏-‏ وأخيرا‏-‏ كان جزعي أن نفس طريقة إدارة العملية السياسية خصوصا إذا تنازلت إلي حل منفرد بين مصر وإسرائيل‏-‏ سوف تؤدي إلي عواقب بعيدة المدي من النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وربما يتحقق مطلب عزل مصر في حصن ركن معزول من شمال شرق أفريقيا‏-‏ وتنفرد إسرائيل بالمشرق العربي‏-‏ قوة رئيسية في غرب آسيا وذلك هو المطلب البعيد المدي للفكرة الصهيونية وأصدقائها‏.‏
ومن الأمانة أن أذكر في هذا الموضع أن‏‏ عبد المنعم رياض‏(‏ شهيد مصر الشجاع‏)-‏ ذلك الجندي المتميز الذي تولي الإشراف علي رسم الإطار الأولي لخطة أكتوبر‏1973-‏ رأي‏-‏ ولعلها الرؤيا ومبكرا جدا ـ جوهر الحقائق السياسية الكامنة في الأزمة ـ واستوعب شروطها الواجبة ومازال صوته في سمعي ـ ونحن نمشي بعد الظهر ذات يوم في الغابات المحيطة بقصر‏ زيدوفا‏ قرب موسكو ـ يقول ما مؤداه‏:‏ أن المعركة القادمة ـ مهما كانت حدود ميدان القتال ـ ليست معركة العودة إلي‏ سيناء‏‏ أو‏ الجولان‏‏ وإنما هي معركة المستقبل‏ ويضيف‏: إنها ليست معركة في المكان المحدود وإنما معركة في الزمان غير المحدود‏.‏
وكان‏ عبد المنعم رياض‏ شبه ملهم فيما قال‏-‏ ولمن شاء أن يستوثق كيف كان ذلك الجندي المستنير بعيد النظر‏-‏ أن يقرأ الكتاب الأخير لـ‏ هنري كيسنجر‏ وهو بكامله نصوص حرفية لتسجيلات صوتية للأحاديث التليفونية التي أجراها وزير الخارجية الأمريكية أيام حرب أكتوبر‏1973.‏
وقيمة الكتاب أنه وثيقة أصلية سجلت في الثانية واللحظة‏(‏ حتي بالنكات والشتائم‏)-‏ وهي تزيح الستار بالطول والعرض عن حقيقة ما جري‏-‏ وليس لدي مجال لشك في أن هذه الوثيقة وما فيها مما سقط عنه حجاب السرية أخيرا قبل أسابيع‏-‏ هي الكلمة الأخيرة النهائية والحاسمة في قضية السلاح والسياسة‏-‏ أكتوبر‏1973.‏
علي أنه من سوء الحظ أن‏‏ عبد المنعم رياض‏‏ رحل قبل أن يجيء الظرف الذي تحسب له مبكرا‏-‏ دون أن يعيش ويتأكد من صدق ما رأي بالبصر والبصيرة من أمر تلك العلاقة بين السياسة والسلاح‏!.‏
‏(‏وعلي الهامش فإن أي قارئ مدقق للكتاب الوثيقة سوف تلفت نظره محادثة تليفونية مسجلة بين وزير الخارجية‏‏ هنري كيسنجر‏‏ ووزير الدفاع‏ جيمس شيلزنجر‏ دارت وفي الساعات الأولي التي تأكد فيها نجاح الهجوم المصري والسوري‏(6‏ أكتوبر‏1973)‏ بأكثر مما كان متصورا أو متوقعا أو محسوبا‏.‏

علي صفحة‏29‏ من كتابه التسجيلي للأزمة يرد نص المحادثة التالية بين هنري كيسنجر وزير الخارجية وجيمس شيلزنجر وزير الدفاع‏.‏
يوم‏7‏ أكتوبر‏1973‏ الساعة‏3.45‏ بعد الظهر‏:‏
كيسنجر ـ تكلمت مع الرئيس الآن صدمة الهجوم المصري ـ السوري عن ضرورة إمداد اسرائيل بكل ماتحتاجه أيا كان بدون أن يكتشف أحد حقيقة مانقوم به‏.‏
شيلزنجر ـ لاأستطيع أن أضمن ذلك في الظروف الراهنة‏,‏ لأن الجميع متنبهون‏.‏
كيسنجر ـ ولكننا فعلنا ذلك سنة‏67‏ ولم يستطع أحد أن يكشف السر حتي الآن وعلي فرض أنهم عرفوا فذلك لايهم لأن اسرائيل في خطر‏.‏
شيلزنجر ـ هل أنت مستعد لاستعمال حاملات الطائرات؟‏!‏
كيسنجر ـ ليس هذه الساعة ولكن مجموعة الحاملات لديها الأمر بأن تتحرك نحو شرق البحر الابيض‏.‏
ومع أني عشت لأري‏-‏ وأختلف وأبتعد فقد ظلت تحكمني في هذا الموقف وغيره‏-‏ وقبله وبعده‏-‏ قاعدة لا تقبل التجاوز ملخصها أنه‏:‏
‏‏من حقي ومن حق غيري أن نطرح آراءنا وندافع عنها‏,‏ لكن الكلمة الأخيرة بالتأكيد ملك المسئول الشرعي المكلف بها فإذا وصلت الخلافات إلي درجة لا تحتمل فليس أمام أي صاحب رأي إلا أن يقف ويرفع صوته ليسمع ويرفع يده ليبين مكانه‏.‏
وكذلك رفعت صوتي ورفعت يدي وتركت موقعي في الأهرام دون أن يخطر ببالي هاجس الانصراف من الساحة‏,‏ بل كان العكس هو الصحيح فقد وجدت نفسي أواصل الكتابة خارج مصر في مواجهة حسبتها قدرا مقدورا‏,‏ موضوعها دور السياسة بعد السلاح في حرب أكتوبر‏1973-‏ وكنت أقدر أنني سوف أتعرض لحملات جامحة‏.‏
وعاهدت نفسي من وقتها وإلي الآن ألا أرد علي أحد مهما كان القول‏,‏ وأيا كان القائل‏,‏ وكثيرا ما ذكرت نفسي ـ تلك الأيام وبعدها ـ بحكاية رواها لي السير انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني الأسبق‏,‏ الذي استقال من وزارة انتوني إيدن ابان حرب السويس‏1956,‏ احتجاجا علي تورط رئيس الوزراء انتوني إيدن ـ الذي خلف تشرشل علي رئاسة المحافظين ورئاسة الوزارة ـ في مؤامرة سرية للعدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ شريكا فيها لرئيس وزراء فرنسا جي موليه ورئيس وزراء إسرائيل دافيد بن جوريون‏!‏
كان ناتنج عند أول الحكاية التي سمعتها منه ـ سياسيا صاعدا وعضوا مستجدا في مجلس العموم‏,‏ ورأي أن يذهب لمقابلة الزعيم البريطاني ونستون تشرشل وهو يعرفه صديقا لوالده اللورد ناتنج الكبير وضيفا علي قلعة الأسرة في إسكتلندا‏.‏ وكان غرض النائب الشاب الصاعد أن يسمع من صديق الأسرة الأسطوري نصيحة تنفع مستقبله‏.‏
ورد تشرشل بإنه سوف يجيب بلغة الطير‏,‏ عارفا أن والده من هواة مراقبة الطيور‏,‏ ثم تكلم السياسي المجرب العجوز‏:‏
استغل كل طاقتك وإرادتك حتي تقوي جناحك ليحملك إلي الفضاء العالي‏,‏ حيث تحلق النسور ـ هناك الحرية وهناك الخطرـ إذا لم تستطع فلا تسمح لنفسك تحت أي ظرف بطلب الأمان في قفص ببغاء تنطق برطانة يدربونك عليها‏(‏ في الحزب‏),‏ ثم يكون دورك أن تكررها وتعيدها كلما مروا عليك‏,‏ وطلبوا منك أن ترقص وتغني حتي يراك السيد‏(‏ زعيم الحزب‏)‏ ورفاقه‏,‏ وربما أبناؤه أيضا ـ وقد يصفقون لك‏,‏ ويضحكون‏,‏ ثم يتركونك حيث أنت ويذهبون ومعهم بسمة من تسلل وتله
وفي حكاية ناتنج أن تشرشل نظر إليه في عينه بعد أن أنهي درسه‏,‏ ثم صاح فيه نسر إذا استطعت ـ ببغاء أبدا مهما تحملت‏!‏
وأقر بأن تلك الحكاية التي رواها لي أنتوني ناتنج عادت من حافظتي إلي ذاكرتي في مواجهة ما تعرضت له من حملات تلك السنوات من السبعينيات‏,‏ ولعلها كانت مؤثرة علي حين اخترت الصمت عزوفا عن مشادات وجدتها إهدارا للحبر بلا معني‏,‏ واستهلاكا للورق دون جدوي‏!‏
واكتفيت بأن قلت كلمتي ومشيت‏,‏ وخطاي علي الأرض ـ لا فضاء النسر‏,‏ ولا قفص الببغاء‏.‏
وكانت تلك مرحلة أخري من العمر‏,‏ وكنت وقتها في الخمسين‏!‏

seeker
02-10-2003, 06:57 PM
أسباب متعددة
.. وسؤال عما بعد!
لعل هذا الموضع من سياق هذا الحديث مناسب لعرض كشف حساب يتصل بجانب آخر من تلك المرحلة:
عندما بدأت التدريب العملي مع الدراسة النظرية رفيقا لثلاثة من الزملاء غيري في جريدة الإجيبشيان غازيت قررت إدارة التحرير أن تصرف لكل منا بدل انتقال قدره جنيه واحد كل أسبوع أي أربعة جنيهات في الشهر.
وعندما عدت إلى الغازيت بعد الاشتراك في تغطية معارك العلمين بعين وطنية لحرب عالمية تجري على تراب مصري تحول بدل الانتقال الأسبوعي إلى مرتب شهري مقداره اثنا عشر جنيها في الشهر ثم زاد إلى ثمانية عشر جنيها في الشهر أوائل سنة 1945.
وعندما التحقت بالعمل في آخر ساعة مع الأستاذ محمد التابعي كان المرتب الذي تحدد لي خمسة وثلاثين جنيها في الشهر.
وعندما انتقلت مع آخر ساعة إلى أخبار اليوم 1946 وقد أصبحت سكرتيرا لتحريرها تحدد مرتبي ب: خمسة وأربعين جنيها في الشهر.
وعندما عملت مراسلا متجولا لأخبار اليوم مسؤولا عن تغطية الشرق الأوسط وتقلباته وفيها قضية فلسطين والحروب الأهلية في إيران والبلقان والانقلابات السورية وعمليات العنف التي غطت وجه العالم العربي بالدم عدت لأجد مرتبي مئة جنيه في الشهر.
وعندما أصبحت رئيسا لتحرير آخر ساعة أواخر سنة 1951 جرى تعديل مرتبي ليصبح مئتي جنيه في الشهر مع نسبة في أرباح المجلة توازي 4% مما يتحقق لها بعملي فيها.
وفي مايو 1952 أضيفت إلى عهدتي مهمة إدارة تحرير جريدة أخبار اليوم وأعلن رسميا عن رئاستي لتحرير آخر ساعة ووصل مرتبي إلى 360 جنيها في الشهر.
(في نهاية 11 سنة من العمل في أخبار اليوم استحقت لي مكافأة نهاية خدمة 7442 جنيها مصريا).
وعندما عرض عليّ أول عقد لرئاسة تحرير الأهرام سنة 1956 سرى تنفيذه بعد عام وضعت إمضائي عليه مقتنعا (لأسباب ليس هذا أوانها) وكان العقد بمرتب قدره ستة آلاف جنيه في السنة تضاف إليها حصة في أرباحه مقدارها 2,25% إذا استطاع جهدي تعويض خسائر عشر سنوات سابقة.
ولم يكن جمال عبد الناصر متحمسا لانتقالي إلى الأهرام بل كانت الأفضلية عنده أن أقبل رئاسة تحرير الجمهورية بأحقية أنها جريدة الثورة التي صدر امتيازها باسمه، ولم أتحمس للعمل في جريدة ثورة، وإنما كانت حماستي لجريدة طبيعية لها أصحاب ولها قراء.
....................
....................


وعندما أعلنت القوانين الاشتراكية وضمنها ربط الحد الأعلى للمرتبات بخمسة آلاف جنيه سنويا نقص مرتبي ألف جنيه في السنة وذابت تلك النسبة المقررة لي في أرباح الأهرام وكانت قد بدأت تعطي ما دعاني إلى توظيف حصتي منها في شراء مجموعة أسهم في الشركة المالكة للأهرام لكن قانون تنظيم الصحافة جعل من هذه الأسهم صكوكا تذكارية أتأملها الآن بعض المرات وأتبسم!
وعليه فإنني لمدة خدمة طالت في الأهرام سبع عشرة سنة كنت أتقاضى خمسة آلاف جنيه مصري في السنة تحول إلى حسابي كل شهر في البنك الأهلي (الفرع الرئيسي) بما صافيه 286 جنيها و450 مليما (بعد الاستقطاعات القانونية وضريبة كسب العمل).
(وكان ذلك المبلغ أجر خمس مسؤوليات أقوم بها في نفس الوقت: رئيس مجلس إدارة رئيس تحرير مخبر سياسي موثوق المصادر كاتب مقال أسبوعي بصراحة وأخيرا مسؤول عن مشروع تجديد الأهرام).
ومن باب استيفاء كشف الحساب فإن مقالي الأسبوعي بصراحة ترتبت على نشره في الخارج حقوق أضافت إلى دخلي وكنت قد عهدت إلى إحدي وكالات الأنباء المصرية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) بعقوده تاركا لها متابعة التوزيع والتحصيل مقابل نسبة قدرها 20% ولولا مدخول هذه الحقوق لما تيسر لي التوفيق بين المطالب والضرورات.
ويقتضي الإنصاف بيان أن مرتبي ظل يقيد لحسابي في البنك الأهلي لأكثر من سنة بعد أن تركت خدمة الأهرام، ثم توقف التحويل حين أحلت إلى التقاعد (يونيو 1975) بقرار من الرئيس السادات الذي نفد صبره، وكانت تلك نهاية أي حساب لي في خدمة الأهرام.
(وقد اعتبرت أن مرتب تلك السنة التي وصلني أجرها دون عمل مكافأة لنهاية الخدمة وأغلقت دفاتر تلك المرحلة مستريحا وراضيا).

هكذا مع أوائل السبعينيات، وعند منتصف العمر وجدت نفسي أمام ضرورة الاختيار من جديد وكأنها نقطة الصفر، أعود إليها في قرار عملي ومستقبلي. ولم يخطر على بالي من قبل أن ذلك الذي واجهته سنوات الصبا الباكر سوف يعود ليفرض نفسه عليّ بعد ثلاثين سنة!
وكان جليا في أعماقي أن حقي في الاختيار محدد. ولا أقول محدود! ومجاله بالتأكيد تلك المهنة التي تعلمتها ومارستها ووجدت لنفسي فيه موضعا وموقعا.
ولم يكن في احلامي جناح النسر في فضائه ولا كان في حسابي قفص الببغاء وأسلاكه!
كان مستحيلا.. بعد ما جرى، أن أجد عملا أو مستقبلا في مؤسسات الصحافة المصرية ولا كنت أريد.
وكان صعبا عليّ لاعتبارات متداخلة أن أقبل عرضا خارج مصر يجيء من العالم العربي، وقد تلقيت بالفعل عروضا محددة: أولها من دولة خليجية كريمة سألتني اذا كنت مستعدا لقبول منصب مستشار فوق العادة للأمير وشكرته عارفا بالجميل وكان الثاني عرضا من مجلس قيادة الثورة الليبي حمله إليّ أحد أعضائه البارزين الرائد عبد السلام جلود نائب الرئيس وقتها والاقتراح أن أقوم على انشاء مشروع صحافي كبير في بيروت يتوافر له كل ما أطلبه من موارد وأديره بأقصى قدر أتمناه من الحرية.
ومرة أخرى شكرت عارفا بالجميل.
ولم يكن في موقفي شيء من البطر أو التكبر وكان في حسابي اعتباران:
أنني بعد علاقة من نوع خاص مع جمال عبد الناصر ودور بلغ درجة معينة في الأهرام لا أملك غير أن أكون صارما مع نفسي مهما يكن (دون أن يكون ذلك جناح نسر).
أنني لا أستطيع نفسيا أو فكريا أن أؤقلم نفسي مع حياة أو عمل (أو قبر) خارج وطني الصغير كما أن دور اللاجئ السياسي لا يستهويني.
لأنه مهما تصلح النية ويستقم القصد اعتماد طرف على طرف آخر وفي وضع غير متكافئ مستشار في خدمة أمير أو صحافي في خدمة دولة (وذلك قفص الببغاء ذاته).
وفي الحقيقة فقد كانت تصوراتي تحوم هناك عبر البحر في اتجاه الشمال حيث الصحافة الاوروبية وبالذات الانكليزية فقد كان هناك قارئ سبق له الاطلاع على كثير مما نقلته وكالات الانباء من بين ما كتبت أو تحقيقات متكررة عن دور أقوم به في السياسة العربية أو حوارات أجريتها مع كثيرين في زمن كان يوصف بأنه عصر العمالقة.
ومرة أخرى تدخلت المقادير احتك حجر بحجر ولمعت شرارة.

ومن دواعي الحمد والشكر أن خلافي مع الرئيس السادات وما أعقبه تصادف بالتوافق وبالضبط مع مناخ أصبح الشرق الأوسط فيه مناط اهتمام العالم وبؤرة النار في قلبه، وكذلك التفتت الدنيا ناحية المنطقة تريد أن تعرف وتتابع وتتقصى وتستوعب وراحت دور النشر في العواصم الكبرى (لندن وباريس ونيويورك وطوكيو وبرلين وغيرها) تتصل بصحافي ظنت أنه يقدر على عرض الشرق الأوسط أمام قراء سمعوا عنه واطلعوا على أعماله وينتظرون منه أن يكتب لهم من الداخل وليس من الخارج وبالعمق وليس بالوصف.
وحين اقتربت من مجال النشر الدولي مبكرا لم تكن لدي مشكلة مع الصحافة يومية أو أسبوعية فذلك ميدان جربت نفسي فيه واختبرته وأعرف إلى حد ما دخائله، وأما عالم الكتب فغريب علي في معظمه ولم يقصر أحد في تبصيري، وكان بين الناصحين اللورد مايكل هارتويل صاحب دار التلغراف والسير دنيس هاميلتون رئيس مجلس إدارة التيمس وكلاهما صديق قديم من عوالم الصحافة وكلاهما لديه اهتمام بمشروع كتابي الأول عن ساسة وثوار صنعوا روح الخمسينيات والستينيات وكلاهما يعرف أن مشروع كتابي فيه فصول عن السويس وهي وقتها وحتى الآن قضية حية نابضة.
لكن كليهما هارتويل وهاملتون كان مهتما بحقوق النشر الصحافي وحدها، وأما الكتاب فمسألة أخرى في اختصاص دور نشر لديها خبرة السوق، وبالفعل وصل النص إلى السير ويليام كولينز (صاحب دار كولينز) وبدوره فإن السير ويليام طلب إلى مدير النشر في مؤسسته روبرت كنيتل أن يقرأه وأن ينسخ من أصله صورا لثلاثة قراء غيره: أستاذ متخصص في الشرق الأوسط من جامعة أوكسفورد (يراجع التأصيل المعرفي في النص مع اعتبار اختلاف المرجعيات) وسفير بريطاني سابق خدم في المنطقة (يراجع السرد ويستوثق من الوقائع مع اعتبار اختلاف المواقف) وقارئ عادي (تقاس عليه ما يسمونه جاذبية القراءة لأن الكتاب في النهاية عرض وطلب) وكان داعي التدقيق أن مشروع كتابي حالة سابقة من نوعها في الكتب السياسية المنشورة والمعروضة تحت نظر القارئ في الغرب، فمن قبل كانت أغلب أنواع الكتب من وراء البحار ثلاثة:
أدب يترجم عن لغات آسيوية أو أفريقية ليعطي صورا حية ومشوقة لحياة وثقافة مجتمعات غريبة ويستحسن أن يقع الاختيار على ما هو مثير للخيال وأسطوري.
أو أعمال يقصد منها انتقاء عينات لكتابات صدرت في لغات بعيدة ويكون الاطلاع عليها مفيدا وتلك في العادة كميات محددة الطبع محصورة الانتشار.
وإما كتب يتولى مسؤوليتها بالكامل أصحابها وعلى حسابهم الخاص دعوة لقضايا أو شرحا لأحوال بلاد وذلك أيضا ميدان ضيق ولجمهور لا يجذبه التبشير.
وكان ساسة الهند أكثر من برع في هذا النوع التبشيري من الكتب (ولعل المادة الوحيدة التي كانت معروضة أمام الناس على أوسع نطاق هي ما كتبه غاندي أو نهرو عن الهند باعتبار نفاذ سحر هذا البلد في الوعي والوجدان الأوروبي بعموم والإنكليزي بخصوص).

ولم أكن على علم بتفاصيل ما جرى للنص وربما تحرج بعضهم بظن أنني مع تجربة معروفة ورائي لن أقبل بشبه امتحان دخول من أول وجديد! ولم يكن ذلك منطقي ما دمت أقترب من ميدان لم أتعرف إلى قواعده إلا إذا كنت أريد أن أعتمد على صداقات ووساطات، وذلك لا ينفع، ومجرد التفكير فيه أذى للنفس قبل الآخرين! ثم حدث أن مدير النشر في دار كولينز (روبرت كنيتل) اتصل يبلغني أنهم الآن جاهزون للانطلاق وأنهم واثقون بالكتاب وشبه متأكدين وأن الميزانية التقديرية الأولى لنشره وقع رصدها في إطار خمسة ملايين جنيه استرليني وضمنها حملة إعلانية تتكلف نصف مليون جنيه إسترليني تسبق النشر وتواكبه. وسألني كنيتل فجأة: إذا كنت مستعدا لحضور معرض فرانكفورت بعد شهر لأن دور النشر في العالم قاطبة تلتقي هناك، وهناك أيضا تطرح مشروعات الكتب المستعدة لموسم النشر القادم، وهناك في نهاية المطاف يقبل الناشرون على طلب حقوق كتب يتوقعون رواجها أو يمتنعون. وأضاف كنيتل ما مؤداه: إذا استطعت أن تعرض كتابك أمام ثلاثة آلاف ناشر وفهموا عنك تكون تلك مسألة أخرى لنا ولك ومع أني عرفت أن ما يهمك هو النشر بالدرجة الأولى فإن علينا جميعا أن نسلم أن النشر بيع بصرف النظر عن أي شيء يقوله أي كاتب.
وحضرت معرض فرانكفورت وتحدثت مرات أمام مئات من الناشرين وشاركت في مناقشات واسعة، وبعد يومين مر علي روبرت كنيتل يقول لي إن أكبر دور النشر في العالم تسابقت على حقوق الكتاب (فلاماريون في فرنسا مولدن في ألمانيا أساهي في اليابان إلى جانب كولينز في لندن ونيويورك). وسئلت قبل أن أغادر فرانكفورت إلى أين أريد تحويل نصيبي من مقدم العقود التي جرى الاتفاق عليها في اليوم الأخير من المعرض وأجبت دون تلعثم إلى الفرع الرئيسي للبنك الأهلي بالقاهرة وعندما عدت وجدت في انتظاري جائزة وغرامة:
الجائزة: تحويل بمقدار مئة ألف جنيه إسترليني تمت إضافته إلى حسابي كدفعة مسبقة من حساب مقدم العقود.
والغرامة: أن وزير الاقتصاد وقتها الصديق الدكتور حسن عباس زكي أطال الله عمره طبق علي قواعد التعامل بالنقد الأجنبي وكان ذلك بالطبع قبل أن تهل بركات الانفتاح ويتسع فردوسه الموعود فقام بتحويل الإسترليني إلى الجنيه المصري بسعر سبعة وتسعين قرشا ونصف قرش مصري لكل جنيه إسترليني.
ولم أفتح فمي بكلمة فقد وجدت عندي في النهاية أكثر مما توقعت وأوسع مما احتجت!

seeker
02-10-2003, 06:58 PM
وهكذا فإنه في اللحظة التي وقع فيها الحظر على ما أكتب هنا سقطت الحواجز أمامي هناك وبقيت في وطني لم أغادره، لكن كتبي ومقالاتي راحت تنشر بإيقاع متسارع في عشرات العواصم (أحد عشر كتابا لكبريات دور النشر الدولي وأكثر من أربعمئة مقال وتحقيق وتقرير إخباري احتل بعضها الصفحة الأولى في جرائد بوزن وحجم الصنداي تيمس والتيمس والصنداي تلغراف) وكانت تلك حقبة حافلة غطت بقية السبعينيات ومطالع الثمانينيات ومعظم التسعينيات.

وبرغم ذلك أو ربما بسببه! فإن الرياح الهوج واصلت هبوبها، ذلك أن ما كنت أكتبه في صحافة العالم خارج مصر كان يعود بالطبع إليها وكان لعودته أصداء مشوشة بعض الأحيان أو مبتورة ناقصة في أحيان أخرى. ومع تصاعد تيارات صدام وعنف دفعت مصر إلى أجواء غاضبة فإن الرئيس السادات
أضاف بعضها إلى مسؤوليتي وكذلك تقرر منعي من السفر وسحب جوازي وإحالتي للتحقيق أمام المدعي الاشتراكي الأستاذ أنور حبيب الذي أدار استجوابي بنفسه ومعه المستشار عبد الرحيم نافع والمستشار (الصديق في ما بعد) أحمد سمير سامي ولم يصل التحقيق إلى نتيجة لأن موضوعه كان تفتيشا في التفكير والضمير عن آراء ومواقف، والمطلوب منه إثبات أن ما أكتبه خارج مصر مقيما فيها ومحكوما بقوانينها العادية والطارئة يسيء إلى سمعتها ويشوّه صورتها ويستوجب إجراءً. جانب ذلك فقد وجدتني معرضا لتصرفات الأجهزة الظاهرة والخفية للسلطة وحتى للمزاج النفسي للبعض من أصحابها، وكان الأغرب صدور قانون العيب وهو قانون لم يعرف له مثيل لدرجة أن مستشاري مجلس الدولة تندرا أطلقوا عليه وصف قانون هيكل وكان ظاهرا أن القانون جرى تفصيله على مقاس بعض الناس كنت بينهم.
(والشاهد هنا أن ديني كبير لصحافة العالم خصوصا في الغرب فقد وقفت معي بكاملها مدافعة ومناصرة برابط التضامن المهني على الأقل، ولم يكن ذلك مهما في حد ذاته وإنما المهم أن الإعلام الخارجي أيامها كان مسرح التأثير الأكبر للرئيس السادات وكان الرئيس السادات بالفعل من ألمع النجوم في تلك السماء وتنبه الرجل بذكائه إلى أنه يجازف في الساحة الأوسع لنفوذه وكذلك توقف في منتصف الطريق).
وتشرفت بأن المحامي الذي حضر التحقيق معي كان ذلك الرجل الصلب المستشار ممتاز نصار الذي تمكن من الحصول على تسجيل كامل لوقائع التحقيق نشرته في كتاب ظهر في حياة الرئيس السادات وأثاره النشر واستفزه (وكان للأمانة معذورا فقد كانت الجهات الداخلية كلها تضغط عليه ثم إن مبادرته الجريئة تعثرت بين غرور إسرائيلي وإهمال أميركي) ولم تمض شهور حتى وجدت نفسي (سبتمبر 1981) في إحدى زنزانات سجن طرة ضمن حملة الاعتقالات المشهورة التي طالت كثيرين غيري من رجال مصر ونسائها ذلك الخريف الغاضب والحزين!

وبعد خروجنا جميعا من المعتقل (أواخر نوفمبر 1981) عاودني هاجس الاستئذان في الانصراف مرة أخرى فتلك نهاية مرحلة كنت فيها بالضرورة المهنية والاختيار السياسي وهي في الوقت نفسه بداية مرحلة أخرى مختلفة ثم إنني بالعمر قريب من سن الستين وذلك هو التوقيت الطبيعي والقانوني لخروج الناس من الخدمة العاملة تلك الأيام ثم تذكرت ولعله هواي! أن اختراقات الطب الحديث (في مجال المضادات الحيوية بالذات) نجحت وأزاحت التوقيت المقرر لنهاية الخدمة إلى الوراء ما بين خمسة أعوام إلى عشرة أي إنها مدت أجل الصلاحية للعمل وأفسحت وأضافت.
وربما جاز القول إن تجربتي الطويلة تلك دراسة لم تنقطع وممارسة لم تتوقف انقسمت إلى نصفين شبه متساويين كل منهما ثلاثون سنة:
النصف الأول: مرحلة العمل داخل مؤسسات الصحافة المصرية والانتشار منها إلى الإقليم والوصول منه إلى أبعد، والداعي أن ما كان يحدث عندنا ملأ صراعات الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين وفاض وعليه فقد كان الكل يأخذ عنا ويسمع مباشرة منا.
وأما النصف الثاني: فهو مرحلة الكتابة والنشر من مكتب مستقل محدود مفتوح في الوقت نفسه بلا حدود على الدنيا الأوسع باللغة العالمية المعتمدة (الإنكليزية) ولجماهيرها عبر القارات وقد انهمكت في ما أؤديه وظننت ولعلي لم أخطئ أن دخول كاتب عربي إلى مجال النشر الدولي صالح شخصي ولعله أيضا إضافة عامة!
وهكذا فإن المرحلتين معاً داخل المؤسسات الصحافية المصرية وخارجها من مكتبي صنعتا دورة كاملة لأن تلك التجربة الدراسة والممارسة لأكثر من ستين سنة مقسومة على نصفين تحولت بشكل ما إلى طريق في اتجاهين عبر جسر وفوق ضفاف وشطآن.
وفي الحالتين فإن مجمل الظروف أتاحت لي ذهابا وإيابا عبر الجسر وحول الضفاف والشطآن فرصا نادرة تواصلت من أواخر الحرب العالمية حتى بلغت نهاية الحرب الباردة أي إنها غطت كل النصف الثاني من القرن العشرين والحاصل أنها منحتني إمكانية التعرف مباشرة على صناع العالم الحديث وواضعي الاستراتيجيات العليا من رجال الدولة العظام وصناع السياسة وقادة الحرب وأعلام الفكر والأدب وأساطين الصناعة والتكنولوجيا والمال.
ثم إنني تحت الأفق نفسه على الجسر وحول الشطآن والضفاف تقابلت وجها لوجه مع أفكار العصر الكبرى وطموحاته وأحلامه ومشروعاته وحروبه وصراعاته وأزماته وأتيح لي أن أرى وأسمع وفي كثير من المرات أعيش الدخائل مما كان يجري بل وأشارك بقسط ما في وقائعها.
وعلى موعد غروب القرن العشرين عاودني الإحساس بأنني عشت مع ذلك القرن العظيم أكثر من ثلاثة أرباعه دارسا ممارسا وعلى فرض أنه بقي عندي ما يمكن أو يصح قوله فإن اللائق هذه اللحظة أن أتنبه وأتذكر وإلا وقع الانحدار بمجرد الاستمرار إما إلى خطأ في قواعد الحساب وإما إلى إنكار فعل الطبيعة.

وعندما تغيرت الظروف في مصر أوائل الثمانينيات تلقيت دعوات كريمة إلى ظهور في الصحافة المصرية وترددت وإحساسي: أن الأزمنة تغيرت كما أنني تغيرت.
وتبدى لي كذلك: أن عودة إلى الصحافة المصرية أو نوعا منها محاولة للتكرار لا أتمناها فالتاريخ كما تذكر مقولة شهيرة لا يكرر نفسه، وإذا فعل فهو في المرة الأولى مشهد محترم أو يمكن أن يكون محترما وأما في المرة الثانية فهو استعادة هزلية أو يمكن أن تكون هزلية لشيء كان.
وتبدى لي من قبل ومن بعد: أنني رجل يحمل على كتفيه بعضا من حمولات مراحل سبقت وكلها مؤثرة عليّ أردت أو لم أرد.
...................
...................
وفي استطراد يبدو خارج السياق أقول بصراحة إن عقدة الموقف أنه لم تكن فوق كتفي حمولات أريد انتهاز أول فرصة لألقي بها على الأرض كي أتخفف وألتحق بالقبائل التي شدت رحالها نحو مراعي الشتاء.
وإنما كان اعتقادي أن حمولة أي إنسان (أو غير إنسان) ثقلان على جانبين متوازيين ومتوازنين: ثقل من التجربة الذاتية وكيف تعامل صاحبها مع الدنيا والناس وتصرف.
وثقل آخر من الزمان الذي عاشه صاحب التجربة وشارك في صنعه حتى بمجرد أنه كائن حي.
وكان لي تصور لنوع حمولتي وحجمها على الناحيتين:
الحمولة التي تشمل التجربة الشخصية وزنها سهل وخفيف وأمرها متروك لمن يعنيه الأمر ويهمه!
والحمولة التي تشمل تعاملي مع الحياة والزمن قضية معقدة لأنها حق مشاع لكل الناس موصولة بحركة التاريخ ومتجاوزة لحدود الأفراد.
وعلى هذه الناحية الثانية (الموصولة بحركة التاريخ) فإني بدون تلعثم لم أخف أبدا ولا أخفي الآن يقيني بأن تلك التجربة التي بدأت شرعيتها في مصر فجر 23 يوليو 1952 وشقت طريقها في مصر والإقليم والعالم حتى ظهر 6 أكتوبر 1973 كانت ظاهرة عظيمة في قرن عظيم. وكانت شرعية يوليو بالإعارة هي التي غطت رئاسة أنور السادات وعندما حقق الرجل ذاته بقرار الحرب 6 أكتوبر 1973 فإن شرعية يوليو انسحبت لتحل محلها شرعية أكتوبر وذلك حقه واستحقاقه.
وكانت شرعية يوليو وذلك رأيي تجربة إنسانية بالغة الحيوية والطموح وهي بالتأكيد أهم تجارب العرب في العصور الحديثة وأبعدها أثرا وذكرا على أنها تظل تجربة إنسانية بكل ما يرد على الإنسان من أعراض القوة والضعف، والتقدم والتراجع والطموح والإحباط وهي في كل الأحوال عصر يستحق أن يدرس باحترام ويحقق أداؤه بعدل ويحاسب ويحاكم! إذا اقتضى الأمر وفق قوانين زمانه وهويته ومرجعيته وشرعيته، وليس وفق قوانين زمان مختلف ومرجعيات وهويات وشرعيات يحتاج أمرها إلى كلام وقضاة لا يخفون أنهم أعداء وكارهون!
ولم يفهم بعضهم أن الماضي يحاسب ولا يعاقب فعقاب الماضي ظالم بأثر رجعي لأنه يصبح حينئذ عبئا على الحاضر والمستقبل يُنزل بعد الأوان على جيل حاضر وأجيال بعده الأمل في الغد مؤرقا للضمائر بغير ذنب ومضيعا للثقة بالمستقبل بتكلفة نفسية باهظة التكاليف!
...................
...................
ومن المدهش أن وجه الحقيقة يتبدى بعد ثلاثين سنة من الضباب الكثيف فالشواهد هذه اللحظة تنبئ بأن: جموح القوة الأميركية بغير فهم، لم يكن ممكنا التعويل عليه بدون تحفظ وأن جنون السلاح الإسرائيلي بغير رادع ، لم يكن مهيأ لصنع السلام في أي ظرف، وجوع الثراء العربي أكد لسوء الحظ أنه لا يعرف كفاية أو شبعا وبالتالي فإنه لم يكن قادرا بعد على دور قاطرة التنمية وتوفير فرص العمل في المجتمعات العربية وأن حالة الانفراط التي أصابت الرابط العربي المشترك لم تؤد إلى خلاص الأوطان العربية أو عزتها وإنما وصلت بها إلى حالة من الاستباحة الكاملة لاستقلالها بل ولوجودها من الأساس.
وتلك كلها أمور تستحق التأمل والدرس أمام إعصار عات لا يستعاد بعده ما كان قبله وإنما تستدعى لصده كل ملكات الأمة والمخزون من إرادتها والمتيقظ من فكرها وعلمها.
وفي المحصلة (ومع الاعتذار عن هذه الوقفة الاعتراضية) فإن هذا الجانب من حمولتي ليس حنينا للذكريات وإنما بالدرجة الأولى محاولة لإعادة الفحص والدرس لمرحلة لا تنسى على هدي تقدم لا يتوقف.
....................
....................
ومن تلك الأسباب مجتمعة ترددت حين انفتح أمامي الباب لنوع من العودة إلى القارئ المصري وعلى منابره التقليدية.
ومن باب أداء الحق لأصحابه فقد بدأ الأستاذ مكرم محمد أحمد أول محاولة لفتح باب للعودة أمامي وبالفعل كتبت لمجلة المصور مجموعة من ستة مقالات عرضت فيها تصوري للممكن والمطلوب في مرحلة مستجدة وطلبت من الأستاذ مكرم عارفا طبيعته مقدرا لالتزامه المهني وتمسكه ألا ينفرد في هذه المقالات الست بقرار ورجوته ملحا ومخلصا أن يراجع قبل أن ينشر. وحدث بعد أسبوعين أن مجموعة المقالات الست التي كتبتها للمصور عادت إلي يحملها الدكتور أسامة الباز مصحوبة برسالة شفوية رقيقة تقبلتها برضى واحترام، وملخص الرسالة أن ما كتبته في المقالات الست يسبب إحراجا في الوقت الحاضر ثم إن الأمر متروك لي وكان ردي دون تحفظ أنني آخر من يخطر له إحراج نظام لا يزال يحاول أوائل سنة 1983 تثبيت أوضاعه واستجماع خطوطه للقيام على مسؤولية الوطن في ظرف دام ومحتقن وأزحت المقالات الست جانبا لم أنشرها لا في مصر ولا خارجها حتى بعد مرور عشرين سنة!
ومرت سنوات ثم زارني الصديق الأستاذ إبراهيم سعدة بتحفزه الدائم وجسارته الشهيرة طالبا أن أكتب في أخبار اليوم وضعفت أمامه وكتبت مقالين لمست بنفسي ما جرى بعدهما وخفت على رئيس تحرير أخبار اليوم وأعفيته من نشر المقال الثالث راجيا مصرا ومن باب القلق عليه.
وأخيرا توصل الأخ والصديق الأستاذ إبراهيم نافع بهدوء وصبر إلى الصيغة الموفقة فقد تفاوض مباشرة مع دور النشر التي تصدر عنها كتبي في لندن وحصل على حقوق الطبعة العربية الأولى لستة كتب توالى ظهورها عن الأهرام (وكان ذلك تلاقيا حتى على الورق بالكلمات مع أسرة عشت معها أكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال عبر طول السنين عزيزة علي وغالية).
ومشت عقارب الساعة حتى وصلت إلى دار الشروق تتحمل مسؤولية ما أكتب وتضعه بانتظام بين أغلفة كتب تصل إلى قارئها كما يصح أن يصل الكتاب!
ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك فقد كان قصارى ما أبتغيه في مصر نافذة لا ساحة ولا شرفة وإنما طاقة في جدار أطل منها على ما يجري وأتابع مهتما ومعنيا متحدثا بين الحين والآخر برأي في جريدة مما راح يصدر سواء عن الأحزاب معتمدا على رخصتها أو مستقلا يصدر عن زملاء وأصدقاء لديهم الموهبة والطموح يكافحون في ظروف اقتصادية لاجتذاب قارئ يتزايد إحساسه بالملل! إلى جانب محاضرة سنوية واحدة في منتدى عام (مثل معرض الكتاب السنوي أو جامعة القاهرة أو الجامعة الأميركية) وكان ذلك يكفيني بالقدر الذي حسبته متوازنا.
لكن العوائق راحت تظهر على الطرقات واحدا بعد واحد.

وفي سبتمبر 1999 دق جرس له رنين فقد وقع في أثناء مراجعة طبية دورية أن علي هيكل أكبر أبنائي وأقرب أطبائي (وهو أستاذ في كلية الطب بجامعة القاهرة) اكتشف وجودا ملحوظا لخلايا مريبة (سرطانية بطبيعتها) ومع أن نشاطها الآن ضعيف ومحصور فلا أحد يستطيع ضمان ألا تشتد ضراوتها وتزيد سرعتها وتنفلت منتشرة وقرر علي أن يتوسع في الفحص وإذا بؤرة خطيرة أخرى تظهر على صور الأشعة. والتقى لفيف من الأطباء بينهم الصديق والعميد الدكتور محمد عبد الوهاب والجراح الكبير الدكتور إسماعيل شكري والمنظم الطبي البارع الدكتور حاتم الجبلي والدكتور عمرو مسعود وجلست أمامهم وإذا الإجماع أن الموضع الأول للخطر يحتاج إلى علاج بالإشعاع في حين يحتاج الموضع الثاني إلى مبضع جراح، وكان هناك اتفاق على أن الجراحة أولى بالسبق والإشعاع عليه الدور بعد أسابيع والولايات المتحدة الأميركية يتحتم أن تكون مقصدي وبسرعة، وسألت إذا كانت هناك بدائل أخرى في مصر أو قريبا منها ولم يقبل محمد عبد الوهاب ورد بأنه: إذا كان الأكثر تقدما في إطار ما أقدر عليه فلماذا القبول بغيره في شأن يتعلق بالصحة. وأضاف: إن الجراحة الشائعة عموما في مثل هذه الحالات تختصر الطريق باستئصال الكلية، لكن هناك أستاذا أميركيا استطاع تحقيق اختراق مهم يركز على الكشط والتطهير، ومع أنها جراحة متناهية في الدقة إلا أنها تساوي المخاطرة لأنها في حال نجاحها تحتفظ بالكلية شبه سليمة وقادرة على أداء وظائفها. وفي دقائق تلاقت الآراء على الدكتور أندرو نوفيك الجراح المشهود له عالميا في هذا التخصص ثم تلت ذلك إشارات إلى الدكتور باتريك كوبليان أستاذ الإشعاع الذي لفت الأنظار في الولايات المتحدة يتولى الجزء الثاني من العلاج، ولحسن الحظ كان الرجلان وقتها يعملان في مركز طبي واحد هو مؤسسة كليفلاند الذائعة الصيت في ولاية أوهايو.

ووصلت إلى كليفلاند نوفمبر 1999 وفي انتظاري على مدخل مطارها الدكتور فوزي إسطفانوس وهو أحد أساطين تلك المؤسسة الكبرى وكان الدكتور فوزي يحمل معه جدولا لمواعيدي جاهزة.
وحين التقيت الدكتور نوفيك ومعه مساعده المصري المتميز الدكتور عمرو فرجاني لفحص يسبق الجراحة فاجأني الدكتور نوفيك بأسماء كثيرين اتصلوا به أو بمكتبه يسألون ويوصون، وكان بينهم رئيس دولة سبق للدكتور نوفيك أن عالجه وتفضل ذلك الرئيس واتصل يقول للطبيب: إن مريضه الجديد رجل يحب أن يفهم كل شيء بالعقل قبل أي تصرف بالفعل وكذلك تصور الدكتور نوفيك أن عليه تقديم شرح واف عن الأحوال والاحتمالات، واستمعت إليه صامتا لدقائق ثم رجوته ألا يحير نفسه في كل ما بلغه من قبل وقلت بعفوية: إنه يتعامل مع رجل لم يعد في الأربعين أو الخمسين وإنما رجل تجاوز الخامسة والسبعين وأي عاقل يبلغ هذه السن بأمان لا يحق له نسيان أن المجهول المحيط به عليه غوائل تنتظر والسؤال في شأنها لا يكون ب: هل ولكن ب: متى! ثم أي الغوائل الكامنة في المجهول تسبق غيرها إلى المعلوم؟!
واستفسر الدكتور نوفيك متحيرا: أهي روح الشرق وقلت: بل حقيقة الحياة! ثم أضفت: إنني رجل محب لهذه الحياة ومغرم بها وفي الوقت نفسه متصالح ومتفاهم مع ما بعدها فهذه الحياة أعطتني أحلى وأغلى ما عندها ومن الحق أن أدرك أن ما بعدها موصول بها اتصال النهار مع الليل!.
...................
...................
وعلى أي حال فإني خرجت من هذه التجربة سنة 1999 شاكرا وحامدا فقد كان الخطر سخيا معي (بزيارتين في الوقت نفسه) لكن الطب الحديث كان رفيقا بي ( سليما في الحالتين حتى الآن وتحفظي لأني أتذكر تعبيرا فرنسيا شائعا بأنه لا مرتين بغير ثالثة!) وقد ظل يقيني في الأول والآخر أنها عناية الله فوق الخطر وفوق العلم!
على أنه عقب تلك التجربة عاودني مرة أخرى هاجس الاستئذان في الانصراف لكني اعتبرته على نحو ما في تلك الظروف تنكرا وربما جحودا!


seeker
03-10-2003, 01:47 PM

ثم حدث في تلك الفترة أواخر 2000 أن لاحت أمامي إشارة تحذير حمراء فقد غبت عن مصر وقت إجراء الجراحة أكثر من شهر ثم عدت وغبت عنها في طلب العلاج بالإشعاع قرابة شهرين ويوما بعد يوم بعد عودتي لاحظت اختفاء بعض من أوراقي ومحفوظاتي في مصر، وكان اللافت أن بين ما اختفى عشرات من كتبي وعشرات، ومع أنه كان في استطاعتي أن أفهم لماذا تمتد يد إلى الأوراق والملفات إلا أن اختفاء الكتب حيرني وأزعجني الموضوع في مجمله ومع أنه لم يكن في هذه الأوراق والمحفوظات والكتب شيء فريد أو خطير فإن ما حدث كان غليظا. ودعوت اثنين من خبراء الأمن المصريين رجوتهما بحث الأمر ثم جلست أستمع ساعتين ونصف ساعة وخلصت إلى أن الخيارات أمامي محدودة لأن الواقعة كما هو ظاهر ليست جنائية وإنما شيء آخر لا يجدي معه ضيق الصدر أو نفاد الصبر ثم إن مجال الظنون فيه واسع خصوصا والتجربة السياسية التي عشتها لا تزال تهم كثيرين في العالم الخارجي كما في الإقليم أو ربما!
ولكن شاغلي لم يكن هم ذلك الذي اختفى من ملفاتي وأوراقي وكتبي في الظلام وإنما ثقل ذلك الإحساس الغليط بيد مجهولة تمتد خلسة إلى أدراج المكتب أو رفوف الحفظ ثم تنزع أو تقطع أو ترفع!
وتدافعت إلى ذهني أسئلة كثيرة.

ثم انقضت مفاجأة أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وما ترتب عليها (بل وما سبقها منذ استولت المجموعة الإمبراطورية الجديدة على سلطة القرار في البيت الأبيض) وأخذتني عن كل هم آخر، فقد بدا المشهد الدولي للجميع وكأنه تساقط كتل ضخمة من جبل مهول مسه جنون زلزال ثم راح الأعتى من هذه الكتل يتدحرج متدافعا منقضا على العالم العربي وأحسست أن الحاجة إلى الاستئذان في البقاء أشد إلحاحا من خاطر الاستئذان في الانصراف وتبدى لي أن المشاركة في البحث عن رؤية مشتركة للمستقبل القادم أولى وأحق بصرف النظر عن اختفاء أوراق وملفات وكتب تخص زمانها الذي يضيع وإن لم يضع!
وحاولت شيئا من تلك المشاركة خلال مجلة وجهات نظر (التي طرحت نفسها منبرا رصينا يحاول أن يستكشف ويستطلع وشجعني أن مقالاتي فيها
تنشر في الوقت نفسه في عدد من صحف العالم العربي) ثم طرأ أنني من الرغبة في توسيع نطاق البحث عن رؤية مشتركة قبلت الظهور بعد تردد على شاشة قناة تلفزيونية مصرية (دريم) وتقديري بغير تزيد أن يكون ذلك مرة واحدة كل ثلاثة أشهر والرجاء استثارة حوار يتصل في مصر ويتواصل عبر أوطان الأمة. ومنتهى القصد أن يساعد مثل هذا الحوار على تخفيف الشعور بالإحباط والركود والعجز ويشد إلى مشاركة واسعة في البحث والكشف بحيث تتمكن رؤى حرة ومفتوحة من تجاوز مناطق الشك والخلط والعصبية، وكان اعتقادي دوما أن الخطوة الأولى في أي حوار هي إعادة بناء موضوع الحقيقة بأقصى دقة مستطاعة لأن أي اختلاف في الرأي مضيعة للجهد إذا لم يكن الموضوع عند المنبع واضحا محددا ومتفقا عليه وموصولا بالوقائع والدخائل وليس بالحكايات والحواديت!
وبدا لوهلة أن بعض ما آمله ويأمله غيري قابل للتحقيق فقد سرى صوت الحوار مسموعا ثم إن هذا الصوت أخذ يعلو طبقة فوق طبقة.
وكان ظني أن رجلا في مثل سني يقر ويعترف بأن مستقبله وراءه وإقراره مصدق عليه بختم السنين وعددها لم يتبق له غير أداء الحق العام بل وربما كان عليه أن يوجه إلى نفسه وبحزم ذلك السؤال الذي أجراه شكسبير على لسان أحد شخوصه: إذا لم أتكلم أنا فمن وإذا لم أتكلم الآن فمتى.
وكانت تلك مبالغة في التفاؤل ربما!
أي إنه بحقائق الأشياء فإن الاعتراض على الحوار كان واردا في المناخ السائد وبالتالي فإنه عندما وقع لم يكن صاعقة منقضة لكن الأسلوب الذي تم به الاعتراض بدا داعيا للاستغراب في ما يعنيه ويدل عليه وكان أسفي أنني لم أدفع ضريبة ما قلت بما يحتمله من صواب أو خطأ وإنما دفع غيري وجاء الدفع في موضع الوجع (ومرة أخرى لا أزيد)!
....................
....................
وسمعت دعوات مخلصة لنقل الحوار الذي توقف إلى خارج مصر لأنه موقف وقضية والمنطق أنني قادر على الوصول إلى العالم العربي والعالم الخارجي حتى أقاصيه، ثم إن لي سابق تجربة وخبرة في ذلك من قبل أيام الخلاف مع الرئيس السادات بعد حرب أكتوبر 1973 حول قضية السلاح والسياسة، ولم أكن نسيت تلك الموقعة لكني ذكرت نفسي بأن المسألة هذه المرة لها تكييف آخر ففي المرة السابقة كان نقل الخلاف بمواصلة الكتابة خارج مصر مقبولا لأن موضوعه يهم محيطا أوسع أوله العالم العربي في صراعه مع إسرائيل ويليه العالم الخارجي في عموم اهتمامه بسلام الشرق الأوسط.
وأما هذه المرة فإن موضوع الخلاف أحوال مصر وأوضاعها ورؤاها ومواقفها وخياراتها وسياساتها في الداخل والخارج وإذا جرى اعتراض الحوار بالخلاف فوق أرضها فإن نقله خارجها ثقيل على الأقل بالنسبة لي وإذا عصيت مشاعري فإن الأبواب المفتوحة على مصاريعها في العالم العربي والعالم الخارجي تدعوني إلى قول ما أريد وتحتفي به ربما تتبدى أمامي حواجز معنوية أتردد قبل القفز عليها اعتبارا لكبرياء وطن وولاء مواطن.
وكذلك راحت الأسباب تتراكم وتتداخل ويمتزج بعضها ببعض حاضرة طول الوقت ومؤثرة! وبقي في النهاية سؤال: إذا كان الصمت حاضرا والكلام غائبا ومجمل الظروف ما سبق وما لحق والأحوال المصرية والعربية ما أرى ويرى الناس إذن ف: إلى متى وإلى أين؟!
ومع أنني لا أكف عن تذكير نفسي بحكمة عربية شهيرة تقول: لعل لهم عذرا وأنت تلوم كما أعترف أيضا ب: أن حبال الصبر تقصر مع طول العمر! فإني متمسكا بحدود لا أتجاوزها لا أملك أن أقتنع إلا بما أراه مقنعا أو أغالط نفسي في ما أقرأ وأسمع وأعرف أو أصل إلى موقف لا يعود فيه عندي غير العجز والإيحاء بالإشارة إلى أنه في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء!.
ويقتضي الواجب مرة أخرى تكرار أنه ليس سببا واحدا وإنما جملة أسباب تداخل فيها الخاص والعام والسابق واللاحق والمأمول والواقع والكبير والصغير والمعقول وكذلك اللامعقول!

وتحدثت في الأمر مع الأقربين وتفهم بعضهم كما أن بعضهم كانت له تحفظات:
 وكان رأي حبيبة القلب والعقل ونور الطريق والضمير في حياتي أن الاستئذان في الانصراف مفهوم ومعقول، لكنه قرار مرة واحدة، وذلك يدعو إلى إطالة التفكير وكان القول صدقا.
 وكان هناك رأي عزيز وغال يسأل عن داعي الاستئذان في مطلب هو في النهاية ملكي حين أشاء وكان جوابي أن أي شخص يعطيه الناس مساحة من وقتهم مدين لهم بقيمتها، وليس بمجرد حجمها، وبالتالي فإن عليه واجب الاستئذان.
 وأخيرا كان هناك رأي حنون وحريص يخشى أن التوقف عن العمل هو في العادة بداية عزوف عن الحياة، وحاولت أن أشرح أن الانصراف نيتي لا الاختفاء بمعنى أنه الابتعاد وليس الغياب، فما زال لدي ما أريد أداءه ضمن جدول أعمال يكفيني حتى وإن ظهر على شكل ملفات خام أصلية وأصيلة أو قد أفكر في ما هو معروض على كحلقات تلفزيونية مصورة موثقة أتحدث فيها وفي الإطار وثائق أصلية تعزز ما أقول، وأملي أن بعض ما عندي إذا استطعت قد يضيف ويغطي ثغرات ما زالت مثل ثقوب الفضاء مجهولة في حياة الوطن والأمة ومعظمها متصل بمرحلة كان للعرب خلالها دور فاعل في العالم والتاريخ، وظني أنه ربما يكون من شيء أقدمه فائدة لزمن قادم ولجيل لم يولد بعد لعل هذا الجيل يتجاسر ويستدعي كامل همته ويقبل على المراجعة والفرز، دون رهبة من أباطرة السيطرة وقهرهم وغارات أمراء الانتقام وحرابهم وطالبي الثأر يطاردون الماضي دون أن يخطر لهم أنهم شردوا خارج التاريخ إلى التيه في قفار موحشة!
يزيد على ذلك أن الانصراف ليس سقوطا في بئر الغيبوبة ولا سجنا في قبو قلعة نائية وحول الرأس والرقبة قناع من حديد وحول الأيدي أغلال من صلب وفي الأقدام أساور تمسكها سلاسل محبوكة تجرح وتدمي إذا تحرك الأسير! أي إنه لا يزال على نحو ما جهد الدارس الممارس ولكن من ركن ناء بعيد هناك على طرف قصي.

وفي خاتمة المطاف فقد استقر عندي أن الاستئذان في الانصراف وجب.
وكذلك اتصلت بناشري في لندن ونيويورك أعتذر عن كتاب ثالث اتفقت معهم (مبدئيا) عليه، فقد كان اتفاقي الأصلي مع هاربر كولينز شاملا لثلاثة كتب ظهر منها اثنان (أوهام القوة والنصر والمفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل) وكان الثالث الباقي عندي عن الإسلام السياسي وقد اختار له أدي بيل (رئيس مجلس إدارة هاربر كولينز وقتها) عبارة السيف والهلال رمزا مؤقتا أعمل تحته حتى أستقر عليه أو على عنوان غيره في اللحظة الأخيرة قبل موعد النشر. وفي نفس الوقت اتصلت بعدد من الصحف الأوروبية بينها الغارديان البريطانية بأنه الشكر والعرفان وكفي. وكذلك أبلغت رئيس تحرير مجموعة يميوري شينبون اليابانية وكنت أكتب لها مقالا منتظما (بلغ عدد الصحف المشتركة فيه أكثر من ثلاثة آلاف صحيفة منتشرة في بلدان شرق آسيا وغرب أميركا) أن يقبل اعتذاري عن عقد متجدد تفضل وأرسله إلي.
وكذلك اعتذرت عن محاضرتين كنت قبلت الدعوة إليهما مبدئيا: واحدة في الجامعة الأميركية مرة أخرى(!) لافتتاح الموسم الثقافي الجديد والثانية في مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت ديسمبر المقبل لتكريم مفكر عربي بارز رحل قبل سنوات تاركا تراثا فكريا متميزا وهو الدكتور قسطنطين زريق أستاذ التاريخ العتيد في الجامعة الأميركية في بيروت.
...................
...................
وطوال ذلك كله كان بعض القريبين من عملي يتابعون ما أفعل وفي ملامحهم تعبير عن الدهشة محاولين برقة ألا يثقلوا أو يتطفلوا! وكان هؤلاء يرونني بينهم كل يوم وظنهم بعيون الرضى أن لدي كفاية من صلاحية الجسد والفكر تكفل الاستمرار سنوات قادمة (يعلمها الله) وكان ردي أن تلك في كل الأحوال بشارة خير وبركة، لكن صلب الموضوع أنه لا يحق لأحد تجاهل المؤشرات التي تقول بها قواعد الحساب وأحكام الطبيعة، وكنت أضيف: أنني لا أرى بأسا في انتقال رجل من ومض الضوء إلى ظل الغروب (وليس عتمة الليل) ومن متن الحياة العامة إلى هامشها (وليس الفراغ بعد الهامش) في توقيت يترك عنده بقايا أسباب تعينه وتقويه لأن استمرار الحياة في حد ذاته منحة تستحق التكريم وتستوجب الاحترام.
ومن صدق تكريم الحياة ووجوب احترامها أن الناس لا يصح لهم أن يتسمروا حيث هم حتى آخر قطرة زيت في المشكاة، وإنما الأفضل أن تظل لديهم بقايا همة تسمح لهم بعيدا عن الزحام بالنظر إلى حركة التقدم الإنساني العظيمة ومتابعة حيوية التاريخ الهائلة قادرين على ذلك بأشواق تيسرها بقية من عافية وعقل تحفظ لهم صلة ممكنة بعصور مذهلة (ومتوحشة!) تقوم الآن فعلا على تغيير الدنيا شكلا وموضوعا روحا وحركة.
وأضيف في النهاية: أن مساحة البعد تمنح صاحبها فرصة أوسع للتفكر والتأمل والنظر إلى الوراء في أناة وروية والنظر إلى الأمام بعقل وقلب ما زال فيهما حس ونبض خصوصا من رجل كان له حظ موفور مع الدنيا والناس، وذلك في حد ذاته يكفي وزيادة لمدد من الطاقة له سحر التجدد ولمسة من الحيوية وربما الشباب حتى عند الثمانين.

الأهرام المصرية
1.10.2003

محبة فلسطين
03-10-2003, 09:20 PM
الثورة والثقافة وهيكل وعبد الناصر-
أبطال كتاب يوسف القعيد (*)

(القدس - 2003/09/25 20:59)

زياد شليوط

احتفلت الصحافة العربية، في الوطن العربي، يوم الثلاثاء الماضي 23/9 بالعيد الثمانين لأستاذ الصحافة العربية محمد حسنين هيكل. وعندما نذكر هيكل نذكر مباشرة القائد العربي الخالد جمال عبد الناصر كما علّق أحد الصحافيين، ولا أدري اذا كانت مصادفة الأقدار أن تصادف ذكرى رحيل عبد الناصر في الأسبوع ذاته مع عيد ميلاد هيكل، حيث تحيي القوى الوطنية والقومية العربية يوم الأحد القادم 28/9 الذكرى السنوية الثالثة والثلاثين لاستشهاد عبد الناصر.
واذا كان للأقدار لعبتها، فان للانسان تخطيطه، وربما شاء الروائي المصري يوسف القعيد أن يجمع بين المناسبتين في خطوة ذكية، وأن يكمل ما أقدمت عليه الأقدار حين جمعت بين الرجلين في علاقة لم تسجل من قبل ولا من بعد، بين قائد سياسي مرموق وكاتب صحافي قدير، حيث اجرى يوسف القعيد حواراً مطولاً مع رفيق وصديق وأمين اسرار عبد الناصر ألا وهو الصحافي محمد حسنين هيكل ونشره في هذا العام في كتاب تناول جانباً هاماً، وربما يكون من أهم جوانب تلك العلاقة، وميزة من أهم مزايا القائد عبد الناصر وهي ميزة الثقافة وعلاقته بالمثقفين.
على مدى أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير يمتد حديث ذكريات هيكل عن عبد الناصر المثقف، وهذا الحديث هو خلاصة حوار أجراه يوسف القعيد مع هيكل على مدار خمس سنوات، وزعه على ثلاث وعشرين محاورة في سبعة »كتب« كما أسماها، وفي هذا الكتاب يكشف لنا هيكل بداية علاقته التاريخية بعبد الناصر وبداية اكتشافه للسياسي المثقف والقارىء الجيد والعاشق للأدب والفن، كما يعرض لنا حال الحركة الثقافية المصرية عشية الثورة وفي سنواتها الأولى واشكاليات العلاقة فيما بين عبد الناصر وبين المثقفين من كتاب وفنانين، من رموز الثقافة والادب والفنون المصرية طه حسين، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ وغيرهم، اضافة الى الأدباء العرب أمثال نزار قباني وسامي الدروبي، والمثقفين العالميين وخاصة الفرنسيين جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار وأندريه مالرو.
أول لقاء جمع بين جمال عبد الناصر ومحمد حسنين هيكل جرى على أرض فلسطين في عراق المنشية، في الفالوجا، في شهر أغسطس، حيث توقف الصحافي هيكل الذ يكان يغطي أخبار المعارك في فلسطين وسمع عن معركة مجيدة مع القوات الاسرائيلية يقودها ضابط شاب، فسأل عنه وأجرى أول لقاء معه، ثم التقى معه مرتين أو ثلاثاً قبيل قيام الثورة.
أما اللقاء الأول بعد الثورة فكان بعد يومين من إعلانها حيث كان يناقش أعضاء مجلس قيادة الثورة مصير الملك المخلوع فاروق، ولفت نظره عبارة قالها عبد الناصر لزملائه :» يا جماعة اقرأوا قصة مدينتين، الدم سيأتي بمزيد من الدماء«. وهذه لفتت نظر هيكل الى أنه يقف أمام شخص »قرأ رواية« وفهم رموزها.
إن أهم ما تقوم عليه الصداقة بين هيكل وعبد الناصر هو التلقائية والتواصل، فهيكل بنى علاقته بعبد الناصر قبل الثورة، أي قبل أن يعرف ويشتهر ويتحول الى رئيس وقائد، ولهذا خلت علاقتهما من التكليف والمعاملات الرسمية، فهيكل تعامل مع جمال الانسان وليس مع المنصب.ويضيف هيكل أن علاقة المثقفين بعبد الناصر تعقدت أكثر، بمعنى أنها فقدت تلقائيتها وانسانيتها بعدما تحول عبد الناصر الى أسطورة في أعقاب تأميم قناة السويس ومقاومة عبد الناصر للعدوان الاستعماري على مصر، وبات كل مثقف يحضر لمقابلة عبد الناصر يجلس مقابله ويعقد لسانه ويأخذ بالنظر الى الزعيم ولا يتكلم.

مما لا شك فيه أن الحركة الثقافية والفنية وصلت ذروتها بعد الثورة في عهد عبد الناصر، حيث ظهرت أهم الأعمال الأدبية وقدمت أعظم المسرحيات وانتجت أفضل الأفلام، وانتشرت أجمل الأغاني، وكل ذلك بفضل الرعاية الشخصية للرئيس، لكن البعض من الجاحدين يخرج بين الفينة والأخرى ليدعي أن الثقافة ضربت وحرية الفكر منعت في عهد عبد الناصر، وفي هذا الكتاب يضيء لنا هيكل بعض الزوايا المعتمة التي تخللت علاقة عبد الناصر بالمثقفين وخاصة في بداية الثورة. يربط هيكل الأحداث دائماً بما كان قبلها وما جاء بعدها، وبالنسبة للثقافة فهو يرى أن مصر عاصرت ثلاث موجات ثقافية قبل إعلان الثورة.
قاد الموجة الأولى رفاعة رافع الطهطاوي حتى الثورة العرابية، وقاد الموجة الثانية محمد عبده حتى ثورة سنة 1919، والموجة الثالثة قادها مجموعة من المثقفين الذين ظهروا في الأجواء التنويرية والجامعة مثل طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم والمازني وأحمد أمين حتى الحرب العالمية الثانية. وتلك الموجات قدمت كل ما عندها وأنهت دورها التاريخي والثقافي. ومع بداية الثورة ظهر تياران ثقافيان هما التيار الماركسي والتيار الديني.
وهنا كانت العقدة كما يصفها هيكل »وهنا نجد أن المأساة الكبرى التي تتمثل في أن هذه الثورة التي جاءت بجديد سياسي، وبتصورات اجتماعية مغايرة لما كان سائداً، لا هي تيار إسلامي ولا هي الماركسية، ولا هي امتداد لليبرالية التي كانت قد أفلست خلال الحرب العالمية الثانية«)ص 88(.أي أن المثقفين المصريين لم يستطيعوا ولم يدركوا أبعاد الثورة ولم يتمكنوا من التعامل مع فكر جديد، فهناك المثقفون الذين انتهى دورهم وقالوا كل ما عندهم ولم يعد لديهم الجديد، وهناك الذين حاولوا حرف الثورة عن مسارها الجديد نحو دروب عقائدية جاهزة، لم يثبت نجاحها في أماكن أخرى ولم يكن نجاحها مضموناً في مصر، فدخلت علاقة الثقافة بالثورة بأزمة لم يكن مخططاً لها. وهذا الموضوع يستعرضه هيكل بتوسع في »الكتاب الثالث- الثائر« حيث يتحدث عن الثورة والديمقراطية والانتخابات ومواقف الأحزاب والمثقفين منها.
ويسير القعيد بهيكل للحديث عن عبد الناصر وعلاقته بالفن والفنانين في عصره، فقد أحب عبد الناصر السينما وكان يشاهد الأفلام في بيته، وكان »سمِّيعاً«، وكان يهتم ويرعى المعاهد الفنية، ونشأت علاقة صداقة قوية بين عبد الناصر وأم كلثوم، خاصة بعدما تدخّل في قضية منع أغنياتها في الاذاعة المصرية بذريعة أنها غنت للملك، ورفض عبد الناصر ذلك الادعاء معتبراً أم كلثوم ثروة فنية قومية، لكن علاقته بعبد الوهاب لم تأخذ ذلك الجانب القوي من التلقائية والعفوية، مع أن عبد الناصر هو الذي دفع ام كلثوم وعبد الوهاب الى اللقاء الفني معاً. وكان عبد الحليم يمكنه أن يحضر الى منزل عبد الناصر في أي وقت ويقضي اوقاته مع ابناء الريس، فحواراته مع عبد الناصر كانت قليلة.
ويكشف لنا هيكل أن عبد الناصر رفض في البداية ذكر اسمه في الأغاني، وقامت أم كلثوم بتعديل احدى أغانيها، لكن الأمور فلتت بعد ذلك. وكان عبد الناصر معجباً جداً بصوت فيروز ووديع الصافي، ولفت نظر هيكل يوماً الى صوت عفاف راضي وضرورة رعايتها ورأى في صوتها صوتاً فيروزياً مصرياً، وللأسف فإن صوت عفاف راضي اختفى عن الساحة الفنية بعد رحيل عبد الناصر.+ ويعود القعيد الى موضوع الأدباء وعلاقتهم بعبد الناصر، وخاصة توفيق الحكيم الذي تأثر عبد الناصر بأدبه وخاصة روايته »عصفور من الشرق«، ودائماً وقف ناصر الى جانب الحكيم الى حدّ تغيير قرار لمجلس قيادة الثورة يقضي باحالة الحكيم للمعاش في حملة التطهير، ودعا بدلاً من ذلك الى تكريمه. أما علاقته بنجيب محفوظ فأنها لم تتقدم الى الأمام، كما يرى هيكل، مع أن الريس قرأ له ووقف الى جانبه في قضية »أولاد حارتنا« ومعارضة الأزهر عليها.
وقرأ عبد الناصر للشاعر نزار قباني قبل أن يقابله، وهو الذي قام بنقله من السفارة في بكين الى الأندلس»فهناك سوف يجد الشاعر الأموي نفسه« كما علق ناصر.

لا يمكن استعراض كل ما جاء في كتاب يوسف القعيد وفي حديث محمد حسنين هيكل عن عبد الناصر والثقافة، وأي مراجعة لا يمكن لها أن تغني عن قراءة الكتاب كلمة كلمة. ان اهمية هذا الكتاب تعود الى أنها تقدم جانباً من جوانب شخصية القائد عبد الناصر، جانباً لم نقرأ عنه الكثير وبمثل هذا التكثيف. لقد عرفنا الكتاب على عبد الناصر المثقف والقارىء والمستمع والمتذوّق، على عبد الناصر الانسان المرهف الاحساس والشعور، البسيط القريب من النساء البسطاء والتعامل مع العظماء بكفاءة نادرة، وهذا الكتاب يؤكد حقيقة لا تقبل التأويل ان الحاكم ان لم يكن مثقفاً لا يمكنه قيادة بلاده بشكل حضاري وانساني وتقدمي، ولقد مثل عبد الناصر الوجه الناصع والمضيء لبلاده وأمته العربية كلها، ولم يقابله انسان أو حاكم أو مثقف إلاّ وخرج وهو يحمل مشاعر الاحترام والتقدير لهذا القائد ولشعبه وحضارة أمتّه.

(*)يوسف القعيد :» محمد حسنين هيكل يتذكر : عبد الناصر والمثقفون والثقافة«- دار »الشروق«، القاهرة، الطبعة الأولى .2003



http://fasl-almaqal.kvalito.no/article-images/b03925190116.jpg



شكــــــرا اختي..على هذا عرض بيان ختامي ..في الإستئذان بالإنصراف..للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي قدم 62 عاما من الجهد والصحافة المميزة فهو من كبار الصحافين المصرين..المخضرمين....شكـــرا لك