PDA

View Full Version : كتاب الأمريكيـون عبر التاريخ ،،نشأة الولايات المتحدة واهداف نشأتها



المحروووم
06-10-2003, 03:06 PM
(( الأمريكيـون عبر التاريخ )) كتاب شيق للكاتب ميشال جوبير يوضح به نشأة الولايات المتحدة واهداف نشأتها

المقدمة :

إلى أين يا أميركا؟

كل يوم تتجدد التفاتتي نحوكم، سيان عندي أكان ذلك مبعث سرور لي أو إثارة. ماذا تفعلون؟ وعما تغفلون؟ ان الروس أيضاً يعكرون صفائي وهدوء طبعي: بما أنكم تتقاسمون العالم وإياهم، افليس من المحتم بأن يكون لتيقظي وجهان؟ غير انكم اصدقائي بصورة أقل إثارة للقلق. لقد اجتمع لدينا الكثير من التساهل والتقدير إزاء تصرفاتكم وافعالكم، فماضيكم، القصير جداً، يبهرنا في حين يجعلنا مستقبلكم نهتز، فوق كراسينا المتواضعة، بحيث يؤلمنا التفكير باننا لن نتوصل إلى هكذا مستقبل رائع. ان صفة "كبير" تلائمكم كما يلائم القفاز اليد. أما الصفة الأخرى "صغير" فتوثقنا كطوق يلفنا بأحكام. إنها خصوصيات متناقضة جوهرياً ولا ينبغي ان تمنع التفكير، ولا حتى اليد الممدودة.

على هذا الأساس، تراءى لي أن سلوككم على الصعيد العالمي، وهو ذو دور رئيسي في الأرض قاطبة، لم يكن دائماً مسترشداً بصورة صحيحة. فأنا، الموظف، كنت دائماً أحاذر التدابير "البيروقراطية" ونتائجها الحاسمة. ويمكن تدارك ذلك بممارسة الشك المنهجي. إنما هل يمتلك الرأي العام، الدائم اليقظة ـ وينبغي الاعتراف بذلك ـ، معلومات واضحة وجلية تجعله يصوغ قراره ويحفظه من الاندفاعات العابرة.

في آذار عام1982،ولدى عودتي من واشنطن ـ وأي أوروبي لم يعد أو لم يكن ليعود آنذاك من واشنطن ـ توقفت بضع ساعات في نيويورك. كانت غايتي الرئيسية من ذلك هي رؤية هنري كيسنجر الذي اجريت له عملية قلب مفتوح،وهذا ما كان يخشاه. كان يؤمئذ قد عاد إلى مسكنه الذي تفضي نوافذه على "الايست ريفر" كنت سعيداً برؤيته رغم انه قابلني وهو يرتدي المبذل(1): ما زالت الحياة تبتسم له. وسرعان ما رع في الحدي عن مذكراته التي تمعن في توكيد نجاحها. فبادرني بقوله:

ـ سوف ترى اني أكن لك مودة خاصة.

ـ الأمر مرهون بالفقرات. اشكرك على تلك التي تنصفني فيها. إنما بدلاً من أن تحبك ملاحظاتك وتأملاتك في شبكة تقارير وزارة الدولة، كان الأولى بك آنذاك ان تتطرق إلى عمل أهل للتقدير: كتاب صغير يوضح للأميركيين ما هو، في السياسة الخارجية، جوهري بالنسبة لهم وما يبرر التزاماتهم. وأخيراً ما هو تافه ولا يستحق الغضب أو الانفعال! ذاك ما هو في مستوى موهبتك.

أجاب:

ـ أوه، من الصعب جداً القيام بذلك ولن اخاطر به!

اردفت بالحاح، وقد فقدت سريعاً الأمل في اقناعه، حتى من باب الإثارة:

ـ انتبه! إذا نقضت عهدك، سأكون متحمساً بما فيه الكفاية للقيام بذلك!

ضحكنا، ثم توالت السنون. ولم ألبث ان عكفت على الكتابة للاميركيين عما هو جوهري أو تافه في سياستهم ـ العالمية ـ لأن الكواكب والفضاء هي محور مغامرتهم. أينبغي ان يثيركم ذلك؟ يبدو لي أنني اسمع هذا الهتاف "إنما بماذا يقحم بالتالي نفسه!".

بما إننا في نفس المركب ـ دون ان نتحول إلى مجرد حمولة عادية وآمل بذلك ـ فكلما تنالونه من نجاح أو اخفاق، وكل ما تسقطونه من حسابكم، من مشاريع او مصالح، يوقظ انتباهنا الدائم. وربما يكون ما نشعر به إزاء مستقبلكم أكثر اهمية مما تشعرون به انتم بالذات. هذا هو ثمن العظمة، الذي تتمسكون طبعاً به.

اذاً، استمعوا إلى هذا الصوت الاتي من وراء الاطلسي، الذي يفاخر بصراحته المترافقة مع الكثير من الحماس.

المحروووم
06-10-2003, 03:09 PM
الفصل الأول

الاقنعة الاميركية


لكل امرئ في العالم فكرته الخاصة عن الولايات المتحدة. في الواقع، كيف يمكن التفلت من جهاز المخابرات الرهيب الذي، بالصورة، وباستخدام كافة اللغات، يصنع الجغرافيا، التاريخ ورجالات اميركا الذين ألفناهم؟ إن الأبطال الاميركيين، من سيتينغ بول sitting Bull ال رونالد ريغان من فور آلامو fort Alamo إلى غرينادا Grnade، من جورج واشنطن إلى رامبو، يفرضون على كل جيل من الأجيال حتمية وجودهم. فهم يشكلون جزءاً من الأساطير الشعبية التي يتلهى من لا صفة معينة لهم بقضم بعض بقاياها لكسر رتابة الحياة اليومية.

إن تسلسل إحداث هذا العالم الجديد القديم يرسمن يوماً بعد يوم، حقيقة اميركا، في تقاليدها، في تعابيرها، في ازيائها، في عنفها أو اكتمالها ويبقى الثوب الأكثر ملاءمة للأرض بعد ثوب البؤس، هو ثوب جندي حرب الانفصال.

لا شيء بالمقابل. فالولايات المتحدة تجهل كل شيء عن الآخرين، إذا ما استثنينا فيها العدد الضئيل من المتخصصين والأشخاص الذين يتمتعون ببعض الثقافة. هل تقع نابولي على نفس خط العرض مع باريس؟ أم هي ربما تميل أكثر نحو الجنوب؟ أين تقع جيبوتي؟ أمن المهم معرفة ذلك؟ بالطبع لا، منذ ان بدأ "نمط المعيشة الأمريكي" بإفراغ نسيان الماضي في ذاكرة المهاجرين، تماماً مثلما عرف أكلة اللوتس كيف يحفظون الاوديسة. لقد أوهم فيلم "الجذور" الناس بأن العديد من المواطنين كانوا يودون العودة إلى مواردهم الاصلية، على غرار سمك الصومون. سوف ندك سريعاً إن شيئاً من هذا لم يحدثون وإن رغبة جامحة بالذوبان في مجرى النهر الكبير تتملك بالاميركيين، سوداً كانوا أم بيضاً،حمراً أم صفراً.

ثمة مياه متقلبة، جارية ومتجددة، أليست هذه أول حقيقة تكتنف بلداً ما زال في طور التشكل؟ ومع دستور عام 1786 الثابت، تبدو الولايات المتحدة الرابضة فوق هضبتها البرية بين الاطلسي والباسيفيكي، تبدو محكومة بالخلود على غرار صخور هضبة سييرانيفادا الغرانيتية. هنا إنها اليوم تشيخ قبل أن تكتمل، رغم قصر تاريخها (قرنان فقط) بعد أن كانت لها انطلاقة مذهلة. كلنا يجهل أي شعب ستكونه غداً، وأية دولة. بل وحتى اللغات التي ستنطق بها. وهي رغم ضمانها لكل شيء ـ خصوصاً القوة والغنى ـ تبقى غير واثقة من نفسها.

لقد وصلت الولايات المتحدة اليوم إلى مرحلة الاكتمال، إذا ما استثنينا في ذلك عدد السكان (25 ساكناً في كلم مربع): إذ يحد هذه الكتلة البرية حوالي 20.000 كلم من الأراضي الساحلية و12.000 كلم من الحدود البرية، بينها 98.000 كلم من كندا و3000 كلم مع المكسيك هذا عدا ملحقاتها: بورتوريكو والجزر العذراء في بحر الانتيل، منطقة قناة بناما، وجزر الباسيفيك العديدة. لقد كان الانتشار في العالم سريعاً: 2.300.000 كيلو متر مربع عام 1776؛ 4.400.00 عام 1803؛ 6.400.000 عام 1846؛ 6.600.00 عام 1848؛ 9.360.00 عام 1867< و9.362.000 عام 1980. والجدير بالذكر ان الحرب مع اسبانيا عام 1989،بحجة انفجار البارجة "ماين" في كوبا (ولم يكن ذلك أكثر من عطل طرأ على مولد البخار)، أدت إلى الاستيلاء على بورتوريكو، وايك، غوام والفيليبين، وامنت لها الاستقرار في هاواي.

إنها لبلاد رائعة! لقد أعطيت كل شيء بسخاء بفضل سعيها وإيمانها، إذ ان 94% من الاميركيين يؤمنون بالله. بين عامي 1970 و1891، تقلص عدد المواطنين الهنود إلى أرقام يشهد معها التاريخ على وجودهم. أما حرب الاستقلال (1775ـ1793) فقد كانت حرباً من الاوربيين، حيث تمرد رعية صاحبة الجلالة البريطانية عليها، بمساندة فرنسا. كذلك كانت حرب الانفصال (1865ـ1961) أي بعد حوالي أقل من قرن، حرباً بين الاوروبيين، وقد شكل فيها قرابة 3.5 مليون من العبيد السود إحدى المراهنات البارزة. وبعد سقوط أكثر من نصفو مليون قتيل، ساد السلام الذي وطدته ذكرى الحروب الضارية. فالمأساة هي التي أدت إلى وحدة الامة التي كرست نفسها لتمجيد فضائلها والدفاع عن مصالحها. ومن هذين المنطلقين، عرفت نجاحاً منقطع النظير.

فلنبدأ أولاً بالفضيلة: لقد وجدت "اميركا الفاضلة" على غرار "انكلترا الفاضلة" إن "الآباء الحجاج" الذين انطلقوا منماي فور في ماساوشتس ، كانوا من الطهرييين الذين نهلوا من الكتاب المقدس، كما هي الحال في أوربا الشمالية كافة. لقد قاموا، يومذاك، بالتوقيع على "إعلان المبادئ الاخلاقية" (اتفاقية ماي فور). يا للسعادة في خلق أو تكوين سلالة ما انطلاقاً من هؤلاء الرواد، أبطال الاخلاق والدين، الذين لقوا معارضة الكثير من المواطنين! وإذا سلمنا، اليوم بالذات، بأن الكتاب المقدس يشكل القراءة المفضلة عند هؤلاء والمرجع الدائم في الحياة الثقافية والسياسية فلن نفهم قطعاً النظرة الاميركية إلى العالم. وإذا لم نتأمل في دور الكنائس ازاء الحركات السياسية والاجتماعية، منذ حرب التحرير ـ المسماة بالثروة الاميركية ـ والحرب الاهلية فلن نلاحظ بأنها ظلت تشكل العامل والملاذ الطبيعي لتوترات وانتفاضات المجتمع الاميركي. لقد تم تقسيم العمل بشكل جيد بحيث يمكن تعداد 250 دعوة متلفة للتوجه نحو الكنائس والمعتقدات. هذا عدا ذكر الانجيليين الذين بعد ان أصبحوا "ناقلي الانجيل"،اخذوا يبشرون بالمعجزة، أو الشفاء من السرطان تبعاً لاهمية القدرات التي حظوا بها. ها هو أورال روبرتز الشهير يهدد، حاملاً الإنجيل بيده، ومشيراً بأصبعه إلى مشاهدي التلفزيون: "إذا لم أحصل، بفضل قدراتكم على 4.5 مليون دولار، منالان وحتى ثلاث أشهر، فسأكون في عداد الأموال!". أن المنافقين، المستنيرين والمؤمنين يسكنون في بؤرة الايمان الواسعة، الموجودة فيما وراء الاطلسي. لماذا ينبهر الناس بها، إذا كانوا يجدون فيها بعض الاستقرار أو ردوداً غامضة؟ الناس هنا يخافون الله،وأنبياؤه كثر.فتقوم انتفاضات الحماس الديني مقام التراخي، بدءاً من تلك التجربة الكبرى،التي اعتبرت من أقسى التجارب،الا وهي الحرب الاهلية، التي بدأت عام 1951، واستمرت طيلة سنوات أربع. هذه الانتفاضات تسمى هنا اليقظات الكبرى (great awakenings) نتيجة ذلك، لمَ لم يتم تناول السياسة الخارجية من منطلقات دينية؟ تكون الممارسة سهلة بقدر ما تكون طبيعية وغير خطرة،من عدة نواح، فمنذ عام 1812، واثناء حربها ضد انكلترا التي قامت جيوشها باحراق واشنطن، ابتدعت الولايات المتحدة سياسة "عدم الانحياز" التي أدت إلى انسحابها من الحروب الأوروبية،وأباحت لها الانتشار بإتجاه الغرب وتوسيع رقعة أراضيها. لقد تصورت نفسها متميزة عن الدول الأخرى وعاهدت نفسها على البقاء هكذا. وقادها هذا اليقين إلى وضع خريطة اسطورية للعالم راحت المسيحية تفرض فيها حدود الخير والشر. فعندما ينعت رونالد ريغان الاتحاد السوفياتي بأنه "امبراطورية الشر" يلتقي في ذلك مع تحليل سياسي ديني صيغ منذ زمن بعيد، ويعد طابعاً مميزاً للنظرة الاميركية. لقد كان كل من دين آشيزون، السكرتير المنفذ في عهد ترومان، وجون فوستر دالاس سكرتير إيزنهاور، بانا لقسيس بروتستانتي. أما حديثاً، فكان جيمي كارتر المدرك للتعقد السائد في العالم، يتخذ موقف الواعظ الخيّر والمقتنع.

كثيرة هي الأمثلة ـ استشهادات وتبريرات ـ التي تقيم بين ارادة الله وسلوك الولايات المتحدة، روابط متماثلة في جوهرها وحتى عهد قريب، لم يكن الشعب الاميركي عرضة لأية هزيمة، فكيف لم يقتنع بأن القدرة الإلهية هي التي كانت ترشده، ظاهرياً على الأقل، بعد سقوطه الذريع الذي تمثل في الحرب الأهلية؟ وهو، أثناء انتشاره في غرب البلاد وجنوبها، لم يكن يلقى أمامه سوى قبائل الهنود ومستعمرات اسبانيا الكاثوليكية: ألم تكن تلك هي الأرض التي طالما حلمت بها البعثات الانجيلية؟ وبالنسبة للرئيس ماكنلي، ألم تبرر البعثة الاميركية الاستيلاء على الفيليبين عام 1998 بالرغبة في ترقية الشعب الفليبيني ومدينته وتنصيره؟ ربما تبدو تبريرات تلك المرحلة مدعاة سخرية، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار عامل التراجع الزمني. لكنها كانت، وستبقى ملتمسة كذريعة ستؤدي مستقبلاً إلى سلوك يرتبط بمصالح متفاوتة الأهمية.

ويتعمق الاثبات المقنع أكثر فأكثر:تجتاح الولايات المتحدة رغبة في أن تكون متمايزة تماماً عن أوربا وآسيا، البعيدتين جداً في القرن 19. معها تجدد ولادة العالم وربما شيدّت المدينة المثالية التي لن تتوانى الإنسانية المتألمة عن تقديسها…،والتوق إليها. في كل ابرشية، قرية أو حي، أدرك المؤمنون، اللاهوتيون، الواعظون أو المبشرون، الذين يشتد نفوذهم في الحياة الجماعية للناس المتعلقين بالله، أدرك هؤلاء العالم بمقياس تأويلهم لما جاء في الكتاب المقدس. بالنسبة للأدمغة المعقدة كأدمغة الكهنة البروتستانت وتلك البسيطة كأدمغة عامة المؤمنين، لم يكن ثمة كبير عناء في اقناع الجميع بتوزع الخير والشر. وفي خضم تبشيراتهم، لاحظوا، وكتب الأنبياء في أيديهم، عودة المسيح إلى الارض، ليحكمها ألف عام. قبل ذلك، جند المكار والمسيح الدجال جيشاً عرمرماً من كافة الامم، في حين وُضع إيمان المسيحيين قيد التجربة عندما ابتلوا بالمحن المتلاحقة.عندئذ تنشب الحرب الكونية بين جيش القديسين والقبائل الوثنية، التي تبلغ أشدها في معركة أرماجيدون، قبل أن يزف يوم الحساب. وسرعان ما وجد اللاهوتيون الألفيون في روسيا الحديثة أرض "روس" المذكورة في الكتاب المقدس، وهي الأرض التي ظهر عليها المكار وبطبيعة الحال ستشكل اميركا جيش القديسين،لأنها كانت ملاذ اتباع الكتاب المقدس. المتفتح الثورة البولشفية عام 1917 التاريخ السابق للمحن، أي للتجربة؟ لقد احصت ديموقراطية "الآباء المؤسسين" الرنانة، بدءاً من عام 1920، حلفاء الشر، وعلى رأسهم الاشتراكية العالمية. بحجة التطلعات العلمية. كان لها "اصوليوها" الاجلاء (آيات الله) وغير الاجلاء. تماماً كما يحدث اليوم، إذ يدعو منها الخميني، الذي يدعمه رجال الدين الشيعة، إلى أصولية أو إلى تمامية دينية ويرى في الولايات المتحدة تجسد "الشيطان الأكبر" بنفس الطريقة التي انتصر فيها التماميون الاميركيون بواسطة "الحرب الباردة" و"مطاردة الساحرات" ومساعي السناتور جوزيف مكارثي الرهيبة،في الخمسينات من هذا القرن. من المتعذر احصاء ضحايا المكارثية إذ عرفت الدبلوماسية تصفية لن تتخلص منها الا بصعوبة. كانت الاصابع تشير إلى المواطنين الشرفاء، سيان من العامة كانوا أم من ذوي النفوذ.لقد تم الافتراء علناً على فيليب جيسوب، الجنرال مارشال شارلي شابلن وادوارد ج. روبنسون. كان مكارثي مجنوناً، لكن البلاد الامتثالية والخاضعة، تأثرت به طيلة ما لا يقل عن ثلاث سنوات عجاف. فهل ينبغي ان نسخر اليوم مما كان يعد عظاماً جماعياً؟ لقد ساد الاقتناع بأن وكلاء وزارة الدولة الشيوعيين، هم الذين اشعلوا نار الثورة الصينية لمصلحة السوفيات، وكأن ماوتسي تونغ لم يكن صانع هذه الثورة! لذا، وفي كل فترة، نرى ولادة ردود فعل بدائية وهمجية. القذافي هو عظامي حظر: فالشعب الاميركي، الذي شحنه السياسيون، مقتنع بذلك، حتى رغم الارتباط الشديد، سراً، بين المصالح الاميركية والليبية. لكن الاوربيين، وفرنسا خاصة، كانوا هدفاً لحملة اعلامية تضليلية راحت تشهر بـ "تخاذلهم" بعنف وكأحتجاج على هذا الاجراء الوقح والاخرق، استقال الناطق بلسان وزارة الدولة من منصبه، من أجل كرامة بلاده.

كذلك، قام الرئيس ريغان في الفترة الأخيرة بالتنديد بالتمامية الشيعية وآية الله الخميني، ورفض أي توافق مع هذا السياق الديني الخطير، لكنه سراً تعاون معه طيلة سنوات عدة. لدرجة أن الشعب الاميركي متاثر اليوم باللعبة الرئاسية المزدوجة أكثر من تأثره بالواقع الفعلي للسياسة المتبعة في الخارج.. حتى أن نيكسون نفسه، رغم واقعيته، كان يظن انه يعرقل الشيوعية في فيتنام ويخدم الحرية،في حين انه كان يسدي خدمة مجانية للصين المتنافسة مع فيتنام التي تدعمها موسكو. وباستمرار، تبقى الكلمات الرنانة،المبادئ الهامة، والخيارات نصف الدينية، ذرائع للسياسات الغامضة والتحليل غير الثابتة.

إلا أن العالم تغير كثيراً: إذا وجد العالم الثالث اليوم في تجزوئه إلى دول هشة، إذا كان التطلع إلى عدم الانحياز واقعياً ان لم نقل سهلاً، إذا استمرت أوروبا في ضبابيتها، إذا عاد الاتحاد السوفياتي والصين إلى ارساء تناقضاتهما، وإذا أعادت اليابان بناء عنفوانها الذي تقوض، فهل ينبغي الاستمرار في توزيع الأمم المئة والخمسين بين هذا الجانب أو ذاك؟ تحت الوصاية الاختيارية لاحدى القوى العظمى؟ على هذا التساؤل السليم، تعترض مسيحية الاميركيين الدينية، التي تذكرنا جانبه انف الكاريكاتوري، بل تذكرنا أيضاً التحليل الأكثر تعقيداً الذي صنعه قادتهم.

إن الخير والشر، الله والشيطان، الأمة المسيحية وامبراطورية الشر، كل ذلك يشكل في كل حين، تفكير الجماعات، الواسع النطاق، لكنه يشكل كذلك المقولة السياسية التي توضح السلوك الخارجي الذي تسلكه الادارات المتعاقبة. فهل ينبغي ان نأخذ على هذه الأخيرة مسألة كونها تستثمر النجاحات التي تؤثر بسهولة على الشعب؟ بالطبع لا، إذا لم تخدعنا تلك الوسيلة. إنما لا شيء يبدو شديد الوضوح في هذا الخليج من المعتقدات والأهلية السياسية. إنما لاشيء يبدو شديد الوضوح في هذا الخليط من المعتقدات والأهلية السياسية. عندما تتصدى أميركا للحروب، للعقبات، لهشاشة الأقنعة، لحنايا التأزم، لامبراطورية الشر، فلن تلاحظ بلدان كثيرة شيئاً من ذلك وستفضل الانتفاع من اهواء هكذا سياسة خارجية، بدلاً من خدمتها، وبينما كان الجنرال ديغول يحث حليفه، في خطاب شهير أذاعه عام 1966 في فنوم بنه، على التخلي عن مشاريعه، كان الرئيس نيكسون، عام 1970، يرى في تدخله في كمبوديا سداً منيعاً في مواجهة قوى الشر، التي تهدد كل الحضارات.

ما هو مصدر هكذا اعتقاد لا يرتكز بثبات على تأويل تنبؤات الكتاب المقدس؟ ربما يكون إيماناً استعلائياً واعتقاداً غنوصياً بمقدرة الولايات المتحدة على منح العالم الحرية، السلام والعدالة.

برنامج واسع لم تنظم به الجمهورية الكبرى أفعالها فقط، بل غالباً ما نجحت بواسطته في اقناع الرأي العالمي. ليس الرأي السوفياتي بالطبع ولا رأي العالم الثالث. علماً بأن هذا الأمر غير مؤكد. ألم يكن هذا هو الموضوع الرئيسي لمجلة "لايف" الشعبية الشهيرة التي يديرها هنري لوس،والتي تعتبر أساس النزعة الكنائسية عند ولسن ثم روزفلت؟ فعندما يتم التحرك باسم هذه المبادئ يبدو كل شيء مبرراً، بما في ذلك المشاريع الأكثر نفعية. وما كان للزعماء الأمريكيين أن يعرفوا الاضطراب أو المهانة، لو تَمَوْضعوا في امبراطورية المنصفين.

مع قيام العالم الثالث رأينا الامركيين يتحرّزون من الأمم المتحدة التي لم يتمكنوا من السيطرة عليها. لقد تُرك لهم الحبل على غاربه. لذا راحوا يرقبون أعداءهم فقط وكادوا يتوقفون طوعاً من الاهتمام بسائر العالم لو لم تدفعهم مصالحهم بالتحديد إلى الاصرار على العودة إليه. ففي اسوأ مراحل حرب فيتنام، أراد كل من جونسون ثم نيكسون ان يبدو كالمحاربين الصليبيين فيتحركان من أجل كرامة الإنسانية ورقيها، فيما بعد لم يكتب النجاح لكيسنجر عندما حاول تبيان مزايا "السياسة الواقعية". بحيث لم يتوان عن عقد تسوية مع الخصم الرعي بهدف مقاومته. ان نزعة التصدي المستمر لمصائر البشر من خلال توافه الواقع الحالي، رغم انه كونه ذا تأثير، أدت غالباً إلى الافتخار بكل شيء أو بلا شيء، وإلى الخطأ ايضاً في الحكم على السياسة الخارجية.

أما على صعيد الحياة، فكان الأمر مختلفاً. لقد برزت حسنات التسوية، الاستفتاء، والتوازن بين الجماعات الضاغطة على نطاق واسع.

وكانت الحرب الأهلية ومخاطرها درساً قاسياً في الاعتدال والتسامح. إنما لم يتوصل أحد في الخارج، حتى زمن قريب، إلى معارضة حق الولايات المتحدة المطلق. ألم ينتصر هذا الحق في كل مكان: لتوسيع رقعة الوطن، من أجل ارساء حرية التجارة والملاحة في الحرب العالمية، بهدف تقويض الفاشية، واليابان في الحرب العالمية الثانية، وأخيراً بغية عرقلة الستالينية من خلال الحرب الباردة؟ ولم تكن القدرة الذرية،الموضوعة بين أيدٍ نظيفة، سوى إدارة لمستقبل وضع الأمة الاميركية منأى عن كل ما عداها من الأمم.

وللمرة الاولى، يندحر الاميركيون في الحرب الفيتنامية، اضافة إلى انهم كانوا يجهلون لماذا يقاتلون، بحيث أثارت الهزيمة أزمة وطنية. لقد آمنوا بأن مصداقيتهم على الصعيد الخارجي أصيبت في الصميم في حين لم تحدث أية من الكوارث التي كانوا يسعون لتداركها في الهند الصينية: فطيلة أكثر من عشر سنوات بعد الحرب بقيت فيتنام معدمة وأصبحت هم الصين الأكبر ولم يكن لهذا الأمر أن يتوقف بسبب بعد الحرب بقيت فيتنام معدمة وأصبحت هم الصين الأكبر، ولم يكن لهذا الأمر أن يتوقف بسبب تدخل الولايات المتحدة. ورغم كل ذلك ظلت فيتنام البيدق الذي تحركه موسكو. وتترسخ الكرامة الوطنية من خلال مآثر عابرة: يصبح الرئيس فورد "قاهرة المايغويز" Mayaruez،عام 1975، لنه حرر من هذه السفينة 39 بحاراً في خليج كبوديا وفي عام 1983، يؤكد اجتياح جزيرة غرانادا الصغيرة (310 كيلو متر مربع) مقولات الرئيس ريغن الحربية، غير ان 220 من المارينز لقوا حتفهم في بيروت عام 1983، لدى إنفجار مقرهم العام، مما أدى إلى انكفاء 1600رجل من المارينز الباقين، الذي تطوروا في المأزق اللبناني. أما كارتر، فكان نصيبه اذلال الايرانيين له، اثر عملية مجوقلة مشؤومة تحركت لتحرير الرهائن. ان اختطاف طائرة مصرية تحمل أربعة أربعة ارهابيين، والمناوشات الجوية البحرية مع ليبيا في خليج سرت، ثم عملية قصف طرابلس التي نجا منها القذافي، وكذلك حشد الاسطول السادس قبالة بيروت، كل هذه "التحركات" أدت إلى ارساء الحقيقة التالية: إن الحكومة الاميركية غير قادرة على خوض معركة مباشرة وجادة تعرض حياة العديد من جنودها لخطر الموت. فالرأي العام لن يوافق على ذلك. هذه العقبة التي تعترض السياسية التبسيطية تفرض اعادة النظر في هذه الأخيرة. فالشلل يتربص بكل وجود عسكري أمريكي في العالم. من هنا كان استخدام الكونتراس في نيكاراغوا. كما أدرك أرهابيو الشرق الأوسط تماماً ان المعركة بين الفيل والبرغوث كانت تقريباً متكافئة. وفوق ذلك،فقد ولىّ الزمن الذي كان الاميركيون قادرين ان يعزلوا خلال بضع ساعات، كما حصل عام 1953، الرئيس البائس مصدِّق، ذنبه انه أراد اقامة رقابة على الإنتاج البترولي في إيران. هذه العمليات، التي نفذت كذلك عام 1954، في غواتيمالا، على حساب حكومة آربنز، اخفقت في كوبا وفي خليج الخنازير. ثمة عمليات أقل أهمية، بحيث ان الرئيس الليندي، رئيس شيلي كان، عام 1973 أيضاً، أحد ضحاياها البارزين.

لقد حاول كيسنجر أولاً، وكارتر ثانياً، اقناع الشعب الاميركي بتعقد العالم، واستقلال الأمم: قد تعجز الولايات المتحدة، من الآن فصاعداً، عن الحصول على ما تبتغيه من خلال سلوك أحادي الجانب. لقد ولّى عصر المفاهيم العنصرية الذهبي، وراح تدريجياً يختفي مفهوم العالم ذي القطبين اللذين يتقاسمان القوة باسم الواقعية، وحيث كانت الكراهية ذات جوهر نصف يمتافزيائي. فثمة قوى غامضة، شرسة، ولا عقلانية، بسبب اغتذائها بالقلق من البؤس، لم يعد لها أدنى ثقة، لا بشيوعية السوفيات، ولا بالليبرالية السائدة تبعاً للطريقة الامريكية، اللذين كانا يعملان على الإفادة من هذه القوى. في عام 1982، شهدت في مؤتمر كانسون، حوار غريباً بين الرئيس التنزاني نيريري وريغن. كان هذا الأخير يقول: "إذا كنا جديين وعمليين، فلا بد من أن ننجح. هكذا علمنا اسلافنا.

المحروووم
06-10-2003, 03:11 PM
أجابه نيريري بلهجة ساخرة:

ـ آه. وأسلافنا أيضاً علمونا ذلك. إنما رغم هذا قضوا جوعاً!".

لقد ظهر ريغن على مسرح الأحداث عام 1980 ليستمر حتى عام 1984، رافعاً خريطة العالم السوداء والبيضاء، متحدثاً ببساطة، بل بتبسيط، عن تطلعاته: معاملة الخصم بصلابة، مقاطعة العقوقين والمتمردين، ترك العالم الثالث غارقاً في أزماته، جعل كل أميركي يفخر بقوميته، وإستعادة فضيلة وحكمة الآباء المؤسسين. إن العديد من أسمال هذا الجلباب البراق بقي معلقاً في عقبات مسيرته. بيد ان هذا الخطاب الجاد والأحادي الجانب بقي موضع إعجاب الناخبين، لنه يرتبط مجدداً مع روعة الماضي التليد، عندما كان يسهل التمني، يسهل التناسي، يسهل القهر باسم الحق والفضيلة، وتسهل تقريباً إمكانية التصديق،في هذه الممارسة التي تفتقد، بكل حال، إلى البراءة. بلاد ذات تاريخ قصير لكنها ذات ذاكرة زاخرة. تلك هي الجمهورية الاميركية التي لا تشعر بالراحة إلا في الأيديولوجيا، أي هذا العدو المطلق للقدرة على التمييز، أو في الانعزالية، أي هذا الجهل التي يعرفها الجميع.

كيف يراها الآخرون؟

إنطلاقاً من الانطباع الذي تفرضه الولايات المتحدة، يبدو الأميركيون سريعي التأثر بالانتقادات التي تبلغ مسامعهم، لكنهم غلاباً يرفضون التفكير بها بصورة جدية. ففي إحدى لقاءاته الشعبية ولدى تهجمه العنيف على النزعة المعادية لأميركا، التي برزت في أوروبا، يمثِّل شارل برايس، أحد سفرائها في لندن، هذا الموقف الذي يصل إلى حد الكاريكاتورية: "اميركا العنيفة، اميركا الغبية، أميركا الفظة. تلك هي الصور التي نلقاها دائماً في أوروبا. هذا التصرف يثير في الولايات المتحدة القلق والاضطراب، حيث يتساءل الاميركيون: كيف يمكن للأوروبيين أن يأخذوا عنا هذه الفكرة السيئة؟ إننا بكل حال ساعدناهم على التحرر من الاستبداد الهتلري، أخذنا بيدهم مع مشروع مارشال، كما ساهمنا في نضالهم من خلال "الناتو". إننا الآن نشكل، في أوروبا ربع مليون نسمة، وهذا الأمر يكلفنا 120 مليار دولار سنوياً، أي حوالي 40% من ميزانيتنا المخصصة للدفاع….. وثمة العديد من شيوخ التجارة ومتنفذي الصناعة يطالبون بعودة ابنائهم إلى ديارهم. لقد بدأ الاميركيون يتذمرون. وربما يؤدي العجز في الميزان الاقتصادي، الانتقادات المهينة للمجتمع الاميركي، أو التهجمات اللا مسؤولة الموجهة ضد نوايا الاميركيين، ربما يؤدي كل ذلك إلى ردة فعل عميقة من جانب الولايات المتحدة. ولا شك بأن إحدى ردود الفعل هذه المتخذة على أعلى مستويات الإدارة ستكون الانسحاب الجزئي للقوات الاميركية المتمركزة في أوربا.

لم لا يكون هذا الانسحاب كلياً! أنه لمثير هذا الغضب الصادر على أحد السفراء. فأغلب الظن إنه يصدق ما يقوله. إذ ان كل ما يرد في قوله مبالغ: تأويله للأحداث التاريخية من منطلق تقييمه لمصالح بلاده. اضافة إلى أن يد العون الاميركية ليست شاملة كما ينبغي على الأقل في أوروبا.فأما إنه لم يتمالك اعصابه وأما أن الابتزاز يفتقد منذ البداية إلى اللباقة: فأي امرئ تبلغ به السذاجة إلى حد الاعتقاد أن "الابناء" les boysموجودون في أوربا إكراماً لعيني هذه الاخيرة؟ إنها ولا شك سياسة واهنة: ستبقى الولايات المتحدة هنا، طالما ان مصلحتها تقضي بذلك. لا مكان للمنطلقات الاخلاقية أو الوجدانية في لعبة القوى. وفي عام 1917 وعام1942، لم تسارع اميركا بتاتاً إلى التدخل في الحربين العالميتين، رغم الحاح الغربيين في طلب مساعدتها. الا أنه لابد من تذكر ذلك. كما أن سايغون لم تصرخ،بعد أن أصبحت وحيدة، "عودوا، أيها اليانكي إلى دياركم". لم يأتِ السفير برايس بأي جديد. فمنذ عام 1945، وهو يردد على مسامع الأوروبيين ذات المقولة، ظاهرياً لم يعد يؤثر بهم التهديد بالعزلة، الذي كان في نظرهم بمثابة هز العصا على غرار الاب الجلاد. فتحاليلهم أصبحت أكثر واقية وأكثر هدوءاً ثمة ذريعتان فقدتا الآن كل تأثير لهما: انتبهوا! سنعود إلى عزلتنا " وإذا لم تتعاونوا مع السياسة الرئاسية، فلسوف تكبون أمام الكونغرس". ربما يكون ذلك بسبب الامعان في استهلاكهما. اضافة إلى ان الاوروبيين يدركون تماماً ان الولايات المتحدة لن تدافع عنهم في شتى المناسبات الذرية أو خلافها، الم يقل لهم كيسنجر ذلك صراحة، عام 1975، أثر بعض الأعمال العسكرية البارزة؟ إن التعقل يؤدي إلى ذات النتيجة.

أما بالنسبة للعزلة، إحدى أبقار محللي ما وراء الاطلسي المقدسة، فأن الوقت قد حان ليدرك الناس إنها غير موجودة. إذ لم ينجح أي بلد في تقرير العزلة عن العالم، ما عدا البانيا الصغيرة، التي يحكمها "انفر هوجا" وليست العزلة المشرقة التي كانت للملكة المتحدة سوى عزلة امبراطورية سيطرت، في القرن 19، على جميع البحار. ولأسباب تبقى اخلاقية لا سياسية اقتنع الاميركيون انهم انتقلوا من الانعزالية على طريقة روبرت تافت إلى التدخلية على طريقة وودرو ولسون. قد تؤدي هذه الحلقات الجريئة إلى تشويش التماسك في السياسة الخارجية. فهل هذا صحيح فعلاً؟ هل صحيح ان جورج واشنطن هو مؤسس ل "مذهب انعزالي" يحاول المؤرخون ان يجدوا له أثراً في خطبته الوداعية التي القاها عام 1796؟ لقد كان مؤسس الجمهورية يتحاشى بحذر البقاء على صعيد المصالح فقط. إذ كان يسعى جاهداً إلى وضع تناغم المجتمع الذي يعيش فيه على المستوى الاخلاقي. فهو ينادي بالاعتدال في الاهواء: لا تعراضات متشنجة، ولا ارتباطات محكمة في العلاقات الدولية ويتوجب على أوروبا المتخاصمة والمعقدة ألاّ تقحم بلاده في تركيباتها ومسرحياتها، إذ انم صالحها متباعدة وتبدو التحالفات خطيرة في أي مكان من العالم، فمن أجل وجودها، يجب ان تبقى الولايات المتحدة هي هي، والاّ تتقيد بالقوى الأوروبية الملكية والثورية، واطرف ما في الأمر هو الإشارة في زمن القوى العظمى التي ا>ى اقتسامها للعالم إلى نشوء حركة عدم الانحياز، إلى أن جورج واشنطن كان يمتلك، ولذات الأسباب، ذات التدبير المتبصر. إلا أنه نجح أكثر من تيتو،ناصر أو بو مدين، الذين ظهروا بعد مضي حوالي قرنين من الزمن.

ومع تموضعهم بمنأى عن النزاعات الأوروبية وتكريس أنفسهم، إستناداً لمذهب مونرو (1823) للغزو والتوسع غرباً وجنوباً، ومع مناداتهم بثالوث الحرية ـ حرية الملاحة البحرية في الاطلسي، حرية النفاذ إلى الأسواق الأوروبية لتصريف منتجاتهم، وحرية التجارة والتمركز في كافة أنحاء العالم الجديد ـ مع كل ذلك لم يتراجع الاميركيون بتاتاً ولم ينعزلوا أبداً: فقد راحوا ينظمون مصالحهم القومية على أكمل وجه، ويخططون للعمل بها مستقبلاً. وخلال 1905ـ1801، تدخل مارينز الرئيس جفرسون، على شواطئ طرابلس، ضد القراصنة الذين كانوا يبتزون السفن الأوروبية: "يدفعون الملايين من أجل الدفاع، ولا يدفعون سنتاً واحداً كفدية". ثم أن أميركا لم تتردد في حمل مشاريعها إلى أبعد من ذلك. وما يثبت هذا هي لائحة التدخلات الخارجية كما نشرتها عام 1985 جريدة "وول ستريت" حتى أنها لم تتضمن سوى الـ 137 عملية التي تمت فيما بين 1970ـ1798 تحت سيادة الرئيس فقط، ودون أن يأذن الكونغرس بذلك. وفي حين تدخلت جيوشها في الخارج 99 أمرة لم تعلن الحرب سوى…. خمس مرات. وصف بليغ للتعدي تقوم به بلاد كانت ترغب بالانعزال عن الآخرين! فكل القارات وكافة البحار كانت مسرحاً لـ "استعراضية" الجيوش الاميركية. وحتى قبل أن تصبح، مع الحرب العالمية الثانية، قوة عظمى، كانت الولايات المتحدة مقتنعة بأن العالم ـ وليس فقط العالم الجديد ـ هو محور نشاطها فكي لا تقف مكتوفة الأيدي، مارست، قبل أن تؤول إلى ما هي عليه، مبدأ عدم الانحياز، مع توخي الحذر من النتائج السريعة التي تفرضها التحالفات، كما ارست في المناطق التي اختارتها تدخلية راسخة. لقد نسي واشنطن، بعد ان وعد دوغراس بمساندته في غزو كندا، نسي تعهداته عندما أمن له الفرنسيون النصر في يورك تاون.أما خلفه جفرسون فقد كن يتطلع إلى كندا وكوبا، فاستعاد عندئذ لويزيانا المترامية الاطراف من نابليون بونابرت ثم حدث الانطلاق في كل الاتجاهات: جزر الكارايبي، اميركا الوسطى، والباسيفيكي. اما المكسيك، التي تعتبر كمستعمرة اسبانية فقد فقدت نصف أراضيها، من تكساس إلى المكسيك، التي تعتبر كمستعمرة اسبانية فقد فقدت نصف أراضيها، من تكساس إلى كاليفورنيا. على هذا الأساس، تشكلت أمة، وليس ثمة ما نقوله، سوى أن الانعزالية لم تكن من خصوصياتها.

فيما بعد، شعر الاميركيون انهم أقوياء وبعيدون بما يكفي للتخلص من التوترات العالمية، مع الاستمرار في مراقبتها بحذر. في بداية الحربين العالميتين، كانت الصدارة لمبدأ "الانتظار والمراقبة" لقد كانوا يحاولون الإفادة من المسؤوليات المتزايدة أكثر من سعيهم إلى التملص منها. فالتدخلية التي زعموا في 1917 و1942، إنها اخلاقية تعود إلى سياسة متناغمة وباردة أكثر مما تعود إلى حالة وجدانية، بالطبع اتخذ هذا التعبير الرومنطيقي الاعتبار الاول،بعد ترجمته إلى عبارات مستقاة من الرأي العام، ولا يزال سائداً حتى الآن. من الأفضل أن يكون الأمر هكذا، وإلا اصيبت الجماعات، التي تستهويها الأحلام، بالمرارة والاحباط. أما الأكثر انعزالية، إذا كان المقصود هو تنظيم مجتمع القوميات أو إيقاف المد الهتلري، فيبرزون بصورة متعصبين لأسطورة التمركز في جزر الكارايبي وفي الباسيفيكي، وتقسيم الممتلكات الاسبانية. وتتغير وجهة النظر، تبعاً لكون الأميركي مواطناً من الشرق أو الغرب. فهنا يهتمون بأوربا، وهناك تعطى الأولوية بصورة أساسية، لنقاط التمركز في الباسيفيكي. فهم تدخليون حسب الأفراد، وانعزاليون تبعاً لدوّارة الريح . وليس ثمة أي تصور شامل يحكم التوجهات الاميركية، خارج إطار التحركات المزاجية. إن أفدح غلطة، بالنسبة للخارج والداخل، هي الاعتقاد ان الولايات المتحدة قادرة، خلافاً للعادة على التأرجح بين موقف وآخر. وهي، ككل البلدان، تتبع مصالحها حتى النهاية ولا تفقدها مطلقاً!.

عندما كانت "بلداً في طور لانمو"،كانت مضطرة، في نفس الوقت، للحفاظ على المساحات التي انتشرت فيها والبقاء على اتصال مع أوروبا التي تغذيها بالرساميل، بالرجال، بالمعرفة وبالتكنولوجيا. كذلك عندما اتسعت حدود أراضيها إلى أبعد من ذلك، وعندما نتجت قوتها الاقتصادية، المالية، السياسية والعسكرية عن المشاركة المتأخرة في الحربين العالميتين، عندئذ توافق التكتيك والستراتيجيا مع هذه اللوحة الجديدة. ولا يزال الاميركيون يلعبون دور الامبرياليين الانعزاليين أو دور الدولانيين[4] المنطقيين، لكن بلادهم تشكل مذ ذاك قوة عظمى لا تتوانى، حتى مع قلة الادراك، عن اعتبار نفسها معنية بكل ما يدور على الارض.وأكبر مثل على ذلك هو عندما اتقنع الانعزاليون، وفي مقدمتهم السيناتوران روبرت تافت وجوزيف مكارثي، إن الولايات المتحدة كانت، حوالي عام 1949، قادرة على تأخير الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونغ، وعلى وضع "الشعب الحر" في الصين تحت قيادة تشان كاي شيك! ولم يقترف ترومان وسكرتير دولته اشيسون حماقة بإرسال الجيوش للقتال ضد الأمر الواقع.

إن الشك المزروع في قلوب الشعوب العالمية والقادة الأجانب تجاه الولايات المتحدة، يغتذي من المواقف الواقعية أقل من الاعتماد على التحليل. أي شيء طبيعي، في بلاد بهذه الرحابة، أكثر من قيام النزاع بين الجمهوريين والديموقراطيين، القوميين والاميين، الانعزاليين والتدخليين، وأكثر من كون المواقف تتفاقم أو تتشوش تختلط أو تناقض نفسها؟ وعلى العكس من ذلك، فكل تحلل للموقف، خاطئ، متذبذب أو عرضي، يقلص من تأثير الولايات المتحدة في الخارج، وكل من شركائها يتنبأ بذلك أو يشعر به، ثم يتحمل في آخر المطاف نتائجه.

وهكذا، دفعت الجماهير العالمية، في أيامنا هذه، غالباً ثمن غلطتين جوهريتين: الأولى تدعى هتلر. يمكننا التساؤل كم من الوقت كان يمكن للولايات المتحدة أن تنتظر قبل أن تهب لمواجهة هتلر، لولا الهجوم الياباني على بيرل هاربر (في 7و8 كانون الأول عام 1941) الذي أساءت امبراطورية الشمس المشرقة حسابه. وفي حين أن الصورة هي صورة الجمهورية القوية التي هبت لمساعدة الاوروبيين الذين هاجمهم "الطاعون الاسمر" يبدو الان، مع غياب هذه الصورة، ان المسؤولية الاميركية قد تورطت منذ عملية ميونيغ. إنهم يصيحون "لن يكون هناك ميونيخ بعد الآن" وذلك كي يطمئنوا أنفسهم ويخففوا شعورهم بالذنب لكونهم سمحوا لعملية ميونيخ الأولى هذه بأن تتم وتنتشر نتائجها دون عقاب، طيلة سنوات أربع. سابقاً، كانوا يفضلون الانتصار والتسوية. كانت لديهم الحرب الشاملة. لقد أبحروا بصفة منقذين، بعد ان سمحوا للسجان السفاح بأن يبسط جناحيه. وتبعاً لمبدأ أن الولايات المتحدة لن تحصد أي خير من تورطها في الحروب الاوروبية، لم تجن سياستها سوى صراع اقليمي ضمن ما كان يدور في التجربة العالمية المتسارعة. لقد أدى الرهان الأيديولوجي، أي الفاشية، إلى لا مبالاة الشعوب الأكثر أيديولوجية وتهذيبية بين غيرها. وإذا كان البولشفيون الشيطان بعينه، فلن يكون هناك شيطانان! منذ عام 1936، يفر اللاجئون من درب الشيطان إلى أقصى الاماكن، وإلى اميركا الحرة التي ظلت مغمضة العينين.

أما الخطأ الثاني الذي اقتضى وضع اعصاب البلاد، ضميرها وعزتها موضع التجربة، فكان فيتنام. لم يتقاعس روزفلت وخلفاؤه عن "تحرير" الهند الصينية من الاستعمار الفرنسي، الذي كان استعاد نفوذه واعتباره منذ هزيمة اليابان والتخلص من سيطرتهم. لكنهم، بين 1954 و1976، أي خلال أكثر من عشرين عاماً، وجدوا أنفسهم متورطين في مغامرة عجزوا عن تبريرها. أرادوا تقديم الحرية، لكنهم شقوا الطريق نحو الاستبداد ، أرادوا مناهضة الشيوعية، لكنهم أمنوا لها النصر، قواهم المتفوقة انهزمت، ثم لقد تخلى هؤلاء المنقذون عن شعوب بكاملها كانت تمنحهم ثقتها. وهم، إلى ذلك، ذوو قدرة على قراءة المستقبل، لكن تنبؤاتهم الغامضة حول إجتياح الشيوعية لجنوب شرق آسيا لم تتحقق قط. لم يفتقدوا يوماً إلى التحذيرات الرسمية التي كان أبرزها خطاب الجنرال ديغول، عام 1966 في فنوم بنه، هذا الخطاب كان بحق خطاباً تنبؤياً.

لقد بقيت الحرب الهند ـ صينية، لسنوات عدة، على هامش الرأي العام الاميركي. حتى أن المسؤولين الأكثر تشاؤماً كروبرت ماكنمارا، لم يحسنوا تقدير المهانة. التي لم توافق في تفسير سبب هذا الهجوم العني على شبه الجزيرة الهند ـ صينية. لكن هذه الأمة برهنت، مع الصين في الخمسينات، عن المزيد من التعقل، بحيث أبت القوى العظمى هنا، التي راحت تعمل على احتواء الانتشار الشيوعي في كل أنحاء العالم، ان تفقد سمعتها، فقد كانت تأمل بالتوصل إلى نتيجة سهلة. في الواقع، لم تتأذ أي من مصالحها الحيوية، إذا ما استثنينا الإهانة والقلق، حتى ان وضعها اليوم في آسيا يبدو أفضل على الصعيد السياسي، العسكري والاقتصادي. وأثر اجتماعه للمرة الأولى مع ديقول يعلمه كيسنجر بأن أي إنسحاب من فيتنام يُفقد الولايات المتحدة مصداقيتها في العالم. فيسأله الجنرال: "أين، مثلاً؟". "في الشرق الأوسط" يجيبه كيسنجر. ويكون رد الجنرال بأن هذا هو المكان من العالم الذي يكمن فيه ضعف السوفيات، مما أمّن للاميركيين وجوداً لا حائل دونه. أما أسوأ المواقف، الذي أدى إلى أسوأ النتائج، فكان معرفتهم بأن الحرب خاسرة (وقد استلزم الأمر الوقت للاقتناع بذلك) وإنهم غير قادرين على الخروج منها.

ثمة، بين هذه المواقف، موقفان أرهقا، بصورة مستمرة، السياسة الخارجية، منذ سقوط سايغون في عام 1975. أولاً في العالم الثالث، حين تراجع الانبهار، مذ ذا، بقوة الولايات المتحدة، وحيث إزداد تماماً الشعور بعدم الثقة في التدخلات الاميركية، فراحت أميركا والعالم الثالث يرقصان باليه الحب والكره. حب للرفاهية والحياة الأفضل، وكره للقمع الامبريالي من خلال مراكمة الطاقات والخيرات، حب لسيماء الحرية، كره للادعاء اللاوعي بالوضح أمام الآخرين. حتى ان ضعف العالم الثالث يفرض عليه ـ قدر المستطاع ـ ألا يضع نفسه تحت رعاية أية قوة، بل أن يعلب على الفائدة التي تحملها إليه القوتين العظميين، كي لا يكون أسير سياسة واحدة وتطلعاً واحداً. فهما بالنسبة إليه، استعماران يتوزعان الانقضاض على الشعوب التي أكدت في بانودونغ، على استقلالها، تحت هشاشة شعار التحرر السياسي غير ان التحرر الحقيقي لم يتممباشرةز لقد أمّنه كل شعب، من آسيا إلى أفريقيا إلى اميركا الجنوبية، بعد ثلاثين سنة من باندونغ. إن ثنائية السيطرة والتنافس بين القوى العظمى هما وقائع تحكم الحياة اليومية عند الشعوب الأخرى. وعندما تتصدى هذه الأخيرة لمسألة "الامبريالية" فذلك لأنها أدركت تماماً ما هي معونة موسكو ومعونة واشنطن. ومع رغبتها بالتخلص من هذه الخيارات المفروضة، تبدو لها موجة اوربا شريكاً مرغوباً. فيما بعد، وأثر نكبتها في الهند الصينية، اضطرت الولايات المتحدة التي جعلت من شاه إيران وكيلها المعتمد، طيلة سنوات، وممثلها المفروض في الشرق الأدنى، اضطرت إلى التخلي عنه دون ان تتردد كثيراً كما حدث معها ازاء الفيتناميين الجنوبيين. إثر ذلك، راحت تحاول، مع بعض التفاوت في الدقة إن لم نقل اللباقة، اعادة إرساء العلاقات مع خلفه، رجل الدين الشيعي. هذه التجربة الثانية (أو الدرس) اضرت "بمصادقية" الولايات المتحدة في العالم الثالث، بحيث دام ذلك طويلاً، مما لم يحدث لها خلال مغامراتها في الهند الصينية.

ورغم ذلك حدث التأثير التام المطلق، إنما على الصعيد الداخلي: منذ عام 1975، لم تتمكن اية إدارة اميركية ـ عسكرية أو سياسية ـ، مباشر وبي لقواتهم، يتمتع ببعض الاهمية أو بعض الاستمرارية. قبل ذلك كان كيسنجر، في نهاية مهامه الوزارية، يدعو، منذ عام 1974، إلى تحديد مماثل لتحديد دين آشسون حول تطبيق "مبدأ ترومان" الذي جعل من الولايات المتحدة جند الحرية في كافة أرجاء العالم. ودورياً، أخذ الجهد يتركز على انغولا، إيران، شيلي، والبرتغال بغية تمويه المشاريع الشيوعية. (بكل حال كان من البديهي أن البرتغال لن تتحول إلى شيوعية). غير ان الكونغرس لم يتحمس قط لهذه "الواجبات العنيفة". فيما بعد، واثر الصدمة الناتجة عن سقوط شاه إيران، نصب برزنسكي، مستشار كارتر، نفسه شفيع "قوة الانتشار السريع" التي كان يتحتم عليها إيصال الثقل الاميركي إلى أي مكان وخصوصاً إلى الخليج الفارسي والقرن الافريقي. لكن فشل حملة تاباس، في نيسان 1980، المعدة لتحرير الرهائن الاميركيين لدى الخميني، برهن ان الصيغة لم تكن بتاتاً سليمة. لقد ضل ريغان عام 1982، في متاهة لبنان، عندما أرسل إليه المارينز، تماماً كما حدث عام 1958. كان ينبغي به اعادتهم بعد مقتل 220 فرداً منهم في انفجار مقرهم العام. منذ ذلك الحين، يجول الأسطول الاميركي الهائل على امتداد السواحل اللبنانية، لكنه لا يخاطر بالتوغل فيها. لقد أصبح الانتصار ضرورة لهم، لذا شكلت جزيرة غراناداً الصغيرة (310 كيلو متر مربع) مركز الثقل في عملية التدخل السريع التي قام بها 2000 رجل في تشرين الأول عام 1983، إنما رغم تلغيم المرافئ ومساعدة الكونتراس، لم يستطع العداء مع نيكاراغوا الساندينية، عام 1984، إتخاذ اي تغير عسكري حاسم.

ومنذ عام 1981 لم تفرض التحركات الجوية البحرية ضد ليبيا القذافي أي تراجع في المصالح أو أي ترحيل للمواطنين، ولا أية مشاركة مباشرة في الحرب التشادية الليبية.

بعد مضي أكثر من سبع سنوات على الحرب في افغانستان ربما يتبين للاتحاد السوفياتي ايضاً الذي تورط فيها، أن لـ "القوة العظمى" حدوداً حقيقية إنما لا صوت للرأي العام السوفياتي في ذلك. في حين انه رغم الاحباطات، والاهانات التي نالت كرامته، ورغم نفوذيته إلى ميادين التجهيل المدبرة عادة في واشنطن التي لا تدين لموسكو بشيء، رغم كل ذلك، يرفض الرأي العام الاميركي تورط بلاده بصورة مستمرة. ضربات سرعية، أثر استراحة مطولة، غارات لا تتعدى دقائق معدودة، هذا نعم. أما المراوحة، فهي مرفوضة قطعاً ليست ردة الفعل هذه وقفاًً على الاميركيين، فثمة عندنا أيضاً الكثير من أنصار المبادرات السريعة، شرط الا يؤدي ذلك إلى نتيجة مؤذية. إن عمليات الرهائن المدانة بكل أشكالها، تثير حالات من الغضب الواهن، مسجلة بذلك أوضاعاً توترية غير منضبطة البتة، إضافة إلى تسلسل حالات العفن: تكمن القوة في التطلع إلى البعيد وفي اكتشاف الاسوأ.

مذ ذاك، تبدو الولايات المتحدة عرضة لهذه التجربة القاسية. وأول فشل لها كان على الصعيد الداخلي: الحرب الأهلية. لقد علمها ذلك أن بقاءها مرتبط بقدرتها على التوفيق بين الميول الخيّرة وعلى تطويق العوائق، مما أدى إلى إزدهار فائق لأكبر أمة في العالم. تلك كانت إرادة الله، كما كان مؤكداً ان الله اختار هذه البلاد لتكون الأكثر عدلاً والأكثر ثباتاً وذلك إثر تجربة التقاتل الأخوي التي تم تجاوزها. كانت لديها مهمة ينبغي انجازها، حين تأكدت ليدها طاقاتها الداخلية، وإذ يمر قرنان من الزمن على نشوء هذا العالم الجديد لم يرّ أحد حتى الآن أن الاعتدال الذي كان ضرورياً بين المواطنين، سيكون يوماً ما ضرورياً أيضاً في الخارج. فمن حرب كبرى لأخرى، كانت الإرادة الاميركية تكافأ مضاعفة. وحين كانت الفاشية اضعفاً مضاعفة. وحين كانت الفاشية والستالينية ترهق الشعوب، كانت هذه البلاد تخرج من هذه التشوشات العالمية أكثر قوة مما قبل، ممسكة بزمام الحرب الذرية، ويؤكد الازدهار وقوة الحق وجودها إلا أنها تبينت أخيراً مع نيكسون ـ كيسنجر، وكارتر ـ برزنسكي، ان العالم أصبح "معقداً" وأنه ينبغي التكيف مع تشوشه، مع لا معقوليته ومع قواه الخفية أو الظاهرة.

أما تأملات كاتر، التي رأى فيها الغير، اللا أميركيون، سلامة النية، فقد بدت "في الوطن" جديدة تماماً: في كوكب مربك، لا يستطيع الاميركيون القيام بأي شيء دون أن يؤثر ذلك على الأخيرة. وقد لا يحصلون على ما يرغبون به ن خلال عمل أحادي الجانب، وشامل في هكذا ظروف. زد على ذلك ، ان عرض ريغن يتمثل في العودة إلى الارتباط مع التبسيط المقدس لمسيرة رائعة، يوجهها الله والحق. هذا البناء الانيق، المجبول بالمصالح والاستواءات لاقى استحسان الشعب لكنه لم يدم أكثر من ست سنوات تقريباً، كغيرها من السنوات، فانهار بشكل واضح في مثلث واشنطن ـ طهران ـ ماناغوا، (عاصمة نيكاراغوا).

إنما قد يكون من الحماقة الاعتقاد بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ليست سوى حقل التبسيطات المتطرفة، التي بدأت تبدو خطرة. ومع تواجد المصالح، يتوجب على هذه السياسة ان تأخذها بعين الاعتبار وتدافع عن الأكثر ضرورة بينها. فتكون في ذلك بالطبع سياسة نوعية، في ظل خليط أيديولوجي لم يتوقف عن تغطيتها، مع موافقة مستمرة من قبل الرأي العام.

المحروووم
06-10-2003, 03:12 PM
الفصل الثاني

آية سياسة خارجية؟

يرى كارتر أن للولايات المتحدة "حق تاريخي في الوجود". لقد صممت أميركا لخدمة الإنسانية" بل أكثر من ذلك،يعتبرها سنكلار لويس "دول شُيدت من أجل العمالقة" في عام 1968، يرتفع صوت جونسون قائلاً "لو لم نكن موجودين، فأية أمة في العالم ستدافع عن الحية؟" ونحن الفرنسيون الذين نذكر "دعوة فرنسا العالمية" (للدفاع عن الإنسان)، دون أن يهز ذلك مشاعرنا بل ودون ان نؤمن به كثيراً مع احتمال إثارة سخطنا، ندرك بسهولة أن اية دولة كبيرة النفوذ تُموضع مسؤوليتها في أعلى المراتب. ولو كان لنا، في العديد من البلدان طول أناة على تفحص الخطابات التذكراية الاكاديمية البرلمانية أو خطابات الولائم، لوجدنا حتى في ليشتنساتين أو سانمارينو، تأثراً،تحمساً والتماساً لمستقبل أكثر نعمة من الحياة اليومية. هذه الشواهد الدالة على الغيرية تبدو جديرة بالاحترام: الكل سيء، ونحن جميعاً خيّرون. علينا فقط ان نتجنب الافراط فغي التباهي بأنفسنا: بحيث نصبح سخفاء أو ثقلاء. فإذا لم نتنبه للأمر وذلك باللجوء إلى وسائل الاقناع التي بحوزتنا، ننتهي إلى الخلط بين مظهر روحي ودي وبين الايحاء الالهي، ولا يمكن لأية سياسة خارجية ان تستمر في ظل هذا الالتباس وحده.

في الولايات المتحدة، يكون الخطر أكبر كلما إرتبطت هذه السياسة مع نظام معقد هو النظام الديموقراطي، تأتي امتياز تتمتع به السلطة التنفيذية ومسؤولية تقع على عاتقها، تكون هذه السياسة محكومة من قبل أسياد ثلاثة: الرأي العام، اللامبالي أو المتحمس، الصحافة المحرضة أو المضخمة للأمور، والكونغرس الذي يلعب على الابهام الدستوري لقيم العوائق أو الحدود في وجه أية مبادرة رئاسية وغالباً ما يتبين لنا، نحن الأجانب أن مسار هذا النظام هو مسار متقلب وطارئ وما يثير حفيظتنا، فوق ذلك هو أن محاورينا يعملون باستمرار على محاباتنا كي نساعدهم على جعل الكونغرس يوافق على توجيهاتهم، كأنه يتوجب علينا القيام بأعباء شؤونهم الداخلية! فهم يمارسون ابتزاز شركائهم واخصامهم على حد سواء، وبصورة طبيعية أكثر مما هي وقحة. "إذا لم توافقوا على سياستنا، سيبرهن الكونغرس عن كونه أشد صلابة وأكثر ضغطاً". فالدليل قائم دائماً على الانعزالية المتوقدة في ضمير كل اميركي. لقد جاء الانعزاليون للتحرير، كي يطمئنوا إلى خضوع الأوربيين، دون ان يسقطوا من حسابهم الاحتجاجات التي أصبحت اعتيادية، الدالة على عدم أمتنان الناس. ليس مفاوضات الدول الموضع الأفضل للنبل والرفعة بل أن فقدان اللياقة يؤدي، ولا يكون ذلك إلا بالبرهنة، إلى إفساد اي عمل. أو على الأقل إفساد الفكرة التي يأخذها الأجنبي عنها.

لقد بينت فضيحة إيران غيت، بصورة كاريكاتورية فردية. كيف كانت السياسة الخارجية تنفذ هامشاً أو رغم ارادة الكونغرس، مع مخالفتها للقرارات السياسية العامة. فالرئيس ريغن يصرح بأنه لن يسمح بأية مهادنة مع الارهاب الدولي، لكنه في الخفاء، يتعامل معه بكل صفاقة. بيد أن غلالة السر هي دائماً عرضة للتمزق. وكان الرأي العام والكونغرس مخدوعين. لقد تمنع هذا الأخير عن التصويت على فتح اعتمادات لمساعدة الكونغرس الكونتراس في أعمالهم الحربية ضد الساندينيين، مما اضطره إلى الخضوع للأمر الواقع: خفية كانت المضخة تعمل دونه! هذه الشائنة، إن تكن مدعاة طمأنينة أو مدعات كدر، لم تتوقف عن تبيان غريب خفايا سلطة ما وراء الاطلسي. لقد كان جلياً أن التحالف الثلاثي بين الفريق الرئاسي (الذي يستمر من أربع إلى ثماني سنوات) ومستشارية الأمن القومي وأمانة سر الدولة في تحمل اعباء السياسة الخارجية، لم يكن دائماً ليشكل الاقتران الأفضل. "Caveat - Realism Reagan and Foreign policy"1984، تحدث الجنرال هيغ، سكرتير الدولة بين عامي 1981 و1982، بدقة متناهية عن أحدث التحولات. فبعد أن بقي ردحاً طويلاً من الزمن مقرباً من السدة الرئاسية التي يعتليها نيكسون، ولدى رؤيته كيف تمكن المستشار كيسنجر من اقصاء وليام روجرز، سكرتير الدولة آنذاك، يبدو هيغ بالفعل منذهلاً من كونه أصبح هو نفسه عاجزاً، فاقد الحظوة ومرغماً على الاستقالة من قبل فريق ريغن والرئيس، فيما مضى، لاحظنا ان ثمة صراعً قائماً بين السكرتير سايروس فانس والمستشار زبيغنيو بريزنسكي فصراع الأفكار والتنافس على المراكز للحصول على السلطة مسألة ذات فائدة شرط الا يكون الرئيس قائد اوركسترا البلبلة، ان يكن ذلك من باب التراخي أو الانتهازية. فعندما يكون الربان متردداً، يكون المركب مترنحاً. ويرى المتفائلون أن تشوشاً كهذا يربك الروس ويجعل الوجهات المختارة غير واضحة المعالم. إنما من الأفضل أن نقول للأميركيين، المشهورين بتعضيمتهم، انهم ارتكبوا خطأ فادحاً تجاه محاوريهم ثم ان فترة التكليف الرئاسي القصيرة، والتي اضافة إلى ذلك أرهقتها مرحلة طويلة من التحضير للانتخابات، تجعل المماحكات الداخلية أكثر مرارة وعنفاً وتفاقم الشعور بوجود التفكك.

هل ينبغي توجيه اللوم للرئيس وحده المسؤول عن الشؤون الخارجية، دون اعتبار ما يقوم به الكونغرس ـ البرلمان ومجلس الشيوخ ـ من مراقة وعرقلة؟ وكي نكون منصفين نذكر ان حرب فيتنام تفاقمت، خلال سنوات، دون أن يلاحظ الكونغرس، كما يبدو، وجودها. ربما كان له عذره في ذلك: مع كل رئيس، تكون الضرورة الانتخابية موجودة، غلاباً كل أربع سنوات، كي تؤكد وجود توزيع "آخر" أو بالاحرى توزيع "ديد". وهذه مغالطة يستسلم لها السياسيون بكل حسن نية، من منطلق اعتقادهم بأن ذلك يرضي لاشعب. عادة يقوم الرئيس الجديد بتنفيذ جزء من الخط الذي رسمه سلفه… نسبة إلى البرنامج الذي كان يعلن عنه هذا الأخير. وعلى هذا الأساس ، باشر ريغن عهده بإرساء الثقة الحازمة التي أدرك كارتر أهميتها في نهاية ولايته.وتجنباً لتداخل عناصر ذات السلوك، تقوم الكلمات بإيضاح كل تمايز. فهي في الولايات المتحدة وخصوصاً بالنسبة للشؤون الخارجية، كلمات مفخمة: اضافة الى الجدل حول المصالح،والتميز بأنها نموذج للدفاع عن المبادئ، تحمل هذه الكلمات بعداً اخلاقياً بفرض الاحترام. ضمن هذه القريحة الخطابية، اعتادت الحكومة على تورية نوايها وممارساتها خلف كلام منمق،حيث تحل الاستنتاجات والدعوات محل الوقائع والتفسيرات.إن تحويل الرصاص الرخيص لحالات القلق اليومية إلى ذهب فعلاً هو من اختصاص سحرة البيت الأبيض. وكان لابد من مرور عشرين عاماً، 1956-1975، كي تتفتح عيون الناس على مغامرة فيتنام. "لقد كذبتم علينا". عبارة تدوي كصرخة غضب وإتهام عنيف، يطلقها شعب طال انخداعه. غير ان السياسيين لا يكذبون عندما يحدث كل شيء بصورة طبيعية. فالفشل فقط هو الذي يصنع كذبهم.

في هذه البلاد القوية والمثيرة، حيث تسود حرية القول، الواعي واللاواعي تتأرجح الآراء بسهولة بشأن السياسة الخارجية، إذا كانت تجهل كيف تحللها. بحيث تكفي القبلية الاخلاقية والضرورية المادية لتشكيل اعتقادهم الراسخ بذلك. وعلى الفور، تتخذ أميركا وضعية مستقلة باعتبارها اختيرت من قبل العناية الالهية التي أتاحت لها اصطناع قدرتها. وثمة من راح يلفت أنظار ترومان عام 1954 إلى أنه لا يمكن ان يتوقع الرضى التام أي 100% عن مباحثاته مع السوفيات. فيكون رده: "إنما يحق لي توقع ذلك بنسبة 85%". ثم آن أوان التجارب ليصب في مصلحة تطلع ادنى، وكان نيكسون أكثر دهاء. وأصبح كارتر خبيراً بالملفات، وخصوصاً ملف الشرق الأدنى. واستسل في انتزاع بعض الاجزاء العائدة إلى ما هو أزلي. أما كارتر فأعتمد على الاسلوب البراق كي يسحق ذبابه فقط، في جزيرة غرانادا، إنما منذ عهد روزفلت، كي لا نعود كثيراً إلى الوراء، بقي سير العمل رائعاً، على مختلف المستويات: الاحساس بصوابية التفكير المتأثر بواقع القوة، ولين متحفظ، أزاء الجوار، لا يحتمل مشورة أو نقاشاً.

ثمة آخرون قبلي قالوا بذلك: حتى ولو كان عهد ايزنهاور يتميز بالمنحى الدستوري، فقد بقيت النزعة الاحادية مصدر الالهام العميق للسياسة الخارجية الأميركية، التي تعبر عن تصور الذات والآخرين. لقد قال نيكسون: "لسنا مرتبطين بالعالم لأننا ملزمون بذلك… فمصالحنا هي التي توجه التزاماتنا وليس العكس". ثمة خليط من الوقاحة والنرجسية يحمل شعباً كبيراً على الاعتقاد أنه بقي بمنآ عن مآسي التاريخ (إنما ما اقصر هذه الحياة!)، وإن ثمة بالنتيجة ما يبرر تنقله المستمر فيما بينها. فينتج عن ذلك عجز طبيعي عن الاستفتاء، كما لو كان، باختصار، هذا الاتفاق الجوهري في اقامة العلاقات بين الامم غير مجد. هنا نجد الاستعداد الطبيعي أكثر بروزاً من التروي. إن أعضاء الحلف الاطلسي وغيرهم من حلفاء الولايات المتحدة الظرفيين يعلمون ذلك تماماً: هذا الوضع لا يفتح أبواب الاستفتاء بل أبواب الموافقة والاستحسان، ولسوف يبقى مؤتمر "ريكجافيك" الذي تم في تشرين الأول 1986 بين ريغن وغورباتشيف المثال المهزلة على وقاحة الولايات المتحدة إزاء حلفائها حتى أن رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، تجرأت على تمرير اللوم علناً. يا للحلفاء البؤساء الذين ذعروا بعد لأي، لمجرد تصورهم ما كان سيحدث لهم لو استمر المؤتمر في اندفاعه، مع إرتجال الموقف الاميركي وعدم أهلية محاوره. ليس ثمة أي عضو في مجموعة الحلف الاطلسي الطويلة هذه، منذ عام 1949، لم يتعرض لهذه التجارب المؤلمة من التقتير في الانتباه والاعتبار: بمحيرة من المرارة، يكتنفها الصمت. من المستغرب، عندما قرر نيكسون عام 1973، وضع قواته الذرية في حالة تأهب ليقنع السوفيات بعد التطلع نحو الشرق الادنى، ان صامتي الأمس راحوا يشتكون من كونهم لم يستشاروا، بل لم يبلغهم نبأ هذا التصعيد العسكري، كما لو أن القوة الذرية تتدبر مهلة معينة لتوزيع المجاملات!.

عندما تصبح الاحادية طبيعة ثانية، تكون التدخلية إحدى صغائرها. ففي آذار 1854، كان اسطول القائد ماثيو بيري يفتح أبواب اليابان أمام التجارة الاميركية، وحديثاً بأي في عام 1982،كان إرسال القوات الاميركية إلى بيروت مرصوداً،حسب أقوال ريغن، لحماية "المصالح العامة" فيها. وفي عام 1984 اتخذ القرار بإنكفاء مريع دون أن يتحقق أحد من كون هذه المصالح العامة مهددة اليوم أكثر من امس. للتدخلية بالطبع مبرراتها، حتى وإن تكن قبيحة. فهي تنطلق من التوهم بأن الخلاق والحق ترافق، دون شك، المشاريع القائمة. ومن التوهم بأنه لا يمكن قطعاً احاطة التفوق المادي ببعض المواربة فيما يتعلق بالمستقبل أو بالبشر، (ومن هنا النقمة على الأرهاب). كذلك من التوهم بأن مصدر الرعونة أو الخطأ هو الآخرون وليس الذات (وقد رأينا ذلك فعلاً في عملية تاباس المجوقلة). بكل حال، كانت التدخلية الخارجية باستمرار الاداة أو المطلق للسياسة الخارجية: وفي كل انحاء العالم، منذ عام 1945، في أوروبا، في أميركا اللاتينية، في آسيا، في أفريقيا، وفي الشرق الأدنى. لقد كتب وزير الدولة هيغ، معلقاً على التحضير لقمة الدول السبع الصناعية قبيل عقدها في 4 حزيران 1982: "كان من المستصعب لفت أنظار الرئيس ومعاونية ووزير الدفاع إلى النتائج الخطرة التي يمكن ان تخلفها على حلفائنا السلوكات الاميركية الاحادية الجانب المتعلقة بخط الأنابيب (من الاتحاد السوفياتي نحو أوروبا) وبالتجارة وبكل من السياسة الاقتصادية النقدية والنووية". عندئذ تم غرسال شولتز كمستكشف لدى الحلفاء: "لقد وجد شولتز تعاطفاً إزاء المبادئ الاميركية، لكن الدهشة كانت شديدة أمام الوسائل التي كنا ننتهجها".من خلال هذه الكلمات القليلة يبرز كل شيء من ممارسات البضع ومن مقاومة البعض الآخر، السلبية على الأقل.

ولقد استاء ريغن من الرضوخ للاجراءات الثلاث التي لم يخطر بباله ان رئاسته ستصطدم بها بهذه السرعة: عندما يتخذ أي قرار يبقى الرئيس عاجزاً عن الفوز تماماً بما يريده. لم يعد القرار الحادي قابلاً للتنفيذ. ولن تكون التدخلية إلا استثناء. وبالطبع، لن يستمر هذا الرضوخ. فقد رأينا ذلك عندما أراد، عام 1986 إرهاب القذافي (بل وقتله) وعندما قامت حملة التضليل ضد فرنسا التي رفضت السماح للطائرات المتمركزة في بريطانيا التحليق فوق أراضيها، في حين كان الاسطول السادس يحشد قوات هائلة في البحر الأبيض المتوسط بالذات. إن المغامرة اللبنانية التي انخرط فيها الفرنسيون ـ وكذلك الإنكليز والطليان وهم يجروّن أرجلهم جراً ـ هذه المغامرة مردها، في ذهابها (1982) كما في إيابها 01984) إلى القرارات الاحادية التي اسيء حسابها، والتي تورط الأصدقاء فيها.

المحروووم
06-10-2003, 03:14 PM
ولأن هدف عملي المتواضع يكمن في التوصل إلى انتقاد السياسة الخارجية وإرشاد الناس إلى التحلي بأهواء يشوبها التعقل، أقول ما يلي: بعد فترات زاهرة من البناء والانتشار والتدخلات الشاملة بسام الروحانية التبشيرية، آن الآوان كي تقتنع الولايات المتحدة بوجود استواء في العلاقات. عندئذ يسمعها العالم ويفهمها بشكل أفضل. ولسوف تكتشف هي نفسها ان ثمة صعوبات فعلية أمام الجميع، في حين أنها لم تكن ترى سوى عداوة منهجية فقط. تصورات كثيرة اخترقت العالم الأمريكي: التصور الاخلاقي للمارساته، والتصور بأن اللائمة على الاخفاقات يجب ان تقع على الآخرين الشديدي الحماقة، العدوانيين أو الخونة لنهم لم يتمكنوا من دعم هذا التصرف الحكيم أو لأنهم كانوا يتمنعون عن المشاركة فيه. لقد اعتدنا، نحن الفرنسيون، مما يحزننا أو يغضبنا، على حملات التشهير هذه، أو الإهانات أو على مقاطعة منتجاتنا التي ، شيئاً فشيئاً، تجتاح الرأي العام الاميركي وكأنها شعور بالقرف. منذ عام 1776، كانت طريقنا واحدة، إنما يبدو أنهم تناسوا ذلك تماماً، بدءاً من حملات التشهير تلك. ففي عام 1970، قال جورج بومبيدو في شيكاغو: "هذه الظاهرات تلطخ جبين أميركا". إنما لا يمكننا هنا إلا التأكيد برؤية أن ذلك لا يؤثر فينا، وعلينا ان ننتظر أياماً أفضل. الأيام التي لابد من جيئها.

أخيراً، يتم دفع الثمن. يقال ان الاميركيين اقتنعوا بالامر، الا اذا كانت سياستهم الخارجية موضوع خلاف. عندئذ، يدخل في روعهم ان لهم الحق في اختيار الثمن الذي يرونه مناسباً، أو انهم قادرون على تحصيله دون بذلك الكثير من الجهد، ا, ان القصف البعيد المدى سيقلص من عمليات المقاومة فوق سطح الأرض، دون التعرض للمخاطر الجسيمة. ربما يكون ثمن العرق وثمن الدم، بالنسبة لهم، أقل جوراً.

ولدى الكلام عن الاقتصاد والمال ينبغي فعلاً التثبت من أن الحماية العسكرية الاميركية استبدلت، في بلدان كثيرة، بالعديد من المكاسب، على الصعيد المادي. هذه المسألة قديمة قدم العالم ومن السخافة الانبهار بها. إنما من غير المنصف تجاهلها والتظاهر بتجاهلها. خصوصاً عندما تنفتح باستمرار قضايا نكران الجميل. ليس ثمة من مغفل بين الخبيرين بهذه المهازل. وما يهمني على وجه الخصوص هو الفكرة التي تكونها الشعوب عن عالمها، الا أن هذه الفكرة تتشوش من جراء ما يتم بثه في قنوات الإعلام.

لم تشكل القضية الفتينامية هزيمة للولايات المتحدة رغم أنها كانت أول فشل لها. بل إنها، بالعكس، أبرزت بعض الوقائع التي أدركها الشعب بتؤدة. لقد كانت البلبلة الداخلية الخارجي الذي لم يكن له النتائج الرؤيوية التي تكلم عنها كل من إيزنهاور، كندي، جونسون، نيكسون وفورد. وفي نهاية مسيرة الحقيقة الشاقة، تجلّى كل شيء بصعوبة: فيما وراء الاساطير، كان ثمة حقائق لم تكن اميركا ـ كغيرها من الدول ـ قادرة على الصمود في وجهها. لذا كان يفترض بها أن تتعلم كيف تفاوض، أو أن تتعلم ذلك مجدداً كما حدث في أولى مراحل وضعها الاستعماري عندما كانت خاضعة للسيطرة الإنكليزية. فهل هي قادرة على ذلك؟ هل يمكنها المواظبة على دروس الاستلحاق المسائية؟ إن ثماني سنوات من عهد ريغن ستشكل، عبر التاريخ، إمتحاناً مؤثراً. فحين كان الممثل الهرم يوقظ مشاعر الخيلاء والقوة، التي اتلفها الزمن، وحين كان يوصي باسترجاع الماضي كانت الدبابة المكسورة المقود، تتعرض بضعة أمتار أيضاً وتركز طاقمها في مكان ما. ومن ثم ينبغي ان يتدخل الارتجال والابتكار فيما يتعلق بباقي الرحلة. فهل هم قادرون على ذلك؟ هل ينبثق الأكثر حداثة عن الأكثر تقليدية؟ أي تواضع بنّاء راح يجتاح هذا البلد الذي ما زال في طور التشكل، والذي يعتقد دائماً انه فتي رغم الشيب الكثير الذي وخط شعره؟ هل يمكن للأمة الاميركية "الاستثنائية" إحراز المجد إنطلاقاً من ممارسة عملية تعتبر "عادية"؟أم أنها قد تستمر في تأكيد أقوالها إزاء الأفكار البالية المتعلقة بطموح مصطنع، وقليل التروي؟ يقال ـ من قبل المؤرخين على الأقل ـ عن التاريخ مفهم بالمفارق والمنعطفات. ويشكل عهد ريغن واحداً منها، عندما يتردد المستقبل في اتخاذ وجهة سير.

لكنك عزيزي القارئ أيها الاميركي العتيد، ستقول لي: "ماذا يجدر بنا أن نفعله؟" كنت دائماً أحلم بالتدرب في وزارة الدولة كي أفهم الرؤية التي يتحصل عليها المرء من هناك: الآن، فات الأوان! وهكذا فأنا لست واثقاً من أن كل درس يتلقاه الإنسان يكون مفهوماً، وأن الاثبات الصادق يوجه السلوك. يشهد على ذلك ظهور ريغن وخيبات أمل المتحججين. باختصار سأقول لكم ما يلي.

إن مراجعة المرء لطموحه، لسلوكه، ولتكاليفه كي يتجنب المفاجآت، لا تعني الاستسلام والتخاذل. فالولايات المتحدة دولة كبيرة: من يأبى أن يكون من مواطنيها، حتى في احلك أيامها؟ ولا شك بأن النشوة غمرتها باكراً، بسبب مساحتها اللامتناهية، وسهولة اكتساب القوة، وبسبب عمليات التدخل الكيفية، الخالية من الشوائب. لقد أرادت ان تحظى بالاحترام، فكان لابد من العنف والوقاحة. أرادت أن تكتسب مودة الآخرين، وهذا يستلزم الاحترام والمعاملة بالمثل. كان كنيدي يقول: "تصوروا ما كان سيحل بالعالم لولا وجود الولايات المتحدة!" من الافضل عدم التسرع في الإجابة على هذا التساؤل، حتى ولو تراءى للأمريكيين، ولكثير غيرهم، ان الله هو صاحب الفضل في وجودهم. لنتثبت من أكبر نجاح حديث لهم وهو أن الحقائق برزت من خلف الأساطير الراسخة، أي شبه الميثولوجيا هذه حول العالم الجديد حيث تقوم النفحات الإلهية بإحياء اوراق الشجر وبتسليح السواعد بالمناعة. عليهم الآن أن يعاودوا تعلم الحياة في العالم القائم، بتؤدة وحذر.

يكمن المبدأ الأول في الاستسلام للتحليل وليس للعاطفة: ما هي مصالح الولايات المتحدة؟ هل تتوافق مع مصالح الآخرين؟ ما هي المصالح التي تتنافى مباشرة مع أمنها؟ من يهددها.؟ أين؟ كيف يمكن الحافظ عليها وعلى وجه الخصوص مع من؟ من العبث بالطبع القيام بإحصاء شامل لكل ما قد"يفيد" الولايات المتحدة؟ سيكون رد المؤيد للسياسة الامبريالية ان العامل برمته هو هدف الولايات المتحدة. غير أن هذا العالم يتكون من 145 دولة تحتل منه بكل حال عدة قطاعات كبيرة. فيجب تصنيفها إلى حيوية وأقل حيوية، أما فيتنام فكانت تفتقد إلى ذلك. ولم يتنبهوا إلى ذلك الا بعد مضي حوالي عشر سنوات. وكان تركيز خروتشيف للصواريخ في كوبا امراً غير معقول: لقد هدد كنيدي،لإيقاف ذلك، بحرب ذرية (وسارع ديغول إلى تاييده). أما الناقوس الذري، الذي دقه نيكسونوكيسنجر عام 1937، فكان تكتكياً: لم يكن ثمة ما هو جوهري، ولا حتى عمليات تزويد أميركا بالبترول(تمت تسوية هذه القضية منذ عام 1971، مع المنتجين العرب، بصورة سرية). حتى أن رقصة السلخ حول القذافي لا تعد جدية: لقد كانت الحكومة ممعنة في محاربة هذا الأخير، وكانت المصالح الاميركية تدعمه باستمرار، في حين كانت الدول الأخرى مجمعة على التدخل في هكذا نزاع مشبوه.

والمبدأ الثاني، بعد التحليل، هو احترام العرف الدولي. يجدر بالولايات المتحدة، القوة العظمى، أن تقبل بأن تكون "عادية" .ثمة طريقان للعمل: احداهما سريعة ناشطة، وهي وقف عليها، والأخرى متعثرة،مرهقة ومكرسة للسير على الأقدام. إن التنازل والمشورة هما العمليتان الضروريتان في احتواء أقل ما يمكن من الهيجان في التوترات الدولية. خصوصاً مشورة الحلفاء التي لا تأخذ شكل مستودع للتعليمات أو للتقارير الغامضة للقرار المتخذ أو للعمل المنجز! ويشتد تساؤل البعض:

"إنما هل تعرف الولايات المتحدة كيف تفاوض؟" إذا لم يكن هذا السلوك مألوفاً لديها، فبعض التطبيق يؤمنه لها. والأساس في ذلك هو الاستعداد الفكري وحده، الذي يقضي بالتخلي عن سياسة كل شيء أولا شيء وعن سياسة التدخل أو الانكفاء، الفوران أو الهمود، اللامبالاة العارمة أو الضغينة. التفاوض يعني أيضاً أن نعرف ما نريد، حتى وإن يكن ذلك تمضية للوقت فقط.

إن التفاوض بالنسبة للولايات المتحدة، يعني تحديد العلاقات المتوقعة مع الطرف الكبير الآخر، أي الاتحاد السوفياتي. مؤخراً لاحظنا أن كلاً من الرؤساء السابقين يمارس، طيلة مدة ولايته، مقاربتين متناقضتين: المواجهة والتسوية، اللتين يتم تبينهما مع الكثير من الاقتناع. وفي خضم الانقباض والانفراج، كان التأرجح ثابتاً ومتسع المدى. إنما لم يظهر التقدم في ثبات التحليلات الاميركية إلاّ بالأمس القريب. لقد ساد طويلاً الاعتقاد ـ الأيديولوجي جداً ـ بأن النظام الشيوعي، كونه سيئاً للغاية سينهار من تلقاء نفسه. ثم خُيّل للاقتصاديين الواهمين أنهم قادرون على إحاطة القلعة بالباب المحجوب عن النمو الاقتصادي على الطريقة الغربية. لقد حاول بعض رجال الأعمال القيام بذلك. أثناء ذلك، منذ ترومان وحتى كارتر، كان الاتحاد السوفياتي، الذي انتابته الفوضى والبلبلة، كان يتوصل إلى احراز المساواة العسكرية ثم المساواة السياسية، في حين كانت الولايات المساواة العسكرية ثم المساواة السياسية، في حين كانت الولايات المتحدة تغير موقفها ازاءه كل سنتين. لا شيء سهل. ولم يحن الوقت الذي تقتنع فيه ان التأرجح بين الاستراحة والمواجهة، وهو أمر عادي ووقف على العامل الزمني حالياً، يود ريغن، الذي كان يفاخر بمفهوم الأمة الاميركية الاستثنائية، يود أن يظهر، في نهاية ولايته، بمظهر رجل معاهدة السلام مع الروس. وكل من هذين التطلعين يعد مضرة ومهزلة. ولن تتم أية تسوية بين الجبارين. وحدها التسويات العابرة والمماحكات المتصلبة هي التي كانت مؤكدة تجاههما. وعلى هذا الأساس كان الرأي العام متخذاً باستمرار كشاهد على إطلاق سياسة "جديدة" كانت تطلعاتها أكبر من اعتبارها للثمن الذي ينبغي بها دفعه. والضربات "الأوسطية" التي تؤلم الدول الديموقراطية، كانت سلسلة من عمليات الارتجال. عن عودة إلى الوراء حول هذه "الأحداث" المتعلقة بالسياسة الخارجية تشير بالقلم العريض إلى نقص التحضير لهذه المسارات المخفقة. وتعد مفاوضات هلسنكي (1975ـ1973) حول الحدود الأوروبية 0أي معرفة التوسعات السوفياتية)، وبالتالي حول حقوق الإنسان، تعد مثالاً على هذه الانقلابات، التي كانت مكبوتة زمناً طويلاً، ثم على عجل، اتخذ القرار بالتخلي عن الأرض.

يبدو الأمر وكأن الأغراق في اللا استعداد، والإفراط في المشاعر هما مرشد رديء.

بأي فجاجة يتوصل الاميركيون إلى اعتبار حلفائهم كمنافسين والى انتقادهم بشدة، بل كذلك كأعداء لهم وكأنهم برابرة؟ تدل هاتان الاستجابتان على انهم لم يقبلوا بعد بالعيش في الواقع: فحلفاؤهم لا يميلون إلى التنحي عنهم ولا إلى الانتظام في صفوفهم. ولدى خصومهم دوافع يجدر التعرف على مصدرها وقوتها. إن النزوع إلى تشويه المحاور وإلى الاستياء من التعارضات أو من أقل عائق، يعد عقبة هائلة في هذه التجربة الطويلة الأناة ألا وهي دائماً العلاقات الدولية،والمزاج القومي يتعكر بسهولة كبيرة لأن المصالح العامة لا تتأثر بذلك. وما يساعد على ترتيب الأمور هو كون أوروبا الحلفاء تشكل منافساً اقتصادياً (وكذلك سوقاً). المفاجأة هزيلة. فهل ينبغي ان يظهر المغتاظ بهذه الحدة وهذا التجرد من الواقعية؟.

أما نحن، الذين غالباً ما أصابنا القرف إنما ليس دون الود، فنحاول تخمين السياسة الاميركية، ان لم يكن فهمها، إننا نحاول التعرف على خصوصيتها: بلد كبير لا يبدو و:انه قوة حاكة.إلا أننا نلاحظ أبهامه: فالولايات المتحدة هي أمة وسيادة. ونحن لا نطمح إلى مطالبتها بأن تختار بين هذه وتلك. فأين تكمن واقعية هكذا موقف؟ إنها أمة ـ سيادة قائمة في كلية الوعي شرط ان يقوم ذلك على أكتاف الشعب. إذ ان العبء يكمن هنا: بعد الإفادة الجمة من الظروف، ينبغي دفع ثمن أية مسؤولية بهذه الضخامة. وباسم "السياسة الواقعية" توقع فريق نيكسون ـ كيسنجر، الذي كان دون شك سبب فضيحة ووترغيت، توقع اعادة توزيع الأوراق والواجبات، جاعلاً من شاه إيران الوصي المؤتمن بالنسبة للشرق الأوسط، من الأوروبيين القيمين الأكثر حرصاً على دفاعهم الذاتي، ومن خصوم الأمس حلفاء الغد المحتملين. ويبقى التطلع إلى الفوقية بأعباء السلطة. فهل سيتحدث رجال السياسة عن ذلك إلى الشعب؟ ـ لـ "العظمة" ثمنها. لطالما كانت فرنسا ديغول مدعاة سخرية، من منطلق هذا التطلع. لكنها ما زالت تدفع ثمن ذلك، طالما هي تظن أنه من المفروض المكوث قليلاً فوق اية ثابتة مثبطة للعزيمة، وبما كانت هذه هي بالذات طبيعة تحليل الولايات المتحدة. إنما كيف السبيل الى تجنب نتائجه؟

هل أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ساعدتها على العيش حتى الآن بصورة أفضل؟ الجواب هو: بالطبع، نعم. هل تقحمها بعد الآن فيما وراء الدفاع الشديد عن مصالحها المادية (إن الرهانات الاخلاقية أقل تمايزاً وتنشاً دائماً عن الأولى)؟. إن السيادة لا تنطوي بتاتاً على المعالجة: أما ان تكون الهزيمة قاسية أو مستمرة. ومن أجل حياة فضلى تحتاج الولايات المتحدة إلى سياسة متحركة ومدروسة: عندئذ، يكون ولىّ زمن الانفعال. الارتجال والعجرفة حتى على الأرضية التي تفضلها اميركا ألا وهي: الاقتصاد العالمي

المحروووم
06-10-2003, 03:15 PM
الفصل الثالث

سكة عميقة النصل تخترق الاقتصاد العالمي



ظاهرياً، تبدوا صورة الولايات المتحدة الاقتصادية متمايزة بعض الشيء عن تلك المرتسمة في ذهن الاميركيين. ومن ثم تقود الحقيقة التاريخية إلى تبيان ان الحمائية متولدة مع الولايات المتحدة بالذات.ودستور 1787 "املته ضرورات اقتصادية قبل أي سبب آخر "هذا ما صرح به أحد واضعي الدستور المذكور. جون فيشر آمز، من ولاية ماسشوستو. ولم يخطئ أحد مواطنينا حين قال: "مؤخراً رأينا الشمال يدعم نظام قوانين الحظر التجارية، والجنوب يمتشق السلاح من أجل إرساء حرية التجارة، لسبب وحيد هو أن الشمال صناعي والجنوب زراعي وأن نظام التقييد يعمل لصالح أحدهما على حساب الآخر. فكان "الآباء المؤسسون" كمثل الكسندر هاملتون، ومن تلاهم، كمثل هنري كلاي، من الحمائيين الراسخين. يوعدو تاريخ أول بيان للأسعار إلى عام 1789. لكن الدستور أصبح، مع الزمن، نصاً مقدساً. فلم يعد ثمة من مجال للتساؤل عن تسوية بين المصالح المتباعدة. وينطلق المشروع الحر والمبادرة الفردية من أحكام النص الذي أوحت به جزئياً للعناية الإلهية فبين التوجيهية وحرية التصرف أو الأقليمية والمركزية عرفت البلاد المنهمكة في العمل كل المتغيرات، واختبرت كل النزعات. ثمة الكثير من التجديدات التي تعتبر جميعها سلوكات تدخل حاسم تقوم به الدولة الفدرالية وذلك ابتداء من الحرية الجديدة التي قال بها وودرو ويلسون إلى التسوية الجديدة عند فرانكلين روزفلت، ثم إلى الحدود الجديدة عند ج. كنيدي، دون أن يغرب عن بالنا المجتمع الكبير عند لنجن جونسون. و"التغير المبرمج إينما كان، يعني دائماً وجود الدولة. وإذا لم يكن مبرمجاً فهذا يعني الثورة والعصيان‍ فمنذ قانون شيرمن عام 1890، أدت مناوأة التروست وحماية حرية التنافس، بدعم من المحكمة العليا، إلى خلق جهاز صناعي فعلي. لقد بقي التنافس الحر موضوع إجلال إن لم نقل عبادة ناشطة، رغم تهكمات الاقتصاديين من أمثال شومباتروج. ل. غلابرايت. وكان يفترض بالتوسعية الإقليمية على وجه الخصوص ان تحقق تزاوجاً موفقاً، عام 1984، بين الروحانية والمصالح:
"يجب ان تكون التجارة العالمية، ولسوف تكون وقفاً علينا، وسنتوصل إلى ذلك"، هذا ما كتبه، عام 1898، ألبرت ج. بيفريدج، أحد كبار الأمبرياليين. ثم أن تطور الملاحة البحرية والتجارة الاميركيتين يحرض العديد من المحامين على إبراز حق الشعوب في تدبر أمورها بنفسها. ولا تزال ذائعة الصيت صلاة الرئيس ماكنلي، عام 1899، التي يصف فيها كيف قاده الإيحاء الإلهي إلى ضم الفيليبيين إلى اميركا. في عام 1898، بدأت التوسيعة الاقتصادية الاميركية بما سُمي "ديبلوماسية الدولار" التي نشطت على وجه الخصوص في أميركا الوسطى. ثمة نزعة استعمارية بدائية وعنيفة راحت تتخذ شكل إمبريالية اقتصادية ومالية لم تتناف مع الضغط السياسي أو التدخل العسكري. إن المكسيك، الارجنتين والبرازيل مثقلة حالياً بالديون الباهظة لدى المصارف الاميركية التي اضافة إلى ذلك، أدت بها إلى استنفاد اعتماداتها. والعجز عن تسديد الديون لا يؤدي إلى مناورات ارهابية عسكرية. لكن كولومبيا اضطرت، بين عامي 1898 و1903، إلى الموافقة على الانفصال عن دولة بناما الجديدة التي تخلت للولايات المتحدة عن منطقة القناة. وسلمت سان ـ دومغو والهندوراس إلى الجارة الجبارة أمر الرقابة الجمركية. كما خضعت نيكارغوا وهايتي إلى العديد من الرقابات العسكرية، السياسية. كما خضعت نيكاراغوا وهاييتي إلى العديد من الرقابات العسكرية، السياسية، المصرفية وتعلك المتعلقة بالسكة الحديدية. وفي المكسيك، ادت الثورات إلى تسلم المكسيكيين لزمام أمور بلادهم. في عام 1905، اشتهر ثيودور روزفلت بلازمته المشهورة المتعلقة بمذهب مونرو (1823): فعندما يمنع هذا الأخير على البلدان الأوربية أي تدخل في الشؤون الاميركية، تحل الولايات المتحدة محلها بهدف تحسين النظام الاقتصادي والمالي. وكانت "ديبلوماسية الدولار" قائمة على "سياسة العصا". ولم يكن ثمة بتاتاً أي تدقيق في وسائل التدخل، بين الدول المرتبكة والمهيأة لتناسي التزاماتها.

ما هو سبب التوقف عند هذه الفترة المتأخرة قليلاً، إلا من أجل الإشارة إلى أنها هي أيضاً تنتمي إلى التاريخ، وأن هذا الأخير استمر، لاحقاً، في كونه موسوماً بمظاهر القوة والضغوطات التي برهنت عن امكانيات لا متناهية من القوة: تقوم عدم قابلية تحويل الدولار، التي تقررت في 10 آب (أغسطس) 1971، وكذلك تعويم هذه العملة، على "سياسة المزاجية" التي يعطى فيها كبير أهمية لرأي الشركاء أو الزبائن. هذا على صعيد المنظر. إنما ثمة الكثير من المفاوضات لاتي بقيت جوانبها المقيتة طي الكتمان. ومن الاجحاف ربما ال نذكر أن "سياسة حسن الجوار" حلّت، في الثلاثينات محل "سياسة العصا" وذلك بتحريض من فرانكلين رومزفلت على وجه الخصوص. فكان ان تم إخلاء نيكاراغوا،ورفع الوصاية عن كل من كوبا، بناما، وهايتي، كما رفعت الرقابة عن سان دومغو. كذلك تم وضع مبدأ استقلال الفليبيين. غير أن احترام الحقيقة التاريخية يدعو إلى عدم السكوت عن دور المصارف الاميركية في الجمهوريات اللاتينية بالدفع المصلحة حتى وان يكن على حساب المقتصد الاميركي. دائماً كان الضغط موجوداً. هذا الضغط الذي لا يزال مستمراً بوسائل أخرى! سيقول المشكك وحتى الرواقي، ان ذلك هو السياق الطبيعي للأمور. هذا هو الواقع شرط ألاّ نستبدله بالكلام عن سياق معد لتعظيم الحرية. المبادرة وحسنات التداول الحر للسلع. اضف إلى ذلك، بالنسبة للعديد من الاميركيين، ان نزعتهم الحمائية ليست سوى مظهر يدل على نزعة قومية عنيفة دون أي تعارض مع الكلام عن حرية التبادل. غير ان أنظمة الآخرين التمييزية تشهد، هي أيضاً، على وجود إمبريالية عدوانية إزاءهم. إن معاهدات أوتاوا، التي حققت بريطانيا بواستطها، عام 1932، داخل الكومنويلث، نظاماً متميزاً ذا أهمية عالمية، كانت تعبر، حتى في نظر كوردل هول: سكرتير الدولة من 1933 إلى 1944،عن سياسة أسوأ من سياسة قوات المحور.

وكان لابد للحرب العالمية الثانية من وضع حد للتدهور الاقتصادي الكبير الذي حدث بين 1920 و1940، هذا التدهور الذي شهد نمو انعزالية سياسية في الولايات المتحدة، مما أدى إلى توقف التوسعية الاقتصادية. أما أسباب ذلك فعديدة: فمع أزمة عام 1929، توقفت الحكومات الأوروبية عن تسديد ديونها المترتبة عليها من جراء الحرب العالمية الأولى. وخسر المتقدسون الاميركيون مبالغ طائلة (قرابة أكثر من 5 مليار دولار) كانوا منحوها كقروض لمديينين من سائر انحاء العالم. وعندما افرزت الحرب الآلة، برزت التوسعية الاميركية الجديدة، منذ عام 1941، مع المناقشات حول ميثاق الحلف الأطلسي، وقوانين القروض، والتحضير لعقد مؤتمر نقدي في بريتون وودز (1944) والقرض الاميركي الضخم لانكلترا (كانون الأول ـ ديسمبر عام 1945). في كل مرحلة، طالب الاميركيون، من منظار الليبرالية القائمة، بإنشاء جهاز متعدد الجوانب يتعلق بالتجارة العالمية، يرتكز على إمكانية تحويل النقد وإلقاء التمايزات في الترعفات. وفي البداية، زوال الامتيازات الامبريالية التي اقامتها اتفاقيات اوتاوا، في إطار الكومويلث. لقد كانت المناقشات حادة بشكل خاص، مع بريطانيا المتغطرسة التي لم توافق قط على التخلي عن موقعها كقوة عظمى. وكان أن كتبت صحيفة الـ "أكونوميست": "تلك هي بالتالي مكافأتنا على تضحيتنا بربع ثروتنا القومية في سبيل المصلحة العامة: سنستمر، طيلة ربع قرن، بدفع ضريبة إلى أولئك الذين أثرتهم الحرب" كان الصوت يرتفع في مجلس العموم: "أنها ميونيخ جديدية، وليس مسموحاً لمندوبينا بالتضحية بالامبراطورية البريطانية مقابل علبة سجائر!" مذ ذاك، راحت بريطانيا تقدم لأبناء عمها الاميركيين طاعة متناهية، باسم "علاقات القرى المميزة". فأخذت توازنات الاسترليني، أي ديون الحرب، تحث دائني بريطانيا على الاحتفاظ بمدخراتهم لديها… على حساب الولايات المتحدة. إنه منهج تمييزي آخر كان من الاوفق تحديده، أثناء العودة إلى إمكانية التحويل المنصوص عنها في 15 تموز (يوليو) 1947. "لم يكن المقصود هو إنقاذ شعب يتضور جوعاً بل انقاذ امبراطورية في طريقها إلى الافول… نعم لتقديم المليارات إلى الأولاد المعوزين! إنما لا لتقديم درهم واحد من المساهمات من أجل الحفاظ على استمرارية الامبراطوريات!" هذا ما قاله عضو أميركي في مجلس الشيوخ. ومع ارتفاع حدة الحرب الباردة في ربيع عام 1946، أخذت التدخلية المظفرة تبرز مخالبها من جديد: يقول سام رايبورن، الناطق بلسان مجلس النواب الأمريكي: "اتمنى ألاّ تنقاذ أوروبا الغربية، انكلترا وسائر العالم، نحو أيديولوجية امقتها. وأخشى أن يحدث ذلك، إذا لمن تعاون مع حليفتنا الكبرى… ولن نكون كما نود ان نكونه، إذا لم نبق حلفاء الديموقراطية البريطانية العظيمة! وعندئذ، فليكن الله في عوننا، إذا لم يكن لنا حلفاء في الطرف الآخر من الاطلسي، وفي عونهم ايضاً!".

لماذا نتذكر اليوم هذه الأحداث الطارئة وهذه المواقف العنيفة؟ ليس ذلك غلاّ لأنها تبرهن لنا على أن التاريخ المصطبغ باللون الوردي العذب، لا علاقة له بالتوترات التي تنميها أية قوة فاعلة. فالليبرالية القائمة أو غير القائمة، هي أمبريالية تواصل سيرها، متشكلة في صيغة عقيدة ومطبقة في حدود المصالح. إنما بسرعة، وأزاء الصعوبات، إنهارت تخطيطية واشنطن التي فرضت، في مؤتمر بروتون وودز، قابلية تحويل العملة والتنظيم الدولي للتجارة من أجل اقرار التمايزات: طيلة أكثر من شهر تقريباً، قاومت بريطانيا مسألة العودة إلى إمكانية التحويل، وأبقى ميثاق هافانا التجاري، الذي أقر في 23 آذار (مارس) 1948، على التمايزات التي كان ينبغي به الإعلان عن الغائها، إلا ان الولايات المتحدة وبريطانيا لم توافقا قطعاً على ذلك. وأمام أوهام التعددية اضطرت واشنطن بالذات إلى استبدال مشروع ماريشال، فيما يتعلق بأوروبا والانخراط الأوروبي في المنظومة الأطلسية، بمبدأ ترومن في السياسة، ومساعدة الشعوب الحرة في الاقتصاد. ولم يكن العالم تهيأ بعد لتخطي حدود القومية حتى مع وجود منظمة الأمم المتحدة، بقدر ما كان مهيأ للنزعة التعددية. فلم تكن بريطانيا مستعدة للتخلي عن الامتيازات الامبريالية، كما لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لإرساء تخفيضات كبيرة في التصرفات باعتبار حقوقها القائمة: في حزيران (يونيو) عام 1946، ثم التصويت على قانون تافت ـ هارتلي المتعلق بتنظيم الاضراب ومراقبة حسابات النقابات، وذلك من قبل كونغرس أميركي محافظ وحمائي. إلا أنه كان من المفروض التنبه إلى أن العالم كان بحاجة، ليستعيد نشاطه، إلى "سيولة" بالعملة الصعبة خاصة، أعني بذلك الدولار.

في عام 1947، يبرز توزيع آخر تنفذه السياسة الاقتصادية الدولية ولا يزال مستمراً من نواح عدة: كانت الولايات المتحدة تود أن تعلب فيه دوراً رئيسياً. ثم في 8 أيار (مايو)، وفي كليفلاند، يعلن دين اشستون، أحد مؤسسي مؤتمر بروتون وودز ومشروع ماريشال، والذي أصبح سكرتير الدولة في عام 1949، أن "هناك هبات مالية لم تلحظها حتى الآن المنظمات القائمة، المحلية أو الدولية". وقد تكون هذه الموارد لاحقاً ضرورية لتأمين استقرار العالم الحر.

في خصم ذلك وفي 5 حزيران (يونيو 1946، أطلق الجنرال مارشال سكرتير الدولة، في هارفارد، خطبته الشهيرة. كانت "الهبات" تقدر آنذاك بـ 6 مليار دولار في السنة، وذلك على امتداد سنوات عدة. هذه السياسة لم تتوقف، وبشكل ما ـ إن يكن بشكل هبات قروض، حقوق السحب الخاصة واخيراً بطريقة الدولارات الأوروبية ـ أسهمت الولايات المتحدة في إعادة بناء، وأحياء اقتصاد عالمي كانت تحتاج إليه مثلما كانت تحتاج إليه الشعوب التي ترغب بالتكاتف معها.

ولم يكن التصور الشعبي ليدرك إلا اليد الممدودة أو، عكس ذلك، الرقابة القائمة وتنظيم الأوضاع المسيطرة من قبل الرأسمالية الاميركية. فاستطاعت أن تتمثل تماماً أحداً لازمات التدخل الاميركي: مقابل الحماية العسكرية للحد من التوسعية السوفياتية، تتم في الولايات المتحدة الموافقة على بعض الامتيازات غير الواضحة المعالم، كما يتم تنفيذ الصفقة باعتبارها مروعة. ورغم العديد من التغيرات والعقبات والأوضاع المتقلبة استمر الأمر هكذا طيلة أربعين عاماً. وليس بإمكان أحد الادعاء بعدم استمرارية الترتيب الذي تناول دور الاقتصاد والعملة القائمين، غداة الحرب العالمية الثانية. لا شك حالياً ان الاميركيين الذي حققوا انتصارات على كل المستويات، يجدون صعوبة أكثر في اقناع الآخرين بأنهم لم يستفيدوا كثيراً من أي وضع استثنائي.

أن بعض الأرقام تثبت الوقائع.

منذ ما قبل الحرب، كانت الولايات المتحدة أكبر بلد مصدِّر في العالم، وفي عام 1986، انتزعت منها ألمانيا الاتحادية مكانتها الأولى. إنما منذ عام 1962، أصبحت المجموعة الأوروبية القوة التجارية الأولى في العالم، بحيث تشكل صادراتها ربع الإنتاج الوطني تقريباً في الولايات المتحدة، كانت الصادرات تقدر بـ 3.6% من هذا الإنتاج عام 1938 و4% عام 1964 و9% عام 1986، ويمثل حجم هذه الصادرات جزئاً ضئيلاً جداً من الإنتاج الكلي باعتباره ذا تأثير حاسم على التفكير الاقتصادي في الولايات المتحدة. إنما عندما حدث العجز في ميزان مدفوعاتها، اقترنت ضرورة التصدير مع إزدياد بروز النزعة الحمائية وذلك من خلال التقليل من الواردات! إلا أن هذا الأخيرة لم تكن تمثل سوى 3% من الإنتاج الوطني في عام 1964و 13%ن وذلك على النحو التالي: تجارة خارجية ضئيلة قياساً بأمة كبيرة جداً. وعلى هذا الأساس تتضاءل قابلية عطبها. ثمة اعتبار ان الولايات المتحدة لم تعان ربما اعباء العجز في الميزانية والعجز في ميزانية المدفعوات. أن الافلات من العقوبة المالية الذي حلت فيه الولايات المتحدة أدى بها إلى إهمال أنظمة ينبغي بالدول الأخرى احترامها، إلا في حال زوالها. وإذا كان العجز القائم في الميزانية محدداً كما هي الحال هنا، لقيمة العملة، فإن العجز في ميزان النفقات يكون كذلك أكثر تحديداً، وخصوصاً عندما يتثبت، رغم ازدياد العمليات التجارية.

ليس هناك، واحال هذه، من معجزات. ليس ثمة سوى مواقف قوة تسمح، لبعض الوقت، بالإفادة من الامتيازات. ففي عام 1948، لم تتعد احتياطات الذهب والدولار، خارج الولايات المتحدة أكثر من 15 مليار دولار. وارتفع مخزون الولايات المتحدة من الذهب إلى 24مليار. غير أن العجز في ميزان النفقات الاميركي أصبح، منذ العام 1954، أحد أكبر مشاغل رجالات الدولة. وكي تستمر في زيادة توظيفاتها في الخارج، لآجال قصيرة وطويلة، وكي تتابع فيها انفاقاتها العسكرية، لم تحاول الولايات المتحدة مقابل ذلك بذل أي جهد يتعلق بالميزانية. فلقد فضلت بيع الذهب وخصوصاً إيداع، في الخارج، دولارات كانت تقوم بصكها دون رقيب أو حسيب. هناك العديد من الأساليب الملتوية التي استخدمت، بحيث ساهمت في اخفاء خطورة تتحرك ميزان النفقات عن الرأي العام الاميركي. اضافة إلى أن هذا الأخير لم يكن يرغب بالتخلي عن العملة المستخدمة بهدف التنمية الداخلية، أي تنمية العجز في المزيانية، وحتى القروض الأجنبية. وكانت الدولارات، المشكوك إلى حد ما بأمرها والمتداولة في العالم بشكل نفقات أميركية، كانت قابلة للتحويل إلى ما يعادلها من الذهب. لكن الحكومات الأجنبية لم تكن لتخاطر بذلك، إذ تلك هي سياسة القوة: تمنع القيام بما هو مباح!

الا ان ضخامة حالات العجز الاميركي واستمرارها جعل العديد من رجالات النقد والحكومات يتمنون مطابقة الممارسة مع القانون. ففي عام 1965، أرادت الحكومة الفرنسية آنذاك المطالبة بتسديد الديون الاميركية الجديدة بالذهب وطلب من المصرف الفرنسي تحويل قسم من احتياطي الدولار، إلى ذهب. وبالطبع، قوبلت هذه المبادرة بصيحات الغضب: ثمة دولة تجرأت على اللجوء إلى تدبير شرعي، كي تكشف علناً المخاطر التي يتعرض لها النظام النقدي والاقتصاد الدولي. لم يكن الضغط السياسي كافياً للسكوت عن الممارسات التي يمكن أن يدمر بعضها البعض. في الواقع، كانت الولايات المتحدة تتملص من معايير حسن التنظيم الاداري، الداخلي والخارجي، عندما أمنت لنقدها مساراً مصطنعاً، دون أن يكون هذا النقد مرهوناً بالعمل. ومع اعتمادها على الدولار في تأمين نفقاتها العسكرية في الخارج، كانت تربط الدول باستراتيجيتها، دون أن تمنحها حرية الرأي. ومن منطلق قبولها بالاتبقاء على ديونها بالدولار، كانت الدول تسمح للأميركيين بشراء ما يرغبون به من المشاريع الخاصة فوق أراضيها. وهكذا أصبح تراكم الديون هذا على الولايات المتحدة مصدراً لتضخم مالي عند الدول الدائنة: كانت هذه الديون تودع بشكل سندات خزينة على حساب الولايات المتحدة لتعود إلى الخراج حيث تزيد في السيولة المصرفية. وتبدأ موجهة الدولارات الأوربية، أي العملة التي لم تكن الولايات المتحدة تفرضها لـ "الاوروبيين"، بل التي كانت تغذي السيولة أو تضاعفها في العالم اجمع، حتى أنها تجاوزت مبلغ 1000 مليار دولار‍ ورغم التحذير الفرنسي الذي أطلق عام 1965، استمر هذا النهج الفاسد حتى عام 1971. وبعد تخفيض قيمة الدولار بنسبة 30% لوضعه بمستوى قيمته العالمية، اعلنت الحكومة الاميركية، في 15 آب (أغسطس) 1971، أنه غير قابل للتحويل إلى ذهب. فشكل ذلك نهاية النظام النقدي الذي وضع في بروتون وودز. غير أن هذا الأمر لم يكن يعني بداية التعقل: فذات الأسباب تؤدي إلى ذات النتائج، لذا توجب ترك الدولار يعومن وذلك لأن الولايات المتحدة، القليلة الاهتمام بتقويم ميزانيتها وميزان مدفوعاتها، كانت بالطبع غير قادرة على الابقاء على التكافؤ الجديد بين علمتها والذهب، حتى ولو لم يكن التحويل ممكناً فيه. وهكذا، أصبح الدولار نفسه، مرتكزاً مرجعياً لكل العملات، منذ أن أصبح مرجعاً للمبادلات الدولية، ومنذ ان راحت القوة الاميركية تؤمن له انطلاقة مستمرة في هذه الوظيفة. مذ ذاك، بدأ التضخم المالي يتسارع ومعدلات الفائدة ترتفع. فراحت الولايات المتحدة تدعي ان تراكم حالات العجز عندها هو وسيلة لخلق سيولة دولية كان العالم بحاجة إليها. ولم تكن الدول المدينة، وخصوصاً دول العالم الثالث، ترغب بأن تقوم الولايات المتحدة بضبط الاعتمادات بصورة دقيقة جداً. على هذا الأساس، ارتضت دول عدة بالتدبير المريح الذي تناول الدولار، تارة تبعاً للارتفاع النائي عن ارتفاع أسعار الفائدة، وتارة أخرى تبعاً لانخفاض ذلك.

غير أن الوضع المؤسف آنذاك، آخذ يتعقد: لم تعد التجارة الخارجية فائضة، بعد أن استمرت سابقاً فترة طويلة على هذا النحو، فتمارس الواردات التي نشطها ارتفاع الدولار حتى عام 1954، منافسة رهيبة في السوق الداخلية في حين تتجل الصعوبة في الواردات التي تعرقلت من جراء دولار نشطته بصورة متطرفة معدلات الفائدة المتطرفة هي أيضاً.

وهكذا توطد العزم على "تخفيض قيمة الدولار"، بغية إرباك دينامية اليابانيين والألمان فيما يتعلق بالتصدير الذي يتم فيما بعد ايقافه بواسطة هذا التخفيض المفتعل. هذا ما يجدر بنا تسميته "بسياسة اليويو يبقى أن يقتنع الاميركيون بأن لكل شيء ثمنه، ويبدأ ذلك ببذل الجهد. فبعد ان تستثمر على المدى البعيد ريع الموقف والقدرة التي منحتها إياها الحرب العالمية الثانية، وبعد أن تقبض بمهارة على زمام عملتها الدولية يتوجب عليها أن تحسب حساب منافسين أكثر أهمية منها بكثير في تنظيمهم الداخلين ويرفضون الانصياع للأوامر التي تصدر إليهم من واشنطن.في غضون ذلك، أصبحوا أول مدين في العالم. وهذا موقف مرحلي لا تمكن سياسته بواسطة الارتجال في الداخل والاكراه في الخارج. وبذلك آن أوان بعض المراجعات المؤلمة. فخلال أكثر من أربعين سنة، كانت الولايات المتحدة تسوس العالم، اقتصادياً، وكأنه ملك لها. لكن العالم تبدل ، كما أن فترة السلم الطويلة التي غمرت قطاعه المتطور اقتصادياً، أباحت لدول عدة، وخصوصاً أوربا، الارتقاء إلى مستوى الولايات المتحدة، التي ينبغي بها الاقتناع ان السهولة التي أفادت منذ عام 1954 أصبحت الآن في طور الاضمحلال. لقد كان الرأي العام الاميركي أقل ادراكاً لهذا الامر، سيما وأن القادة لم يسارعوا قط إلى الاصرار على الحريات المكتسبة انطلاقاً من العلاقة مع حسن تدبير عادي. إن الاقتصاد هو موطن المعجزات والخدع. وهو أيضاً مجال مكابرة الرجال وهبات السماء. فالرجال الاميركيون اقوياء وقد حبت الطبيعة بلادهم بالشيء الكثير. يبقى انه ينبغي حراثة الحقل الوطني مع الكثير من الكد والعرق كي ينسحب ذلك على سطح الأرض كافة.

يتوجب على المسؤولين عن مسيرة هذه الجمهورية الهامة أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: "هل نشكل اقتصاداً مسيطراً؟" غداة الحرب، كان الجواب قطاعاً: المزيد، في كل شيء، من الطاقة، المبادلات، الإنتاج الصناعي والزراعي كان كل ذهب العالم تقريباً بين يديهم، وفائض في ميزان النفقات، اضافة إلى زيادة هائلة في الصادرات، واحتكار ذري، على الصعيد العسكري. كانت حياة المواطن الاميركي مثالاً يحتذى، ونموذجاً للحياة الناجزة غير المنقوصة، ان يكن من ناحية المبادرة أم من ناحية تنظيم العلاقات البشرية. كان هذا يعتبر فعلاً نوعاً من عنصر ذهبي راحت تتعاظم فيه، شرعاً، نزعة التصوف عند الجماعة. إنما ما هو اليوم جواب المسؤولين؟.

إن يكن هناك قوتان عظيمتان ـ الروسية والاميركية ـ تتقاسمان في العالم سلطة، مؤكدة لكنها لا ترتكز على دعائم ثابتة. إن كان يتوجب على الولايات المتحدة، منذ زمن بعيد، ان تختار بين أولوياتها، نفقاتها، وسائلها، وطموحاتها، بمعزل عن التسهيلات التي يقدمها إحياء النظام النقدي الدولي. وإن استخدمت حالات العجز، طبقاً للفرك الاقتصادي الانكلوساسوني، بغاية زيادة السيولة النقدية الضرورية للتوسع في العالم، لكنها تبقى قادرة بسهولة على استرداد عافيتها. إلا أنه يبدو أن هذه التضحية هي شديدة التأثير على المجموعة، كي تكون مستساغة، إنما، أليس ممكناً مع ذلك ممارسة التفنن بهذا الانفاق المربح من قبل هذه المجموعة بالذات، عندما يكون "تأثير سيطرة" الاقتصاد الأمريكي أقل أهمية.إن التركيبة السياسية العسكرية المعقدة هي التي تفتح الطريق إلى ذلك. ولم يكن بالإمكان الحصول على الكثير من الموافقات، لو لم تتزامن مع وجود الوفاق والوصاية السياسية، ولو لم تمتد الحماية العسكرية إلى بلدان عديدة. والانعزالية، مع افتراض امكانية وجودها في نظام التكتلات الذي تأسس منذ أربعين سنة، ترجع الاقتصاد الاميركي إلى تدبير أكثر أفضلية، لكنها ترجعها كذلك إلى تطلعات أقل اغراقاً في ظلال القوة.

أصدقائي الاعزاء، كونوا أكثر رصانة: بكل حال، سوف تحتاجون إلى ذلك، مما سيعود علينا جميعا بالفائدة. نحن لا نتمنى زوالكم شرط ان تستخدموا قوتكم بصورة متكافئة مع قوانا.

المحروووم
06-10-2003, 03:18 PM
الفصل الرابع

أين انتصاراتك يا أميركا؟

"دخلت حياتي، دون أشعر". اغنية كان يترنم بها أجدادنا على أنغام فالس متثاقل وشعبي. بصورة مفاجئة وبالترفق مع الاصرار والعناد، أدت القوة إلى اصابة الروح الاميركية بذات الدوار. في هذه الأمة الخاصة جداً، التي أجّل الله زمن ازدهارها حتى نهاية القرن الثامن عشر،كانت الفضيلة صاحبة الصدارة، مع بساطة عذرية. من الخارج، كان هذا المشهد مؤثراً جداً بحيث يبدو الناس صادقين، والحقائق مموهة بصورة نموذجاً دون أن ستوحي منه شيئاً. إنما ما من أحد أراد التعرف عليه الا في ضوء هذه الأنوار الساطعة التي تنير روحه. كان الامتحان سهلاً بشكل لا يدعو إلى العجلة: كانت الجغرافيا تبتعد أكثر مما تقترب. كما كانت عمليات الهيمنة، بغير الصواريخ، تسبب الأذى لذاتها. وفي قارة خالية من أي تنافس،وبمعزل عن الجيران خلال فترة قرنين، كانوا يمجدون السلام، ويقدمون أنفسهم كمثال على ذلك، متناسين تصفية الهنود، في حرب أهلية من أشد الحروب ضراوة، والتسابق السار للاستيلاء على الأراضي الذي ميّز الجمهورية الجديدة طيلة القرن التاسع عشر.

يقال إن الأمم بحاجة إلى التخيل. فلم هذه الجمهورية الجديدة محرومة من ذلك، سيما وأن أحداً لم يعكر صفو سكونها. واضطررنا إلى انتظار مجيء كارتر، عام 1976،كي نسمع من فم الرئيس هذا الاعتراف المشرف حول تعقد العالم "كما هو". فالاعتراف كان اعترافاً لحقيقتين في نفس الوقت: ليست أفضل التطلعات بقادرة على إثبات السياسات الجيدة. فالنموذج الاميركي كالم بشكل إنه يتوجب اناة لا متناهية كي يطبق على باقي الأمم…. هذا إذا كانت ترغب بذلك. في غضون ذلك، كم ثمة من تطلعات، من أخطاء ومن إدانات! تطلع نحو تلقين الآخرين درساً، جاعلين من أنفسهم مثالاً. تطلع كذلك إلى وضع مميز، سياسي ـ ديني، يؤدي إلى عدم الانزلاق، ويؤمن الاحساس بالصوابية "لو لم يكن لنا وجود، فأية أمة أخرى في العالم، ستدافع عن الحرية؟"، هذا ما صرح به الرئيس جونسون، عام 1968، ولم يكن ذلك سوى بديل عن مزاعم وأقوال كل الرؤساء السابقين له واللاحقين وصولاً إلى "الحق التاريخي بالوجود" الذي أطلقه الرئيس كارتر. كان ثمة أخطاء في التحليل والوسائل المتبعة التي تبقى المغامرة الفيتنامية البائسة الشاهد المتكامل عليها. وإدانات عنيفة تطال أصدقاء، مذنبين لنهم لم يدركوا الحق والصواب في كل عملية تدخل كان غلاباً يتخذ القرار بشأنها دون مشورة، كما ولو كان يكفي الادعاء بممارسة المسؤوليات ليتم بمباشرة تبرير الأمر! وهكذا تقترن شدة السذاجة ازاء المنظور التاريخي مع عنف لم يقمع قط. فعمليات القصف العشوائي، أثناء الصراع العالمي الثاني، أرست هذا الشعور عند الناس المكابدين.وليست الحرب التي يقودها الملائكة بأقل وحشية.

لقد اقتنع الاميركيون ـ وربطوا اعتقادهم مع اعتقادات أخرى كثيرة ـ إن الحروب الأوروبية، بين 1914 و1939، أقحمت جهازهم الدفاعي في تجربة القوة. إلا أنه من العدل الاشارة إلى ان طموحهم كان كبيراً جداً، منذ سنوات ولادتهم الأولى. أيمكن ان يكون الأمر مغايراً لو وضعت هذه الولادة في كنف الله والحق؟ كتب ج. بفريدج، وهو إمبريالي معروف في نهاية القرن الماضي وسيناتور عن ولاية أندينا، كتب قائلاً:

"يجب أن تكون التجارة العالمية، وستكون لنا…ولسوف نحصل عليها…سنغمر البحار بمشاة بحريتنا سنبني اسطولاً يليق بعظمتنا. هناك مستعمرات ضخمة، تحكم نفسها بنفسها، ترفع رايتنا وتعمل من أجلنا، ستشكل منارة الهداية لطرقنا التجارية. أما مؤسساتنا فستتبع علمنا معتمدة على تجارتنا. كذلك سترسو العدالة الاميركية، النظام الاميركي، الحضارة والعلم الاميركيين على الشواطئ الملطخة حتى الآن بالدماء، والموحشة،والتي ستصبح لاحقاً متألقة، بفضل عناية الله. قبل ذلك بحوالي ربع قرن، أي عام 1845، كتب غوردون بني، في صحيفة نيويورك هيرالد: "اليوم،يحتاج رواد الحضارة إلى أراضي بعيدة، تمتد حتى شواطئ الباسيفيكي. من الواضح، بالنسبة لكل إنسان مدرك، إنه لابد من أن تكتسح اسلحتنا قريباً، نصف الكرة الأرضية، من الأراضي المعزولة الجليدية في الشمال حتى مناطق الجنوب الخصبة والباسمة".

بين الولايات المتحدة والقوة صحبة قديمة جداً رفضت ادراج تاريخها في الوعي الجماعي. ولأن التاريخ لم يدون أياً من الجانبين فإنه لم يحسب حساب القوة. كان يكفي اعتبارها نفعية. ورغم الصدع الذي سببته الحرب الأهلية المميزة، لم تأت اية ضبابة للتعتيم على حضارة لم تكن تستعجل إكتمالها كثيراً باعتبارها مبنية على ثوابت يقينية.حتى إن أروع الخطب لم تكن نتيجة الفعل، بل نتيجة الانقياد وراء هدف ذي أهمية طبيعية. ثمة صراعان عالميان، التقيا مؤخراً وبوضوح فعلي مشرق، وضعا تاج سيامة المسؤولية العالمية على رأس كل من وودرو ولسون ("اتمنى ألاّ ننسى أبداً إننا أوجدنا هذه الأمة لخدمة الجنس البشري"). في عام 1941، كتب هنري لوس، الناشر الشهير لمجلات "فورتون"، "تايم" "ولايف": "يتوجب على الشعب الاميركي تحمل مسؤولية النظام العالمي الجديد، حيث سيعم السلام بقوة القانون الذي سيؤدي إلى توسع اقتصادي جديد، ضمن إطار الديموقراطية".

ولم يحدث أي تردد في إرتداء ثوب الفضاء الأرجواني الا في فترة ما بين الحربين. هُزمت ألمانيا الامبريالية، أُزيل خطر الهيمنة على أوروبا، وأصبح المحيط الاطلسي حراً، كما يفترض ان يكون. لقد اختفى تهديد الجوار، فلماذا التدخل في الوقائع المعقدة التي كانت تشكل خبز الشعوب الأخرى اليوم؟ لقد أشار مؤتمر فرساي إلى أن وكر الزنابير الأوروبية كان يهتز بإندفاع غريب. أما انعزالية المرحلة (1940 ـ1920) التي عززتها هموم الآخرين ـ إنه التطرف الاميركي ـ دون الشعور بالندم أو بالخطر. كان يفترض الاقتناع سريعاً، بأن "العزلة الرائعة" ستصبح تدريجياً غير ممكنة وإنه ينبغي، لأسباب عديدة محتملة، القبول بتكهن تيودور روزفلت هذا، الذي اعلنه في بداية القرن: "علينا ان نلعب هذا الدور". إنما هل يتم ذلك كما في الماضي، من خلال بعض النزاعات ذات الفائدة في كافة القارات؟ أو أنه ينبغي سلوك درب القمم حيث تقوم التجارب بتقوية الروح، وبالمقابل،إتلاف الجسد؟ متى عرفتم، اصدقائي الاميركيين، ان نزوة وغضب وحرد الاولاد الذين افسدهم التاريخ المتسامح، بسبب قصر مدته، كانت آنئذٍ ممنوعة عليكم؟ يبدو ان الأمر جاء متأخراً جداً. أيمكن أن تكونوا غير مقتنعين بذلك؟ وباستثناء الحماقة التي ارتكبها اليابانيون في بيرل هاربر عام 1941، دفعتكم الحرب العالمية الثانية، التي انخرطم فيها بصورة أكثر حذراً إلى القيام بتحيات هائلة. لكن ذلك ضاعف مجدكم، ثروتكم وقوتكم. إنما ما هي السلطة العظيمة التي سالت من أجلها الدماء الكثيرة! لقد كانت الطريق ممهدة من أجل سلوك أسهل الطريق المؤدية إلى السيطرة على العالم، بحيث يكفي أن تطلبوا كي تلقوا آذاناً صاغية، وحتى يستجاب طلبكم. ربما ما زلتم تعتقدون أنكم قادرون على اتخاذ مركز الصدارة هذا، الذي تلقون منه كلماتكم وكأنها قرار أو أمر؟

وها أنتم، في عام 1986، تشكلون، نهائياً، جزءاً من المصير المشترك، وهو المصير العاجز عن التقدم، التراجع أو التجرد، دون ان يدفع من دمه، من عرقه ومن دموعه، ثمناً لهذه الحركية التي تسميها الأمم كرامتها وعزتها ـ بتحديد المعنى،أليس كذلك؟ ـ

عندما قلت، عام 1973، لهنري كيسنجر إنه لأسهل على المرء ان يكون سكرتير دولة في بلده من أن يكون وزيراً للشؤون الخارجية في فرنسا، بدأ لي غير مقتنع بذلك.

كانت أوروبا تقلقه. كان يجهل كيف يتخلص من المستنقع الفيتنامي.كما كان النزاع بين الباكستانيين والهنود يكاد يبلغ حد القتال. في حين أخذت أزمة الدولار تشتد، وراح السوفيات، من خلال رباطة جأشهم، يحرزون المزيد من التقدم في هلسنكي. لكن وضعها كأكبر قوة عظمى يعني، رغم كل شيء، أنها في عصرها الذهبي. لقد كان يعمل من أجل الحلفاء الذين بدأوا يتذمرون. أما نحن فكنا خالي الوفاض وان علينا ان نخادع..

إننا نعلم، ونردد كثيراً، أن القوة تستتبع القوة. إنما ثمة طريقتان لإدراك ذلك. من مزايا السلطة أنها قد تتعزز كلما طال بقاؤها: إنها وسيلة اتباع أقصر الطرق في الارتقاء المنهجي نحو التفوق أما التفسير فمرده إلى الصعوبات القائمة، وليس للمزايا. وأكبر دليل على ذلك هو سباق التسلح الذي يبدو أكثر أقلاقاً للرئيسين ريغن وغورباتشيف من اسلافهما: من أجل استمراريتهم لا يحلم أصحاب السلطة إلا بأن يكونوا أقوياء على حساب جهود ومخاطرات خاقة. هذا هو اليوم المنطق العام والحتمي الذي يجتاح الولايات المتحدة. بالامس، عندما كانت تتنصب على قاعدة المبادئ الأساسية، منزهة عن الخطيئة والفشل، حاملة بفخر إنما بلا كثير مبالاة رسالة إلية ألزمت نفسها بها. كانت تتوهج في تجرد، نافع بجمله. إنما بعد مرحلة انتقالية دامت أربعين عاماً، منذ 1954، تضطر إلى البرهنة عن صلابة وجلد كانت تعتقد أنهما لن يكونا ضروريين. فها هي الان، بعد أن أخذ منها دوار القوة الرائع كل مأخذ، تستقر في درب واسع لا يمكنها التراجع عليه،دون أن تطمئن إلى امكانية تقدمها. إنه موقف لا تحسد عليه كثيراً يقدوها إلى تأمل مزدوج، أو إلى حساب مزدوج، في الفوائد المكتسبة والعقبات القائمة. ومع هذا السؤال المحرج: كيف يمكن تطبيق مثل هذا الطموح الرائع في الخارج، دون المخاطرة بالقوة الداخلية؟ لقد وقع كل من كنيدي، جونسون ونيكسون تماماً في هذه الحيرة، لدرجة إن الرأي العام، لدى تساؤله حول نفسه، أصبح عاملاً محدِّداً في السياسة الخارجية التي لم تكتسب منه، ولفترة طويلة، سوى اللامبالاة: وكانت سنوات حرب فيتنام العشر كافية كي يدرك المواطن ما كان يحدث باسمه، وكي يفضي إلى عمق الهوة الغريبة بين البواعث التي يقدمها الرؤساء والنتائج الحاصلة. لقد كان للرؤساء الثلاثة المذكورين أعلاه ذات المقولة تقريباً. ها أن جونسون يقول: "لو لم يكن لنا وجود… فأية أمة أخرى في العالم…ستدافع عن الحرية؟" لكن هذا الوجود كان يعني الانتهاء إلى سلسلة طويلة من الأخطاء وخصوصاً إلى فلسفة التدخل السافر والشامل، وقد لا تؤدي ممارسة هذا التدخل المستمر ضد الحقيقة الواقعة الا إلى الفشل. فبعد انتصابه فوق منصة المشاعر النبيلة، مؤكداً باسم الإنسانية مناقبيته وأصابته في الصميم. واليوم يوجد حلفاء تحدوهم الجرأة إلى القول بصوت خفيض: "هل ما زلتم تشكلون قوى عظمى؟" تكمن الإجابة على هذا السؤال في رغبة الألمان الملحة التي تحثهم على الاشتراك في اجتماعات السلام التي أعلن عنها غورباتشيف حيث يأملون التوصل بحنكة إلى استعادة وحدتهم.

مآثر القوة

هذه المآثر موجودة، وإلا أدت التجربة إلى ارساء الغرور المطلق. فليغفروا لنا هذه الملاحظة الديكارتية و.. الصحيحة دون شك. لدى التوصل إلى هذه النتائج التي تبدع الديموقراطية الاميركية في الحكم عليها، إرتجالاً كي تتملص منها بصورة سريعة، يكفي تبيان ما يلي: كيف لا يزهو الاميركيون ويفتخرون من كونهم طليعة العالم، مع شعورهم الثابت بأنهم أعدوا سلفاً لذلك، ومن كونهم قاموا بذلك باسم حرية المواطنين الطبيعية، يشاطرهم هذا الشعور غالبية سكان الارض، بحيث يجدون بالنتيجة أنهم محقون في ذلك حتى في أحرج الأوضاع؟ هذه الرفاهية الخاصة بكل فرد تعتبر عاملاً مميزاً، في المغامرة الجماعية وأعني بها الأمة. لاحظوا كم أن ذكرى النازية تعذب الالمان بصمت مثلما لاحقت العين قابيل أثر قتله لأخيه!

إن عالم الإنسان تحكمه بعض المناهج المنطقية البسيطة جداً. فالانعزالية الاميركية لا تكشف عن نزوة، بل عن تقدير صحيح لاحتمالات المرحلة: لقد انفرضت ممارسة التحفظ الشديد من أجل الاستقرار على الأرض، وتوسيع دائرة النفوذ وعرقلة الطموحات الاوروبية، وتأسيس اقتصاد قادر على احتلال السوق الوطنية ومواجهة المنافسات الخارجية.ك تلك كانت الخطوة الأولى في الصعود باتجاه القوة. وربما تصبح، بعد عدة سنوات، أول خطوة نحو الانحدار..
منذ عام 1945، أصبح التدخل سافراً. هناك دلالة واضحة أكدت على انتشاره تتمثل في القنابل الذرية التي ألقيت على ناكاساكي وهيروشيما. أما المبدأ الذي اباح ذلك فهو مبدأ ترومان، نائب الرئيس الذي دفعه موت روزفلت في نيسان (أبريل) عام 1954 إلى سدة السلطة، متحملاً مسؤولية مزدوجة تتمثل في القاء القنابل الذرية الوحيدة خلال القرن، ونتمنى ان يتوقف الأمر عند هذا الحد،وفي التوصل، من خلال ذلك، إلى استنتاج سلوكات أميركا الجديدة. هذا المبدأ الذي اعلنت عنه الرسالة الرئاسية الموجهة إلى الكونغرس، في آذار (مارس) عام 1947، كان وليد الالحاح والاستعجال. وبينما كان التسريح الأمريكي للجيوش يتم على قدم وساق، كانت اليونان وتركيا مرغمتين على التكاتف لمقاومة الضغوطات السوفياتية التي راحتا تتعرضان لها في البحر الأبيض المتوسط. هذه الاجراءات المنظمة التي تتناول التعاون السياسي ـ الاقتصادي، لها تفسير شمولي ويسهل فهمه. لقد فسّر ترومان ذلك من منطلق:

"مساعدة الشعوب الحرة في الحفاظ على مؤسساتها وتكاملها الوطني ضد الحركات العدوانية التي تحاول ان تفرض عليها أنظمة سياسية كليانية totalitaires". ولن تبخل الوقائع العالمية في خلق هكذا مواقف. فكلما اهتز السلام،في أي مكان من العالم، يكون أمن الولايات المتحدة عرضة للتهديد كذلك، كان ينبغي عرقلة التطلعات السوفياتية إينما كان. إن مذهب "الاحتواء" هذا، الذي أمكن له أن يكتسي بنوع من البراغمائية البسيطة وببعض القياس، قُدم للشعب الاميركي كعامل حاسم في النضال ضد الخطر الشيوعي. اذاً كانت المواجهة قائمة بين نظام ديموقراطي ونظام كلياني. لم يكن المقصود تقنية ديبلوماسية، بل افكاراً، بسيطة وحيوية. في الواقع وإثر انقلاب سياسي، عام 1984، راحت تشيكوسلوفاكيا تتأرج في المعسكر الكلياني، وكانت برلين عرضة للحصار السوفياتي، كما تم في عام 1949، انتصار ماوتسي تونغ على تشان كاي تشك. وابتداء من حزيران (يونيو) عام 1950، أكد العدوان الكوري الشمالي على أن ثمة عمليات عسكرية راحت تنضاف إلى التخريب الشيوعي. كما هو مألوف في السياسة الاميركية لم تكن الأقوال الطنانة حول المبادئ تردف بالأفعال المؤثرة. هنا ترجح كفة نوع من التهيب المبدئي: لم يكن ترومان يسعى إلى "الحرب الباردة" بل هي التي سارعت إلى موافاته، تبعاً للتحديدات التي أطلقها.

المحروووم
06-10-2003, 03:21 PM
لم يكن مستصعباً توقع الأحداث اللاحقة، رغم حكمنا المتأخر عليها! وكانت شروط أية هيمنة في أوربا (بالأمس فرنسا، انكلترا، والمانيا) تعني وجوب تحولها إلى هيمنة أميركية، منعاً لكونها سوفياتية. إضافة إلى ذلك راحت التكنولوجيا تحدد الوقائع الجغرافية المعتادة: والأكثرها ديمومة ـ فكان الحلف الأطلسي (اتفاقية الأطلسي الشمالي التي أبرمت في 4 نيسان (أبريل) عام 1949) الذي ألزم الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا الغربية. ويدفعنا الانصاف إلى القول أن الدول الأوربية، التي أخافها الضغط السوفياتي على برلين، طلبت بصورة ما، مساعدة الولايات في حين كانت هذه الأخيرة غارقة في أحلامها الانعزالية البالية. وكان لابد لهذه الاستعانة ـ المرتبطة بظروف موضوعية، على حد قول أحد الماركسيين ـ من أن ترسخ لدى الاميركيين اليقين بأن ساعة القوة، أو "القوة العظمى" قد أزفت بالنسبة إليهم. ينبغي ان تقوم مصالحنا بصياغة التزاماتنا"، هذا القول سيطلقه لاحقاً ريتشارد نيكسون. لا شك بأن الأولى مدعاة للثانية، دون أدنى إشكال، لأن الولايات المتحدة، الشديدة التحفظ ازاء أي ارتباط خارج قارتها، ابرمت طيلة 12 سنة، من أوروبا إلى اليابان، اتفاقيات الدفاع مع 42 دولة.

وفي عام 1957، تم مع الدول العربية التعهد بالمساعدة ضد الانقلابات الداخلية! كم هي مريحة وكبيرة مظلة القوة الاميركية هذه. حتى أن فيتنام الجنوبية بدت معينة بالأمر، وكأن التاريخ كان مسبقاً يهيء هذه المخادعات الوقحة التي أصبحت ديدنه.

هل سئلت الولايات المتحدة أو شركاؤها، يوماً ما، عن قدرتها على التقيد بهكذا التزامات أو ابرزها؟ بالطبع لا، حتى ولو ثبتت فكرة المساومة على انخراطها في دول العالم الثالث، المعوَّضة عن ضعفها من خلال عملية تغير مدبر ومتعمد.

إننا نلاحظ تماماً الميزة الحسنة التي يتمتع بها هذا النسق من التحالفات (حلف شمالي الأطلسي، حلف اورستراليا، نيوزيلندا والولايات المتحدة A. N. Z. U. S. منظمة حلف جنوب شرق آسيا O. T. A. S.E حلف المحور. C. E.N.T.O، اليابان كوريا، الصين، والشرق الأدنى): أصبح تنظيم القوة الدولية، مع أسسها وامتيازاتها، سهلاً ورسمياً. لكن التطرفية الاميركية، مع عملائها، لمتكن لتستمر. وإذا كان الأمر يتعلق بالقوة الاقتصادية، فإن الوجود السياسي يتحول إلى وجود وسيط مستقيم يحمل منتجاته. وماله.هذا السيناريو، المستحدث بالنسبة للجمهورية الأمريكية هو قديم قدم العالم. لن نتكلم عن التبعات المترتبة على ذلك، كما لن نسارع قط إلى وصف الأشباع الذي يحدث. فنحكم على أنفسنا مجدداً بأننا أصحاب فضيلة بدل كوننا من ذوي الرأي. في عام 1960، يصرح جون كنيدي بكل اعتزاز: "سنواجه أي عدو كي نؤمن استمرار الحرية وانتصارها"، علماً أنه، عندما اغتيل، لم يعرف كيف يسيطر على أقواله مثلما عرف كيف يقدر أفعاله. وفي الخمسينات، حركت حرب كوريا الترتيبات التي صممها ترومن الذي لم يكن يتوقع لها هذا النجاح. وفي الستينات تتقبل فيتنام بدورها، إلى حد ما، على الفز اقتراحات كنيدي إلى حد توريط الأمة في حقول الأرز في كوشينشاين.

هذه الأخطاء في تقدير نتائج أية سياسة تفسر بأنها خطأ في الحكم على الأمور:

كان ينبغي أن تؤدي قدرة الولايات المتحدة الامبريالية، الثابتة الرسوخ ودون كبير عناء، إلى توقع الانهيار المحقق لنظام الشيوعي. وباعتبار متجذراً في إنحرافه (وقد "بقي شراً مطلقاً" حتى عهد ريغن) كان الاتحاد السوفياتي، بطل التخريب العالمي، معداً للممارسة الفساد الداخلي من خلال دهائه وميله إلى الأذى. هذا الاعتقاد تبدد فعلاً. فإذا بكبار الرأسماليين، من أمثال دافيد روكفلر وآرمان هامر، وإذا بأشخاص وسطاء كصموئيل بيزار، يحاضرون في التضامن، الباحث على أي تغير في المجتمع السوفياتي. إنما إن يكن في الأمر تريث أو تحرك كانت القوة أفضل لوح للقفز يمكن اعتلاؤهن، وسط حشد من الانصار، لا سيما وأن التدخل كان سافراً، بين حرب كوريا وحرب فيتنام، أي خلال ما يقارب 25 سنة (1975ـ1950). ومن الالتزامات المجردة، تم الانتقال إلى الالتزامات الأيديولوجية، قبل الرسو على الوقائع الثابتة التي أحاطت بعصبية الاميركيين الوطنية بحيث لم يتوصل السم الشيوعي بالمقابل، إلى السريان في الروح الروسية.

في سبيل هذه الحركية العالمية، كانت الحكومات الأمريكية تختار بذكاء مسألة شاملة قدر الامكان: النظام الديموقراطي ضد النظام الكلياني، الحرية ضد الظلم والاستبداد. وهكذا، كان التدخل يجد دائماً تفسيره المعقول والمقنع. فإن كان ثمة أي نزاع في الولايات المتحدة، فهو بين الواقعيين،الذين تقلقهم الحيطة خوفاً من الفشل وبين الانفعاليين، بمن فيهم عدد كبير من "الانعزاليين" الذين كانوا يعتبرون التدخلات ضد الشيوعية متباطئة جداً أولا تفي بالغرض، وخصوصاً في الصين. وكان ترومان يعي هذا الأمر: فمع رفعه راية مناهضة الشيوعية، كان يجذب المتمسكين بالانعزالية ويضللهم، مانعاً إياهم من التوصل إلى أية أهمية سياسية. ولم تكن القوة تمارس صلاحياتها في الخارج فقط، ولا شك بأن حرب كوريا أدت إلى المكارثية الرهيبة: كان كل من دين اشيسون، سكرتير الدولة، جورج مارشال، سكرتير الدفاع وهاري ترومان نفسه، عرضة للشبهات مما اضطرهم إلى تبرئة أنفسهم، خصوصاً أية سياسة خارجية قد تكون شديدة المواءمة للشيوعية! فتتم بحماس تبرئة ساحة الإدارة الاميركية، ويكون من نتيجة ذلك تحطم حياة الكثيرين بسبب اتهامات لا إثبات عليها. الا أن هذه الأزمة منحت السلوك الخارجي دعم الانعزالية اليمينية غير المتوقع. أما الحرب الاخرى، أي حرب فيتنام، فقد أحدثت دون شك ضرة يصعب على أية المعارضين بصورة عرضية، إذ كان يفترض الاجابة على تساؤل شعبي: ما هي مصالحنا وكيف ندافع عنها؟

وبعد سنوات مشرقة في روعتها، كان يتم تقبل مستلزماتها بصورة عمياء وما في القلب على الشفاه، ها أن تصدع الروح الوطنية يزداد اتساعاً، في خضم الظروف الغامة والصور المحطمة، مما يعني أن ثمن مآثر القوة كان غالياً، وربما غلياً جداً. لقد تم دفع هذا الثمن على الأقل وللمرة الأولى، بصورة مؤلمة.

مصاعب القوة

ربما كان أول ضحايا هذا الشعور هو لندن جونسون، الذي بدت نهاية حياته وكأنها خيبة أمل، في العزلة السياسية. كان نائباً للرئيس، وانتخب عام 1964 خلفاً للمغدور جون كنيدي. وكان يعي متاعب المسألة الفيتنامية التي لم يستشعرها كنيدي مطلقاً لقد تقيد بسياسة لم يكن قط يرغب بالالتزام به. ففي عام 1968، أحجم عن ترشيح نفسه ضد نيكسون وكأنه يرى بأم عينيه حالات الغضب عند الرأي العام ومأساة الضمائر. قد يتمكن أي بلد كبير من الاستغناء عن ملذات وضعية الهيمنة. إلا أنه في ذروة أمجاده، كان مثقلاً أيضاً بالقيود. وفي لحظة إنسحابه، أطلق جونسون مقولته الشهيرة: "لو لم يكن لنا وجود، فأية أمة في العالم… ستدافع عن الحرية؟" فكان ذلك وكأنه صدى لتصريح رئاسي آخر: "تخيلوا ما كان سيحل بالعالم، من غير الولايات المتحدة!". لهاتين الجملتين وقع حسن بشكل أنه، بدلاً من الشعور بأنهما تعاظميتين، علينا أن ندرك أنه لم يكن أمام القادة والشعب الأميركيين إللا أن ينزعوا فيهما نحو تبرير تصرفهم العالمي. إنما يا لحتمية الارتباطات التي يخشى من نتائج الأكثر وضوحاً بينهما، والتي مني اغلبها بآلية قلما أمكن ملاحظتها! وفي معرض حديثي عن جونسون، ذي الحظ العاثر، اتوقف برهة عند المقولة التي أطلقها عام 1986و.و. روستو، الذي كان مستشاره للأمن القومي. فمن أوستن، في تكساس ، حيث يدرس الاقتصاد السياسي، تتبين له إمكانية القوى العظمى في الانتقال الهادئ نحو علاقات جديدة، إنطلاقاً من الحرب الباردة التي استمرت هذه القوى بالتعامل معها. فليستجب الله له! فربما تكون نهاية السباق على السلاح النووي، حسب روستو، التي قد تعيق انتشارها بين البلدان الأخرى، واعادة تنظيم "الناتو" O.T.A.Tواتفاقية فرسوفيا، التي قد تعطي المزيد من الحرية لاتباع الفريقين والاتفاق على وقف الصراعات الإقليمية، ربما تكون هذه التوجهات الثلاثة حاسمة ومقنعة بغاية التوصل إلى عالم منظم، إنما مجرد من روح المنافسة. يكتب روستو قائلاً: "أن أميركا الراسخة القوية، إنما اللاعدوانية، التي لها قسطها من الوجود في العالم، والمدركة لحقيقة مصالحها الخاصة ومصالح الآخرين المشروعة، قادرة على تسهيل هذا الانتقال وتأمينه إزاء المسؤولين السوفيات". وبالتالي، هل يكون ذلك ممكناً؟ أو لم يصبح هذا التطلع نحو الاعتدال الفعلي معقولاً الا بعد أربعين عاماً من الحرب البادرة؟ هل كانت تلك السنوات ضرورية أم أنها ضاعت هباء؟ يجيب روستو، بصورة ما على هذين السؤالين بجمل تلقي الضوء الشديد على كلية الموقف الاميركي منذ عام 1945: "هل يمكن أن يكون للولايات المتحدة، كمجتمع، سياسة عسكرية وخارجية ثابتة إلى حد معقول؟ منذ عام 1945، ونحن نتذبذب بين الأوهام الغامضة والجهود المحمومة التي تأخرت في إيقاف، أو حسر، مبادرات السوفيات التوسعية المندفعة لاستثمار تلك المراحل في قصر النظر الاميركي. فمن خلال مجهود متباطئ في سيره، مضطرب وتنتابه فترات من الاحتجاب، فرض بقاؤنا تكاليف باهظة على البشرية،وعرضها لمخاطر جسيمة، في عصر نووي. وينبغي بعد أربعين سنة من السلوك الدوري، ان يتمكن زعماء الحزبين السياسيين من الاتفاق على ضرورة ارساء سياسة عسكرية وخارجية مستقرة وطويلة الأمد". هذا كل شيء، أو تقريباً كل شيء. ولو لم تكن تجربة القوة تقتضي سوى المآثر، لما أسهبنا في الكلام عن هذه الأخيرة. لكن المصاعب كانت من الاهمية بمكان فلننظر في أمرها.

أول المصاعب، وأكثرها خطورة، هو القلق الذي ترسخ مؤخراً في النفوس، التي بقيت مطولاً خاضعة ولا مبالية إزاء ارتجال المسؤولين ومزاجيتهم. لقد كان التفخيم في الكلمات التي تتكرر دائماً يشكل الجسر الذي يربط بين الافعال المتناقضة أو العشوائية، التي لم تكن قط مطابقة للمقولات المطروحة. فمكان ينبغي انتظار الليل الفيتنامي الطويل، المقترن بالفوران القلق الذي ينتاب المجتمع في رغباته وطموحاته، كي يؤدي تلف الروح الشعبية إلى الأزمة السياسية، خصوصاً إلى ريببة أميركا أو عدم ثقتها بمستقبلها. وتم التهليل القدوم ريغن وكأنه فجر "النهضة" إنما تبدو نهاية ريغن بالذات و:أنها توحي بأن هذه الظاهرة لم تكن سوى إحدى مراحل "قف ثم أمشِ" ـ وهذا ما نسميه الفالس المتردد ـ التي تنتاب التشوش الاميركي الهائل. فليس ثمة رفض لقيام الحرب فقط، بل لم يكن بإمكان السلطة اللجوء إليها، وان تكن راغبة بذلك.

أما الصعوبة الثانية. فاستمرت في ارخاء ثقلها على نظام عمل الديموقراطية: لم يكن بالإمكان التوصل مع وتيرة بهذه السرعة وتأمين أفضل الشروط للسلطة التشريعية، من أجل المبادرة والرقابة المنوطتين بها. في الواقع، وإن يكن ذلك بلباقة أو بدونها، يحتجب الكونغرس، الكثير الانغماس في الترهات ازاء الشؤون الداخلية، ليترك الطريق مفتوحة وحرة أمام السلطة الرئاسية ولسوف يستمر الوضع هكذا حتى العام 1970، حيث تجرأ الكونغرس بصورة ما، على وضع بعض العراقيل أمام مبادرات الرئيس. وكان يفترض حصول مفاجأة إيران غيت كي يتأكد من سهولة امكانية تحويل رغباته ومحاذيره: لم يكن كافياً تحديد الاعتمادات التي كان يطلبها الرئيس لتعطيل مبادرات! لقد كان ذلك مدعاة إلى ار ساء بعض1 الاوضاع الغريبة التي لم ينعتها الجدل المؤسساتي (أو الشعب) بالانعزالية أو بالوجود الخارجين بل فقط بنسبة التدخلية التي ينبغي، بواسطتها، أن تظهر قوة الولايات المتحدة. إنما دون شك يستمر التركز في نفس النقطة، وذلك بسبب العجز المستمر عن تحديد المصالح القومية الحقة، ولو بصورة تقريبة.

وتؤدي الصعوبة الثالثة،التي تفرضها ممارسة القوة على اي بلد، إلى إفساد الرأي العام: بعد تفوقه في تجاربه، ينتقل هذا الأخير بسهولة من حال الغطرسة إلى حال التخاذل. فعندما وضع "القدر" ـ كي لا نقول الجبرية ـ أميركا، التي اعتادت على رفاهيات العزلة، في صدارة

المسؤوليات العالمية، شعر كل من ابنائها بالنزوع ال تدبير نصوص باسم "أكثر الأمم اشراقاً"، وهي الأمة التي خلقت حسب قول الرئيس نلسون، "لخدمة البشرية". لقد تمت تماماً الموافقة على هذه الادعاءات، التي لم تكن مقبولة أثناء غياب الاخفاقات، وتم الاضطلاع بالمسؤوليات بكل طيبة خاطر أما الشعب، فانطلق جذلاً، حتى أنه طلب المزيد من ذلك، وصولاً إلى السبعينات حيث مورست السلطة المدنية التي كانت ربما أقوى من الرؤساء. لكن البون كان شاسعاً بين القول والفعل. وعندما طالب بحقه من خلال ممارسة الافعال الثابتة، أدرك انه يجب عليه أولاً ان يدفع ثمنها. عندئذ الاحظ أن "طلقات المدافع" التي كانت بالامس تدمغ بالأنذال أولئك الذين كانوا يوزعون الانتقادات أو لا يمتثلون للأوامر، كانت تفزع من خطف الرهائن، من المواجهة المباشرة، أو من معركة لا يهدر فيها دم الآخرين فقط. هذه الوقائع من الحياة العالمية أصبحت ـ كما يبدو ـ لا تحتمل بالنسبة للأمريكيين وبالتالي لسياستهم، فبالأمس لم تكن لاريبة تخالج نفوسهم تجاه أي شيء، اما اليوم، فهم يفضلون التراجع عن مواقفهم حتى قبل أن يباشروا بها.

ويشاء القدر أن تبرز صعوبة رابعة مصدرها مبدأ تدخلي (وضع العراقيل، نظرية الدومينو، أو حتى تحميل الحفاء قسطاً من العبء الدولي: ترومان، ايزنهاور، نيكسون): يجب تعيين حدود الالتزام. فالمبادئ مجردة وهي بالتالي خطرة. بالمقابل، تتأتى القدرة على التدخل عن تقييم فعلي لإمكانيات اية أمة. وفي عهد ريغن، ثم كارتر ارادت أميركا ان تراوغ مع هذه الصعوبة الأخيرة. إذ ان كارتر كان يبحث عن سياسة "جديدة": فلم ينجح الا في زيادة صلابة المواجهة مع السوفيات وفي ارساء القلق بين ظهراني حلفائه الذين فوجئوا بتساهله مع اعداء الامس. فيقترح ريغن "التعامل دون مقابل" وذلك بفضل استعادة العنفوان والصلابة أو على الأقل اثارتهما. إنما لوحظ فاتورة الحساب، أي الثمن الواجب دفعه. كما وكأن العهود التي قدمها الرئيسان الاخيران للأميركيين كانت مزورة. في تاباس، اندر كارتر. وفي غرانادا، انتصر ريغن. فكل من هاتين المعركتين كانت هزيلة بما يكفي لإبراز عجز هذه الدولة الكبيرة.

قد تكون معرفة المرء لحدود قوته تجربة صحية. وهذا لا يعني أنه يجب ان تكون هذه التجربة كئيبة. والمغامرة الاميركية تكتنفها الخفايا والرقى السحرية: حان الوقت كي تنضاف إلى الوقائع الخفية (وهي موجودة في النقد، التجارة، والمال) واقعة ظاهرة تبني، وحتى تطمئن جماهير الداخل والخارج. وآخر هذه الصعوبات، التي أذكرها على اٌل، هي الصعوبة في تقدير الحسابات، مما يقتضي إقناع الذات والحلفاء بوجوب ازالتها. دون شك، لا تصح مواصلة السير في غموض الالتزامات، الذي يُضلل المرء فيها أو يضل. وافضل مثال على هذه الوضعية المبتسرة قدمتها العلاقات الأوروبية ـ الاميركية حيث يمارس، من كلا الجانبين نوع من الابتزاز. من غير المؤكد أنه ينبغي على الولايات المتحدة بأن تحفظ جميع الالتزامات والتعهدات التي اتخذتها في اقصى امتداد قوتها. حتى أن نيوزيلندا تمنعت عن قبول الالتزام الذري الذي وضع في "أنزوس" A.N.Z.U.S ـ اتفاقية عام 1952! لن تكون تلك نهاية العالم، بل تقدير جذري لمصالح اميركا الحيوية: تلك المصالح التي ينبغي الدفاع عنها، بكافة الوسائل ودون ندم أو تردد. وفي نهاية نشوة القوة، التي كانت مغامرة هامة، بحجم أهمية البلد الكبير جداً، دقت ساعة اليقظة، الجد، والحماس. وكان ذلك منذ عشر سنوات. أو لم تبلغ دقاتها آذانكم؟.

المحروووم
06-10-2003, 03:22 PM
الفصل الخامس

براءة بتولية


كثيراً ما أحب ان اقرا الصحف الاميركية، ليس لأنها تتمتع جميعها بالمزايا المنسوبة إليها أو لانها تدير نفسها بنفسها. بل لأن قدرتها على تحليل أمور البلاد دون مراعاة، بل وحتى دون تساهل، تروق لي جداً. وللأسف، لا يؤدي هذا الوضوح التام إلى تجد وتنشيط السلك الجماهيري والخيال الشعبي. فملاحظات الأجنبي تمر بسهولة وكأنها انتقادات، وبصورة سريعة جداً، وكأنها مظاهر عدوانية. ومع كتابتي الحالية إلى بعض الأصدقاء الاميركيين الذين يودون فعلاً قراءتها، اتوسل إليهم أن ينقلوا عن لساني على الأقل بأنها لا تنحو لا إلى لفت النظر ولا تنزع إلى التطرف، فكل ما هو مذكور فيها، باعتدال، كان موجوداً فعلاً، مع قليل من الفروقات وكثير من الانفعال . "فيمَ يحشر أنفه؟ فليهتم بالتالي بشؤونه الخاصة!" هذا ما يتراءى لي أنني اسمعه. الناس عندنا يحبذون كثيراً أن يقوم أجنبي بتفنيدهم، بتحليلهم، وابداء رأيه فيهم، غلاباً يكون ما يقوله جديداً ومبتكراً (هه، لم يخطر ذلك ببالي….!) بكل حال، من المستحسن دائماً التعرف على أية وجهة نظر خارجية. ولست واثقاً من كون الاميركيين يتمتعون بذات ردة فعلنا. غير أنني مطمئن إلى ذلك لأن القضايا الاميركية هي في نفس الوقت قضايانا. نحن لن نؤثر مطلقاً على سير الأمور، إنما أنتم واثقون من تأثيركم على أمور حياتنا، غداً كما اليوم. وربما من أجل ذلك فقط، عليكم ان تتحملوا تعمقي القليل في احصاءاتي.

كونها دولة استثنائية، مستغرقة في تأمل مزاياها، ومقتنعة بما في الكفاية بقدرتها الخلاقة وبمصيرها جاعلة من نفسها مثالاً يحتذي، لم تنفك اميركا عن الاعتقاد ببراءتها البتولية. هل فعلت، حياتها، شيئاً لم يوجهه الحق، أو تنيره روح العدالة، أو يحركه معنى الانصاف وحسن الحرية؟ الكثير من الاميركيين مؤمنون بذلك وأنا أيضاً أظنهم يعتمدون على الاستمرار في هذا لاتصور لنهم بذلك يعبرون عن أمل رائع. وإذا ما سألنا: "ما هو بلد الحرية؟" ربما أجاب غالبية مواطنيّ: "أميركا" رغم أن بإمكانهم ان يستبقوا بقولهم: "فرنسا".

مع هذا الاطمئنان، لن نتوانى عن التذكير بأن البقع او الثقوب تنكشف بسهولة على القماش الأكثر بياضاً، والديموقراطية الاميركية اعتادت هي ايضاً على كل ما هو مرفوض. لقد اهينت، واخذ الغضب منها مأخذة، لكنها لم تقم بأية ردة فعل. فهي لم تعلن على شعبها كل شيء علماً بأنها كانت تجنده للحملات العسكرية. ولسوف نؤكد ذلك بأقل ما يمكن، في بضع صفحات….

تكيفت، أيتها الديموقراطية المتفاخرة مع ما هو مرفوض.

هذا ما قاله لك العديد من أبنائك، وما نادوا به. لكنك تصرفت كما ولو كانت هذه الصرخات أو هذه الهموم كافية لإراحة ضميرك. فمنذ هنري دافيد ثورد ودراسته حول العصيان المدني ومنذ دانييل وبستر حتى ت. د. المن،ارتفعت اصوات كثيرة مصرحة، انطلاقاً من المبادئ وصولاً إلى التدخلات، بأن الجمهورية بدأت تتلوث. ولقد كرس كتاب ج. فيسك (Mamifest Destyne 1885) سياسة القوة، التي اتضحت معالمها عام 1846، مع انطلاقة الحرب ضد المكسيك. وكان لهذه السياسة مادحوها، وكان لها تبريراتها. بحيث أدى ذلك إلى الخلط بين ما أعدت له وما هو منوط بها القيام به.ويأتي الوحي دائماً من الأعلى كي يلقي الضوء على المصلحة الزاحفة. احتلالات، غزوات، وحروب،الا أن تكوّن الولايات المتحدة لم يكن من عمل صبيان المذبح بل أن حيوية هذه الديموقراطية كانت في قيامها، على وجه السرعة، بتشييد معابدها بإيمان وحسن طوية ونقلت، على المدى البعيد، صيحة النصر الى الوقائع التي تحولت إلى أساطير رائعة.

قد لا ننتهي من تعداد المتاعب وأعمال العنف التي تمارس في أميركا اللاتينية، التي تتلاحق فيها الاضطرابات والاختلالات. يقول هنري ستيمسو، الذي كان سكرتير الدولة أثناء الحرب: "هذه المنطقة الصغيرة التي لم تزعج أحداً فقط". لهذا السبب وجدت فيها التدخلات الخفية أو الشرسة، الضغوطات العسكرية أو المدنية، وأعمال الخدمات الخاصة، ارضاً مفضلة. في 3 كانون الثاني (يناير) 18456، وفي الكابيتول أعلن نائب ماساشوستنس أن "قدرنا الواضح هو في انتشارنا في كافة انحاء القارة" وكان اوراغون، الخاضعة لحكم بريطانيا العظمى، هدف هذا التأكيد الذي لاقى النجاح التام. آنذاك، كان مبدأ مونور (2 كانون الأول ـ ديسمبر 1823) هو مبدأ الصيد الخاص الذي أكمله تيودور روزفلت، في كانون الأول (ديسمبر) 1904، بـ "نتيجة لازمة"، منادياً بحقه في "جعل نفسه فارض النظام على الاميركيين،" هو كما خلفاؤه. حرب المكسيك، تدخل في كوبا (1898) وحرب مع اسبانيا، تدخل في هاييتي، في جمهورية الدومينيك، في هندوراس. الهجوم على بناما مع الاضرار بكولومبيا، تدخل في فنزويلا، في نيكاراغوا في كوستاريكا: في هذه السلسلة الطويلة، كانت لهم مصالحهم وذرائعهم. هناك تساؤل واحد مفيد، في أيامنا هذه ـ إذ ما نفع تكرار الماضي المفعم بالعنف المتعمد؟ـ" ما الذي تغير؟". فإن يكن رائعاً، واضحاً أو ميئوساً منه، يبقى الجواب هو نفسه "لا شيء" وفي عام 1964، برز التدخل في سان دومينغو بسرعة بشكل تدخل كيفي ودون سابق انذار، وهذا التدخل تم بقرار من الرئيس جونسون من أجل تحرير سان دومينغو من "عصابة من المتآمرين الشيوعيين"ـ فهل كانوا فعلاً الـ 55 اسماً في اللائحة التي اعدتها المخابرات المركزية؟ـ أو من أجل "حماية أرواح الاميركيين" وكان ان شكلت نيكاروغوا وغرانادا في 1983 و1978، محطات لهذه العمليات البوليسية التي لم تكن لتحل مطلقاً محل سياسة ادت إلى إبراز حقيقة بؤس شعوب اميركا اللاتينية واستعبادها. واي سوء، غنما هو معزو لـ "يد موسكو" التي تتدخل فيها دون تردد. فكم من أرواح ازقت بسبب دعمهم للحكام المحليين المستدين أو من منطلق ادعائهم دحر العقائديين الماركسيين!

اليوم أصبح التاريخ معروفاً ومكتوباً.لذا سيبقى القاء القنبلتين الذريتين في 5 آب (أغسطس) 1945 على هيروشيما وفي 9 منه على ناكازاكي، وكأنه مجزرة متعمدة لم يعترض هذا التاريخ عليها: كان استسلام اليابان مؤقتاً، دونما حاجة إلى اللجوء إلى السلاح الذري، ومرتين ايضاً! إلا أن ترومان كان يود ان يسجل هدفاً خاطفاً في تنافسه مع السوفيات، قبل غزوهم لمنشوريا، أي هذا الغزو الذي اعده معاً ليتم في 8 آب. كان من المفروض التأثر على الشركاء كي يباشروا بعرقلتهم بصورة أفضل: لنهم كانوا في أوروبا يذكون روح تقسيم يالطا إلى اقصى حد. قتلى عديدون سقطوا بلا مقابل بصورة لا مثيل هلا. يقال ان هذا كان ضرورياً بالنسبة لليابان. ومنذ تلك القنابل، لم يجرؤ أحد على تكرار الجرم. اذاً كان ذلك يشكل "قدوة" للآخرين. غنما للأسف لم تقدم الولايات المتحدة القدوة الحسنة.

في شباط (فبراير) أي قبل ذلك ببضعة اشهر، وفي مؤتمر يالطا أبلغ روزفلت ستالين عن موافقته الكلية على التقسيم، معترفاً له بـ "الأوضاع المكتسبة"، وهو تقسيم مزعوم كان من اشنه أن يؤمن شرعية الغزوات الروسية ويستدل تساراً من حديد على نصف أوروبا. ومع حلول عام 1975، كرَّس مؤتمر هلسنكي حالة استعباد عدة شعوب، بعدما صمم نيكسون وكيسنجر على التخلي عنها للسوفيات، كحصة اضافية منحت لهم بموجب اتفاقية 1972 الستراتيجية. كانت والدتي تردد على مسامعي: "إن العلم المجرد من الادراك يدمر النفس!" ضمن هذا الاطار لم يبرهن القادة الاميركيون عن علم سياسي متبصر، بل كان وعيهم متلاشياً تماماً بما لا يسمح لهم التعبير عن أمة صالحة. ربما كانت يالطا تشكل ضرورة إذ كان يبدو أن الاميركيين مقتنعون بأن الروس قادرين على الامعان في تكريس مصالحهم، علماً أنهم كانوا يقفون أمام أبواب فيينا. وبالتالين لماذا قام هؤلاء بـ "تنازلات" تجاه القوة الأخرى التي كانت تطمح إلى المشاركة في السيادة العالمية؟ ولم يكن يوحد في يالطا سوى حقيقة واضحة ومدروسة إلى حد ما. ثمَّ توقفت المشاعر الرقيقة في سبيل لذيذ ويخفف الجغرافيون السياسيون الهادئون من كراهيتهم لألمانيا، التي لم تكن تخلصت بعد من النازية. ألم يكن ترومان الموعود بمستقبل زاهر، هو القائل، في عام 1941: "إذا تبين لنا أن ألمانيا هي التي ستكسب الحرب،علينا أن نساعد روسيا، وإذا كانت روسيا هي التي ستربحها علينا مساعدة ألمانيا، وبهذه الطريقة، ندفعهما إلى التقاتل ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؟ كان ينبغي الانتظار سنة أيضاً، قبل ان يبدو التدخل في محله، إذ كان ستالين محقاً في عدم إيمانه التام بفتح جبهة ثانية في أوروبا، وهي الجبهة التي اقترحها روزفلت وتعهد بها في أيار (مايو) 1942. بدءاً من عام 1942، كان الاميركيون يعدون العدة فعلاً للحلول محل فرنسا،في الهند الصينية: لا تنقصنا في ذلك الشواهد التاريخية. حدث ذلك عام 1956، بهدف مساندة "نغو دينه ديام"،وهذه بدعة اميركية شبيهة بما سبقها من البدع الفرنسية. فتستمر الولايات المتحدة بدعم بطلها حتى العام 1963، ثم ، ومن منطلق ادانتها للممارساته، تتخلى عنه، بعد ان تدوس على كل التعليلات المتعلقة بتدخلها باسم الحرية. ثم جاء دور كمبوديا على طريق الجلجلة، أي هذا الدومينو البائس الذي تلاعبت به أميركا وفيتنام، والصين فيما بعد. كان الأمير سيهانوك يردد: إن الاميركيين والروس يعشقون التدمير‍" ولم يكن لهذا البلد التعيس ان يتخلص من إعصار هذه الحرب المحتومة والتي في نهاية الأمر، لم تؤت ثمارها بالنسبة للأمريكيين، سوى تأثيرها في أعماق نفوسهم، وبقي الوضع على هذا المنوال أربع سنوات ونصف قبل ان يوقف الكونغرس قصف كمبوديا. اليوم، وبعد مضي أكثر من خمسة عشر عاماً،يوجد أفلام تجذب الجماعات التي ترغب برؤية ما لم يتسن لهم تصوره أو نقضه في الوقت المناسب. ألم يكن فوستر دالاس الذي استبدله إيزنهاور بدين اشيسون في سكرتارية الدولة محقاً في القول ان كل الدول "أنانية في جوهرا" وأن الامة الاميركية لم تكن "تختلف عن غيرها من الأم"؟ ورغم كونه ابن كاهن، لم يؤمن قط بفضل أي استثناء الهي فيما يتعلق ببدلاه. وهو، الرجل ذو الصلابة التي لا تنثني، رجل" التصدي"، كان يدرك معنى قوله: "لسنا من أصحاب القدرة المطلقة". وهو، مثل نيكسون وكيسنجر، كان دن شك، مع وجود روح المداورة عنده على الأقل، كان واقعياً مجرداً، ولله الحمد، من أي تفخيم كلامي. ولو كان اليوم حياً ، لآلمه ان يرى بلاده تدعم صراعاً يمزق السلفادور منذ سبعة أعوام دون ان تبرز بارقة أمل تبشر بالسلام. كما ولو ان أميركا، على أبواب السلفادور إنما مع حد أدنى من المخاطرة، استعادت تحسسها بالالتزام الفيتنامي النمط. ولم ينجح الرئيس ريغن، مع الكنسدر هيغ أو بدونه، في إيجاد سبل أية تسوية، ان يكن ذلك في السلفادور أم في نيكاراغوا ولسوف يعهد بهذه الملفات، بعد بضعة أشهر، إلى خلفه، كما تناقل كل من ايزنهاور، كنيدي، جونسون ونيكسون القضية الفيتنامية. وسوف يشكل سقوط سايغون عام 1975، والانسحاب الاميركي الذي تلاه، ومراحل لا يمكن ان ينساها حتى الجانب. تصوروا دالاس وقد آلت به الحال إلى هكذا نتيجة مزرية! إن إنكفاء المارينز عن لبنان علام 1984، بعد انفجار مقرهم العام، أدى إلى خلق شعور بالانزعاج مماثل، لكننا ندخل هنا في باب الإهانات التي لم تحدث ازائها اية ردة فعل.

أيتها الجمهورية الشاسعة، تعرضت للإهانات دون أن تقومي بأية ردة فعل.

ثمة سياسة مسعورة دفعت بك إلى ركاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. فبماذا كانت تفكر الادمغة صاحبة القرار، والخفيفة في نفس الوقت، في خضم الاضطراب القائم في واشنطن بين سكرتارية الدولة، مجلس الأمن القومي والبنتاغون؟ هل يتسنى لنا يوماً ما معرفة ذلك؟ هل يتعلق الأمر بتسوية القضية الفلسطينية فوق بقية من أرض لبنان المقسم؟ حتى أنها نجحت في اجتذاب قوة حفظ الأمن المعمدة، المتعددة الجنسيات والمكونة من الفرنسيين، البريطانيين والطليان، إلى هذه المغامرة. عن انفجار طن ونصف من ت.ن. ت. الذي أدى إلى مقتل 220 رجلاً من المارينز في مقرهم (وكلك إلى مقتل 58 من المظليين الفرنسيين في مقرهم)، كان كافياً لتبديد كل معللات وجودهم الغامضة، وبالتالي لحدوث انكفاء نصف مباشر. لقد اتخذ قرار الترحيل، حتى دون أخطار "الحلفاء" بذلك، حي كان الرئيس ريغن يصرح بأن بلاده لا تدافع عن لبنان، بل عن "المصالح العامة في لبنان". لقد بدأت الأمور تتعقد. منذ عام 1958، عندما نزلت القوات الاميركية في لبنان في شهر تموز، دون اية مقاومة وذلك بناء على طلب الرئيس اللبناني كميل شمعون. حدثت سابقاً محاولات أخرى في هذا المجال بين عامي 1903ـ1904. ومنذ ذلك الحين. استقر مسلموا آسيان المؤمنون بالخميني، على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ولم يكن يبدو أن أحداً من المدبرين والمخططين الاميركيين لاحظ ذلك!مرة أخرى ينطوي علمهم، ويتم تعزيز الاسطول السادس.. على نطاق واسع. أما الخميني فيضاعف توجيه لعناته ضد "الشيطان الأكبر" الاميركي. في حين راح ريغن يفجر سخطه ضد محتجزي الرهائن، فيرفض اية تسوية معهم ويتهم بـ "الجبن" أولئك الذين لا ينضمون إليه في موقفه الجدير بكونه موقف روماني قديم. وكان يفترض ان تندلع فضيحة إيران غيت كي تنكشف اللعبة الرئاسية المزدوجة والمثيرة للشفقة. فالولايات المتحدة لم تكن فقط عاجزة عن التصرف، بل كانت تهان، من خلال مساومات أشد خزياً من كتلك التي كانت ترفضها مطلقة صيحات الفضيلة السامية.

في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1979، قام الطلبة الإيرانيون باحتجاز 60 رهينة في السفارة الاميركية في طهران. وفي 25 نيسان (أبريل) 1980، وبصورة محزنة، فشل في تاباس الكومندوس المجوقل الذي توجه لإنقاذهم. ثم يقرر الخميني في 20 كانون الثاني (يناير) 1981،الافراج عن الرهائن وكان ذلك دون شك بمثابة حدث سعيد بالنسبة لريغن المستقر في البيت الأبيض والذي أرسل سلفه كارتر لاستقبال أولئك البؤساء في القاعدة الاميركية في فرانكفورت. ما أقسى تحمل كبرياء وكرامة القوة العظمى! كما رأينا، لم يصل به الأمر إلى حد التأفف والمعاناة، رغم أفعاله وأقواله التي كانت توحي بذلك.

وتشكل العلاقات بين القذافي ورؤساء الولايات المتحدة الأربعة الاخرين، مثالاً آخر على غموض تبدو قسوته شبيهة بقسوة الاسنان التي تلوك "الكراميلة" ففي الأعوام 1801ـ1805،حط المارينز رحالهم في طرابلس بهدف مواجهة أعمال القرصنة البحرية، وفي عام 1986، يرسل ريغن ليلاً، إلى طرابلس، طائراته القاذفة التي انطلقت من بريطانيا العظمى، ويعد ذلك ترجمة عصرية لذات النمط من التدخل. الا ان العلاقات الأمريكية الليبية هي اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في أيام القراصنة الاتراك الليبيين والرئيس جفرسون. وتنطبق عليها تماماً هذه الملاحظة لـ "الناقدة الصحفية" فورا لويس: "يحدونا الاعتقاد، إذا ما ألقينا نظرة متفحصة على مسألة محددة، ان الولايات المتحدة قادرة على فرض الحل الذي تراه مناسباً… لكن العالم، للأسف، غير مقسم إلى مواضيع محددة، بل إلى قوميات ـ دول، وكل منها مصاب بتوازن داخلي معقد.. فالسياسة الخارجية ليست سوى لوحة رسم، كالمشهد الداخلي تماماً. ولا يمكن التعرض لها بتحليل تفصيلي دون عقاب. في الواقع، تفصيلي لعملية قصف القذافي "الارهابي" واقل تفصيلاً لمسألة التواطؤ المستمر في المصالح. هذا التواطؤ القائم بسكون بين رئيس الدولة هذا وبين الشؤون الاميركية المصرفية النفطية والتجارية لدرجة أن المواطنين الاميركيين، حتى بعد التحديات، الغارات والقطيعات، لم يتركوا ليبيا، وأن الأموال الليبية بقيت الأكثر حفاوة في مصارف ما وراء الاطلسي…………….

أما موقف الجمهورية ازاء شاه ايران، فلم يندرج في مدوناتها السنوية المجيدة. فمنذ عام 1969 وحتى عام 1974، جعل نيكسون، الذي شكل كيسنجر استمرارية له احتواء الامتداد السوفياتي، تأمين استمرار الدول العربية ونفطها، تلك كانت المهمات التي أسندت إلى الرئيس الإيراني. بالمقابل، ورغم تحريضه في السبعينات، على رفع أسعار النفط (لكن المسألة كانت معقدة ودور الولايات المتحدة مشبوهاً)، أفاد من دعم كاد يكون مطلقاً. ثم جاء كارتر فتبعه عهد التفكك التشوش: كان الشاه دائماً مدللاً (زاره كارتر ليحيي معه عيد رأس السنة الجديدة 1977، في طهران) إلا أنه استنجد عبثاً بظهيره عندما بدأت تتضح معالم الحركة الخمينية. أولى الاستجابات كان الانزعاج، بل وحتى العداء. وجاء أخيراً الدعم من واشنطن عندما اشرف رضا بهلوي تقريباً على السقوط. وعندما تم ذلك، رفضوا مقابلة الخميني وهو في طريق عودته من منفاه. فهل بقيت إيران مهمة ازاء مصالحهم كما كانت تدعي الحكومات الاميركية؟ كيف استطاع الحلفاء الاستمرار في تصديق تعهداتهم عندما تراءت لهم صورة شريك وصل إلى هذه النتيجة، يناهضه الشعب ويتخلى عنه، في حين كان خصمه يفيد إلى أقصى حد من المواقف الارتجالية المتناقضة التي فرضتها سياسة غير ممنهجة؟" أو لم يستمر الوضع على هذه الحال مع ريغن؟.

سوف نتساءل مطولاً، وربما عبثاً،عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اختيارهم ترك انغولا مفتوحة بداءاً من عام 1975، أمام الغزو السوفياتي ـ الكوبي. حدث ذلك كما ولو أن اللامبالاة ازاء أفريقيا لم تتبدد الا عندما بدأ المساس بالمصالح الخاصة: هنا، تبين ان استثمار النفط في حقول كابيندا من قبل قسم من المجتمع الأمريكيين الذي تصالح مع ماركسي الداخل والخارج، تبين اذاً أنه ازال كل تردد حيال أي تدخل حاسم. حتى ان الكونغرس تدخل في ذلك كي يثني عزيمة كيسنجر الذي كانت له دوافعه في مقاومة مجيء 25.000 كوبي ومنع اقامة الجسر الجوي السوفياتي. حالياً. يقوم ريغن، وبصورة متواصلة، بإرسال الإمدادات إلى U.N.I.T.A التي يرأسها جونهاس سافيمبي، والمتكئة على حدود زائير.

وبدءاً من عام 1956، تعرضت كل من هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا،رومانيا وبوونيا لهزات داخلية حال وجود القوات السوفياتية بجوارها من كلية التعبير عنها. لقد استطاعت هذه الدول ان تبين مدى عبثية عبارات التشجيع وقت المحنة في عام 1956 التجأ الكاردينال النغاري "ميندزنتي" إلى السفارة الاميركية في بودابست، لكن بوستر دالاس كان يعلم بأن بلاده لن تفعل غير ذلك. وفي عام 1969 أثر ربيع براغ الساخن والاحتلال السوفياتي، احرق جان بالاسش نفسه بالنار في ساحة فنسيسلاس Venceslas، وكان ذلك بمثابة الاحتجاج مؤثر من جانب شعب تم التخلي عنه. أما رومانيا. فقد استقبلت زيارة نيكسون، مما أدى إلى الامعان في استغراقها في استبداد شعبي وكاريكاتوري. وفي عام 1981، تم "تقليص" بولونيا المتمردة، أو بالاحرى "تقعيدها". لقد أعدت العقوبات الغربية بما يكفي لمضايقة الأوروبيين المتحفزين لوضعها موضع التنفيذ، أكثر مما تضايق المصالح الاميركية.

مرة أخرى، لم يحن موعد الرغبة في تحمل تبعات أي قول تفاخري. فهل ينبغي ان تلتحق الرغبة بالقول، أم ينبغي ان يتموضع القول على ذات مستوى الفعل الممكن أو المقبل؟ ان أهمية الولايات المتحدة تكمن في اعتقادها بأنها تلعب دورها من منطلق تحركاتها التي لا تخدع أحداً، فالعملاق يصفق في الفضاء بأجنحته الجبارة، متجنباً بكل دقة التعرض لدنى منافسيه، أو مساعده اصدقائه.

ايتها الديمقراطية المطنبة، تستفضين في الكلام عن الحرب الإخفاء حقيقة دوافعك.

ان جمهورية تستهويه الأمر الجلل وتؤثر به: فهو ينصوي خلف لواء الخير وبذلك يتبين الشر بسهولة في ذلك، يجد تدين الاميركي، أو حسه الديني منفعة،ويطمئن الفرد إلى تحقيق ذاته بحيث يصنف نفسه في الجانب الخيّر. فهل نفاجأ لو برع الحكام، الأكثر تمرساً أو بالاحرى الأكثر دهاءاً من المواطنين، في خلع ثوب الاخلاق أو الشعور على ما تقوم به اداراتهم من أفعال.

أخيراً، وخلال مدة عشرين سنة، يتوصل رئيسان شهيران، ويلسون وروزفلت، إلى توريط بلادهما في حروب عالمية، دون ان يفصحا في البداية عن نواياهما. كانت المسألة بسيطة نسبياً، اذ كان ثمة دائماً الكثير من اللامبالاة في الولايات المتحدة، إزاء ما هو خارجي وازاء السياسة الخارجية. ثم ومع اشتداد القلق، أصبح التحرك التعبوي مباشراً. فالرئيس هو الوحيد المسؤول عن القيادة. لذا يكفيه ان يزخرف اقواله، ان يكون حازماً متبصراً، وأن يتحدث عن المبادئ وكبريات التجارب. وفي وقت لاحق، تبرز أمام المؤرخ الأسباب الفعلية لأي سلوك! ففي عام 1917، لاحظ وودرو ويلسون أن الميزان يميل لصالح السيطرة الألمانية المؤدية إلى الهيمنة على المحيط الاطلسي. لكنه تحدث إلى الاميركيين عن الحقوق الدولية في الملاحة، ثم عن الحرب في سبيل حرية الانسان، وفي سبيل الديمقراطية، العدالة، الحرية، وحق الديمقراطيات في الحياة.

فيضع نفسه على مستوى المبادئ يحدد 14 مبدأ منها بحيث تعيش الإنسانية مذ ذاك على ضوئها بهدف تأمين خلاصها وسعادتها. وإننا نعلم أخيراً ان الكونغرس لم يوافق على معاهدة فرساني.

أما روزفلت، فجعل العسف الهتلري عمله أكثر سهولة. كان يدرك منذ عام 1940،ان بلاده لا تملك الخيار بين الانعزالية والحرب. لكن ذلك لم يمنعه من تكريس حملته الانتخابية ضد التدخل في أوروبا! ومن التعهد بعدم ارسال "الأولاد" للقتال، في الخارج. إنما بعد مضي سنتين تغيرت لهجته وانطلقت الحملة، المرتبطة بمصالح لم تعد خافية.

من ترومان إلى جونسون، كان يتم، وبكافة التعليلات، تبرير التورط الاميركي في الهند الصينية، في حين ان تعليلاً فقط كان كافياً لتقرير الإنسحاب: لم تكن أي من المصالح الاميركية عرضة للخطر! كانت هناك الحرب ضد الامبريالية الفرنسية. ايقاف المد الشيوعي ونظرية الدومينو، حرية الشعوب في تقرير مصيرها، مصداقية الولايات المتحدة، وأمن كاليفورنيا. حدث كل شيء، في إطار لا مبالاة الشعب الشديدة التي استمرت حتى عام 1966، على غرار لا مبالاة الكونغرس. ثم تأتي أيام عجاف يدرك فيها الرأي العام أن أياً من التبريرات التي قدمت له لم يكن صحيحاً وخصوصاً أنهم كانوا يفعلون عكس ما تعهدوا به. وفوق ذلك كله، لم يكن للالتزامات المتخذة اية علاقة مع مصالح البلاد الحيوية، بل حتى أنها كانت تنخر ضمير الأمة ـ الخيّر أصلاً.

وما زالت اذكر الانتقادات اللاذعة التي وجهها جون كنيدي، وكان لا يزال سيناتوراً ضد "الحرب الفرنسية في الجزائر" وموافقته على تدخل بلاده في الهند الصينية! وباعتبارهم ليسوا أصحاب رؤيا، ولا صادقين تجاه شعبهم، سيجد رجال الدولة الأميركيون صعوبة في الانضمام إلى سلالة النخبة.

واثناء التوقيع، في نيسان (ابريل) 1949، على ميثاق الاطلسي الذي راح الاوروبيون ، الخائفون، يسترعون انتباه الولايات المتحدة اليه، كان دين آشيسون، في بلاده، يتعهد بأن هاجمة اية مدينة اوروبية لن تكون، بأي حال من الأحوال، شبيهة بمهاجمة أية مدينة أميركية. غير ان كل الوجود الاميركي في أوروبا كان مرتكزاً، خلال ما يقارب 25 سنة، على الاعتقاد بعكس ذلك: كان الاوربيون يودون ان يؤمنوا بهذا الوجود، والاميركيون يشجعونهم على ذلك! سوف نقفز،مع كثير من الهتكم ربما، من هذه الأزمة القديمة إلى أزمنة أكثر حداثة. ففي عام 1996، وخلال لقائه مع غورباتشوف، في ريكاجافيك، بدأ الرئيس ريغن وكأنه يقامر، في غفلة اللامبالاة، بمصير حلفائه، إن لم يكن بمصير بلاده. ومنذ اطلاقه لمشروع مبادرة الدفاع الاستراتيجي، عام 1983، الذي جعل مواطنيه يتصورونه درعاً منيعة في وجه الهجمات الذرية، زاد ريغن من مناوراته في مباحثاته مع السوفيات، مما زاده اغراقاً في الحيرة والارتباك، في ايسلندة. ففي عام 1986، يعلل،بطريقة بهلوانية، الاتفاقية المعقودة عام 1972 حول القذائف المضادة للصواريخ، وذلك يهدف التمكن من اختيار اسلحة مبادرة الدفاع الاستراتيجي. وفي ريكاجافيك منعه جهله بالملفات من الوقوع في الشرك الذي نصبه له غورباشيف. فيقسم الحكم في واشنطن أنه سيكحون، منذ ذلك الحين، أكثر حزماً وجدية. ويباشرون فوراً بمعارضة السوفيات في "الخيار صفر" حول الصواريخ المتوسطة المدى الذي اقترح عليهم منذ عام 981.عندئذ يصاب الحلفاء الاوربيون بالتشنج وينتاب الرأي العام الاميركي القلق: "أية حيلة يغامر بها الرئيس اذا؟ هل أن تفكيره خال من الغموض؟" ويعلن الرئيس ريغن في رسالته التي وجهها إلى الكونغرس، بمناسبة عام 1986: "ليس الاميركيون معدين ليعاملوا دائماً كأغبياء وضعيفي الارادة في ساحة التجارة الدولية". وسيربحون الكثير على الصعيد العالمي، إذا ما خففوا من اخفاء واقعهم. غير أن الناطق بلسان مجلس النواب يوجه كلامه للرئيس قائلاً: "لا يمكننا التغاضي عن هذه الهوة بين البلاغة الخطابية والواقع!".

بالنسبة لنا، نحن الأوروبيين يمكن التعبير عن حقيقة المصلحة الاميركية ازاء قارتنا مجملتين اثنتين تكمل احداهما الأخرى. الأولى اطلقها الجنرال ديغول عام 1963: "لا يستطيع أحد في اميركا القول اذا، اين، كيف، وحتّام ستستعمل الأسلحة الذرية الاميركية في الدفاع عن أوروبا".اما الجملة الثانية، فهي من صنع كيسنجر،وقد قيلت عام 1979، أي بعد 16 عاماً من جملة ديغول: "وأقول بالتالي ـ وهذا ما لا يمكنني القيام به في إطار وظيفتي ـ إنه ينبغي ان يتوقف الأوروبيون عن التماس العديد من الضمانات الستراتيجية التي لا نستطيع تقديمها أو التي في حال حدث ذلك، لا نتوقع الحفاظ عليها، لأنها عندئذٍ نغامر بتدمير الحضارة". بين هاتين المقولتين، كان ثمة ضغوطات جمة لمنع فرنسا من تزويد نفسها بالسلاح النووي، وتعهدات كثيرة تمت باسم حرية الغرب التي لا يمكن تجزئتها! كم من الخطب راحت تمجد بأوروبا وكم من العمال كانت تهدف إلى منعها من البروز! ثم، في عام 1968، واثناء حملته الانتخابية أعلن نيكسون: "حان الوقت لنباشر بالإصغاء إلى اصدقائنا الأوروبيين" لقد فعل ذلك عام 1973، على طريقته الخاصة وبروعة بالغة، عندما نادى بـ "سنة أوروبا" على طريقة:

"إنه عيدك!".

إن الناس في الخارج مدعوون إلى التوفيق بين ما يسمعونه وما يؤمنون به، وخصوصاً فيما يتعلق بمصالحهم. لكن الخطب المفخمة إلى الديموقراطية الأميركية من قبل المسؤولين عنها، كانت هنا مؤذية بشكل خاص. وليس مؤكداً اليوم، وبعد 1954 بأربعين عاماً، انها استطاعت تقييم قدرتها العالمية بصورة دقيقة وكذلك تغيرها. لقد اعتقدت مطولاً ولا تزال دون شك تعتقد، أنها الأكثر ثراء في العالم والأكثر عدلاً، وانها بالتالي تستحق الثقة التامة بها بحيث لا يمكن الشك بأن الايحاء بها منزه عن كل مصلحة. لقد تبين لها ان التدخلية، الأحادية، ممارسة الفوقية، وحتى اقامة الحواجز، هي أمور مسلم بها، في أي مكان تشغله (أي الديموقراطية). كما ان القوة الاقتصادية وعالمية نقدها وتفوق خدماتها التقنية والمصرفية في النقل والتبادل، كل ذلك حملها على الاعتقاد بوجود طبيعي على الاقل، إن لم يكن قانوناً اليهاً. لقد ظل الكثير من المواطنين ضمن هذا الاطار يعتبرون ان حركات العصيان في العالم ليست بذات كبير أهمية. حتى أن عملية اللامبالاة الطويلة، والضيق، والاضطراب ثم التمرد، وكل ما أثارته المغامرة الفيتنامية أخذ يتلاشى مع الزمن، ويرتفع الصوت منادياً "لا فيتنام بعد الآن"، وكأنهم يودون بذلك التخلص من ذكرى الهزيمة وليس اعادة تقييم امكانيات الأمة. كان التعبير والتصرف بلا قيود من الأمور الغريبة الخارجية عن المألوف بحيث شكل الأميركيون في ذلك بيئتهم الطبيعية. فكان التفوق العسكرية والهيمنة الاقتصادية من الأمور المسلم بها. لذا كان المنافسون السوفيات يتطلعون نحو المساواة العسكرية والسياسية، كما كان العالم الثالث ينحو، كوسيلة أخيرة، إلى تطوير قدراته في المعارضة والايذاء، في حين يرغب الحلفاء في أن يكونوا شركاء، غنما مع استقلالية تامة! فكانوا يلتمسون، ليس فقط ان يكونوا على علم بكل شيء، بل أن يستشاروا ليتسنى لهم ان يقرروا…التصرف على هواهم. ويتغير الزمن تماماً، لكن الخطب الجماهيرية، اللامبالية بالنقائص البينة،تستمر في تمجيد المفاخر الساذجة. وإذا كانت الديموقراطية الاميركية قادرة بسهولة على تذكر برءاتها البتولية، وإذا كانت تؤمن بقدراتها المبررة، فإن كل من كارتر، ثم ريغان، أخفى عنها الحقيقة وهي أنها ليست ذات وضع استثنائي. فالاول قام بذلك من خلال شعوره العسكرية المطلق، والثاني من منطلق العودة إلى المآثر وتحليل الآزمنة السالفة. لقد اضطرت هذه الديموقراطية إلى الاعتياد على الانكفاء بدل الاخذ بالوسائل الكفيلة بإيقافه، وحتى الارتداد عليه. وكان نيكسون، الذي انتهى بصورة مأساوية، قد هيأ بعض العوائق بهدف ايقاف انزلاق لم يستسلم بتاتاً له. لكن الفرصة الحقيقية لم تؤات اياً من خلفائه، من أجل اعادة احياء القوة أو على الأقل الشرعية. وما يزال الناس بانتظار رجل القدرة الإلهية الذي سيضع البلاد أمام المسؤوليات والمساعي والصعوبات الضرورية لمتابعة السباق الرائع، الذي استمر لمدة طويلة،. فأي بلد أنت اليوم يا أميركا؟.

المحروووم
06-10-2003, 03:24 PM
الفصل السادس

هل أنت أمة تاريخية؟

كان يخيل الي، ولفترة طويلة من الزمن، أن الولايات المتحدة ما زالت دولة "في طور التشكل". رحت أفكر أنه كان لابد لها، بسبب عدم وجود اسلاف فوق أراضيها أو لأنها قامت بتصفيتهم، من معرفة معالمها، امتداداً وعمقاً ـ وهذا يسمى اليوم "الهوية"ـ ومن معاناتها عبر الزمان والنوائب قبل ان تدرك أنها نتاج خيمياء معقدة، فريدة من نوعها. كانت تدعونا حيوية مسارها، معتقدها وقدراتها إلى عدم النظر إليها كما هي، بل إلى تصور ما هي صائرة إليه. والرواية الشعبية التي تناولت انطلاقها في القرن التاسع كشر كانت من نوع الاسطورة. وعندما دفعتها الحربان العالميتان إلى ذروة المسؤوليات الدولية، بدأت تتصور إنشاء حكومة شاملة تستند إلى لغة شائعة، ذات انتشار مثير فكان ان أصبحت افقاً مستقبلياً، متزايد التعقيد، أكثر من كونها نموذجاً مرجعياً ثابتاً. وأعطاها الحيز المكاني امتداداً منقطع النظير، إذ ترافق انطلاقها مع سيطرتها على أملاك شاسعة. ومن المثير ربما ملاحظة التغير لدى مجتمع كان دأبه التغيير.

الان، ليست واثقاً من شيء من ذلك. إذ يبدو أن هذه اللوحة ثبتت في تنوعها. بالطبع، مازال الدستور، الاباء المؤسسون، غزو الغرب، القانون السليم والحرية. المواطنون المحترمون المسؤولون، وهذه اللوحات النموذجية،ما زال كل ذلك مستمراً حتى الآن: لقد أصبحت هذه الأخيرة من شعائر الولايات المتحدة، إنما هل ثمة من يحمل هذه الإرث؟ هل توقفت الولايات المتحدة عن كونها فتية؟ لقد استطاعت مئة ولاية، منذ عام 1945، ان تبرهن، بصورة شرعية، عن ارتقائها الحديث وعن انجازها لتطورات مذهلة… طيلة أربعين عاماً، رغم العديد من عوائق الطبيعة ونكباتها. حتى ان هذه الأخيرة ليست مدونة في جدول تاريخ الولايات المتحدة التي تلتمع في كبد السماء. اسم صيرورتها "عسى" واسم الأمة العظيمة، الآن، هو "الاستمرار".

ها أنها بعد 15 عماً تدرك الشك حول هذه المسالة. اما نحن، فأدركنا، من الخارج، هذا الأمر رغم تساهلنا مع المنمطين على التفاؤل.حتى أن ذلك آثار قلقنا، بسبب وعينا لارتباطاتنا، وبصورة افضل، لصداقتنا. وفي ظل رئاسة كارتر (1980ـ1976)، بلغت مسامعنا، أكثر من أي وقت مضى، احاديث عن فشل السياسة الخارجية الاميركية، وعن فقدانها للترابط المنطقي، للتماسك والإقناع. إننا لم نكن واثقين من ان للولايات المتحدة نظرة خاصة عن العالم وعن أية مهمة أو دور. فمن كان اصدقاؤها؟ ما كانت مصالحها؟ وكيف يمكن معرفة ذلك؟ اوه! ملا كنت لأكتب ذلك بهذه الشجاعة لو لم اقرأ ما حرره بعض الكتاب الاميركيون بهذا الشأن! على هذا الأساس شعرت انني لانقذت نفسي من خطيئة يمكن تسميتها بالعدوانية. ومع ريغن، تغير الاتجاه بمقدار 180 درجة. وأصبحت حقيقة الامس خطأ بالنسبة لليوم، فكان ان خفتت محبة حقوق الإنسان واشتد الميل نحو الدكتاوريين. والغيت المعاهدات حول "الحد" من التسلح. الا أن هناك قاعدة بسيطة واحدة وهي أنه لا يمكن ان يكن لأي دولة سوى سياسة خارجية تتوافق مع مكانتها ومصالحها… لكنها قادرة على ابتكار سياسات أخرى كثيرة، مع التحفظ ازاء الشك بذلك، طبعاً. ويتساءل اصدقاؤك بأسى: "اذاً، أين وضعوا عقولهم؟" فلا يمكن كل أربع سنوات تغيير السياسة أو أي شيء، بوحي من بعض الهواة "حتى ان الاوروبيين الذين انتابهم التعقيد واحبطتهم الذكريات والمحاذير، يقدمون لكم مثلاً على التضامن الداخلي عندما يكون موقفهم الخارجي عرضة للخطر.

يبدو أنكم ستقعون في الحيرة لأن العالم تغير، ولأنه أصبح معقداً "يا للمأثرة!) وانكم لن تتوصلوا إلى حصره في إطار نظرة اخلاقية وتبسيطية. ان جدية الشرق والغرب، الليبرالية والماركسية كانت موازين القيان الوحيدة التي تمتلكونها. ولم تتمكنوا من استعمال أية ادوات أخرى. هذا ما يقوله العديد من علماء الاجتماع وعلماء السياسة. حتى أنهم يلاحظون نوعاً من "التجزئة" في السياسة الخارجية، ناتجة عن تفاعلية قائمة بين وسائل الإعلام والجماهير ازاء المسؤولين، وعن تأثير جماعات اللوبي والاقليات، وعن الانفعال في اطلاق الاحكام على كل من يعارض، من هو عدائي أو من يرفض الموافقة فقط. والبعض يذهب إلى أبعد من ذلك ايضاً: هذه التجزئة هي نتيجة "فقدان تام لأي تجانس". إذ ان انصهار مختلف الاعراق، الذي طالما كثر التفاخر به، لم ينجح أو انه كان سيئاً جداً. وأصبح المزيج الاميركي شبيهاً بالمزيج السوفياتي حيث الأقليات تشكل تكتلات لا يمكن اختراقها. وما يمكن ان يتجاوز هذا العيب هو المزايا الحسنة التي يتمتع بها كبار المسؤولين. والا، سيكحون للولايات المتحدة سياسة خارجية مرتبطة بـ "معطيات أولية عن عرقية" لانفصالية و"التقسيم الإقليمي": باختصار هناك كل ما يجب ان يكون مما يؤدي إلى اغفال المصلحة الجماعية، كيف لا يجزع المرء أمام صورة كئيبة لقوة كبرى تتحمل مسؤوليات جسام؟ غالباً ما يظهر الاساتذة عندكم بمظهر "الشيوخ الروحيين" ـ تماماً مثل المحللين الماليين. وهم، مثل هؤلاء، يمعنون في مناقضة ذواتهم ومغالطتها، الا اننا نعتبرهم احرارً في دعم أي رأي.

أنا لن أفعل ذلك، علماً أنني قرأت نظرية حول تتابع الأجيال، أوحى بها اليَّ تفكيري السليم: في سن 16، قمنا بتخزين رأسمالنا الثقافي، وفي سن الثلاثين، تترك الاجيال بصماتها، تعبر عن خياراتها، عن قلقها، تندفع وتخطئ. ويبدو أن اميركا، التي استحوذت عليها النزعة النيكسونية في عام 19768، والرغينية عام 1980، اللتان كانتا انبعاُ للخمسينات، يبدو أنها ستبدأ منذ الآن دورة جديدة ستبلغ حوالي عام 1990، ذروة اكتمالها. نحن نتمنى لها ان تستمر لمدة تزيد عن حفنة من السنوات! لكنكم ستدركون تماماً إنني أفضل المشهد الدوري هذا على المشهد المصاب بـ "التجزئة" الذي استذكره الآخرون. وهكذا، فمنذ مئة عام، كان هناك الانحطاط الاقتصادي، الحرب، التغير الاجتماعي وهذه كلها استتبعت، وبتناسق غريب، ردة فعل ارتكاسية ثم ارتياح ارساها لهدوء النسبي والازدهار. وهكذا، فلو تأمل كل بلد في سرته، لرأى فيها ذات التجاعيد. فالجمودية والحركة هما من خصائص المجتمعات البشرية. الازياء تولد ثم تفنى: في الواقع، يجب ان تكون هذه الأخيرة متوافقة مع تشكل وفهم الأجيال المتلاحقة. والبعض يمتهنون التنبؤ بالتغيرات: إذا كانوا من رجال السياسة، فليحاذروا ليس التنبؤ، بل الابكار في الإعلان عن مجيء أزمنة جديدة. فلن يصغي إليهم أحد!

ماذا حدث عندكم وما الذي سيحدث؟

عام 1960، كانت أميركا في ذروة قوتها، التي اعتبرت ثمرة الهدوء والازدهار اللذين سادا طيلة ولاية ايزنهاور. غير أن مجيء كنيدي، عام 1961، فتح الأبواب أمام الاضطرابات، الأزمات، الحروب، وأمام رياح ثورة ثقافية واجتماعية. ومن عام 1969 إلى عام 1980، أي من نيكسون إلى ريغن، صعدت الردة المحافظة صراعاتها ضد الافراط في الحكم، الارفاد في الحرية، ضد المثقفين والفقراء. أما عهد ريغن، الذي سينتهي تماماً مع نهاية ولايته الثانية، فقد يكون نهاية تمجيد القيم التقليدية والتفاخر القومي الذي أحس ببعض الاكتفاء. تلك هي النفوس التي أصبحت منذ لك الحين مهيأة لمشاركة أكثر فعالية في الحياة الجماعية ولإبراز نوع من اللحمة، ونوع من التعاطف مع الآخرين. لهذا السبب، لم تكن لتطلب من الدولة الضغط على الشعب وقهره، بل قيادة توجهاته واحترامها. ويبدو السوفيات شديدي التأثر بمشهد الفقراء والمتشردين لدرجة أنهم لا يأتون على ذكر أميركا بمعزل عن هؤلاء، الذين يثيرون الشفقة. هذا المشهد بالذات حرك مشاعر المواطنين الاميركيين الآخرين. حتى ان حالات العوز هذه ما زالت مكدرة رغم الازدهار الاقتصادي القائم. لم يعقدوا أي "اتفاق جديد"، ولم يخططوا لأي "مجتمع كبير"، بل قاموا بتكوين لحمة ونوع من التعاطف مع الآخرين. لهذا السبب، لم تكن لتطلب من الدولة الضغط على الشعب وقهره، بل قيادة توجهاته واحترامها. ويبدو السوفيات شديدي التأثر بمشهد الفقراء والمتشردين لدرجة أنهم لا يأتون على ذكر أميركا بمعزل عن هؤلاء، الذين يثيرون الشفقة. هذا المشهد بالذات حرك مشاعر المواطنين الاميركيين الآخرين. حتى ان حالات العوز هذه ما زالت مكدرة رغم الازدهار الاقتصادي القائم. لم يعقدوا أي "اتفاق جديد"، ولم يخططوا لأي "مجتمع كبير"، بل قاموا بتكوين لحمة واعية وودّي. دون شك، عرف الصراع السياسي، منذ عدة سنوات،كما حصل عندنا، المقولة الشهيرة "انتم غير قادرين، سيدي، على الاستئثار بالقلب،". ومن الأفضل ان يرتد القلب نحو الوطن!

إنما هل ينبغي اليوم انن يضمنوا لأنفسهم الية مطمئنة، هي نتاج نظرية الدورات، كي يبرهنوا بأن أريحيتهم سوف تهدي المجتمع الاميركي؟ هنا، لا مجال للمساومة: إذ قد يعد ذلك من أروع المفاجآت التي خلقتها الولايات المتحدة منذ عام 1776. لقد أنجز هذا البلد الكبير معجزة خارقة وهي انه وُلد مرتين. وفي إحدى الصحف، قرأت ما يلي: "أنجزت الأمة هذا العمل، الاميركي مئة بالمئة. ألا وهو أنها خلقت نفسها من جديد". وعلى هذا الأساس ربما نكون على أبواب جر أزمنة جديدة، مع الأخذ بالاعتبار تأثيرها على العالم، ولنه يبدو أن غورباتشيف يحث روسيا على تغيير سلوكها!

ومن منطلق روحي الأوروبية المتواضعة، الصلبة والحذرة، أقول لكم صادقاً إنني لا اؤمن بوجود هذا الفجر: لقد أصبحت أميركا مولعة باهتمامات يبررها، بشكل أو بآخر، ويقويها ويضخمها، إن لم نقل يثيرها،جهاز استخباراتي أصبح يشكل الطبيعة الثانية للسياسة كما للفرد. لا يكمن التغير الفعلي في وجود بعض البحبوحة التي تلي بعض الضيق. إن أي رئيس ديموقراطي، بعد ريغن، قد يزداد حيرة من وجود "فقراء جدد" لا يشكلون سوى التعبير الحديث عن المجتمعات غير المتكاملة. وربما تنزع الجماعات والدولة نحو تدخلات موجهة بعناية ودقة. إنما يتأتى التغير الحقيقي من الوعي التام للوسائل المستخدمة، وبالدرجة الأولى من رفض الذرائع الشديدة التأثير: منذ الستينات، استخدم الرؤساء، بما في ذلك العهد الممتد من كنيدي إلى ريغن، استخدموا التضخم المالي، الاقتراض الخارجي، وحسنات العملة الدولية التي كانت فقط مرهونة للقوة المفترضة العسكرية والمادية ـ المعزوة للولايات المتحدة، كي يتسنى لهم الإمساك بالاقتصاد المنهار من وسطه بحزم. وها أنهم عاشوا حوالي عشرين عاماً على اعتماد بلدهم، المراكم للديون، لدرجة أصبح معها هذا الأخير أول مدين في العالم، يتلاعب بمصير الدولار وغير مبال بالاضرار التي يسببها لحلفائه. إذ ان مصير الدولار، القسري، وتعويمه تبعاً لقرار نيكسون في 15 آب (أغسطس) عام 1971، كانا المؤشر الأكثر دلالة على السياسة التي لم تكن قائمة على المنطق، بل على القدرة على فرضها، مع حالات العجز في الميزانية وفي التجارة، السائدة في العالم أجمع. وما لبث ان تفشى تأثيره المفسد بين الناس الذين فقدوا معنى الوقائع، إذ بالمقابل، بدت لهم حالات العجز، الاقتراض، واستعمال العملة العالمية للتأثير على المبادلات والاسعار، بدت لهم كل هذه المخاطر ممتعة ومريحة. فما يسير إلى النهاية هو عهد هذه السهولة المزيفة، وليس عهد ريغن. وما يبدو ملحاً وعاجلاً هو تحريك العقل والمنطق، أكثر من تحريك العاطفة. كذلك لا يبدو تجديد المثالية المطنبة مستساغاً بقدر الرغبة بإدراك قواعد التنظيم،المشتركة بين الأمم جميعها. إن التهجم على العمل، لأن بعض الغشاشين أنكشف أمرهم، حتى في وول ستريتن هو مسألة عادية تماماً وليست بذات تأثير على بنية أي اقتصاد ينبغي ان يكون تنافسياً، ومجرداً من الحماية التجارية، النقدية والسياسية. ولسوف يكون مستقبل الولايات المتحدة أكثر رفاهية من ماضيها: لقد ابدع ريغن في عملية اقناع الجماهير هذه. لكنه لم يحدد مطلقاً كيفية وشروط التوصل إلى ذلك. لذا قد ينحصر التغيير هنا، في نوع من الوضوح الشاق الذي يؤكد بأنه يجب ان يتصرف هذا البلد منذ الآن مثل غيره من البلدان (تقريباً) فبعد صولة محببة في الاخلاقية والقومية، التي كان يراها ضرورية، يقوم بتبيان ان الجروح القديمة لم تلتئم بعد. بل إنها ما زالت تتفاقم: ثمة قرض بمبلغ 2200 مليار دولار، وعجز تجاري سنوي يبلغ 170 مليار دولار، ويشكل جزءاً من النقد السائر نحو الانهيار. هذه الأرقام الثلاثة كافية للدلالة على المغامرة الخطرة. ويبدو أن اليابان الصلبة والمتماسكة،العاملة على تعزيز مواقعها ومصالحها، قد قدمت للبشرية خدمات جلّى، وذلك بارغامها شريكتها الكبرى وقاهرتها السباقة على رؤية نفسها كما هي وليس على أنها أمة مميزة، من حيث عبقريتها أولاً ومن حيث امتيازاتها في آخر المطاف. لكل أمة مآثرها الرائعة والمثيرة. ويعد تقديس قائمة الجوائز والمآثر حالة من الضعف البشري. لكن هذه القائمة تشكل مقياس الجهد أو العناية الإلهية. وهما بكل حال ظاهرتان جديرتان بالاحترام. فأميركا تعتبر الأولى في العالم، من حيث نظامها السياسي، الذي لم ينقض منذ 4 تموز (يوليه) عام 1776: ها أن قرنين من الزمن ينتظمان حول ذات المبادئ وحول دستور لم يعدل إلا لماماً (26 مرة منذ عام 1787)، وذلك حول بناء مكون من سلطات ثلاث لم تتمكن أية صدمة من القضاء عليها. قرنان، تحت انظار الأبدية، كأنهما دقائق معدودة أو بالاحرى ثوان.

إنما بالنسبة لأمة كسرت نفسها لنظام محكم الأعداد لكنه سريع العطب، شديد الطموح، مع ان النتيجة تتباطأ في سيرها، يبدو القرنان وكأنهما أبدية تقولب الناس ومعتقداتهم وسلوكاتهم. بعد 70 سنة من الوجود الشيوعي، هل يتطلع الروس نحو التغيير؟ من يخاطر بالمجاهرة بذلك؟ لكن شريكهم الاميركي دخل في مرحلة الأمور اليقينية: إنه ديموقراطي بكل جوارحه، حتى ولو كان هذا النظام نظام الأعمال غير الكاملة. فهذا ما يؤكد عظمته الحقيقية. من المحتمل أن تكون تلك هي فعلاً اقدام أمة في العالم، لأنها لم تنفك عن مشاهدة نفسها في ذات المرآة. وكل ما كتب حول عدم نضجها، أو حول قدرتها على الارتجال الفجائي التغير، يصطدم بهذا الثبات الراسخ. ويفسر ذلك بأمل يشتر ك فيه المهاجرون القادمون من كل مكان تقريباً، ألا وهو إيجاد أو تأسيس عالم أفضل من العالم الذي تعرفوا عليه، عالم تشكل فيه الحرية أول مظاهر العدالة. لقد نجحوا في ذلكن مخترقين التقلبات التي يبدو ان الناس نسوها. لقد اصيبوا بالزهو والاعجاب بأنفسهم! ترفدهم الرغبة في درء العدوى الخارجية عنهم. عام 1954، كتب جورج كنيدي في "حقائق السياسة الخارجية الاميركية" :"كي يحافظ مجتمعنا على حيويته، علينا أن نتحول من أمة متشددة إلى امة مرحبة ومتساهلة، في تفكيرها وفي واقعها.. لا خلاص لأميركا في إطار سياق ممن التفكير يحاول اغلاق بابه في وجه محيطه الدنيوي" بكل حال، لا يكفي ان تجعل نفسها نموذجاً. إذ يجب ان تشارك باقتناع أم في الحركية الفوضوية لاتي تسود الكرة الارضية فكيف تجتاح الفضاء وتتجاهل مآسي الأرض؟.

هنا، نصل إلى المسألة الهامة وهي أنه من المحتمل أن يتم الاستقرار لأميركا في السنوات القادمة انما منذ الآن ستقوم غالبية الأمم بتحريكها: هل تشعر بوجود هدف سام وهل هي منصرفة نحوه؟ أم أنها آمنت بذلك فقط في انعزاليتها من خلال تدخلات منظمة، عندما كان كل شيء ميسراً أمامها، ثم عندما أرخت بكل ثقلها في التزامات الساعة الأخيرة (نيسان ـ أبريل 1917، وكانون الأول ـ ديسمبر ـ 1941)، وأخيراً من خلال الهيمنة النقدية، المستمرة منذ عام 1944 والمستنفذة حتى الرمق الاخير؟ وما يشكل كل الفارق بين أية وضعية استثنائية وتحمل مسؤولية مصير العالم هو ارادة الشعب الواعية. فهل هي موجودة؟ قد يتحمس الرأي العام في سبيل مصالح عدة، ومن ثم يرسلها إلى الشيطان، أو ربما يقوم تحريض الرؤساء المتأني بتعبئته، كما حصل مع ويلسون أو روزفلت اللذين أدركا، في 1917 و1941، أن التملص من الصراعات يشكل تهديداً مباشراً لمصالح البلاد. اليوم، تبدو أميركا قادرة، ليس على الدفاع عن المواقع المكتسبة التي ليست شرعية بالضرورية، بل على الارتقاء إلى الواجهة كي تدافع عن مصالحها الفعلية، كما تفعل اية أية أمة عادية، بحيث قد تنجح في ذلك، بشكل او بآخر.

العمومية، المصير المشترك: إنها دون شك تعابير محرمة بالنسبة للمواطن الاميركي الذي جعلته سلسلة طويلة من الانتصارات، الاول بين أتراه، وكذلك على وعي تام لمزاياه، وأهمها هي قدرته على اللا مبالاة بالحقائق التي تجابهه بها الشعوب الأخرى في كل آن. وكذلك اللا بمبالاة بالظلمة التي تفرضها النزعات الدكتاتورية اليمينية أو اليسارية على الحريات وغالباً على رفاهية العيش. عن جماهير العالم الثالث خاضعة لتجربة العوامل التي تؤدي، يوماً بعد يوم، إلى حياة، غير مستقرة. هناك تبدو المباهج ضئيلة، كما هي حال ميزانيات الأسر. فالتعليم هو امتياز تتنازع عليه الشخصيات البليغة اللسان. ويقوم ارتفاع الدولار أو هبوطه وعنف الأسواق غير المعتمدة على المواد الأولية، بتمزيق كل الحالات المعيشية التي تتقاذفها شتى الرياح. ليس الاميركي اميركياً دون نتيجة. إذ ينبغي به الا يكون هكذا. الشيء ذاته سأقوله عن الأوروبي،علماً أنه هو أيضاً ضحية، وجلاد. وربما يستطيع أي منسق الي من نوع كراي2،وهو ضروري لأجهزة السلاح المعقدة ان يضع على طاولاتنا المجموعة الضخمة من القرارات والتصريحات التي صيغت "باسم الإنسانية". هنا أيضاً، قد تكون الولايات المتحدة رائدة في ذلك، وحتى فيما يتعلق بنبل ونزاهة هذه التصريحات. إنما، هي كانت هذه الأخيرة كافية لخلق أمة استثنائية فيما يختص بالمثل العليا والمآثر الحميدة، أم انها ادت فقط إلى اراحة ضمير أمة بين العديد من الأمم الاخرى؟.

وإذا كان ينبغي الاضطلاع، بصورة لاهية، بل وحتى مرحة، بالمسؤوليات الحسام التي تتمحور حول هذه الدولة الكبيرة التي تعد حوالي 240 مليون نسمة، يستقرون فوق مساحة تقدر بـ 9 مليون كيلو متر مربع، مع الاخذ بعين الاعتبار أسباب المعيشة التدخلات والنوافل التي تقدمها، يتوجب عندئذ بكل أسى، عدم التفكير بمستقبل مميز: "اواه! أين أبو زريق طائر الميسيسي الأزرق؟. لقد فعل خيراً بتحليقه! لست أرى سوى مياه صفراء آسنة تنساب تحت قدمي، بين ضفتين موحلتين تنتشر فوقهما المعامل هل ينبغي بنا ألا نرى سوى قفا المشهد، أي هذا التحول القدري الذي نقل، خلال أجيال عدة،شعباً يتمتع بشباب مرح إلى شيخوخة أنانية في تشبثها وقوقعتها؟. نصيحتي هي عدم الاسراع في الاستنتاج، وأن نكون في مثل تبصر فيكونت "دوسونفيل" الذي ربما يمت بصلة إلى مدام دوستايل، الجيدة الخبرة بالجغرافيا السياسية: "عن الذين يتحدثون عن انحطاط وتأخر الولايات المتحدة (عام 1883) هم أولئك الذين لم تطأ اقدامهم ارضها أبداً أو أولئك الذين ذهبوا إليها بخلفية مسبقة، والحالتان تتطابقان تماماً. إذ لا نهاية لمستقبلها الزراعي والصناعي…" كذلك يبدو التطرف المعاكس ضلالياً: في الستينات، برهنت دراسة جماعية، تحمل عنوان "التحدي الاميركي" عن وجود ازدياد ثابت في التحديثية الاميركية. ولسوف تقوم هذه الرؤية الشديدة الاحادية بتسميم الكثير من الأفكار دون ان تؤدي رغم ذلك إلى تثبيط العزائم الناشطة في اليابان، ألمانيا والبلدان الحديثة التصنيع. اليوم، ومع وجود التحدي أو بدونه، تقف صناعة بلاد ما وراء الأطلسي وتقنيتها مبهورة أمام المنافسات الخارجية، لم يكن ثمة في ذلك تهيؤ مسبق ولا موهبة، بل صلابة في بذل الجهود فقط. إذ ان الاعداد الفكري والحسي يساعد الهدف السياسي على السير قدماً، إن يكن ذلك بصورة ضمنية أو جلية. هذا الاعداد يروق للشعب، أو على الأقل يجمعه. ولدى قراءتي للعبارات التالية المتعلقة ببلدي والتي تعود إلى ما قبل قرن من الزمن، لا يسعني الا الانفعال والسخط: "أثناء أفول نجمك المؤقت هذا، ابقَ على الأقل وفياً لعبقريتك، حاول الا تصبح شعباً ايجابياً، مخططاً وعملياً! احتفظ بما شكل في الماضي روعتك وعظمتك، أي هذا القبس الذي ما زلت تعمل على اشتعاله في سبيل كل الأفكار الخيّرة، وهذا الحب الذي تكنه للمثل العليا التي غامرت من أجلها بتضحيات خطيرة متعددة، وهذا التذوق للجمال الذي تعلم أحياناً كيف تفضله على ما هو مفيد، ولا تتوان أبداً عن التماس هذا الولاء الذي أبدته لك اجدى الاجنبيات من خلال أبيات ايحائية فعلاً: "فرنسا! احبك لأنك شاعر الأمم".وهكذا كنا جميعاً تقريباً نستفيد من هراء جديد بالتقدير والاحترام، يهدئ أكفارنا تارة ويغبطها تارة أخرى. وبالتالي، ظنت أميركا أنها صحابة المكان الأول إلى يمين الرب ووجدت في هذا الموقع المشرق تبريراً لاختلاط سلوكها. وعندما يقف الوضوح في وجه هذه البلاغة العاطفية، تتذمر هذه الأخيرة منه وتصاب بالاحباط. وفي وهم الانعزال، تتراءى لنا ظهرا المنافذ التي ستلجأ إليها. إذ ذاك، تقوم الدولة المدافعة عن حرية التبادل بنصب حواجز الحمائية غير مبالية بتصريحات الامس وبالنضال في سبيل تطبيقها.

كل الأمم تتفرس في وجه الجمهورية العظيمة كي تكتشف فيه السذاجة أو التجاعيد، الرضا أو عدم الاستقرار، الارتجال أو التخطيط، الوضوح أو العناد، الأمانة او التغير المفاجئ. وهذا ما يسمى ممارسة السياسة الخارجية. ما هو مدى طفرة المجتمع الاميركي وهل أن حركيته هي باستمرار أقوى منن الصعوبات؟ إنما في هذه الفترة من تاريخها. وللمرة الأولى، يتوجب على أميركا ان تكون ـ وأن تكون أولاً ـ أمة كغيرها من الامم، كي يتسنى لها ان تصبح أمة مميزة.

إذ لو تتبعنا المسار المتسارع، الذي بدأ تنفيذه منذ عام 1945، بعنف وحماس، فلسوف نتبين فيه، دون كبير عناء، المراحل التالية وهي مراحل الوهم والوضوح.

هناك أولاً التخلي. التخلي عن ماذا؟ عن الأمثولة المطمئنة التي اعطاها جورج واشنطن والتي حكمت، طيلة أكثر من قرن، العلاقات بين الولايات المتحدة والخارج. "فيما يتعلق بالدول الجنبية، ستكون قاعدتنا الأساسية في القيادة هي الابقاء إلى أدنى حد ممكن على العلاقات السياسية، مع توسيع علاقاتنا التجارية معها… ومن خلال مزج مصيرنا مع مصير أي جزء من أوروبا، لماذا نشبك سلامنا وازدهارنا مع اضطرابات طموح الأوروبيين، عدائهم، مصلحتهم، مزاجيتهم واهوائهم؟" منذ مدة طويلة، كانت الولايات المتحدة تعلم أن هذه الصورة المنجزة في نهاية القرن الثامن عشر، والسهلة الصنع لم تتطابق قط مع "تعقيد" العالم وإنه كان ينبغي أخذ هذا التعقيد بعين الاعتبار. وحينما كان كارتر يؤكد ذلك، كتب نيسكون (عام 1980) متأملاً: "لقد قذفت الحربان العالميتان الأولى والثانية بالولايات المتحدة إلى عمق السياسة العالمية، قبل ان تكون مهيأة لذلك" لذا، فهي بحاجة إلى وقت طويل. اما القوة، فكانت تمتلكها منذ نهاية القرن التاسع عشر، الا أنها كانت تنوي تكريسها لسلامها، حريتها، وسعادتها. ونادراً ما تستمر حالات الأنانية الشديدة الانغلاق في مستقبل البشر. لذا توجب الخروج من هذه الشرنقة الغضة. وهذا ما تم القبول به، من منطلق الاعتقاد بأن فيض الفضائل أو المداخيل قد يساعد على التنظيم مسيرة العالم، مثلما تم لها النجاح في الداخل: إنما، قبل القبول به ـ أي المصير، كما يقال ـ كمنت ردة الفعل في تجنب انتشار أي استعمار جديد، منذ التعرض "للحدود" الداخلية في عام 1890. لقد كانت هناك فعلاً هاواي، غوام، بوتو ريكو، الفيليبين (1898) لكنها بسرعة تمالكت نفسها، مع احترامها للسلطات الحاكمة، شرط ان تكون الأسواق مفتوحة، دون أي تمييز. لقد كانت الطريق الرئيسية بالنسبة للولايات المتحدة هي طريق التجارة الخارجية، وهي سياسة أكثر واقعية من سياسة السلطات الاستعمارية، ولكنها كذلك سياسة وقحة: إنها إذا صح وقاحة "جديدة" في كون الدولار يحل محل مرمى المدفعية التي كان المستعمر يتدرب، إلى ذلك، عليها. وكنتيجة طبيعية، حاول ان يؤسس دبلوماسية "جديدة"، تستند إلى التحكيم الدولي، تستفيد من التوسع التجاري، وتجمع الدول في إطار "عصبة" بهدف احلال التفاهم فيما بينها. غير أن الحرب العالمية الأولى أتلفت هذه المبادئ، كما أساءت الأيام التوالي استخدام المخطط الاولي الذي تناولها. حتى ان مجلس الشيوخ رفض الموافقة على منطلقات الرئيس ولسون الدولية الواهية. فتمخض الانعزالية عن حماية مدعومة بغية تعزيز توسع السوق الداخلية. ث جاءت أزمة 1929 الشهيرة لتفاقهم هذه الانعزالية الاقتصادية التي توصلت، سياسياً إلى نوع من الحياد الذي لم يكن بالفعل مناسباً آنذاك، واستمر الأمر هكذا حتى عام 1939ز وفي 7 كانون الأول (ديسمبر) عام 1941، أعلنت بيرل هاربر اختصار مبادئ واشنطن: حتماً، كان ينبغي على الولايات المتحدة ان تعيش زمانها وأن تدافع فيه عن مصالحها ورفاهيتها. لقد ضاقت حدود العالم بحيث يمكن رؤيته من جميع المدن الاميركية منذ ذلك الحين. وبالتالي، راحوا يقنعون أنفسهم بأنهم يتكلمون باسم الإنسانية، ولا شيء أقل من ذلك!

أما المرحلة الثانية فكانت مكرسة لتشجيع دينامية الاقتصاد العالمي، الذي يديره التمويل الاميركي، وتؤمنه تجارة خلو من القيود.

المحروووم
06-10-2003, 03:25 PM
الفصل السابع

باسم المصلحة

أكثر ما يحيرني، خلال نصف قرن، أثناء انكبابي على تدوين أسباب سلوك الولايات المتحدة الخارجي، هو استبسالهم في هدر الطاقة والدماء من أجل رهانات لم تدرس بدقة. ان أحدث مثال على هذه المحركات ازاء العديد الجدوى، وأغربه، هو المغامرة الفيتنامية. لقد ظننتم، ايها الاميركيون خلال عشرين سنة، ضربتم وأوقفتم هناك الشيوعية العالمية، فإذا بأملكم، الهش جداً بالحرية أضمحل: لقد نصبتم قيصر موسكو الأحمر على حدود الصين الجنوبية، وعلى البحر الذي يحمل اسمها: ان فيتنام هي حليف موسكو ـ الغالية جداً، واثناء حربكم ضدها، كنتم بالطبع تعملون لصالح الصين الشيوعية، عدوتها. إنما عندما خسرتم هذه الحرب، ضمنتم محاصرة الصين، من الشمال والجنوب، من قبل خصمها الشيوعي في موسكو. لولا تدخلكم، لتحركت الصين عاجلاً ضد الاطماع الفيتنامية والسوفياتية المتعلقة بشبه الجزيرة الهند وصينية بدلاً من ابدائها التضامن معها. كان لديكم متسع كاف من الوقت لتستفيدوا،مع القليل من النفقات، من هذه الخصومات الشيوعية، التي تشكل ترجمة حديثة لتاريخ قديم جداً.

هذا ما قلته لكيسنجر، مع بعض التعقل: ثمة مصالح اميركية فعلية وهامة تستحق التزام الأمة. وثمة تحاليل خاطئة واهواء خطرة لا تستحق تحرك العقول ولا حتى تحرك الطاقات. ان إحدى نقائص المجتمع السياسي الاميركي هي أنه لم يعرف كيف يقوم بهذا الاختيار بوضوح وصفاء.وهو، في كل لحظة، يجعلنا نشعر ان نفحة من الهواء الساخن تكفي لتعطيل المنطق العقلي، وان الهيجان، بالمقابل، يتفوق تماماً.

هل ان ذلك هو نتيجة لبنية المزاج القومي الامريكي؟ لقد طلبت من مؤلفين أو ثلاثة الاجابة على هذا التساؤل، قبل ان أحاول أنا شخصياً الكشف عن المصالح الاميركية.

أول هؤلاء، وهو دبلوماسي بازر وكاتب كلاسيكي وحاضر النكتة، أصبح مؤلفاً مسرحياً ذائع الشهرة. ففي عام 1919. كتب "أميركا الصديقة" Amica America. وعام 1930، وإثر العديد من الكتب الاخرى، كتب "مغامرات جيروم بارديني" Les aveentures de jerome Bardini الذي قرأنا فيه ما يلي: "الا ان "فونترانج" الذي انكب عليه كل رؤساء الجمارك في مدينة نيويورك، كان وجد طريقة تجعله يحجم عن الغضب وعدم الاندهاش مطلقاً مما يقدمه له هذا البلد الجديد. انها طريقة سهلة: كان كيكفيه ان يعتبر الولايات المتحدة، ليس كأمة، بل كحلقة، كنادٍ. من هذه الوجهة، كان يفسر كل شيء، يدرك كل شيء، ويدعو كل شيء إلى العجب. ان صعوبات الدخول في البداية، ثم التخلص من بعض رفاق السفر الذين، إلى ذلك، كان "فونترانج" يتعاطف معهم بصورة خاصة، كل ذلك كان مطابقاً بدقة معقولة لإجراءات بعض الحلقات الثانوية، القائمة في بولفار مادلين أو في شارك بواسي دانجلاس. هذا التفاخر المتعجرف بكون المرء اميركياً، الذي يتباهى به الرودينيون والمولدافيون القادمون من المدينة هو عيب صغير تشتهر به نوادي الرجال، وحتى في نادي الفروسية. فمن يسمى "بن ليفي" يستطيع فعلاً ان يخاطب "هوفر" بالصيغة الفردية، بينما نجد عادة أعضاء في نادي الفروسية ينادون رئيس مستخدمي الفندق باسمه الفردي. وقانون التحريم هو: أجراء يقوم به النادي، حيث لا يشربون سوى خمور المالكين الأعضاء فيه. وهناك الاسراف في استعمال الشعارات الوطنية وفي الانشاد الوطني: شعارات النادي، أناشيد النادي. كذلك صراع ناطحات السحاب مع برج إيفل: تنافس النوادي. لقد أصبحت السياسة الاميركية، وهي لا معقولية اللامعقوليات، المنطق الذي ينُظر إليه من هذه الزاوية بالذات: انها تعتمد، في العالم أجمع، على احلال النوادي مكان الامم، وإذا كان مجتمع الامم هو عدوها الاكبر، فذلك لأن مجتمع الأمم هو بالتحديد نادٍ، أكثر انفتاحاً، ظاهرياً، لكنه في حقيقة الأمر أكثر انغلاقاً… وهكذا، ولدى اجتيازه انكلترا الجديدة بواسطة البولمان، راح يوزع فيها لياقته وأدبه على جيرانه، أصحاب المليارات سكما على الزنوج الخدم: كانوا جميعاً يتمتعون بمميزات النادي، أي بالنبرة الاميركية، لقد كانوا متساوين…".

سوف نغفر،كما اتمنى،فن الحيل هذا، الذي يخفي دون شك حقيقة ما.

أما "رأي .أ.بلينغتون" فكان أقل ميلاً للفكاهة. ففي "الرواية الاميركية" The American story (1956)، يرسم صورة نموذجية للأميركي،اختصرها كما يلي: اغن مميزاتنا ومؤسساتنا لا ترتبط بمجملها بملحمتنا عن "الحدود" بل ان هذه الأخيرة اثرت فينا لدرجة أصبحنا معها متميزين عن كل شعوب العالم: إننا مبدعون، متكيفون، وواسعو التجربة. أما على الصعيد الفردي، فلا نطيق مطلقاً تدخل الدولة أو المجتمع في حياتنا، الا أننا نمتلك مفهوماً عميقاً عن الديموقراطية، تعززه مدرسة الرواد القاسية. وفي فترة قرون ثلاثة، استطاع شعب جديد، صلب وقوي، ان يخلق حضارة فعلية.).

وإتماماً لسياق هذه الترسيمة، التمس تدخل "راسل و. دافنبور" (و.م.

أ ـ الثورة المستمرة، 1951): إن مادية المجتمع الاميركي السادرة لم تؤدِّ إلى استغلال الإنسان لللإنسان، بل ربما إلى نوع من الرتابة التي تتواجد، لحسن الحظ، في كل ولاية، إلى جانب تنوع غريب في الجسم الاجتماعي الاميركي. وأعني به تنوع الاقاليم، البيئات والنشاطات. ليس هناك من نمط واحد بل أنماط أميركية عديدة في الحياة! لكن حماس الاميركيين هو الذي يدهش الاوروبيين في كل مكان. ومما قاله ثيودور روزفلت في بداية هذا القرن: "أود ان أبشر، ليس بمبدأ رفاهية غير مستحبة، بل بمبدأ حياة ناشطة". وهذا هو المسار المتبع، في العمل أو في التسلية: التوثب، لأن الطاقة تخلق الطاقة، في طبيعة رائعة (يخطر ببالنا وولت وايتمان). هذا النشاط يجتاحه الخيال: يمكن للإنسان ان يبلغ الكمال، وما عليه الا أن يُعمل ارادته في ذلك. ومع المجازفة بالاغراق في تفاؤلية مصطنعة وتقدم تافه،بجهد الاميركي، يكافح، ويغامر كي يوضح هذا الاستحقاق الحياتي: العمل. كل إنسان مساوٍ للآخر: إن الاميركي مقتنع بذلك لدرجة أنه يبدو واثقاً جداً من نفسه. غير ان هذا الاعتقاد يبرز في ادراكه لحقوق الغير، التي يجدر تماماً احترامها. اضافة إلى ذلك، ثمة ممارسة لنفحة من الكرم التي راحت تنمو منذ الطفولة كفضيلة ديموقراطية، هذه الممارسة تتم دون سذاجة إنما أيضاً دون صلف وكبرياء. ثم هناك تسامح عفوي طبيعي يتمم هذا السلوك، وفيه يحترم المرء نفسه من خلال احترامه للآخرين. ان الذرائعية الاميركية تتجلبب بسهولة بجلباب المثال، بحيث تجد فيها الديموقراطية صفة نوعية خاصة، وهي ان الحضارة الاميركية هي حضارة شعبية بصورة أساسية، تمزج بعض السجايا العاطفية مع المثل الديموقراطية. وينبغي ان تكون هذه المثل من الفضائل التي تمارس يومياً، وإلا فقد نمط المعيشة الاميركي معناه،خصوصاً إذا لم يعد المواطنون مقتنعين بأنه يفترض وجود المثل في داخل الفرد قبل كل شيء. إذ هذا هو سر السلوك الاميركي.كذلك، ليس "التقنين" الذي يسهل ابرازه، سوى تقنين الاشياء، بل وحتى الأجسام، وليس مطلقاً تقنين الروح.فالتخطيط والآلة هما في خدمة هذه الأخيرة، بحيث ينميان قدرتها ومجالها. أما بالنسبة لـ "الامتثالية"، التي يكثر غالباً ذكرها هي أيضاً، فهي ليست سوى نوع من السهولة في الحياة العادية: فالاميركي قادر على ألا يكون إمتثالياً فيما يتعلق بالأمور الجوهرية، وقد يصل الأمر به الى حد سفك الدماء إذا تعرضت معتقداته للخطر. وبدءاً من القرن الثامن عشر، الذي يعتبر بالنسبة للولايات المتحدة "عصر المنطق"، اوضح إعلان الاستقلال جهاراً ان الأمة مكرسة لهذا الاعتقاد ("الاقتراح")، وهو ان الناس جميعهاً ولدوا متساوين. أخيراً، فإن إيمان الاميركي المقلق بالعقل الإنساني ـ المسيحي حتماً ـ هو الذي يحفظ الاميركي من أخطائه الذاتية والذي يستطيع حتى ان يخلص العالم الحر.

هاكم اذاً! فمن خلال اختصاري للنص، حاولت ان أكون أميناً للرسالة والمبتغى. ولسوف يسخر الكثيرون، وحتى دون قصد الايذاء، من هذه الاخلاقية النفسانية المتساهلة التي لن يعرفوا بأنها تسكن في حنايا محاوريهم،المجاورين لهم وابناء السبيل، المدنيين والعسكريين. إلا أنني أعتقد أن هذا الوصف للفرد الاميركي هو وصف صحيح،ليس لأنه مطابق لما يحاول ان يكونه أو لما يشور عليه محيطه بأن يكونه، بل لأنه يفسر ذلك. قد نتأثر أيضاً بالأمل الساذج والراسخ المتعلق بهذا العرض ما نشعر بما هو تافه فيه، وليس دون بعض القلق والانزعاج. لقد اخترت التأثر وأطن ان الاميركيين يستحقون هذا الاختيار.

وهكذا، اقنع نفسي بأنهم (البعض منهم بالطبع) قادرون، دون أن ينتابهم الحنق، على تقبل التحليل الذي سأحاول إجراءه حول مصالحهم الأساسية. عندما فكرت بذلك، ذهلت امام موضوع طرحه زبيغنيو بريزنسكي، الذي كان المساعد المطيع للرئيس كارتر، المسؤول عن الأمن القومي. ولأنه مبتكر لمفهوم "عصر التقنية الالكترونية"، يضع لموضوعه عنوان "مغامرة عبر الباسيفيكي اسمها الاعتبار الاميركي"ـ تؤمن للنظام الاقتصادي العالمي اتجاهاً وثباتاً جديدين. بالطبع، فقد لا يكون المستقبل القريب مستقبل أي نظام متكامل، إنما قد يتشابك رجال النخبة"بما في ذلك رأس المال، في أية مجموعة صناعية غير معقدة، ويأخذ التخطيط السياسي مجراه الطبيعي.

وفي المسيرة الطويلة باتجاه اقتصاد متكامل على الصعيد العالمي (وهل نفترض ان هذا هو الأسمى؟) ينضح الاعتبار الاميركي بـ "دينامية جديدة"، أي بدينامية "مغامرة جديدة وضخمة" أمام التاريخ. ولمَ لا؟ إذ أن لدى كل من أميركا واليابان ذات الحاجة احدهما للأخرى (الأمن، السوق، التقنية، الاستثمار، الرساميل) على هذه المستويات، في حين ان العلاج الذي تفكر به اليوم الولايات المتحدة هو حث اليابان على إنماء دورها ونفقاتها العسكرية وهذا ما لا ترغب به مطلقاً هذه الأخيرة في الوقت الراهن.

إن تعليلات بريزنسكي عادية: يمكن للحمائية الصاعدة أن تدمر كامل التعاون بين الأمم الذي دعت إليه الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية. ويمكن للوضع المالي ان يعزز الخوف والذعر، وذلك مع نسبة 30 إلى 1 بين الديون والرساميل (كانت النسبة من 15 إلى 1، عشية عام 1929) مع البلدان المثقلة بالديوان. إنما وبشكل خاص، وخلال السنوات الخمس الاخيرة، تحول أكبر دائن في العالم إلى أكبر مدين: بصورة سريعة، تصبح ديون الولايات المتحدة 500 مليار دولار (!) واعتمادات اليابان 600 مليار دولار. كما نرى اذاً، تصبح هيمنة الولايات المتحدة على العالم مهددة بالخطر، فيما يتعلق بالاقتصاد كما بالدفاع عن العالم الحر. وإذا استمرت في اندفاعتها الراهنة، تصبح الحرب، والافلاس أو التضخم أموراً مؤكدة. فما زال الكثير من الناس يعيشون، وربما السيد ريغن نفسه ـ في توهمهم الذهبي والمطمئن بعصر أميركي مضمون. لكن الحال هي ان هذا لاعصر يضمحل منذ أكثر من عشرين سنة. وكل الرؤساء بمن فيهم كنيدي تمسكوا بنبرى الفخامة والأبهة، بأسطورة المهمة العالمية، وبامتيازات الوضع الاستثنائي الذي تتمتع به بلادهم. ولكن هذا لاوضع اصيب بالتفتت، مع خدم البيت الذين أصبح من المستحيل دعمهم، مع مرور الزمن. لقد كان نيكسون وريغن ساحرين يجيدان الحديث عن السيادة دون تقديم أية مذكرة بذلك. فكان كارتر مستبصراً للتغيير الضروري لكنه انتهى اخيراً بإرساء سياسة مغايرة لما تنطوي عليه دواخله. إن الجدل العنف خلال 1986ـ1986 حول بعض الحد من الأسلحة النووية السوفياتية الاميركية يرجع، بصورة ضمنية الى حقائق ما زالت غير واضحة تماماً: إذا كانت الولايات المتحدة ترغب بتقليص تواجدها العسكري في أوروبا، فذلك لأن العبء يبدو ثقيلاً جداً عليها، في هذه الأزمنة الباهتة. وفي نفس الوقت لأن أوروبا الاثنتي عشرة دولة أصبحت تشكل المجموعة الصناعية الأشد قوة في العالم.اذاً، فلتدافع هذه المجموعة عن نفسها، علماً بأن الاتحاد السوفياتي، كما الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى توزيع جديد للسلطة داخل حلف الأطلسي. هكذا، وربما ببطء، يتمزق الستار، بحيث تشتري أوروبا من الولايات المتحدة ضعفي مما تشتريه من اليابان: أي 22% من صادراتها، بينما تبلغ مشتريات الولايات المتحدة من أوروبا ربع مشترياتها العالمية. أما جارتها كندا، فتابعت معيشتها وبالتعامل مع أوروبا. وكان لابد لهذه العلاقة المتبادلة وهذه المشاركة من ان تنفرض كذلك في الجغرافية السياسية، وليس في حالات التبعية التي تكاد تكون خفية.

ان الشعوب تعي مصالحها، بصورة مباشرة إلى حد ما. انها غالباً ما تخطئ، وقد يكون تقديرها لهذه المصالح مدفوعاً بالكثير من الذاتية أو ببعض اللامبالاة، إنما من يستطيع ان يشك بأن هذه الشعوب تتصرف تبعاً لمصالحها، المادية أو المعنوية، من منطلق ادراكها لها؟ غلاباً ما يقوم رجالات الدولة بمعجزة كي يلتقطوا هذه الرسالة الشعبية، ويستخدموها أمام رؤيتهم وسلوكهم. على هذا الصعيد يعتبر ولسون، روزفلت، كارتر وريغن نماذج ينتهون، إذا ما خضعوا لأي مطلب تلتمسه القاعدة، إلى تحويل هذه الطاقة باتجاه سياسات شديدة التنوع: على هذا الأساس، توصل ريغن، الذي أنتخب لأن راح يجدد الممارسات القديمة المقدسة، توصل إلى مهارات فائقة في النقد والاقتصاد لم يسبق لها مثيل، اضافة إلى أننا قد نكون في غاية السذاجة إذا تحاشينا اعتبار مناهج التجهيل التي أصبحت إحدى وسائل السلطة. في الغرب، يتحدثون بمحاباة عن هذا المنهج السوفياتي الذي تتعدد عندنا محطاته شبه المستترة يقول فرانسوا ميتران أن "الصواريخ موجودة في الشرق، ومحبي لاسلام في الغرب" مؤكداً ان ذلك يشكل وجهين لسلوك واحد. وعندما يعترض الرعايا السوفيات في روسيا على أسلحة الجيش الأحمر النووية، يتوقف نزع السلاح عن كونه دعاية ليصبح أمنية صادقة، إنما هل يوجد في الغرب آليات مماثلة، وكم من الحملات التي تم التخطيط لها وتوجيهها، من واشنطن،خفية عن لاشعب، إلى أن يبصر بعضها النور؟آخر هذه الحملات هي التي وجهت عام 1986 ضد فرنسا، فيما يتعلق بليبيا. لقد كوّن وزير دفاع فرنسي، بعد ان أذهله وجود هذه الحبكات المبهمة من التأثير على الشعب وإقناعه، كوّن إذاً فريق أبحاث للتحقق من اجراءات اخضاع الرأي العام هذه. لن نلومه لأنه حاول أن يكون واضحاً. وليس مؤكداً أن أوائل المؤسسين للجمهورية العظمى ـ من جورج واشنطن إلى أبراهام لنكولن ـ كانوا أبرياء حسبما تطرحه اسطورتهم. إنما من يمكنه الادعاء اليوم،بسلامة صدق وحي السلطة؟ وفي غمرة كتابتي للجملة الخطرة، والوهمية إلى حدًّ ما: "لو كنت أنا أنتم" تبينت لي أهمية وضرورة طرح هذا السؤال.

ول كنت أنا أنتم! قد أحاول بادئ ذي بدء ان أتحقق من مصالحي الحقيقية، أي تلك المصالح التي تضمن حمايتي، رفاهيتي، وازدهاري. ليس تطبيق ذلك سهلاً، إنما في عدم القيام به أو اعادة القيام به، نجد أنفسنا متورطين ومهزومين في فيتنام، كأننا عملنا من أجل "ملك بروسيا"، وعليه من أجل السوفيات وضد الصين، مع قلق متزايد عند الرأي العام الذي لم تكن هذه المعركة بالنسبة له، معركة الولايات المتحدة. هنا أورد هذا المثل، الواضح جداً. إنها حرب ارتقاء وهمي، تسلسلت احداثها مع لا مبالاة الشعب والكونغرس. هذه الحرب كان ينبغي وضع حد لها ولو مأساوي، في حال عدم التفكير المستمر بأهدافها. ألم يكن من الأفضل للولايات المتحدة لو توقفت عن التشبث بهكذا صراع ضد الشيوعية العالمية؟ وفي فترة لم يكن يتحرك فيها حجر واحد دون ان يشيع أمر تحركه في كل مكان، هل من المفروض ان نرى في ذلك إقحاماً لأي مصلحة أميركية؟ المطلوب من الأمم الغربية ان تكون شديدة اليقظة، إنما هل ينبغي ان تتهافت الجماعات حانية الرأس كلما نبح كلب حراسة؟ وعندما كان كارتر يعزو ضعف بلده إلى اخفاقاته الخارجية،كان الرأي العام ينتقد تخاذله امام ضربة الدولة الشيوعية في أفغانستان، واغتيال سفيره ثم فيما بعد احتلال القوات السوفياتية للبلاد في كانون الأول (ديسمبر) عام 1979. اليوم يبتهج الاميركيون، وكثيرون غيرهم، لدى رؤيتهم الاتحاد السوفياتي وهو يتورط نهائياً، وقرب حدوده بالذات، في المغامرة الأفغانية التي ستشكل بالنسبة له "فيتناماً" أشد ضراوة من فيتنام الولايات المتحدة. لقد رأينا ريغن يتدخل في لبنان دون تردد، عام 1982،اثر الاجتياح الإسرائيلي لهذا البلد وتعزيزاً له، بحجة حماية "المصالح العامة"، ثم يتوسل لاحقاً إلى الاتحاد السوفياتي كي يتدخل لدى سوريا بغاية تسهيل انسحابه. هذه "الأخطاء في التقدير" أصبحت معروفة، وما زالت هذه الأخطاء تتجدد مع إيران.ويعبر عن ذلك تسلسل إحداث السنوات الأخيرة.ويبدو أيضاً ان اميركا اللاتينية هي مكان مميز فيما يتعلق بفشل الأحكام. ولسوف نعود إلى ذلك فيما بعد.

لا تحمل نصيحتي أي جديد: وافقوا على النظر إلى العالم في تعقده (وهذا الاكتشاف معز لكارتر) تبعاً للتغير الذي يطرأ عليه، وليس انطلاقاً من مذهب المانوية في الاستقطاب الثنائي. فاليمن الجنوبية تخضع حالياً للوصاية السوفياتية، ويحدث الصراع فيها بين العشائر المتنافسة، بعد أن يتم التخطيط لكل شيء في موسكو. اذاً، ان افغانستان أسهل بالنسبة للسوفيات! اما صين ماو، فاندفعت لاحتلال مواقع لها في العالم بغية تضليل الأخ السوفياتي، الذي لم يعد علمه يرفرف باعتزاز، وفي مدغشقر كانت عواقب الوصاية السوفياتية نكبوية، إذ لم تعد الجزيرة الكبيرة شيوعية. وفي نهاية التجربة، هناك ايضاً انغولا والموازمبيق ثم أثيوبيا كذلك.هل لي بأن أطلب منكم التحلي بالصبر، وحس الملاحظة والعمل؟ وينبغي ان احذركم من سياسة تقبيل اللحى التي يدفعكم إليها غالباً رأيكم العام المتقلب، الذي تؤدي تغيراته العنيفة إلى تغيرات في أوساطكم حيث تكون التغيرات في المزاج والحماس أمراً مألوفاً. وتبعاً لذلك، جددوا دبلوماسيتكم النازفة بسبب عمليات التطهير الحمقاء التي تقوم بها المكارثية المتحولة إلى الهواية من خلال وضع انصار سياسيين في كل السفارات الهامة. كونوا شاهدين على الاهتمام المقام حولكم، بدلاً منان تشهدوا على مودة تكون في نهاية الأمر جد وقحة. حاولوا الا تقولوا "أريد" بل قولوا "يبدو لي أنه من الأفضل" فمن هذا التغير وحده في الكلام سينشأ موقف آخر وعلاقات أخرى، ومع أصدقائكم قبل كل شيء.

ثمة توصية ابيح لنفسي التماسها وهي معادلة الطموحات مع الطاقات. لقد بقي هذا الاجراء ـ الحقيقة مرفوضاً أو مموهاً منذ قرر نيكسون وكيسنجر التخلي عن الدفاع عن الوضع الراهن القائم في العالم وتكييف الاستراتيجيا الاميركية مع الواقع المستجدة وذلك بتوقفهما عن التصدي لكل تهديد، والتحرر من المزايدات في آسيا، والبحث عن طرق في الاعتدال المتبادل مع الاتحاد السوفياتي، وتجميع كافة عناصر أي تنافس معقد. لكن هذا "المذهب" كان يستلزم تعريف الاتحاد السوفياتي على التكافؤ العسكري، وإقامة علاقات مع الصين واستخدام الحلفاء الغربيين وكأنهم تابعون. حتى انه كان يتصور توازناً معقداً بين القوى الاقتصادية الخمس: الولايات المتحدة، أوروبا، الاتحاد السوفياتي، الصين، واليابان، للأسف ومنذ عام 1971، وراحت التلاعبات بالدولار تكيل الضربات، يوماً بعد يوم لهيكلية هذا المذهب، حتى ولو كان في ذلك خرق للمبادئ النقدية والتجارية التي وضعها الاميركيون سابقاً، هذا إلى جانب ميل علني للهيمنة (الهدف الأكبر). ومع الادعاء باعطاء السياسة الخارجية "مظهراً جانبياً غير ذي أهمية"، من السلطة السالفة. "إن الضعف سيكلف امتنا غالياً إذا ما أرادت ان تتقبل ذلك وقوتنا هي عامل استقرار اساسي في عالم مليء بالاضطرابات والتغيرات"، على حد تعبير نيكسون. إذاً كيف يمكن تخفيض النفقات العسكرية أو اقناع الدولة بأنه يجب عليها تحمل اعباءها؟ أما عام 1973، الذي أمتد حتى عام 1974، وهو تاريخ استقالة نيكسون كي يتجنب تهمة الخيانة العظمى، فكان، أي عام 1973، مدمراً لكافة الطموحات. ومع أزمة النفط تنهار رقابة الولايات المتحدة على نظام اقتصادي كانت هي نفسها من مزَّقَةُ. وكان أن انطلقت بعض البلدان النامية دون ان تطلب الإذن من أحد. وفي الشرق الأدنى، فتحت "سياسة التقدم البطيء" الطريق باتجاه اخفاق دائم. لقد أبدى الحلفاء الاوروبيون الميل إلى التكتل في ظل الصولجان الأطلسي، أكثر من السخط. ومع ذهاب نيكسون. اضطر كيسنجر إلى التنسيق مع عالمية العالم الثالث، المتحالفة مع أميركا اللاتينية، دون ان يتمكن أحد من الادعاء، كالعادة أنها ستنضم إلى المعسكر الشيوعي. وعام 1975، يسقط النظام الفيتنامي الجنوبي. ومع العام نفسه يباشر الروس والكوبيون التمركز في انغولا. وحدها اتفاقات جامايكا (كانون الثاني (يناير) 1976) هي التي بقيت، والتي اعطت مظهراً معيناً للنظام النقدي الذي هدمه نيكسون قبل خمس سنوات. وبين الانتقادات القائمة تبين على وجه الخصوص ان الشعب كان ينكر أية سياسة مرتكزة على القوة والسرية، وتكون رغم ذلك غير فعالة. إنما بلداً من تقدير حساباته، قام بتفسير الأمور أخلاقياً، من خلال تمجيده لعبقرية الولايات المتحدة ورسالتها الحضارية. ثم جاء كارتر ليمجد القيم الاجتماعية العامة ويقلص النفقات العسكرية. ذلك ان حسه الواقعي ازاء حالة العالم لم يكن غائباً لكنه ظن ان باستطاعته التوفيق بين المثالية والمصلحة. ان المبادئ الاخلاقية هي أشد تأثيراً من "السياسة الواقعية" خصوصاً إذا ما اصطدمت بـ "قضايا اجمالية هامة" كحقوق الإنسان، الجوع، التسلح، الشحناء العنصرية، لذا، تجددت المواجهة الدولية، وخصوصاً مع الاتحاد السوفياتي. ثم أزفَّت ساعة اعادة التجهيز السريع للبرامج العسكرية، بينما كانوا، من طوكيو إلى لندن، يتهكمون على القيادة الاميركية. وكانت ميزانية عام 1981، العسكرية مكرسة بشكل خاص لقوة الانتشار السريع، وفي ذلك عودة إلى "العرقلة" المسلحة. وفي 15 تموز (يوليو) 1979، راح الرئيس ينتقد تقهقر البلاد: "في قلب أمة كانت تفتخر بجدها وعنائها، بروابطها العائلية بحسها الجماعي المشترك وبإيمانها بالله، يميل الكثير منا الآن إلى الاعتناء بمراعاة بعضهم البعض وإلى احترام الحنكة والدهاء… حتى ان ثلثي مواطنينا لا ينزعجون من الاقدام على الاقتراع.. لكن الحسابات الأخرى بقيت غير مرعية الاجراء: مقابل سلطة عالمية واسعة، ما هي المسؤولية التي وافقت الولايات المتحدة على الاضطلاع بها، بعدان نجحت حتى الآن في الاضطلاع مجدداً بالجزء الأكبر منها فيما يتعلق بالنظام النقدي والتجاري، المنتشر والمفيد؟

بدوره، سار ريغن قدماً، وها أن سيره يصل الآن إلى نهايته لقد انتخبته أمة مهانة، ولم تأتها إهانتها من مساوئها بقدر ما أتتها من اكتشافها لسلطاتها التي أصبحت محدودة. فالبعض رأى فيه مخلصّاً والبعض الأخرى، تلك الشخصية السياسية التي نسميها عندنا "المدهش" الذي يخدع، إنه رجل المواجهة مع الاتحاد السوفياتي الذي توصل إلى ابرام الاتفاق معه لكنه خلف بلداً مديوناً، غير متوازن، قليل الثقة بنفسه ولا يبحث عن خلاص نسبي الا في إطار المناورات التي يتخذها كوسائل تهديد أو ضغط على الشركاء أو المنافسين. ينبغي بالولايات المتحدة على شاكلة الاتحاد السوفياتي الذي لا يرتفع صوت شعبه كثيراً،ان تقدر ثنائية السلطة التي تمارسها. لهذه السلطة الثنائية ميزات جمة. إلا أنها تستلزم التضحيات. لقد تجنب كافة الرؤساء الاميركيين اقامة حسابات أمينة، معتبرين ان الدولة وجدت أخيراً منفعتها في هذا الموقف. إذ أن توزيع العبء يعني عاجلاً أم آجلاً توزيع السلطة. وهاذ ما لم يرغب أحد،حتى الآن، بتصوره أو التحدث عنه.

لو كنت انا أنتم، لأخذت عن أوروبا والأوروبيين نظرة أكثر واقعية إذ ليس من المؤكد ان تكون حكوماتكم المتتالية (أنتم تسمونها ادارات) قد قبلت بأوروبا حسبما اخبرتكم عنها. أن بنية منافس كهذا، قادر على التصرف تبعاً لذكرى أمجاده الماضية، بدت لهم خطيرة حتى كمجموعة تجردت من قوميتها، مع شعورها الباطني بأنها خاضعة لتوجيه المفوضية الاميركية، تلك طريقة كاتبنا بولفاليري في التهكم. كان مهم الدائم هو تعطيل قوتها المتنامية ومراقبة رغبتها في الحرية:

قد خول بريطانيا العظمى في المنظومة الاوروبية، وكانت الولايات المتحدة عرّابها في ذلك، وبالحاح شديد، كان مرصوداً لخدمة هذا الهدف المزدوج. فيما يختص بالبلدان الأوروبية بالذات، فإن الإدارة الاميركية لم تنسب اليها، عندما أصبحت أعضاء في حلف الاطلسي، سوى فقط ميلها للخضوع للتعليمات الصادرة في واشنطن، لدرجة أن كل تباعد في الآراء أو التصرفات يعد اهانة للحلف. ولأنهم اعتبروا ديغول كحادث عرضي سيتكفل الزمن بتخليصهم منه، ارتكب الاميركيون خطأ في حكمهم هذا: كان الرجل هو المعبر عن الوقائع والمشاعر. ولم يؤد غيابه إلى اختفاء هذه أو تلك. بل بالعكس، فبعد عشرين عاماً، أثبت الزمن ذلك، في الاقتصاد، في الاستراتيجيا وفي التوازنات العالمية. لهذا، التمس منكم ان تتقبلوا مع أوروبا نوعاً من أوروبا نوعاً من المشاركة في العلاقة المتبادلة، والا تعارضوا طلبها في الانضمام إلى مواقعكم التي، مهما تغيرت، بقى دائماً في منأى عن الجدل.

إذا كنتم لا تريدون المجازفة بتقليص تأثيركم إلى حدود أراضيكم لتوجب عليكم كذلك مراجعة موقفكم ازاء اميركا اللاتينية أولاً، لأن جمهوريتكم ستصبح تدرجياً لاتينية متأمركة تبعاً لتركيبة السكان ولهمتكم الضخمة التي يبقى عليكم القيام بها والتي قد تبرر سياسة "التعاطف ـ ولنقل، سياسية التلاحم الداخلي. إن توازن مجتمعكم يستدعي انطلاقة ما نحو الارتقاء، وحماية العزّل. وهي انطلاقة تراجعت فعلاً منذ إعلان جونسون عن ""المجتمع العظيم" قبل عشرين عاماً. مذ ذاك، أصبح من واجبكم ان تربحوا المعركة في هذه الحدود الداخلية، وهي معركة أكثر الحاحاً من غيرها، أي من معارك امتلاك الأراضي، ومعارك الحياة الدولية. منذ عام 1823 ومع مبدأ مونرو احتفظتم لنفسكم بحق الرقابة على كافة القارة الاميركية.وحجتكم في ذلك ان التدخلات الأوروبية فيها أصبحت لا تطاق. في الواقع ان البعثة الفرنسية الى المكسيك،بين 1862 و1866، لدعم الامبراطور البائس مكسميليان، هي التي بدت لكم بهذا الشكل. لكن حرب الانفصال عندما كانت على أشدها. وفي عام 1898، خلال فترتكم التوسعي الموفقة التي شغلت نهاية القرن التاسع عشر،ألغت حربكم ضد أسبانيا، وقد أفادتكم كثيراً، الغت كل عارضة لوصايتكم الشاملة على أميركا اللاتينية. مذ ذاك، لن تتوقفوا عن التمسك بها وأحداث فيها انظمة تتعارض تماماً مع تطلعاتكم الديموقراطية المعلنة. ومع بداية عام 1917، خلق فيكم مجيء الماركسية السوفياتية هاجس "يد موسكو"خلف كل حدث يقوم في تلك البقعة الدائمة الاضطراب. أما ضلاكم الشهير فكان، منذ عام 1970، تصرفكم ضد الرئيس التشيلي "اللينيدن الذي شن كنيدي وجونسون الحرب ضده عن طريق جهاز الاستخبارات الاميركية، لقد رحتم تسلكون ضده و:انه زعيم ائتلاف يساري. إنكم أردتم، خلافاً لكل حقيقة، ان تروا فيه، وان تقاوموا من خلاله "خرطاً ماركسياً. لكنه لم يكن سوى قومي يحلم بالاستقلال واللا أنحياز لقد كان جهاز الاستخبارات ومجلس الشيوخ على معرفة بذلك. ثمة مؤلفون أميركيون، مطلعون وغير منحازين، كتبوا كثيراً عن السياسة الغربية والمتصلفة التي دفعت بالولايات المتحدة إلى التدخل الدائم، المسلح غلابً، في كل بلدان أميركا اللاتينية عندما بدأ بعض البؤس الحقيقي يهز نظاماً اجتماعياً شديد التخلف. لن استفيض أكثر، إنما أتذكر فقط هذا التصريح الهام الذي قدمه نيكسون إلى الكونغرس عام 1972،في تقريره حول السياسة الخارجية: ان التجمع البشري الموجود في النص الخاص بنا من الكرة الارضية، كبير وناضج ومتسامح بما يكفي لجعله يتقبل العديد من الجهود القومية بهدف التوصل إلى الخير العام. لهذا السبب، نتعامل، مواقعية، مع الحكومات تبعاً لما هي عليه ـ سيان كانت يمينية أم يسارية… فعلى مستوى النصف المذكور من الأرض، نحترم مبادئ التدخل." إنها عبارات خيّرة ما انفكت، منذ قيلت، عن كونها عرضة للتكذيب! السيادة معترف بها، شرط عدم احترافها. أخيراً، إذا كان الخطر الشيوعي، على حد قول الرئيس ريغن، يكمن على أبواب الولايات المتحدة عندئذ،يجب على موسكو ان تكبح جماح موسكو: هذا ما أشار إليه كنيدي، عام 1962، خلال أزمة الصواريخ في كوبا. فليس الأمر مرهوناً بالبقاء، في اميركا اللاتينية، على أنظمة ذات نسق اجتماعي قديم ومتصلب ازاء تقدم البشر. انا فا أدعي انه يتوجب عليكم مراجعة مبدأ مونور القدوس، مع أنني اتمنى ذلك. لكن الحاجة ماسة إلى تخليصكم من ذهنية فرض الأمن على الجزء الاميركي من الأرض، أي هذه الذهنية التي تجعلكم لا تشعرون بسير الزمن. وعندما سترسم البرازيل أول منحنى في تصاعد قوتها،وهذا الأمر أصبح وشيكاً، فهل انكم ستتمكنون من الهيمنة بسهولة، من خلال "دبلوماسية الدولار"، على تحركات الكونتراس أو استخدامهم؟

هل يدهشكم ربما انني عرضت، قبل بضع صفحات، لوحات متنوعة، ومنمطة جداً عن الطابع الاميركي؟ قمت بذلك وأنا افكر بأنه لا يمكن لأي بلد ان يخلط انعكاس الود الروحي مع سياسته الخارجية. ومن ماكنلي ("العصر الذهبي") إلى ريغن، ومن نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين،لم يطرأ أي تغيير على ردود فعل المسؤولين الاميركيين، لنهم كانوا دائماً يضعون سلوكهم الخارجي تحت تأثير اهتزازات المجتمع الاميركي. لكن هذا الأخير ما زال متأخراً، رغم الرأي الشائع، عن ركب العالم، وعن انقلاباته وتغيراته. ان تأمل الذات يعد سمة مميزة للطابع الاميركي، الذي كان لابد من ذكره آنفاً. لا شيء أفضل من أن يكون المرء أميركياً! هذا الاسقاط، المجامل، لأية صورة جميلة يمنع ادراك الحقيقة الظاهرة. بعبارة أخرى، يقول أحد أفضل الكتاب الاميركيين المطلعين: "لمَ غالباً ما تكون سياسة الولايات المتحدة الخارجية مصدراً للتناقضات، في المجتمع الدولي وعند الاميركيين أنفسهم؟ لمَ تتهم حكومتنا دائماً بأنها لاتفهم شيئاً عن الأزمات الدولية؟ لماذا، تبعاً لذلك، توصلت أمة، شديدة التحفظ ازاء مساندة هتلر، إلى الاغراق في الصراعات السياسية التي حدثت في الخمسينات والستينات؟….. ففي عام 1945، ولدى نقلها الاهتمامات الداخلية الى العالم الخارجي،جعلت الدولة من علاقاتها مع الأمم الأخرى بحثاً عن الديموقراطية، الحرية، التفوق الفردي، الانسجام الاجتماعي والعدالة الشاملة. أما الحرب مع اسبانيا، والعلاقات مع الجمهوريات الاميركية الأخرى، والتورطات في آسيا الشرقية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، فكانت كلها امتداداً رمزياً للمخاوف والرغبات الداخلية. فبعد الحرب العالمية الثانية، وتبعاً لتجاذبهم بين حسنات التحديث وروعة الماضي، بالغ الاميركيون في مغامراتهم الخارجية تسهيلاً لموافقتهم على اللوك الجديدة، الحاصلة عندهم… وطالما لن نفصل بين المشاكل الخارجية ومعضلاتنا الاجتماعية الداخلية، فلسوف نستمر في تعريض الأمن ولاسلام للخطر. وهما ما نتمنى وجودهما كثيراً بالنسبة للشؤون العالمية".

هذا هو فعلاً ما يعرفه الاميركيون ويكتبونه. ونحن، أي الناس الذين في الخارج، نبدو أكثر تأثراً بتقلب الرأي العام الاميركيين وبالتالي بلا ترسخه، المرتبط بالفائدة المحمودة التي يحملها هذا التقلب إلى المشاورات الانتخابية. لقد أصبح الآن بعيداً جداً عن التوسعية الناجحة التي سادت في نهاية القرن التاسع عشر. هذه التوسعية بعد أن اكتملت حدودها، حملت نزعة الاصلاح إلى الخارج أكثر منها إلى الداخل، بحيث كانت تستهدف المصالح المعرقلة بشدة الرأي العام بعيد كذلك عن انعزالية الثلاثينات التي تخشى، أثناء الأزمة الكبرى، من ان تكون المؤسسات فريسة التأثيرات الخارجية. وهو بعيد أيضاً عن النزعة الكنائسية الاقتصادية المتكلفة السائدة بعد الحرب، والتي كانت ترى اغراق كافة الصعوبات في التوسع،وهو أخيراً بعيد عن التصور بأن القوة تقدم الكثير من الخيرات كي تعفي نفسها من أدنى جهد.هذا ما اتمناه على الأقل. إذ أن ما هو أكثر الحاحاً اليوم ليس تداول الدولار كيفما اتفق، أو الانغماس في الحمائية بعد التماس حرية التبادل، المطلوبة فعلاً لذاتها، لا! ليس ثمة من مهمة أكثر الحاحاً، بالنسبة للمجتمع الاميركي، من تدارك الامور، ومن تقوية عصب الامة، ومن التثبت من تلاحمها الذي بدأ هشاً في أزمنة المعاناة، منذ عام 1960، في الداخل كما في الخارج. بين المصلحة الوطنية والمسؤوليات الدولية، بين الدوافع الاقتصادية والضرورات الاستراتيجية، بين الهيمنات التسلطية ومستلزمات أي تقليد ديموقراطي ومعوقاته، ثمة دائماً خيارات ينبغي القيام بها. ولقد مارس المؤولون الاميركيون ذلك بأشكال عديدة. إنما دون ان يستخلصوا من عملهم أي عبرة تحدد سلوك الجماعة الاميركية. لقد كانوا قليلي الاهتمام بأن يكشفوا لها أسباب قراراتهم ونتائجها. لذا، كانوا يفتقرون إلى واجب مبدئي وهو التفسير، وهذا ليس أكثر من واجب مسؤول تجاه شعبه،الذي يحتاج هو أيضاً إلى التفكير. بل إنهم بالعكس يقنعون الديموقراطية الاميركية بأنها لا تعمل من الخارج الا على سبيل الخدمة، باسم هذه الأسباب الهامة التي يجمعوها تحت عبارة الحرية المريحة. لقد رسخوا فيها ثمن هذه الخدمة عائد بالنتيجة اليها، حسبما ترغب لقد اقنعوا العديد من الشعوب، مع بعض التوفيق تقريباً، وهي الشعوب التي امتد إليها ظل وصاية الأمم المتحدة، بأنها محمية، وذلك على قدر خضوعها. هنا، يمكن المحبين وحدهم، والبسطاء أو الذين يتلقون المساعدات، الاقتناع بأن الولايات المتحدة قد تخاطر بتدمير إحدى مدنها كي تخلص لشبونة، أثينا أو بون، ولن نذكر جميع العواصم الأوروبية. هكذا خيار لا يثيرني. إنه أمر طبيعي، وحتمي. في هذه اللحظة، تحضرني إحدى ذكرياتي عندما كنت في سن العشرينات: خلال الحملة الايطالية، 1943ـ1944، كنت جندياً في إحدى الوحدات الفرنسية العائدة إلى الجيش الاميركي الخامس بقيادة الجنرال مارك كلارك. وفي أحد أيام نيسان (ابريل) كلفت بمرافقة ضابطين لزيارة الأماكن المتقدمة في قطاعنا، التي كانت خطتنا الهجومية تغير يومياً معالمه. وبعد ان استدرنا في طريق ترابية رصدنا حاجزاً من الاشجار. كان لابد لنا في الوقوع فيه مباشرة، الرفيقان الاميركيان وأنا، لو أنه كان تحت المراقبة. كنت أعمل في ازالة الألغام: لذا لاحظت تواص ان كل التجهيز كان مفخخاً. قمت بعملية دوران بين الالغام ووضعت سيارتنا في مكان آمن. ما زالت دهشة رفيقي ماثلة أمام عيني، والسخط الذي تلاها عندما اخبرتهما بتحفظ عن الخطر الذي نحن بصدده: لم اتصرف بمهارة، أما هما فكانا في مهمة تفتيشية؟ كان أمر التعرض للخطر يعود الي وحدي وإلى تهوري وعدم تبصري. واتابع القول بأننا بقينا في المواقع الامامية، ولم أتوقع أكثر من الأمس ان ثمة آخرين يتحملون المخاطر،مهما يكن حماسهم أو حتى مصلحتهم.

لا شيء، بالنسبة لكم ولنا، أهم من أن تجدد الديموقراطية بناء قواها وأن تتسلح بالتصميم والقرار. يحدث أن أصاب ببعض الضعف أمام الرئيس جونسون، ليس لأنه انتهى إلى الاهمال، إنما لنه كان يعتبر ان همه الأول لم يكن كسب (أو خسارة) معركة فيتنام، إنما في الامساك جيداً بحالات الضعف الداخلي في بلاده. يبدو لي أنه لم يكن ليجيبني، كما فعل رونالد ريغن الذي كان سكرتير الخزينة، عام 1982، عندما رحت أخبره عن التلاعب المتهور بالدولار، الذي يطال الجميع: "كم أن الأمر مهم!" تلك النبرة لاتي يستطيع الإنكليز اتخاذها عندما تشتد مضايقتهم. أما عندنا فيفكر الناس بصورة أكثر عافية، دون الجهر بذلك: "الدافع موجود دائماً، يا لسعادتي!" ومن الضروري الآن التحدث عنه. فالهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة على جزء من العالم تستوجب في نظرها وجود عبء تهدد بإزاحته عن كاهلها. لكنها لا تفعل ذلك ـ ليس من منطلق احساسها برقي مهمتها ـ بل لأن هذه الهيمنة تبيح لها تأخير اللحظة التي يتوجب عليها فيها ان تزيد من جهدها الفعلي المتعلق بالاصلاح. فهي تأمل من هذه الهيمنة ان تجعل تهديداتها لليابان والمانيا فاعلة ومؤثرة، وان تجعل أوروبا موافقة على انكفائها وعلى تحمل عبء حمايتها الذاتية، مع استمرارها في احالة أمر سلطاتها للبنتاغون. هذه التسهيلات المتعلقة بالسيادة جديرة بالتقدير، ومع تأففها جهاراً من اعبائها، ترفض الولايات المتحدة التخلي عن هكذا مصالح. غير ان هذه التسهيلات هشة، وموضوع جدل شديد وفي نهاية الأمر مدمرة للتماسك والقرار الاميركيين.

وباستثناء اعدائها الذين يتمنون رؤيتها غارقة في بؤرة العادات السيئة، فلن يستاء أحد من الولايات المتحدة حين تمنح الاولوية،باسم مصلحتها لحماية سوقها الداخلي، ولإعادة بناء قواها الناشطة، المادية والمعنوية. هذه الفترة من الحقيقة استمرت مرفوضة منذ ربع قرن. ولسوف تجني الولايات المتحدة "أفضل الثمار"، كما يقال اليوم، من وضعها المميز فيما بعد الحرب، دون ان تأخذ بالاعتبار أن هذه التسهيلات أبعدتها عن الواقع وعن بذل الجهد، الذي يعتبر شرطاً ضرورياً في ارتقاء الأمم.

المحروووم
06-10-2003, 03:27 PM
الفصل الثامن

لكل شيء ثمنه

عندما يسمح لها الوقت، وعندما تمنحها القوى الاولية للسكان المتنقلين والمتغيرين، الضالين والمغرقين في العمل، الهدوء والصفاء، عند ذلك، تنكب الديموقراطية العظيمة، والتي أصبحت الآن قديمة، على استرجاع ماضيها. في هذه القارة الفرعية، ذات المناخات المتقلبة والمفرطة في حرارتها وبرودتها، لم يكن العنف مستبعداً قط، في انتظام المدن والاخلاق.

لقد بقي الاميركيون زمناً طويلاً في العالم الخارجي الذي قدموا جميعهم منه، أو أغلبهم. كانوا يودون الاستقرار، على هواهم، في ديارهم الجديدة، والإفادة من الأراضي المترامية الأطراف، وإرجاع حدودها إلى أبعد ما يمكن. وفي سبيل تواصليه الأراضي، كان الخطر متأتياً من المحيطات ومن أولئك الذين يسيطرون على الملاحة فيها. فالخارج غير متوازن. فاسد، ومهلك بالنسبة لمغامرة رائعة تود أن ينظر إليها الناس من بعيد. وذلك كي تقدم نفسها كأفضل نموذج. ولم تنفك الروح الاميركية عن التاثر على هذا الشكل بالعالم الخارجي. وإذا وافقت احياناً على التدخل فيه، فذلك لتوسيع وضبط دائرة املاكها (غزاتها على المكسيك، حربها مع اسبانيا) أو لضمان اطرافها (الرقابة على اميركا اللاتينية). ثم بقيت مدة طويلة ترقب الضوضاء الهائلة التي احدثتها الحربان الكوكبيتان قبل ان تشارك فيها. حتى أن بعض الايديولوجيات التي كانت تصطدم بتطلعاتها المثالية لم تكن كافية لخلق تحرك مباشر.

فالحرب الكبرى الثانية، التي تورطت فيها لمدة قصيرة (ثلاث سنوات ونصف) كانت بالنسبة للجمهورية ذات فائدة رائعة، رغم الهموم والمحن. لقد أقرت مصير العالم دون مشاركة أحد، وذلك بصورة طبيعية أكثر مما لو كانت تعتقد نفسها أنها صاحبة "حق تاريخي في الوجود" ومما لو بدأ تطبيق هذا الأخير غير عسير وغير مكلف، بل عكس ذلك تماماً. كان هذا، سريعاً، منذ نصف قرن. ومنذ استقرار الولايات المتحدة في أعلى المنصة، تملكها همّان: عدم اشراك أحد في السلطة الاستثنائية، وعدم دفع ثمنها لدرجة تعكير صفو الارتياح الشعبي، المهيأ للانفعال والتقلب. لقد كان انتخاب ريغن، في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، المظهر الأكثر حداثة وسطوعاً للرغبة في تجديد القوة الاميركية، أي الرغبة في العودة إلى السياسة التسلطية، إنما شرط عدم دفع ثمنها، أي شرط تمضيتها ديناً. مرة أخرى ـ بعد كارتر الذي كان يأمل أن تغني الحركية عن الجهد ـ لم يكن أحد ليهتم بتقديم فاتورة مجده للشعب الاميركي. فهو لم يكن يعرف، بعد سنوات طوال من اللامبالاة، سوى الخوف من الهزيمة الهندوصينية، التي هزت أعماق اعماقه، لكن الكلوم كانت روحية ومعنوية أكثر من كونها مادية. لقد كانت أكثر استحقاقاً للاحترام. وعندما اهتزت الولايات المتحدة على منبر المجد والقوة، لم تختر النزول عنه، بل اختارت ان تظهر أكثر يقظة وأن تدفع للابقاء على وضع مميز، دون خلق الاضطراب في الداخل. هناك شعوذة غريبة حول الدولار، لوحظت منذ عام 1964. هذه الأخيرة التي قدمت شيئاً ما لمخيلة المشتغلين بالمال، لم تتوقف عن تطوير الا عيبها، مع وجود السعر المفروض الذي تقرر في 15 آب (أغسطس) 1971، ومنهج العجز المزدوج في الميزانية والحسابات، الذي بقي قيد الحفظ حتى الآن، خصوصاً من قبل ريغن، رجل التوازنات والاعتدال!

لقد نجحت الولايات المتحدة في وضع عبء تدخلها الامني على عاتق الاقتصاد العالمي. فهي تبيع الأمن الذي تنظمه الشعوب المحمية لدى تقبله لنقد دولي، مسوس في ظروف قد تؤدي إلى افلاس أي بلد غير أميركا، بحيث تقوم هذه الشعوب بذلك دون نفور مع دعمها لهذا النقد عند الحاجة. انما كما يقول كاتبنا لافونتين، صاحب الامثال: "لفرط ما ينطلق الابريق نحو الماء ينكسر في نهاية الأمر!" فها هو الآن مشروخ حقاً. ولقد ترك لقاء "القمة" في البندقية (حزيران (يونيو) عام 1987) ذكرى قطع الرخام الوردي بحيث أدت مروحيات عظماء العالم إلى فشله بدءاً من واجهات قصر "دوج". لا شيء غير ذلك، لأن اميركا لا تود ان تستمر في مواجهة مسؤولياتها، بجرأة، في غمرة الفوضى الاقتصادية الدولية. اضافة إلى أن البندقية كانت غير راغبة باستقبال هذه القمم المخربة! فمفاوضات 1986ـ1987، حول ضبط التسلح الروسي ـ الاميركي، قادت السيدين ريغن وشولتز إلى الطلب من حلفائهما الاوروبيين مضاعفة ميزانياتهم العسكرية تعويضاً عن التزاماتهما الذرية امام الروس. ربما يفعلون ذلك. إنما يكون من المحتم عندئذ أنهم يضعون الوصاية الاميركية موضوع تساؤول. وبالتالي لا يمكن الا أن يتضاءل الاعتماد المفتوح لاية قوة هائلة تبعاً لقوتها بالذات، أي هذا الاعتماد الذي، انطلاقاً منه، تنتظم هيمنة واشنطن، منذ نصف قرن. للحفاظ عليه، وللابقاء على وضعية التفوق، ما هو السعر الذي تود اميركا دفعه وتكون قادرة عليه؟ ليس هناك من تساؤل أكثر الحاحاً بالنسبة لرجل السياسة كما بالنسبة للمواطن. انه نفس السؤال الذي طرح على السيد غورباتشيف، في حين شرعت روسيا بالإجابة عليه قبل ذلك، مع أهليتها وإمكانيتها على اسناد جزء من "العبء" الذي تفيد وحدها منه، إلى حلفائها.

ماذا نثبت؟ (وليس بماذا ننصح). أولاً، ان هذا الاثبات لن تمنع كلماته وحدها الولايات المتحدة من تجاوز حدود التراجع على الصعيد الدولي الذي تورطت فيه. ان الاجزاء المسلحة المباشرة، وان تكن مدتها قصيرة ومؤدية إلى الخسائر، غير مقبولة من قبل الرأي العام، مما يعيق على وجه الخصوص استخدام قوة التدخل السريع التي شكلت في عهد كارتر! إنما هناك أيضاً هذا الاثبات الآخر: إن تجاوز هذه الحدود سيكلف أكثر بكثير من الاضطلاع بأعباء الأمن الحالية كتعويض عنها.

يمكن رفض عرقلة القوة السوفياتية وتأجيل قائمة الحساب إلى الغد، أو احالتها إلى الآخرين.. ومن كنيدي (رغم معارضة الصواريخ المركزة في كوبا) إلى ريغن، وجد الرؤساء في الاتحاد السوفياتي، المكافيء العسكري ثم السياسي، الذي يفضل التسوية على بعات أية مواجهة متصلبة.

كيف تكون ممارسة النفوذ، خصوصاً في أفريقيا، في حين يعتبر الشعب هذه المناطق وكأنها غير حيوية مطلقاً بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي فإن تحريك الطاقات يكون فيها ضعيفاً بما يشبه المهزلة. لم تعد خطب كارتر وريغن مؤثرة، لأن كلاً منهما يعلم أن ثمة، خلف الكلمات، فقدان لنوعين من الإرادة: إرادة التصرف وإرادة التعويض، وإن يكن ذلك معمداً بالدم. وهكذا تلتقي سياستاهما، المتناقضتان في مظهرهما. وتكون الحقيقة المرة دائماً هي الرد على الأهداف العظيمة وعلى أوهام السلطة المطلقة، مما يؤدي في كل مرة إلى نفس الامتناع عن تحمل اعباء الفاتورة عندما تبرز كلفة هذه الاوهام. ثمة مصالح، بعد أن كانت بالأمس حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، أصبحت مهملة، كلبنان مثلاً بين 1982 ـ 1984. وفي حال التغير، يجد الحماس والتسرع، اللذان أتينا على ذكرهما في الفصل السابق كسمات مميزة للمواطن، في السياسة الخارجية أرضاً مفضلة. كما أن السهولة والنجاح، اللذين رافقا باستمرار وانجزا الانطلاقة الهائلة لبلد تشكل وانتظم خلال قرنين من الزمن، منحا ابناءه رؤية وانعكاسات متسامحة تجاه أنفسهم خاصة. ولو كانوا جادين واشداء في عملهم، لجاءت مكافأتهم مضاعفة اضعافاً إذ، كم من الشعوب المتصلبة كان أجرها عدم الاستمرار، الخطر أو المأساة؟

انها ليست المرة الأولى، في تاريخ البشرية، التي يحاول فيها شعب أن يكون ذا سيادة لنه أمة أسعدها القدر. فخلال فترة زمنية قصيرة، نجحت الولايات المتحدة في أن تصبح كلا الحالتين. غير ان لعبة السيادة معقدة، ولأنها ذات فائدة مستمرة تستلزم نظاماً اساسياً ونظرة ثابتة. فروما ليست روما عندما تفارقها الفضيلة. والسيادة تنهش اعماق الداخل وتمنع الأمة من التكتل للتوصل إلى الانطلاق بخطوة رشيقة. ومع أنه يجب أن تكون حذرة إزاء نظائرها التاريخية، يبدو أن أميركا تتذبذب، منذ عشرين سنة، بين التعمق في اغناء ذاتها وبين استثمارها التخميني لأموالها التجارية العالمية. ان زعماءها يتحاشون أن يسألوها عن عزمها وقدرتها على القيام بهذين الاجرائين. أنهم يعبرون عن تطلعاتهم، يجعلونها موضع فخر واعتزاز، علماً أنهم لن يوصلوا قط إلى غايتهم وما زال الاميركيون يتخذون موقف القيادة، علماً بأنهم يتجلببون بمعطف السيادة، الذي يخفي بين طياته الديون والخلل الاقتصادي وقلق النفس. غير أن العظمة الحقيقية لا تتأتى الا من القرارات المتطابقة تماماً مع العوائق المحددة بدقة. لقد كان أيزنهاور محقاً عندما دعا مواطنيه "إلى التضحيات.. التي تسمح دائماً بتحمل عبء أي صراع معقد ومستمر، وذلك بكل ثقة ودون أي احتجاج". كما أن بول هوفمان ربط، عام 1951، السلام بقدرة الاميركيين على تحمل الاجهاد والكد والتضحيات. إنما كانت تعوزهم الشجاعة لمتابعة ذلك بلا كلل. وكلما أصبح ثمن السيادة باهظاً، كلما اختار السلوك الحاكم القرارات واصطناع الاجراءات بصورة أحادية، حتى أن ذلك يتضمن أيضاً رفع اسعار البترول، في 1971 ـ 1973، بغية اضفاء القيمة على الانتاج الداخلي! هذه الفوقية، التي تمارس بإرادة ينتابها التقهقر والتي دائماً تحظى بالتقدير، من رئيس لآخر، تبدو في نظر الكثيرين وكأنها قدر محتوم وعبء غير مرغوب فيه. لا أهمية لأي تقدير يعطى: فهذا القدر هو بشكل خاص ضرورة أميركية، الا وهي الضمان الاقتصادي والاستراتيجي للبلاد. ولن يكون هناك :عزلة رائعة" لأن الولايات المتحدة لا تستطيع ان تنهض بأعبائها الذاتية عندما تكون في حالة عزلة، بمنأى عن المبادلات، ومحكومة بعقلية الحصن المنيع. وقد يكونه وهم الارتياح هذا وهماً مشؤوماً: أمام كل باب، يتربص الزحف الشيوعي ويرتفع صخب البلدان المعدمة. ضجيج تزداد حدته، من كل الأقاصي ينطلق. إذا كان لي من أمنية أبديها، فهي أن تدرك الكتلة الاميركية، الشديدة اللامبالاة بحياة عالم ما وراء الحدود، ان بلدها عاش في هذه العلاقة مع الخارج تماماً تبعاً لادعائه بتنظيم هذا الخارج لمصلحته. ومع تجاهلها لهذا الأمر، تعرض الجمهورية العظيمة تقدمها، وبالتالي تماسكها، للخطر

المحروووم
06-10-2003, 03:31 PM
شكر وعرفان لمن يستطيع اختصار هذا الكتاب بملف مدمج يكون على شكل لنك او ما شابه وذلك لعدم معرفتي الجيده بالكمبيوتر
مع تحياتي :nn

تامر
06-10-2003, 04:36 PM
سلمت اخي الفاضل

ساعود بعد قراءة متانية

بورك فيك

المحروووم
07-10-2003, 02:33 PM
أرسلت بداية بواسطة المحروووم
شكر وعرفان لمن يستطيع اختصار هذا الكتاب بملف مدمج يكون على شكل لنك او ما شابه وذلك لعدم معرفتي الجيده بالكمبيوتر
مع تحياتي :nn



وأهلا بك اخي تامر


الا يستطيع احد المشرفين دمج الموضوع بملف ليسهل تحميله وقرائته برويه

المحروووم
20-10-2003, 03:18 PM
أرسلت بداية بواسطة المحروووم
شكر وعرفان لمن يستطيع اختصار هذا الكتاب بملف مدمج يكون على شكل لنك او ما شابه وذلك لعدم معرفتي الجيده بالكمبيوتر
مع تحياتي :nn

:confused:

solar
22-10-2003, 09:11 PM
يعطيك العافيه المحروووم....!

لاهنت..
سولار

salem salim
04-11-2003, 10:52 AM
شكرا وتقدييييييري

المحروووم
08-12-2003, 03:42 PM
سولار وسليم

شكرا لكم

مستر فريكي
08-12-2003, 09:18 PM
الف شكر يا محروووم

مستر فريكي
08-12-2003, 09:31 PM
و ها هو الكتاب و قد دمجته في ملف :


http://www25.brinkster.com/mka3/Alkeetab.zip


اضغط على الرابط ،، ثم انسخ العنوان وافتح متصفح جديد والصقه ،، وسيتم التحميل ،، غير ذلك لا ينفع :confused: ،، فقد تم عدة محاولات ،، تحياتي محبة فلسطين

محبة فلسطين
08-12-2003, 09:36 PM
:)

اهلا بك يا محروووم ،،

سلمت يا اخي ،،

يعطيك العافية ،، وجزاك الله كل خيــر ،،

بــــوركــت !! :)


لم افهم ما الذي تقصده سابقا !!
هنـا
(شكر وعرفان لمن يستطيع اختصار هذا الكتاب بملف مدمج يكون على شكل لنك او ما شابه وذلك لعدم معرفتي الجيده بالكمبيوتر)

لكني قبل قليل ،،غرقت بتجميع النصوص التي طرحتها ،، ووضعتها كلها بملف ورد ،، ولكـــن الملف حجمه كبير ،، فلم يسمح حجمه بتحميله هنا!!

سترى قريبا الملف مقسما على اجزاء ،،

غداً بإذن الله ،،



مع كل الشكر !!

والسموحة على التقصير !!:nn

تحياااااااااتي
أخــتك
محبة فلسطين

محبة فلسطين
08-12-2003, 09:38 PM
يعيطك العافية اخي مستر فيكي ،،

ولكــن لم يفتح لدي التحميل ،، اي لم يحمل عندي !!

ولك جزيل الشكر !!

محبة فلسطين
09-12-2003, 08:32 AM
ها هي اجزاء الكتاب الثمانية ،، على تعداد الفصول

حمل هنا ،،الفصل الأول من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A.1.zip)


حمل هنا ،،الفصل الثاني من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A.2.zip)

حمل هنا ،،الفصل الثالث من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A.3.zip)

حمل هنا ،،الفصل الرابع من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A4.zip)


حمل هنا ،،الفصل الخامس من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A5.zip)

حمل هنا ،،الفصل السادس من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A6.zip)

حمل هنا ،،الفصل السابع من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A7.zip)

وأخيـــــــرا حمل هنا ،،الفصل الثامن من الكتاب (http://ayaam.com/upload/4/U.S.A8.zip)

،، وهذا دعواتي لكم بالتووفيق مع التحميل :D: ،، وآمل أن اكون قد عملت ما اردته اخي محروووم ،، تقبل أطيب التحايا

أخــــتك
محبة فلسطين

المحروووم
09-12-2003, 05:03 PM
الكلمات تعجز وأصابعي لا تعلم اي الازرار تدوس لتخط شكر وعرفان للأخوان مستر فريكي و محبة فلسطين h*

شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً شـــــــــكراً

:nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn :nn
:kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk :kk

مستر فريكي
09-12-2003, 09:28 PM
اعتذر اشد الاعتذار عن الرابط المكسور ،
على العموم اليكم هذا الرابط :

http://207.44.248.30/~moon15/up1/keetab.zip


و الف شكر لجهودكما يا محروووم و يا محبة فلسطين

المحروووم
13-09-2004, 09:13 PM
ويلوموني ؟؟؟؟

بالساخر وأهل الساخر ،،،،

شكــــــــــــــراً