PDA

View Full Version : ما قاله الدكتور الشيخ : سفر الحوالي في بعض أدباء المنتدى !!



شراع
27-10-2003, 09:10 PM
إليك ماقاله مختصرا :

== // == علمانيـــــــــ الأدب والفن ـــــــــــــــــة == //==

>><<

توطئة :
الأدب – ومثله الفن – مجال رحب وميدان فسيح تنوء به الدراسات المتخصصة المتسفيضة فضلاً عن البحوث المنهجية الدراسية والأدب الأوربى خاصة له قصته الطويلة وتاريخه السحيق فوق أن معظم قضاياه كانت وستظل مثار نزاع ومدار جدل شديد بين الباحثين والنقاد ، وتلعب الاتجاهات الدراسية والخلافات القومية والمذهبية دورها فى ذلك .وإذا وافقنا الرأى القائل بأن الأدب هو ( صورة الحياة وانعكاسها الواضح) فما بالك بصورة حياة كحياة أوربا حائرة مضطربة متهافتة متناقضة؟
وهذه الأمور وغيرها – مما لا يخفى على المطلعين – تجعل البحث فى هذا المجال مخوفا بالمتاعب وتستنفذ جهد الباحث دون أن يستطيع أن يخرج بخلاصة متناسقة تعبر على الأقل على مدى جهده إن لم تعط الصورة المطلوبة للموضوع .
ومن الجلى أننا لا نبحث فى الأدب من حيث هو أدب وإنما ننظر إليه من خلال أنظار العام الموضوع أى من جهة علاقته بالدين ، كما أننا مقيدون بالحجم الذى لا ينبغى أن يتجاوزه هذا الجانب من جوانب الحياة البشرية .
ومراعاة ذلك تستدعى عرض الموضوع وصياغته ضمن منهج خاص يتميز بأمور :
1- التركيز على ماله صله قوية بموضوع بحثنا وعرضه بما يتناسب مع مقتضى الحال حجما وأسلوباً .

2- البعد – ما أمكن – على الخلافات حول المذاهب الأدبية وتصنيف المدارس والانتماءات وتقديم المواد والشخصيات .

3- البعد عن الغموض الذى يكتنف الدراسات العنصرية والذى سيظهر طرف منه – رغم إرادتنا – عند الحديث عن مدارس الضياع .
وهذا وسنرعى كالعادة – التسلسل التاريخى فى عرض المعالم الكبرى لعبة التحول إلى العلمانية التى بلغت ذروتها فى الأدب والفن المعاصرين .


× أولا عصر النهضة الأوربية ..

" الكلاسيكية الجديدة " :
يقترن مسمى " عصر النهضة " الأوربية بالحركة التى نشأت فى إيطاليا – المركز الحضارى الإسلامى الثانى فى أوروبا – واستهدفت بعث الآداب الإغريقية القديمة التي أطلق عليها أسم " الآداب الإنسانية " (1) تمييزا لها عن كتابات رجال الكنيسة اللاهوتية !

لقد فوجئت أوروبا الغارقة فى سبات القرون المظلمة بنور الحضارة الإسلامية فانبهرت به وأحست بواقعها المرير تحت ضغط الكنيسة التى جثمت على فكرها وشعورها وسلوكها وأفقدتها الإحساس بإنسانيتها.

وهذه اليقظة المفاجئة أوقعت النفسية الأوربية فى مأزق حرج إذ تصادم فى داخلها دافع ومانع قويان : الأول دافع الاستمتاع بنور الإسلام والدخول فى فردوس حضارته حيث التوازن الفريد بين الدنيا والآخرة ، وبين الروح والجسد ........

والآخر مانع التعصب والعداوة الحاقدة للإسلام وحضارته تلك التى عمقتها الحروب الصليبية وبلغت أقصى مداها فى المد الإسلامى الذي قام به المجاهدون الأتراك .

وكان المانع أقوى من الدافع فخرجت أوربا من ذلك التناقض النفسى بالبحث عن وسيلة تتيح لها الخلاص من براثن السلطة الكهنوتية الطاغية دون أن تتخلى عن تعصبها وعداوتها للإسلام وأهله ولم تكن تلك الوسيلة سوى عملية " اجترار الماضى " ببعث تراثها الوثنى الإغريقى والالتصاق به لاسيما جوانبه الشهوانية البهيمية ! ........



ونستطيع أن نستعرض بعض ملامح الأدب والفن فى ذلك العصر معتمدين على بحوث وتحليلات بعض المفكرين الأوربيين فنجد أن أبرها ما يلى:

1- بعث التراث الوثنى الإغريقى : وهذه هى الخطوة الأولى نحو الانفلات من سلطة الكنيسة والانقضاض على فكر وتقاليد القرون الوسطى ، فعن طريق إحياء الآداب الإغريقية استطاع أدباء وفنانو النهضة النفاذ إلى عالم أخر خارج من مألوف عصرهم ولا أثر فيه لشيء من اللاهوتيات .....، وطلعوا على الفكر الأوروبى بمفهومات جديدة ومعايير سبقوا بها النهضة الفكرية العقلانية....يقول " برنتن " :" إنه طالما كانت العصور الوسطى فى الواقع عصوراً دينية وطالماً أن عصر النهضة يعنى على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزندقة فإن فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة ، إما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية ، وهذه هى حقيقة الأمر ، وكان النحاتون والرسامون فى ذروة عصر النهضة يقلدون العرى الكلاسيكى كما يقلدون كل شئ كلاسيكى أخر ، فالفنان بدأ شيئا يشبه نوع الحياة ، وحشياً فاحشاً مجازفاً ولكنه عظيم الأهمية ومن المفروض أنه لا يزال يقوده " . " إن الكتاب الخياليين هم الفنانون القريبون من قلب الوضع الإنسانى نحو الحياة ....هم نوع من الرجال الذين ينشدون طريقاً وسطاً بين المسيحية التقليدية كما خلفتها العصور الوسطى وبين العلمانية الحديثة التى يبدو أنها تقلع جذور السحر والسر من الكون !! .. كان هؤلاء الفنانون فى تمرد مدرك كثيراً ضد التقليد المسيحى خلال العصور الوسطى ....وككل شخص ألم بكل ما له علاقة بالعقل عاد هؤلاء الفنانون إلى اليونانيين والرومانيين ، وكانوا بذلك كالمهندس المعماريين حيث أعادوا تجديد موادهم (2) " .

2- الاهتمام بالحياة الدنيا والوجود الإنسانى فيها : وذلك الاهتمام نشأ رد فعل لتركيز الكنيسة على عالم الآخرة وحصر كل النشاط الفكرى والفنى لاتباعها فى مجال الحديث عن الثالوث والقديسين والملائكة والمعجزات وكبت المشاعر والأحاسيس الإنسانية أيا كانت ما لم تكن فى حدود دائرتها اللاهوتية ، ومن هنا أطلق على الحركة بكامل وصف " الإنسانية " . وقد قام " دانتى " ت 1321م فى هذا المجال بمثل ما قام به " مكيافيللى " فى مجال السياسة فقد خرج على الكنيسة خروجاً صريحاً وناقص تقاليدها ومقاييسها ، وابتداء منه أخذ الأدب الأوربى بحل الإنسان شيئا فشيئا محل " الاله " .....وهى المحاولة التى بدأت فى القرن التاسع عشر واكتملت على يد "سارتر " وأشياعه فى هذا القرن مروراً بتأليه الطبيعة الذى دعا إليه عصر التنوير ، ويقول " داونز " ." يقف ( دانتى ) كما وقف صديقه ومعاصره المصور الرسام " جيوتو " على رأس حقبة جديدة فى تطور الفكر البشرى ....وهذا الشيء الجديد هو " الإنسانية " هو الاهتمام بشئون الإنسان فى الحياة الدنيا ، ونستطيع أن نتفهم خطورة هذا الجديد الذى يزاحم القديم إذا قارناه بالعقائد المسيطرة على أذهان الناس فى ذلك العصر عن الحياة والكون … ومؤداها أن الحياة الدنيا ليست إلا تمهيداً لاستقبال الحياة الأخرى ، وقد هيمن هذا الاعتقاد ...على جميع نواحى النشاط الإنسانى وجميع المؤسسات الاجتماعية بينما كان علم العلماء كله يدور حول المبادئ الدينية والعقائد الكنسية " .
" ثم جاء عقب ذلك عصر الاستنارة وهو أول تبديل جديد طرأ على الناس فى نظرتهم للحياة فاتجهوا إلى أحضان الطبيعة يسوحون منهما أسرار الكون ووضعوا ثقتهم المطلقة فى مقدرة العقل الإنسانى " . ....." إن ملحمة الكوميديا (3) كانت حدثاً جديداً فى الأدب ، حدثاً ضخماً لم يسبق له مثيل ، فليس أذن من العجب أن يدعوها الناس بلقب " الإلهية " لأنهم شعروا عند ظهورها أن أدبا أوروبيا جديداً قد انبثق فجره " .
" إن الناس كانوا يعتقدون ما علمتهم الكنيسة من أن كل إنسان يكفر بالمسيحية جزاؤه جهنم ، وأما من يؤمن بها فمآله إلى الجنة وجاء دانتى فخرج من تلك العقيدة القديمة وأقام موازين جديدة للعقاب والثواب على أساس من الأخلاق ……
وجدير بالذكر أن دانتى فى ملحمته قد أدخل الباباوات كلهم قاع جهنم ألا باباً واحداً أدخله الجنة ودلالة ذلك لا تخفى (5) .

4- العودة إلى الإباحة الرومانية : رد فعل للرهبانية والتزمت المغالى اللذين كانا يسيطران على الحياة الاجتماعية الأوربية فى ظل الكنيسة قام رواد النهضة بتجديد شباب الكلاسيكية وبعث المذهب الأبيقورى فى التمتع بضروب الملذات والانغماس في الشهوات الجسدية ...وأنصب اهتمامهم على الجانب الاباحي ...رغبة فى إشباع نزواتهم المكبوتة وميولهم العاطفية قبل أى شيء أخر . وهكذا كان عصر النهضة يتسم بطابع كلاسيكى خاص يقدس الجسد ويعبد اللذة فى وقت لا تزال الرهبانية فيه هى المثل الأعلى ، ووجه زعماء ذلك العصر أنظار الناس إلى مثالب الرهبانية بحجة منافاتها "للإنسانية " وهو الوصف الذى كانوا يتسترون به . يقول مؤلف " تكوين العقل الحديث " :" الحقيقة أن هذا الاهتمام بالإنسانية عاش بصورة قوية واضحاً منذ العصور التى سبقت غزوة المسيحية للبرابرة ، فالحياة التى صورها هوميروس فى الملاحم الوثنية تعكس لنا الوجود الإنسانى … وجل ما استطاع التقليد المسيحى هو أن يشوه سمعتها ... " والحقيقة أنه ابتداء من القرن الثانى عشر فما بعده زاد احتدام هذا الموقف وهذه الاهتمامات ....ولكن أهم ما أخذ العلماء الإنسانيون عن الإغريق كان التمتع السعيد الطبيعى السليم بخيرات الحياة فى حضارة رفيعة ..ووجدوا هنا أن اللذات غير الضارة والميول الطبيعية تعتبر الوسائل التى بواسطتها ينظم العقل حياة صالحة ، وأنها ليست من الشيطان فلا داعى إذن إلى اعتبارها ذنباً أما أن يقهر بعون الهى أو ينهل منه فى خجل وشعور بالعار …" " أدى كل هذا بالطبع إلى ثورة على الأخلاق المسيحية فبدلاً من المحبة حل الفرح باستعمال الإنسان للقوى التى وهبه الله إياها وحلت الحرية والمسؤولية بتوجيه العقل محل الخضوع لإرادة الله ، وأخذ البحث الفكرى الجرئ يحتل بالتدريج مكان الإيمان " . " وانفجرت العاصفة بكامل عنفها على رأس الراهب ، ذلك أن فشل الراهب فى تحقيق الطهارة التى بشر بها جعلت أدب القرون الوسطى منذ ولادته يعطى لزلات الراهب صورة أكثر بشاعة ، وصورته بأنه أكثر حيوانية من سواه ، وجاء أحذق الإيطاليين وأجرؤهم إطلاقاً لورنزفالا … فأنكر فى كتابه " حياة الرهبانية " كل قيمة للتقشف والقداسة وذهب أبعد من ذلك فى رسالته عن اللذة التى يتفق فيها مع المذهب الأبيقورى فأعلن أن المرأة المتزوجة بل المستهترة أيضا هى أفضل من الراهبة ، لأنها تسعد الرجل أما الراهبة فهى تعيش فى تبتل لا فائدة منه ، وينعت موت الإنسان فى سبيل بلاده أو من أجل أى مثل أعلى بأنه لا يقره العقل " .....وتتجسم روح ثورة النهضة فى مقطع يطلب منارابليه فيه أن نهرب من " أولئك الرعاع ذوى العقول الزائفة الماكرين والقديسين المزورين الوقورين الهيئة المرائين مدعى الإيمان ، الإخوان الخشنين الرهبان الذين يلبسون النعال … أهرب من هؤلاء الرجال عليك بكراهيتهم واحتقارهم قدر ما أكرههم أنا وإننى لأقسم لك أنك إن فعلت فستجد نفسك أفضل حالاً (6) ...هكذا كان عصر النهضة ثورة على المسيحية التقليدية وإعلانا للعودة إلى الوثنية وهذه وإن كانت فى الواقع عملية سلبية إلا أنها خطوة لا بد منها لكل حركة جديدة فمن الطبيعى أن تنصب أنظار رواد النهضة إلى هدم كيان الواقع الذى خضعت له أوروبا ألف عام قيل أن يفكر فى ماهية الواقع الجديد .

ثانيا – العصر الحديث :

( أ ) الرومانسية :
لسنا فى حاجة إلى إعادة القول بأن حياة أوروبا هى عبارة عن خط بيانى متذبذب تحكمه ردود الفعل المتناقضة ، فقد أصبح ذلك حقيقية مقررة بعد أن رأينا شواهده فى كل مجال ، وهنا فى مجال الأدب نلمس تلك الحقيقة بوضوح :فالغبطة الكلاسيكية لم تدم طويلاً إذ سرعان ما جرت عليها سنة أوروبا فى الارتداد ، وإذا كان أعظم ايجابياتها هو الاهتمام بالإنسانية وإيقاظ العقل الأوروبى المطمور ليأخذ مركز التوجيه فى الحياة فإنه حتى هاتان لم تستقرا دون تطوير أو تغير . وكان التطوير من نصيب الأولى أما الأخرى فكان نصيبها التغيير بل الثورة ، ومن هذين انبثق المذهب الجديد الذى عرف بــ " الرومانسية " والذى يقترن تاريخياً بمسمى " عصر التنوير " .

أولا – تطور النزعة الإنسانية :
لعل أصدق تعبير عن هذا التطور هو ما قاله مؤلفو كتاب " ثلاثة قرون من الأدب " : " إن القرن الثامن عشر لم يخصص للدين وإنما خصص للعلم والسياسة فلم يعد زعماؤه قساً مسيحيين … بل فلاسفة طبيعيين ….. لقد كان التغير عميقاً ومن نواح عدة كان القديم والجديد عن طرفى نقيض . فالتطلع إلى ما وراء أشياء هذا العالم قد تراجع أمام التطلع إلى أشياء هذا العالم ، لقد أصبح القديسين الدائر حول محور الله عالما إنسانيا محوره هذا العالم والحياة التى كانت تسير بهذا الكتاب المقدس ، ولم يعد العالم مكاناً حيث العناية الإلهية دائمة الحضور والفعل تضبط وتدير كل ما يحدث حتى التافه منه (!) حتى الله ذاته لم يعد شخصياً ، أبا يحب ويرهب ، بل أصبح قوة عاقلة سحيقة البعد لا شخصية ، "علة أولى " أدارت الآلة وتركتها تعمل بنظام كامل وفق نواميس رياضية وفيزيائية ويسوع ابن الله أصبح يسوع ابن الإنسان(؟!) ." ولم يعد موضوع البحث للجنس البشرى هو الله ، بل الإنسان "." وتحسين حال الإنسان يمكن توقعها لا عن طريق الدين بقدر ما يمكن توقعها عن طريق العلم والتربية والسياسة التى بها يستطاع إصلاح المجتمع "(7)وهكذا أصبحت ثورة عصر النهضة المبهمة تملك منهجاً عقلياً ومساراً محدداً وبذلك تواجهنا صورة وثنية جديدة أكثر وضوحاً .وهذا هو الميز الأول للرومانسية عنه نشأ " تأكيدها على سيادة القلب وحياة النفس الداخلية " بمعنى حصر كل الاهتمامات فى حدود الكائن البشرى بل فى أعماق النفس الفردية . وينتقد الرومانسيون الأدب الكلاسيكى بأنه " كان الهدف منه تصوير البشر لا كما هم فعلياً ولكن كما هم مثالياً (8) .مما جعل الأدب تقليدا وليس تعبيراً ولذلك فقد أهمل الرومانسيون الملاحم وحورواً المسرحيات ، ونحوا بالأدب منحى شخصياً داخلياً ، فالكتابة الفنية تأتى فى صورة اعترافات أو سيرة ذاتية والشعر يصبح غنائيا عاطفياً يعبر عن المعانى الوجدانية للبشر كالعشق والفرح والألم ويبتغى – بالدرجة الأولى – إثارة السامع وامتاعه . ...وقد أفصح بعض زعماء المذهب عن علاقة " رد الفعل " القائمة بين الاتجاه الرومانسى والمسيحية ، فالمسيحية كما عرفوها تكتب الإنسان " وتصيبه بالميلانخوليا " ومن ثم فهى مسؤولة عما أصاب الإنسانية من الانطواء والكآبة " وقد عزا الناقد الرومانسى الألمانى شليجل الكآبة إلى الدين المسيحى الذى جعل الإنسان منفياً يشتاق إلى وطنه البعيد " (10) .وانطلاقاً من ذلك وتمشياً مع التركيز على التعبير عن الذات جهد أولئك فى أن يحولوا الشرق الصوفى المسيحى الذى كان يتجه إلى الله أو " يسوع " إلى حب عذرى أو إباحى يعبر عنه فى أسلوب غنائى ويتجه إلى الجمال الخارجى للمحبوب الذى كان فى الغالب امرأة وأحياناً " الطبيعة " .

ثانيا – الثورة على العقلانية التى سادت القرنين (17 – 18) : سبق أن عرفنا كيف فاجأ عصر التنوير أوروبا المسيحية بتلك الكلمتين المقدستين لديه ( الطبيعة والعقل ) وجعل الأولى رمزاً خفياً للوثنية يحل محل أسم " الله " فى المسيحية والثانية وسيلة إلى فهم الإله الجديد بدلاً من وسيلة المسيحية " الوحى " . ولقد وثق الهاربون من طغيان الكنيسة العلمى فى مقدرة العقل وثوقاً أعمى ، وكان لكشف كوبرنيكس وقانونين جاليلو ونيوتن ومبادئ بيكون وديكارت العقلية أعظم الأثر فى تمجيد العقل بل عبادته ، ولما كان جل همم إغاظة الكنيسة والانتقام من عبوديتها فقد اشتطوا وغلوا فى ذلك إلى أبعد الحدود .لكنهم ما كادوا يلتقطون أنفاسهم وتستقر أعصابهم من مطاردة الكنيسة حتى بدأ بعضهم يبحث عما إذا كان إله " العقل " جديراً بما أعطى من قيمة وتقديس أم لا ؟ وكانت النتيجة مرة وهى أن العقل عاجز حقاً عن تفسير الطبيعة وإذ كان كذلك فهو أعجز عن تفسير النفس الإنسانية وفهمها . وتساءل أولئك أليس من طريق للثورة على الكنيسة والوصول إلى فهم الطبيعة والإنسانية إلا طريق العقل وحده ؟ واستطاعوا أن يكتشفوا طريقاً أخر أرحب من العقلانية بمنطقها الجامد وقوالبها المحددة ، وأقوى من العقل اختراقاً للأسرار وتبديداً للغموض ، ألا وهى " الشعور العاطفى " ذلك الشعور الذى يمتطى آفاق الخيال الواسعة فيسبر أغوار الذات الإنسانية العميقة ويستجلى جمال الطبيعة ، وهكذا أخذ الرومانسيون يرتفعون رويداً رويداً عن الأرض ويحلقون فى الفضاء السحيق ولكن إلى غير الله ومن غير طريق المسيحية .
كانوا يتحدثون عن الحب ويبحثون عن الجمال ويفلسفونها فى أساليب ضبابية كثيفة ، كما كانوا يتحدثون عن الشياطين والملائكة والسحر والعوالم المجهولة فى محاولات دائبة ويائسة لاستكناه أسرار الكون وتحقيق السعادة الداخلية .
وأصبحوا ينقبون عن الحقائق الأبدية لا فى الكتاب المقدس ولا فى المؤلفات العقلية ولكن فى صفحة الطبيعة الخلابة ومناظرها الحالمة وكل هذا أفضى بهم بالطبع – إلى مثالية معرفة جوفاء أعظم فى بعض جوانبها من تلك التى انتقدوها على الكلاسيكيين .
ونتيجة أخرى مهمة هى أن الرومانسية باعتقادها أن غاية النشوة وقمة السعادة تكمن فى أن يطلق الإنسان عنان نفسه لتذوب فى حب الطبيعة ويفنى الصوفى فى معبوده ولذا أحلت " الطبيعة " محل " الله " والشعور محل العقل – بهذا الاعتقاد – تكشف عن صورة وثنية جديدة ....
ولقد عبر روسو – رائد الرومانسية – عن ذلك أوضح تعبير فى " راهب سافوى " الذى هو صورة لذاته ، إنه راهب بالفعل ولكنه يختلف جذرياً عن رهبان الكنيسة فهو راهب فى صومعة الطبيعة يسبح بحمدها ويقدس لها .
وفى كتابات روسو ( الاعترافات مثلاً ) وقصائد بوب ( مقال عن الإنسان) وجوته ( فاوست ) وكذلك كيتس ولامارتين وإضرابهم نماذج واضحة للمذهب الرومانسى فى أوج مجده . ولما كان أعظم أثر للرومانسية ينحصر فى رد الفعل الذى نجم عنها بولادة الأدب الواقعى اللادينى الحديث فلن نفيض فى الحديث عنها أكثر من هذا.

( ب ) الواقعية :
كانت الرومانسية بخيالها الجانح صورة صادقة لعصرها "عصر الهروب" الهروب من طغيان الكنيسة ، الهروب من نير الإقطاع البغيض ، الهروب من تقاليد الماضي المرير (12) وجاءت الثورتان الفرنسية والصناعية وجاءت الحروب الدينية والقومية وتغيرت ملامح الحياة تغيراً بارزاً فكان لا بد لصورة الحياة " الأدب " أن تتغير كذلك.
كانت أوروبا الكلاسيكية والرومانسية قد عادت كما أسلفنا إلى الوثنية وعبدت الإنسان أو الطبيعة بطريقتها الخاصة ، أما الآن فالصورة تتخذ مظهراً أخر فلم ينحصر الاهتمام بالإنسان دون الآلة فحسب ، بل اقتصر – من الإنسان- على وضعه الدنيوى ومكانته الاجتماعية ، على واقعه المعيشى وجزء معين من نزواته ورغباته والظروف المحيطة به التى يتأثر بها سلباً وإيجاباً .هذا التحول من الإنسانية بمفهومها الكلى عند الكلاسيكيين ومن الطبيعة والمثالية الفردية عند الرومانسيين إلى الإنسان العادى المشخص سيتخذ سريعاً صورة وثنية جديدة تعبد " الإنسان " وتحله محل "الإله" .
وكعادة أوربا – لا تعرف الطريق السوى ولا الموقف الوسط – سقطت سقوطاً مفاجئا من الفضاء السحيق إلى الوحل الهابط .
كانت الرومانسية تحاول تصوير أعلى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من القوة والمثالية فى مواجهة تحدى الإله أو الطبيعة أو حتى نزواته وأهوائه ، فجاءت الواقعية لتصوره فى أدنى ما يمكن أن يصل إليه من الهبوط فى لحظات الضعف القاتلة .
وكان يصارع الأقدار ويحاول إخضاع الطبيعة فإذا به ينهزم بضعف أمام نزوة عابرة ولذة ساقطة .
لقد أخذ الواقعيون على الرومانسيين مآخذ – ليست بعيدة عن الحقيقة – فهم ينكرون عليهم إهمالهم لشؤون الجماهير وإغفالهم لحقوق الإنسان المهدرة وسكوتهم عن المظالم التى يعج بها المجتمع فى حين كانوا محلقين بأحلامهم بحثا عن الجمال والروعة والمثالية جاعلين هدفهم الأسمى " الفناء في الطبيعة " .
بل قالوا – والتاريخ يسعفهم بشيء من الأدلى – إن الرومانسيين كانوا من الطبقات الأرستقراطية أو من المقربين إليها ، وكانوا شعراء البلاطات وندماء الأباطرة ، فهم وأدبهم جزء من ذلك الواقع الظالم الذى يجب رفضه إلى الأبد .
وأخذ عليها أنها فى كل أعمالها الفنية كانت تقتصر على تصوير الإنسان المثالى واللحظة المثالية والمنظر المثالى ، متناسية أن البشر المثاليين هم قلة نادرة فى الناس ، ومتخلية تماماً عن الإنسان السوى والحياة العادية بكل مشاكلها ومظاهرها .. الخ ما أخذوا وما نقدوا .. فبالاعتماد على مثل هذه المبررات رفض أولئك الرومانسية وعابوا فنانيها ، لكنهم لم يرفضوها – بالطبع – لأنها حركات وثنية متسترة بل أن المتأمل لا يجد فى تلك المبررات العديدة ما يشير إلى ذلك .
ولذلك فبديهى أن ينتقل الفن من انحراف إلى انحراف ، ومن وثنية إلى أخرى – شاء ذلك الواقعيون أم أبوا – ولعل فى تتبعنا لخطوات الواقعية الأولى وملامحها ما يلقى الضوء على ما نقول .

شراع
27-10-2003, 09:12 PM
الأهداف الأولى للحركة الواقعية :
شغل الواقعيون الأوائل أنفسهم من خلال رواياتهم التى انتزعت مكان الصدارة من الشعر الرومانسى بنقد ومناقشة أحوال الفرد والمجتمع ، وهذا ليس انحرافاً – بالطبع – بل هو أمر مطلوب ، ولكن الانحراف جاء من جهة الموقف الذى اتخذه أولئك من الدين والأخلاق والتقاليد أثناء تصويرهم للمشاكل الإنسانية الواقعية ...تركز في قضيتين متقاربتين :الأولى – الثورة على التقاليد الإقطاعية والمسيحية : وذلك قد لا يعدو فى الحقيقة أن يكون جزءا من الثورة على طغيان الكنيسة وظلم الإقطاع يتخذ مظهراً مغايراً ...الثانية – الهجوم المباشر على حقائق الدين : منذ بدء حركة النهضة نجد روح الكراهية للدين من قبل الأدباء والفنانين واضحة فى إنتاجهم الشعري والفنى ، إلا أن هذه الروح كانت تعبر عن نفسها من خلال الهجوم على رجال الدين وفى القليل تجرأت على الهجوم المباشر على حقائقه ، من ذلك ما رأينا فى كوميديا دانتى وما سبق من قول رابليه ، وكذلك هناك مسرحيتا موليير " المتزمت " و " طرطوف " والأخيرة تصور نفاق رجل الدين وجشعه (16) ومثلها قصة " صاحب الطاحون " لشوسر ...
تم تطور الأمر أكثر من ذلك فى كتابات عصر التنوير إلا أن رجل الدين – بمفاسده – لا يزال هو المنفذ إلى مهاجمة الدين ويظهر ذلك جلياً فى قصة " الراهبة " لديدرو زعيم الموسوعيين الفرنسيين التى مثلت فى الستينات بباريس تحت أسم " المتدينة " بناء على اعتراض الكنيسة (18).وجاءت الواقعية فاتخذت دور الهجوم المباشر على حقائق الدين مقرونة بالتشهير برجاله أو منفردة عنها، وبدأ ذلك مبكراً وصريحاً وها هو ذا "جوستاف فلوتير " يعطى الشاهد على ذلك فى روايته " مدام بوفارى " التى حوكم بسببها آنذاك :

ففى أحد فصولها تسأل ربه النزل القسيس عما إذا كان يريد جرعة من النبيذ فيتعذر وينصرف " وما أن اطمأن الصيدلى إلى أنه لم يعد يسمع وقع قدمى القس … حتى أبدى رأيه فى مسلكه فوصفه بأنه ناب ، فقد بدأ رفضه أبغض ألوان الرياء إذ أن القساوسة يحتسون الخمر فى الخفاء ، ويحاولون أن يستعيدوا الأيام التى كانت الكنيسة تتقاضى فيها الضرائب من رعاياها.
" صاحب النزل : أنه رغم قولك يستطيع أن يطوى أربعة من أمثالك على ركبتيه ، لقد ساعد رجالنا على تخزين العشب الجاف ..
الصيدلى : مرحى ، أرسلو بناتكم إذن ليعترفن أمام رجال من هذا الصنف (!) لو كنت فى مركز الحكم لأمرت بأن يقصد القساوسة فى كل شهر .. فى سبيل مصلحة البوليس والأخلاق .
- كف عن هذا يا مسيو هوميه فأنت كافر لا دين لك .
- بل لى دين ، دينى الخاص ، وإن لدى من التقوى ما يفوق ما لدى هؤلاء .. رغم نفاقم ودجلهم إننى على العكس أعبد الله ، أؤمن بالكائن الأعلى أؤمن بوجود خالق كيفما يكن كنهه … ولكنى فى غير حاجة لأن أذهب إلى الكنيسة … لأسمن من مالى رجالاً لا يصلحون لشىء … إن المرء ليستطيع أن يهتدى إلى الله فى غابة أو فى حقل أو حتى بمجرد تأمل قبة الأثير .. إن إلهى هو إله سقراط وفرنكلين وفولتير وبيرانجيه ، إننى من أنصار الإيمان الذى دعا إليه قس " سافوا " ( روسو ) ومن المؤمنين بمبادئ ثورة 1789 الخالدة ، ولا أستطيع أن أعبد إلها مزعوماً يسير فى حديقته وعصاه فى يده ويودع أصدقاءه أجواف الحيتان ، ويموت صارخاً ثم يبعث بعد ثلاثة أيام ، هذه جميعاً فى حد ذاتها سخافات تناقض تماماً كل قوانين الطبيعة ، وفى هذا ما يوضح لنا ضمنا كيف أن القسس ظلوا دائماً متشبثين بجهل صلد لا يلين يحاولون أن يدفنوا البشر معهم فى جوفه " (19).
على مثل هذا نمت الحركة الواقعية وترعرعت مصورة ومواكبة الحياة الأوربية التى أخذت تتحلل من عقائد المسيحية الكنسية وأخلاقها شيئاً فشيئاً .
ثالثا - الأدب المعاصر
" من الواقعية إلى اللامعقول " :

أن أى باحث فى الأدب المعاصر لا بد أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة وقوية أتى به إلى الحال الراهنة وميزته عن المدارس والاتجاهات السابقة . ،وليس ضرورياً – بالطبع – أن تكون هذه المؤثرات أدبية محضة ، فما دام الأدب هو صورة الحياة فغن كل التحولات التى طرأت على الحياة الأوربية سوف يصحبها تحول مماثل فى الفن والأدب ، ويرى أحد النقاد الغربيين أن هناك أربعة من المفكرين يعود إليهم الفضل فى الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة هم " داروين وماركس وفريزر وفرويد " (20) والحق أن لداروين وفرويد خاصة أعظم الأثر فى ذلك : أما الداروينية فإن الفلسفة الحيوانية التى بنيت عليها ولدت فى النفسية الأوربية شعورين عميقين لا يمكن للأدب الأوروبى مهما تعددت مدارسه ومناهجه إلا أن يكون تعبيراً عم أحدهما :
1- حيوانية الإنسان التى تلغى المشاعر الروحية تماماً وتجعل الكائن البشرى كتلة من اللحم كأى حيوان أخر لا هم له إلا إرواء غرائزه البهيمية والحصول على أكبر قسط من المتاع الجسدى المحض .
2- والشعور بتفاهة الحياة وحقارتها ونفى أية غاية سامية لوجودها وهو الشعور الذى عبرت عند مدارس الضياع المختلفة تحت أسماء وشعارات شتى .
وأما الفرويدية فقد عمقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض وصاغته فى فلسفة نظرية منمقة تجعل الوصال الجنسى هو الغاية والوسيلة وهو محور الحياة ومحور البحث ومناط التفكير وعلة العلل .
وعمقت كذلك الشعور بالضياع والحيرة فقد تركزت فلسفتها الجنسية حول الجوانب المجهولة – إن لم نقل المختلفة – كالعقل الباطن واللاوعى واللاشعوري والأنا المثالية … الخ ، وكأنها بذلك قدمت العوض المعاكس للإيمان والإحساس الروحى .
وهناك غير ما سبق عوامل ومؤثرات كثيرة :فهناك الحربان العالميتان وهما الكارثة التى حطمت القيم والأعراف والقوانين ....وهناك التفسخ الاجتماعى حيث الأسرة محطمة والمشاعر النبيلة مفقودة والتنافس الضارى على أشده... وهناك – أيضا – النظريات العلمية الجديدة لا سيما " النسبية " ودورها يتجلى فى أنها أفقدت الناس قيمة الأحكام المطلقة والإيمان والثقة فى أية أسس ثابتة وعامة ....وهناك الوسائل الفنية الجديدة كالسينما والتليفزيون والصحافة المتطورة ودور النشر الكبيرة تلك التى جعلت تعميم المادة الأدبية وذيوعها أمراً ميسوراً للغاية وخلقت جواً من التنافس ومذاهبه ، فإنه يتذبذب بين اتجاهين رئيسين هما الإباحية والضياع .
ويطلق النقاد على الأدب المعاصر فى الجملة مسى " اللامعقول " وهو إطلاق له ما يبرره لاسيما فى مدارس الضياع ، ولا يرون أى تناقض بين ذلك وبين وصفه بأنه " أدب واقعى " فإن واقعية القرن العشرين تتجلى فى " لا معقوليته " !
أولا – الاتجاه الإباحي :
فى كل مراحل التاريخ الأدبي الأوروبي لم ينفك الفن عن الإباحية ، إلا أن صورها كانت تختلف وتسير متطورة ولكن إلى أسفل ، وما أصدق قول برنتن :" إن الخشونة والفحش من الصفات الدائمة تقريباً فى ثقافتنا الغربية " (21) ....وتظل صورتها تكبر وتسفل حتى تصل إلى الأدب المكشوف .وبذلك بعدت الشقة جداً بين رهبانية الكنيسة والفن وصار بينهما هوة لا قرار لها . وإذا عرفنا أنه ما تزال نسبة تمثال أفروديت " إلهة الحب ! " عند الإغريق هو المقياس لأجساد ممثلات هوليود (22) فلن يخفى علينا ارتكاس هذا الاتجاه إلى الوثنية .
ولنبدأ بالطريق من أوله – متجاوزين عصر النهضة – لنجد تلك المجموعة من الأدباء فى العصر الحديث الذين كرسوا فنهم وحياتهم للإباحية .فهناك " الفريددى موسيه " شاعر " الليالى " الذى كان أبيقورياً بأوسع معانى " الكلمة " ومعاصروه أمثال " بروسبير " صاحب قصة " كولومبيا " وألكسندر دوماس " الكبير والصغير ، الأخير مشهور بقصة " غادة الكاميليا " وفلوتير صاحب " مداد بوفارى " ومعهم الكاتبة العربيدة " جورج ساند " صاحبة " ليليا " و " أنديانا " وينبغى ألا نسنى ستندال صاحب " الأسود والأحمر " وأوسكار وايلد (23) وأمثالهم كثير .
وكل أدب هؤلاء محصور فى تمجيد الرذيلة وتبرير أعمال العاهرات والإشفاق عليهن ، ودخل هذا الاتجاه مرحلة أتم بالمدرسة " الطبيعية " التى يتزعمها الكاتب اليهودى " أميل زولا " صاحب " الأرض " و " البهيمة " وغيرها وهى مدرسة إباحيية متخصصة
ثم جاء فرويد وجاءت الحرب الأولى فاكتسب هذا الاتجاه قوة واستشرت رذائله فى الأوساط العامة وانهال الإقبال على إنتاجه الرخيص ووجدها الهدامون والمتكسبون فرصة لنفث سمومهم واستغلال مشاعر الناس واللعب بعواطفهم وإثارة غرائزهم ، ...
وهناك عدد لا يحصى ممن تفننوا فى تصوير أعمال الدعارة والعهر مبريين ومسوغين وأوقفوا حياتهم الأدبية لذلك ، حيث الجمهور يتلهف لقراءتها والمنتجون يتسابقون لإخراجها مشاه حية ، ولا غرابة فى أن أكثر الروايات الأدبية العالمية انتشاراً هى أكثر إسفافاً ورذيلة .وهذا كله فى نطاق الأدب الجاد أو الهادف ! الذى يعد جزءا من التراث الحضارى البشرى والذى تكتبه شخصيات أدبية مرموقة وترصد له الجوائز والمسابقات الدولية والقومية ويكتب له النقاد والمعلمون . أما ما يسمى " أدب الجنس " أو الأدب المكشوف الذى لا يصح أن يسمى أدباً بحال ، فهو فى كل العالم الغربى ملء السمع والبصر يملأ الحوانيت ويستنفذ الصحافة ويسيطر على دور العرض السينمائى ويستغرق أوقات الملايين من الناس ، حتى الأطفال تكتب لهم مسلسلات جنسية وروايات جنسية ومسرحيات جنسية .
ثانيا – الاتجاه الضائع :
لم تستطع كل المذاهب الفكرية الفلسفية الاجتماعية أن تعطى الإنسان المعاصر – أو الفرد حسب تعبير كامو – أى نوع من أنواع الثقة والاطمئنان . بل على العكس كان دورها الفعال ينحصر فى اجتثاث موروثات الكنيسة الهشة التى كانت رغم هشاشتها تقدم شيئا من الاستقرار والثقة فى المصير .وكانت العوامل النفسية والاجتماعية التى أشرنا إليها سلفاً تهدم كل أمل فى الوصول إلى السعادة والإيمان بالقيم المجردة أيا كانت . وأمام العملاق الميكانيكى الرهيب وسيطرة الآلة الطاغية شعر الإنسان بأنه قد سحق وأن وجوده قد تضاءل إلى حد أدنى مما كان عليه وهو يواجه جبرية الكنيسة واضعا مصيره بين يدى قدرها المحتوم . ...فالكلمة التى قالها أوغسطين " أصبحت أنا نفسى مشكلة بالنسبة لنفسى " لم تعد خاصة بالفلاسفة بل باتت ترددها شفاه الفرد العادى من أجيال الضياع ! ويتساءل الأديب المعاصر :" هل لحياتنا معنى ؟ ما هو ؟ ما هو مكان الإنسان فى العالم ؟ هنا يظهر حالاً لما كانت الأغراض البلزاكية مطمئنة أنها تنتمى : إلى عالم يكون الإنسان فيه سيداً وهذه الأغراض كانت أموالا وأملاكاً لا هم إلا امتلاكها والاحتفاظ بها …… وكانت ثمة هوية ثابتة بيم هذه الأغراض ومالكها ، صورة بسيطة هى فى الوقت ميزة ووضعية اجتماعية ، كان الإنسان سبب كل شئ مفتاح الكون وسيده الطبيعى بالحق ، أما اليوم فلم يبق الكثير من كل هذا …"ومع ذلك فهو يتبجح قائلاً : " إننا لا نؤمن أبداً بالمعانى الجامدة الجاهزة التى يقدمها النظام الإلهى القديم للإنسان وعلى أثره نظام القرن التاسع عشر العقلانى ولكننا نضع كل أملنا فى الإنسان : إن الأشكال التى خلقها هى التى تستطيع إعطاء العالم معنى " (28) وهذا هو دستور اللامعقول .
إن الأدب المعاصر يرفض الإيمان بالمعانى المحدودة والقيم الثابت المجردة تبعاً لعدم إيمانه بهدف كونى ثابت ، إنه لا يريد أن يؤمن بذلك الهدف سواء فى صورة " القدر " بالشكل الذى تقرره لاهوتيات الكنيسة أو فى صورة المثال كما تخيله أفلاطون وفلاسفة الإغريق ، ففى نظر أدباء الضياع ينبغى ألا يكون هنالك إرادة تسير الحياة الإنسانية على خطة مرسومة إلى هدف مقصود ، كما أنه ليس هناك نموذج سام يفوق الإدراك تكون الحياة الحسية انعكاسه وصورته الموازية له . والسبب الذى دفعهم لإنكار ذلك هو توهمهم أن الإيمان بشيء منه يتعارض مع ما زعموه " حرية الإنسان " من جهة ، ومع ما يظهر فى الكون من تناقض وتقلب تعجز عقولهم عن تفسيره من جهة أخرى .ولم يظل هذا الاعتقاد فكرة مجردة بل بنى عليه الدستور العلمى للفن الذى ينص على أن " الفن للفن " يقول يعضهم تحت عنوان : الالتزام الوحيد الممكن للكاتب هو الأدب : " ليس الصواب الزعم أننا نخدم فى روايتنا قضية سياسية مهما كانت قضية تبدو لنا عادلة وحتى لو كنا فى حياتنا السياسية نحارب فى سبيل انتصارها إن الحياة السياسية تضطرنا دون انقطاع إلى افتراض معانى (كذا) معروفة : معانى تاريخية ، معانى أخلاقية ، إن الفن أكثر تواضعاً أو أكثر طموحاً ، ففى نظره ليس هناك من شىء معروف مسبقاً ، وقبل العمل لا يوجد شىء : لا يقين ولا قضية ولا رسالة فالظن أن عند الروائى شيئا يريد أن يقوله وأنه يبحث بعد ذلك كيف يقوله يمثل أخطر عمل مناقض للحقيقة " (29) .هذا الإحساس بالضياع وعدم الانتماء فى عالم يعج بالمعضلات الحضارية والمآسى الإنسانية جعل الرواية المعاصرة تتخذ بطلها من نوع أخر ملائم لاتجاهها ، ويستطيع المرء أن يعد نوعية البطل مؤشراً حقيقياً لتحديد الانتماء الفنى وتطوره ، فالأدب الكلاسيكى كان بطله هو ما يدل عليه المعنى الأصلى لكلمة بطل ، ثم حولت الرومانسية بطلها إلى العاشق أو الصوفى ، أما بطل الرواية الواقعية فهو غالباً الشهوانى أو المادى ، وفى أدب الضياع المعاصر نجد أن البطل هو الصعلوك أو المتشرد أو هو إجمالاً ذلك الإنسان الذى مصيره الخيبة والدمار .
.*.*. أمثلة من أدب الضياع .*.*.
1- " القضية : كافكا " (30)
تصور أزمة إنسان عادى كان يعيش حياة طبيعية كسائر الناس يفاجأ برجال شرطة غريبين يلقون القبض عليه ويحاول عبثاً أن يعرف السبب . ويحدث أن تحال قضيته إلى محكمة غريبة فى أشخاصها وقانونها وبناءها ويظل يترافع مدافعاً عن نفسه دون أن يعرف ماهية القضية ، ويظل رهن الاعتقال إلا أنه اعتقال غير مألوف فهو حر مأسور فى آن واحد ، يخضع للملاحقة والمتابعة فى كل مكان ، ويظل يشكو حاله لمعارفه وأصدقائه ويبحث عن محام قدير لكنه يكتشف – يا للمصيبة – بأن معارفة كلهم أعضاء مجهولون فى المحكمة الغريبة ! حتى رجل الدين الذى لقيه صدفة فى إحدى الكنائس وهو أيضا عضو فى المحكمة ، وبعد فصول طويلة معقدة من المحاكمة ومع أنه لا يزال يجهل التهمة تنتهى حياة التهم "ك" (31) بأن يقتاده مجهولان ويغتالانه خارج البلدة ، وكانت أخر كلمة قالها ( مثل الكلب ) يعنى نفسه . وتنتهى صفحات الرواية وفصول المحاكمة مبتورة والموضوع لا يزال معلقاً فهى فى الحقيقة لا تتم ولا يريد كافكا أن تتم ! والقضية ، فى حقيقتها ، هى قضية الوجود الإنسانى على هذه الأرض ، قضية الحياة ذاتها كما تبدو للإنسان اللامنتمى ، فمن خلال رؤيته يبرز إلى الوجود دون سابق استشارة ، ويظل رهن الحياة تتقاذفه أقدارها ويطول الليل والنهار وهو قابع فى متاهة يلهث ويتحسر حتى يداهمه الفناء المحتوم دون أن يعرف السر فى وجوده والقضية لأجلها جاء ثم ذهب واضمحل !

2- الشيخ والبحر " همنغواى " :
هنا يأتى اللامنتمى بنموذج أخر لتصوير المأساة الإنسانية وتجسيد المعضلة والمنعطف للحضارة البشرية حيث تكون الكارثة والخسارة الفادحة هى النتيجة والثمرة من عمر طويل وخبرة كافية وصراع مرير فى الأعماق ! فالشيخ الصياد أفنى عمره فى منازلة أقدار البحار ، وقد توغل هذه المرة فى أعماق المحيط لا تنقصه الخبرة ولا يعوزه الصلاح ، غير أنه يظل متشبثاً بإصرار مميت على أن تفوز شبكته بأكبر نصيب ، ويعد معاناة قاسية ومغامرات مضنية يظفر بما يروى أحلامه ، ويجنح بزورقه طالباً بر الأمان ، لكنه يفاجأ بعقبات ومهاجمات شتى تجعل الاحتفاظ بالصيد أعظم مخاطرة من الحصول عليه ، وينفذ زاده وتتحطم بقايا سلاحه وتخور قواه والتماسيح والقرشان العظيمة لا تكف غاراتها الشرسة على زورقه ، وأخيراً وبعد جهد جهيد وجراح بالغة يصل إلى الشاطئ وليس لديه من الصيد الثمين إلا هيكله العظمى فى حين فقد كل شىء !!وكما صور همنغواى أزمة الحضارة البشرية وأزمته الشخصية فقد تقمص شخصية الشيخ الخاسر ، وآثر أن يغادر الحياة بعد أن ظهرت له أعراض الكارثة ، ولم يجد وسيلة إلا أن يبادرها بالانتحار ! (32)..........وينبغى أن نشير هنا إلى عدة أعمال فنية فى الاتجاه نفسه لا تقل عما ذكرنا : " قلعة اكسل " لأدموندولسن ، " البحث عن الزمن الضائع " لبروست ، والعالم الطريف آلدوس هكسلى و " كوكب القردة " لبيريل بيل و " ردلة فى دنيا المستقبل " لويلز " . وعلى مستوى المسرحية تجد " البيت المحطم للقلب " وهى "إحدى سمرحيات شو ويعرض فيها إفلاس حضارتنا الحديثة كما تجلى عقب الحرب الكبرى " (38) .أما الشعر فيلمع أسم " اليوت " وقصيدته " اليباب " أو الأرض القفر(The Waste Land) وقد كان لهذه القصيدة أثر كبير فى الشعر الحديث وهى تصور مشكلة الإنسان المعاصر الذى يبدو للشاعر تافها مشلول القوة محطم الإرادة يعيش فى عالم يستحق الفناء " .

>> نماذج من مدارس الضياع <<
- الوجودية :
ليست الوجودية – كما حددها سارتر فى " الوجودية مذهب إنسانى " (39) سوى صورة من صور الضياع، وحتى إن صدقنا زعمها أنها " ثورة الإنسانية ضد كل ما هو لا إنسانى " فهى ليست إلا ثورة سلبية يائسة ، لم تستطيع أن تشخص الداء فضلاً عن تقديم الدواء وكل ما تستطيع أن تقول بصدق إنها قدمته للإنسانية هو عرض وإبراز بعض جوانب المأساة البشرية ، تلك المأساة التى تعبر عنها جملة واحدة " البحث عن الإله " فهى ترفض الإيمان بالله كما تصوره الأديان ولكنها لا تجحد البديل ، والإنسان الذى تحاول تأليهه محصور مقهور أمام القدر الكونى وأمام سيطرة الآلة وأما وضعه التاريخى المحدد ، وحول إيجاد مخرج من هذا التناقض تأتى الفلسفات الوجودية بشعارات شتى كالحرية عند سارتر والعبث عند البير كامو . وما دامت الوجودية أولا وأخيراً تعبيراً عن الضياع والإفلاس فلنأخذ أحد أبطال البير كامو نموذجاً للإنسان الوجودى المتمثل فى كامو نفسه : " إننى لأفكر أحياناً بما سيقوله عنا مؤرخو المستقبل ، فعبارة واحدة تكفى لوصف الإنسان الحديث ، كان يجامع ويقرأ الصحف ، وبعد هذا التعريف لن يكون ثمة مجال لمزيد من البحث " (40) " كان وجودى يتألف من الجسد بصورة خاصة وهذا يفسر توافقى الداخلى وتلك السهولة فى تصرفاتى التى كان الناس يشعرون بها…." ....." آه يا عزيزى ، إن عبء الأيام مخيف بالنسبة لمن هو وحيد بدون إله ، بدون سيد ولهذا يجب على المرء أن يختار سيداً ، إلها بدون مميزاته المألوفة ، ثم إن تلك الكلمة قد فقدت معناها ولم تعد تستحق أن تجازف المرء بصدم أحد بها " (43) .
2- الرمزية :
مدرسة ظهرت أصلا فى القرن التاسع عرش رد فعل للنزعة الميكانيكية التى ادعت الإحاطة بفهم الكون وتفسيره عن طريق العقل والعلم وأنكرت كل ما يندرج تحت سلطة المنطق وإدراك الحواس ، إذ اعتقد الرمزيون أن تلك النزعة قاصرة عن تفسير الواقع فضلاً عن العوالم المجهولة فى الكون والنفس . وحملهم ذلك "إلى الشعور بأن وراء الإمكان الإيجابي سراً لم يكتشف ومجهولاً لم يستكنه وإلى جانب هذه النزعة إلى المجهول أدلى علم السكيولوجيا بأن فى الإنسان حالتين : واعية ويدركها العقل والإيجاب وغير واعية قصر العقل عنها ، وقد تكون هذه الزاوية فى الإنسان هلا الحقيقة وقد يكون الواقع الموضوعى سراباً ……" (44) على هذا الأساس قام الأدب الرمزى محاولاً تطويع اللغة والأحداث للتعبير عن الحقائق المجهولة التى تلح الفطرة عليها بينما هى اللغة – فى نظرهم – ستظل مجهولة إلى الأبد ولا وسيلة قط إلى تقريباً إلا هذا الأسلوب.ومن أشهر زعمائها بودلير ورامبو .
3- السريالية :
مدرسة حديثة تهتم أكثر بالشعر والرسم تبتدئ من الخط الذى تبتدئ منه الوجودية ولكنها تفترق عنها فى الإيغال في اللامعقول والأعراض عن الخوض فى حقائق التاريخ والمشادات الفكرية والبحث المنطقى فيما يفوق الإدراك إلى الخوض فى أعماق المجهول بلا موضوعية . والأصل فى هذه الحركة هو نظرية فرويد عن العقل الباطن فالسريالية تريد " أن تجعل من العقل الباطن الحقيقة النفسية بالذات وتحول الفن إلى كتابة آلية لإيضاحه " . " ولم يكن مطمعها الأول أن تؤسس نزعة إنسانية جديدة ، أى أن تعطى العالم تلاحماً ، إتجاهاً ، لقد كانت على العكس تعارض كل تلاحم بحالة سخط لتغيير الحياة وبلوغ ما فوق الواقع الذى يلغى التناقضات التى مزقت الإنسان : واع ولا واع ، أنا وعالم ، طبيعى وما فوق الطبيعى " "كذا " أشهر شعرائها بريتون وأراغوان وقد حدد بريتون الطريق الوحيد للبحث عن المطلق بأنه " إملاء الفكرة فى غياب كل رقابة يمارسها العقل " (45).

4- أدب التفسخ :
نوع من أدب الضياع يميل إلى التشاؤم والابتذال ويتميز بأن أبطاله هم نوع من " الكائنات التى فقدت الثقة وبمستقبلها والتى لا تؤمن أبدا بإمكان قيامها اليوم بحياة إنسانيةوقد جعل روائيوه عملهم فى " الوسوسة الفيزيولوجية واستغلال بؤس البهيمة البشرية ، كأنهم جعلوا شعارهم شعار أبطال ريمون : غير أن ليست الخليقة شيئا إلا بالأحشاء التى تقودها ، كأنه لا يوجد على الأرض شىء يرتاد أجمل من أمعاء إنسانية كلها حيوانية ومن بالوعات المدن الكبرى "!! (46) .

5- أدب المستحيل :
اتجاه حديث ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثراً بفظائعها ترتكز فلسفته على الإلحاد القانط واعتقاد أن الإنسان " هو ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه " . ويقول معجم الأدب المعاصر :" والمستحيل وأساطيره لم تسيطر عبثاً منذ عشرين سنة ( أى 1945) على أدب قد نما تحت لواء – الدعوى – فإذا كان كتاب كامو هو الكتاب المفتوح لعام 1947 فلأنه كان يحمل آنذاك … تلك الفكرة القائلة : أن كل مجتمع فى هذه الأيام يحمل جحيمه فى نفسه وأن كل مدينة يمكن أن تموت بالطاعون إن أجيال ما بعد الحرب لا تزال تبدو تحت ضرب عاقبة جرح السنوات الأربعين : ما فائدة الصراع والصلاة والتأمل والإيمان ؟! فالعالم الذى يتعذب فيه الناس ويموتون هو نفسه العالم الذى يتعذب فيه النمال وتموت : عالم طاغ وغير مفهوم …" عشرون سنة ودخان هيروشيما يعلمنا أن العالم ليس جدياً ولا دائم البقاء – إن ملاحظة روجيه نيميه ذهه قد أبداها جيل بكامله جيل أبناء المستحيل " (47)

6 – الأدب العدمي :
نوع أخر أكثر تشاؤما وقنوطاً ، إنتاجه هو عبارة عن ذلك " العمل المؤلم الذى يصرخ بصوت عال فى كل صرخة من صرخاته المبتورة " " إن الإنسان قد مات " " وحيث ما من شىء ولا شخص ولا لغة على الخصوص تستطيع إغاثة ذرة الوجود تلك التى انكمشت فى استحالتها الأساسية ، وتعلن أنها تنتمى إلى العدم وأنها ستعود إليه وإلى الأبد وأنها لا تتخيل نهاية أخرى سوى نهاية القذارة التى تنتظر صيد الماء ؟ " (48)

7- أدب الهروب والحلم : صورة أخرى من صور الضياع يقول عنها المصدر السابق :
" أنه أدب لا يرفض أخلاق وغيبية أبائنا فقط ، ولكنه يرفض الحقيقة النفسية وواقعية ملاحظته ، يرفض فهم الأجهزة الآلية للروح لأنه ليس هناك إيمان بعمل النفس ويراد التقاط الحياة فى منبعها والجثوم مباشرة على الرخوم الحيوى وإمساك جذور الوجود المعقدة ، أنها صوفية بدون إله " .أشهر رواده بلانشو زباتاى والأخير " كان يحلم بشعر ينكر الطبيعة وبمطلق يستغنى عن القيم (49) . هذا وهناك مدارس واتجاهات أخرى كالتكعيبة والمستقبلية الخ لا تختلف فى جوهرها عما سلف

التونسي
27-10-2003, 11:47 PM
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

محمـد قرنه
28-10-2003, 02:13 AM
لكم لغتكم ولي لغتي

(سلام)
28-10-2003, 08:53 AM
up

عزوف
28-10-2003, 12:12 PM
جزاك اله خير شراع

أبو العبادلة
28-10-2003, 03:10 PM
وقل جاء الحق


جزيت خيرا أيها الكريم: شراع

ونفع بما قلت

شراع
28-10-2003, 07:00 PM
في التربية والثقافة

قبل أن يصطدم الغرب المتحضر بالشرق المتخلف كانت التربية في الأخيرة متأخرة أسلوباً وموضوعاً ، وكانت الثقافة جامدة ومحدودة .كان نصيب الأمة الإسلامية من المعرفة ينحصر في بقايا التراث الفكري الذي دونه علماء الكلام والفقه واللغة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية تلك البقايا التي تسمى "الكتب الصفراء " أو الثقافة التقليدية ، وفي أحسن الأحوال "الثقافة الأصلية " - كما في بلاد المغرب - .ولا شك أن هذه البقايا تشكل جانباً من جوانب الثقافة الإسلامية في مفهومها الواسع - بغض النظر عن مدى صدقها في تمثيل حقيقة التصور الإسلامي المفترضة في ذلك الجانب - ولكن من المؤكد ان ذلك لا يصح اعتباره الصورة الكاملة المثلى للثقافة الإسلامية ، ومن ثم فإن الحكم على الإسلام من خلال النظرة لذلك الجانب وحده خاطئ يقيناً .
ولسنا الآن بصدد الحديث عن مفهوم العلم في التصور الإسلامي ولكن الذي يهمنا هو إيضاح أن المستوى العلمي للمسلمين في القرن الماضي لا يمثل هذا المفهوم أبداً بل إنه - في بعض الأحيان - ليتنافى معه تمام المنافاة .ولنأخذ شاهداً قريباً لذلك من الأزهر الذي صبت عليه اللعنات لجموده وتخلفه .

كان الأزهر منذ تأسيسه يدرس في حلقاته المكتظة الفلك والجبر والهندسة والطب كما يدرس الفقه والنحو والحديث سواء بسواء بلا حرج ولا غضاضة .وظل كذلك إلى عصر ليس ببعيد ، فها هو ذا الجبرتي يورد في تاريخه أسماء كثيرين ممن نبغوا في هذه العلوم بالنسبة لعصرهم - منهم والده - وإن كان مستواهم متخلفاً بالنسبة لما هو عليه حال معاصريهم في الغرب ، ذلك أن هؤلاء يمثلون الدفعات الأخيرة لحضارة منهارة ، في حين يمثل أولئك - الغربيون - طلائع متقدمة لحضارة فتية . ومع ذبول الحضارة الإسلامية التدريجي تقلص ميدان العلم ليقتصر على العلوم الضرورية التي لا يمكن للمجتمع الإسلامي أن يحيا بغيرها ، وأهملت العلوم الأخرى لا تحريماً لها ولكن عجزاً وتهاوناً يميلها الواقع المنهار من كل ناحية .وفي فترة الركود العلمي تلك ولدت أجيال بررت ذلك العجز والتهاون بصنوف المعاذير ثم استساغت الانغلاق وفسرت الدين نفسه تفسيراً ضيقاً وحددت علومه تحديداً نابعاً من واقعها المظلم لا من حقيقة الدين وجوهره .وفيما كانت الأوضاع تنحدر إلى الهاوية تلقت الأمة ضربة عنيفة من يد نابليون - طليعة الحضارة الغربية الكافرة - أيقظتها هذه الضربة من نومها ولكنها أفقدتها صوابها .
لقد فتح المسلمون أعينهم على وسائل جديدة ، وإمكانيات حديثة تسندها علوم ناهضة ، وتعززها بحوث دائبة ، وكان من الممكن -عقلاً- أن ينهضوا من كبوتهم مستفدين مما رأوا ، ولكنهم - واقعاً - لم يفعلوا ذلك لأنهم :أولاً:لم يكونوا يملكون القدرة على التمييز وتقدير التجربة حق قدرها ، و : ثانياً :كان اقتران العلوم الجديدة بتلك الحملة الصليبية الوحشية - التي انتهكت حرمة الأزهر نفسه -دافعاً لمقت تلك العلوم ورفضها إطلاقاً .وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين غريباً خاصاً بالكفار .
من هذا الخطأ التاريخي تقريباً نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي :تعليم ديني ضيق محدود ، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها .
"وقد حاول محمد على في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر ، إلا أنه خشي معارضة الأزهريين ، فقام على الفور بإنشاء نظامه التعليمي الحديث ، وهكذا انقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث " .(1)ولما كان اللقاء بين شيخ الأزهر "وجومار "(2) مستحيلاً فقد كان لا بد من الصراع بين أتباع وثقافة كل منهما ، ورأى أبناء جومار أن القضاء على الأزهر يكون ببقائه جامداً معزولاً عن الحياة ومتغيراتها . استصدروا من الخديوى إسماعيل سنة 1872 "القانون الخاص بتنظيم الأزهر وإصلاحه "وتنص فقرة ب منه على :"تحديد الدراسات التي تعطى بالأزهر بإحدى عشرة مادة هي :الفقه وأصول الدين والتوحيد والحديث والتفسير والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق (3)"ووافق ذلك في نفوس علماء الأزهر ، وبذلك قطع الطريق أمام وعي ذاتي لإصلاح الأزهر حقيقة .أما المدارس الحديثة التي أنشأها محمد على وأولاده فقد كانت مجالاتها أرحب وفرصها أوسع ، وكانت البعثات إلى الخارج قائمة على قدم وساق .والناحية الأشد خطورة هي الوسائل التي ينتهجها كلا النظامين التعليميين : النظام الديني "كما سمي " يقوم في الكتاتيب المتفرقة في القرى والأمصار للمرحلة الابتدائية ، والجامع الأزهر للمرحلة العليا .والكتاتيب يدرس فيها "فقهاء "(4) يجتمع حولهم الطلبة في مظاهر ريفية يحملون الألواح القديمة والمصاحف ، والفقيه يتوسطهم بعمامته وفي يده عصا طويلة ، ويقوم بتلقينهم بطريقة تغاير روح التربية الإسلامية المأثورة التي كانت في عصرها أرقى أساليب التربية العالية .
وطلاب الجامع نفسه يتحملقون في أروقته مفترشين الحصر البالية يتصدرهم شيخ لا يكاد يختلف في مظهره عن فقيه الكتاب(5) .

وعندما يكمل الطالب دراسته تكون شهادته إجازة خطية يكتبها له الشيخ بيده ناعتاً تلميذه بالألقاب العريضة .أما إيرادات هذا التعليم فتأتي من هبات وصدقات المحسنين وأوقاف المتبرعين وهديا رجال الدولة ، أى أنها فوق كونها غير منظمة يصحبها أيضاً المن والرياء .وعلى عكس ذلك كانت المدارس الحديثة :فلها أبنية فخمة ووسائل متقدمة وميزانيات ثابتة ومناهج حديثة ويديرها خبراء فرنسيون يشعر مظهرهم وتصرفاتهم بالحداثة والتحضر .ولندع النظام الأزهري على جموده الذي سيظل عليه حتى ينسف كلية - كما سنرى - ولنتابع سير التعليم اللاديني واتجاهاته الثقافية .
يتحدث "جب " عن شيء من ذلك قائلاً :"وكانت المصادر الأولى التي أخذ الفكر الأوروبي يشع منها هي المدارس المهنية التي أنشأها محمد على والبعثات العلمية التي أرسلها إلى أوروبا . " .ويذكر أن منها "مدرسة الألسن التي كان يشرف عليها العالم الفذ رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وهو تلميذ جومار البار .
ثم كانت "الموجة الثانية من موجات التغريب في عهد الخديوي إسماعيل ، ويمكننا أن نختار محمد عثمان جلال (1829-1798) تلميذ رفاعة مثالاً للجناح المتقدم من هذه الحركة ، فقد كانت أبرز آثاره الأدبية ترجمات لبعض المؤلفات الفرنسية ذات الشهرة ، مثل بول وفرجيني ، وخرافات لا فونتين وبعض ملاهي موليير، والأمر الذي يجدر التنويه به في عمله هذا ليس هو فكر الترجمة في ذاتها بل الروح التجديدية التي تكمن وراءها (1) فقد ترجم لا فونتين إلى شعر سهل لا تصنع فيه ولا رهق ، إلا أنه حين ترجم ملاهي مولييير كتبها بلهجة العامة في مصر ، ولم يكن الوقت قد حان بعد للإقدام على مثل هذا العمل الجرىء (!) غير أن ما تجلى في تلك الخطوة من انفكاك تام من أسر الماضي كان دليلاً على روح العصر ، قال الخديوي إسماعيل "أن مصر أصبحت قطعة من أوروبا " ولذا كان لا بد للأدب المصري من أن يعبر عن استقلاله عن التقاليد الآسيوية والأفريقية (6)" .كانت حركة التغريب الأولى فرنسية الاتجاه ، فلما أحتل الإنجليز مصر أصبحت الحركة الإنجليزية واتخذت طابعاً جديداً أعمق وأوسع ، فقد كان الاستعمار الإنجليزي يهدف إلى ما ذكره اللورد ميكالي عن الهند :"يجب أن ننشئ جماعة تكون ترجماناً بيننا وبين ملايين من رعيتنا وستكون هذه الجماعة هندية في اللون والدم إنجليزية في الذوق والرأى واللغة والتفكير(7) " .
فالاستعمار -كما قال أحد شعراء المسلمين في الهند - أذكى من فرعون الذي استخدم سياسة قتل الأولاد ، ولم يفتح لهم مدارس وكليات تقتلهم من حيث لا يشعرون كما فعل المستعمرون .(8)فقد افتتحوا مدارس غربية قلباً وقالباً في المراكز الثقافية الكبرى للعالم الإسلامي ورسموا المخططات لاستئصال التعليم الأصلي .
من هذه المدارس الكليات التبشيرية التي أنشئت في لاهور وبيروت واسطمبول والقاهرة وغيرها ،عدا المدارس الأقل شأناً التي انتشرت في الهند وبلاد الشام ومصر وبصفة أظهر في بلاد المغرب .
ومما لا شك فيه أن هذه المدارس كان لها أعظم الأثر في توجيه النهضة الفكرية وجهة لا دينية وتوسيع الهوة بين التعليم الديني واللاديني كما شجع الاستعمار واحتضن الحركات الفكرية والأدبية التي قام بها النصارى - لا سيما الشاميون - حيث كانت جمعياتهم وصحفهم في الشام ومصر من أشد أجنحة التغريب تأثيراً.
أما احتواء التعليم الأصلي والسيطرة عليه فأقوى الشواهد عليه المخطط البطيء الماكر ، الذي وضعه كرومر ووزيره القسيس دنلوب في مصر ، والذي استخدم أحدث ما وصلت إليه التربية وعلم النفس في عصره لإخراج جيل ممسوخ قابل للاستعباد .
"فتح دنلوب مدارس حكومية ابتدائية تدرس العلوم "المدنية " وتعلم اللغة الإنجليزية -لغة الاستعمار - وتخرج موظفين كتبه في الدواوين التي يحتلها ويديرها الإنجليز ، يقبضون رواتب تعد بالجنيهات لا بالقروش .

"ولم يكن الأمر في حاجة إلى مزيد من الإغراء .فمن ذا الذي يبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر إلا الفقراء العاجزون عن دفع المصروفات ، وهو له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة حيث "يرطن " بلغة السادة المستعمرين ؟“وانصرف الناس القادرون – من ذوات أنفسهم – عن الأزهر ، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد الثورة الأولى التي أثارها الحس الباطني المسلم على هذه المدارس "الكافرة " التي لا تعلم القرآن ولا تعد الدين ، واصبح هؤلاء المتعلمون "طبقة "جديدة تستمد طبقيتها من أنها من أبناء الأسر أولاً ، ومن مركزها الاجتماعى في وظيفة الحكومة ثانياً ، ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطات الاستعمار بعد هذا وذاك "(9).وبالإضافة إلى أسلوب التربية السيئ المتعمد لم يشأ دنلوب أن تخلو المدارس تماماً من الدين - ولو فعل ذلك لكان أفضل - بل قرر مادة "دين " لكنه جعلها مادة ثانوية في قيمتها الدراسية ثم أن حصصها كانت "توضع في نهاية اليوم المدرسي وقد كل التلاميذ وملوا وحنوا إلى الانفلات من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت ، وكانت هذه الحصص توكل إى أسن مدرس في المدرسة ، يسعل ويتفل ، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة ...فيرتبط الدين في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة ، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور "(10) .وقرر كذلك -لغاية خبيثة - مادة "لغة عربية " وفي الوقت الذي كان فيه مدرس اللغة الإنجليزية يتقاضى مرتباً شهرياً إثني عشر جنيهاً كاملة كان زميله مدرس اللغة العربية لا يقبض سوى أربعة جنيهات ، مما جعل الفرق بينهما في المكانة الاجتماعية شاسعاً ، وجعل اللغة العربية في ذاتها موضع الاحتقار والازدراء(11) .وليس أنكى من ذلك إلا المناهج التي كانت تدرس في مدار الحكومة والتي كانت مملوءة بالطعن والسموم فيما يتعلق بالإسلام وتاريخه وحضارته ، ومفعمة بالتقدير والإكبار الذي يصل درجة التقديس فيما يتعلق بأوروبا وتاريخها وحضارته .ومن بين طلاب هذه المدارس تنتقى نخبة معينة للابتعاث إلى أوروبا وهناك يتم المسخ الكامل لها ، لكي تعود إلى بلادها فتقبض على مقاليد الفكر والثقافة وتوجهها حسب إرادة السادة المستعمرين .والعمل نفسه-مع اختلاف في الوسائل - سلكته فرنسا في الشام وبلاد المغرب ، وقد نشأ نتيجة لهذه التربية الاستعمارية جيل مقطوع الصلة بدينه ،مفتون بالغرب وتياراته الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد هو تحللها من الالتزام بالدين ، يتحدث قائلاً :"إن من أهم أسباب حركة الحرية والإباحية التي تسود اليوم في العالم الإسلامي ،ومن أكبر عواملها نفوذ الغرب ، فقد بلغت هذه الحركة أوجها في أوروبا من أواخر القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى ، وهكذا شأن نهضة أوروبا وتقدمها ، وقد سافر كثير من الشباب المسلم إلى الغرب واطلعوا على روح أوروبا وقيمها وأعجبوا بها إلى (أبعد) حد ، وينطبق هذا بخاصة على الطلاب الذين درسوا في جامعات أوروبا بعدد لم يزل يزداد مع الأيام ، وهم الذين سببوا استيراد كثير من أفكار الغرب وقيمه إلى العالم الإسلامي ، وقد حازت قصب السبق في المضمار تلك المعاهد الثقافية التي قامت بتربية جيل بأكمله على النمط الغربي الحديث ، وكان مما صدره الغرب إلى العالم الإسلامي تلك الأفكار المتعددة الجديدة التي تقع في الأهمية بمكان ، والاتجاهات العقلية الدقيقة الفجة (كذا) والميول الحديثة التي كان في نشرها أوفر نصيب لنمط التعليم الغربي الحديث ، ويفوقها في ذلك تأثير معاهد الغرب الحقوقية والسياسية والاجتماعية الجديدة ونفوذها الزائد ،ومنها ما يسلط إجباراً وما يحاول إجباراً وما يحاول تسليطه ، وبينما قام بعض المسلمين لمقاومة هذا التيار رحب به البعض الآخر ، إن بعضهم قد وقع تحت تأثير هذه التربية رسمياً ، وبعضهم قد رحب بهذا التيار بدافع من أنفسهم ، وأنتج ذلك أن كثيراً من المسلمين اعترفوا بهذه النظريات والمعاهد كحقيقة ثابتة ، وخضعوا لها بالتدريج ، وهكذا استمرت عملية التغريب بسرعة وقوة بالغتين (12)" .

لم يمض على سيطرة الاستعمار فترة من الزمن حتى كان العالم الإسلامي خاضعاً لتأثير التربية والفكر خضوعاً يتفاوت حسب الأقاليم المختلفة .ففي تركيا - التي لم تحتل احتلالاً مباشراً - بلغ التأثير ذروته في الردة العقائدية والفكرية العنيفة التي انتهجها أتاتورك لطمس الإسلام بيد من حديد . وفي الهند فقدت الثقافة الإسلامية ريادتها وتقوقعت في المؤسسات الأهلية الصغيرة ، وضاع كثير من نشاطها في زحمة الصراع الداخلي والخارجي . أما في العالم العربي فلعل أصدق وصفة لحاله هو ما قاله "توينبي " من أن الصراع الفكري فيه بين الأفكار الغربية والإسلام لم ينتج عملاً غربياً ناجحاً مثل ذلك الذي في تركية وإنما كان نتاجه هجيناً لا هو غربي ولا هو إسلامي (13)" .وقد قال أحد المستشرقين "إن في القاهرة مائتي مطبعة وسبع عشرة ، تصدر ما معدله كتاب أو نشرة واحدة في اليوم " ثم يستدرك موضحاً أن "أكثرية ما يصدر هو ترجمات للقصص الغربية "(14) وهذا يعطينا الدليل على مدى ما وصلت إليه الهجنة ، فإن أمة تتجه إلى القصص الغرامية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى ترجمة العلوم التطبيقية والأخذ بأسباب النهضة لجديرة بهذا الوصف .
وقد أخرج هذا الهجين الممسوخ دعوات ونتائج سيئة نذكر منها على سبيل التمثيل ما يلي :1-الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز :وقد تزعم هذا الاتجاه كثير من هجناء الفكر ، منهم صاحب كتاب (مستقبل الثقافة في مصر ) الذي يقول :"بل نحن قد خطونا أبعد حداً مما ذكرت فالتزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم ونسير سيرتها في الإدارة ، ونسلك طريقها في التشريع التزامنا هذا كله أمام أوروبا ، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا سنسير سيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع ؟فلو هممنا الآن أن نعود أدراجنا وان نحيي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلاً ، ولوجدنا أمامنا عقاباً لا تجتاز ولا تذلل عقاباً نقيمها نحن لأننا حراص على التقدم والرقي ، وعقاباً تقيمها أوروبا لأننا عاهدنا على أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة(15) “ .
ويقول عن التعليم خاصة :"من الناس من يريد التعليم مدنياً خالصاً ،وأن لا يكون الدين جزءاً من أجزاء المنهج المقومة له ، على أن يترك للأسر النهوض بالتعليم الديني وان تقيم الدولة في سبيل هذا التعليم من المصاعب والعقاب ما يجعله عسيراً ، ومنهم من يرى أن التعليم الديني واجب كتعليم اللغة وكتعليم التاريخ القومي ، لأن جزء مؤسس للشخصية الوطنية ، فلا ينبغي إهماله ولا التقصير في ذاته ، وواضح جداً أن هذا الرأي الأخير هو مذهب المصريين ، وان من غير المعقول أن يطلب إلى المصريين ، الآن أن يقيموا التعليم في بلادهم على أساس مدني خالص وان يترك الدين للأسر (16)"
ومثل طه حسين سلامة موسى الذي يقول متحدثاً عن نفسه :"إنه شرقي مثل سائر مواطنيه ولكنه ثار على الشرق عندما أيقن أن عاداته تعوق ارتقاءه،ودعا إلى أن يأخذ الشرقيين بعادات الغربيين كي يقووا مثلهم ، ولكنه لم يجن من هذه الدعوة غير الكراهية والنفور ، وأحس بالتناقض العميق بينه وبين المجتمع وأهدافه الثقافية والسياسية والروحية تنأى عن عادات مجتمعة ، إنه ليخالف سائر الكتاب إذ هو إن كان يكتب بالعربية فإنه يفكر تفكيراً أوروبياً (17)" ..ومن هؤلاء أحمد لطفي وصهره إسماعيل مظهر وقاسم أمين .
2-احتقار الماضي الإسلامي وتربية الأجيال تربية لا دينية حديثة :ولنأخذ مثالاً على هذا ما قاله مؤلف كتاب "مصر ورسالتها :"عندما فتح العرب مصر عام 640 كنت ولاية بيزنطية تحكم من القسطنطينية وعندما غزا الفرنسيون مصر عام 1798 وجدوها ولاية عثماني تحكم من نفس القسطنطينية التي حملت اسماً جديداً وهو استطمبول أو الأستانة ، ولم يكن حالها عام 1798 بأحسن من حالها عام 640 ، كان الناس في بؤس وذل وكان البلد في خراب " .فكأن عشر قرناً من تاريخ هذا البلد ضاعت سدى ، كأن هذه السنوات الكثيرة قد انقضت ونحن نيام بعيدين (كذا) عن الوجود ! ."شيء لم يحدث في تاريخ بلد مثل مصر أبداً ، تصور اثني عشر قرناً ونصف تذهب سدى ! قد يقال قد قامت خلالها دول وأمجاد ...ولكنها تلاشت كأن لم تغن بالأمس وعاد المصري - وهو مدار هذا التاريخ ومقياسه - بالضبط كما كان في أواخر عصر الرومان ..""ما الذي حدث ؟ “ . “الذي حدث أننا تخلينا عن رسالتنا (!) واتجهنا بكليتنا نحو الشرق فاختل ميزان تاريخنا وكان ذلك الانكسار العظيم (18)” .وبناء على هذه الأفكار طولب بتربية الأجيال الجديدة تربية لا صلة لها بذلك الماضي ، وها هي ذي بعض نصوص من نشرة مؤتمر التربية العربي المسمى "الحلقة الدراسية العربية الأولى للتربية وعلم النفس" :"يجب أن تعمل التربية العربية على خلق خصائص جديدة في الشخصية العربية الناشئة بحيث تستأصل منها رواسب العصر التركي والاستغلال الاستعمارى وتصنع بدلاً منها خصائص مضادة تتحقق بها القومية العربية الشاملة في المستقبل القريب . فالمواطن العربي يجب أن يكون شخصاً تقدمياً يؤمن بفلسفة التغير والتطور يجب أن يعتبر نفسه مسؤولاً عن المستقبل لا عن الماضي ومسؤولاً أمام الأجيال القادمة لا أمام رفات الموتى ...(19)" !! .وعن التربية التقليدية - كما أسماها - يتحدث المحاضر نفسه عن التربية الإسلامية باحتقار شديد ممثلاً لها بقوله :"كان الطفل يشترى من أسواق النخاسة ...ثم يدخل القلعة وتتبع معه طريقة التلقين الدقيق فيخرج منها بعد أعوام قليلة مسلماً متعصباً لإسلامه ومملوكاً يعتقد أنه ملك للأمير الذي اشتراه ورباه ..." .
إلى أن يقول "لهذا كانت طريقة التلقين سيئة السمعة كطريقة تربوية ، لأنها تؤدي إلى تعصب حيواني عاطفي غير قائم على الفكر والإقتناع(20) " وعلى لسان محاضر آخر يقول المؤتمر : "في تجاربنا الخاصة إن أخطر ما تتعرض له سيكولوجية الأطفال في هذا الصدد هو التعصب الديني(21)" ويشرح مفهوم الدين كما يتصوره :الدين أداة الفكر يسند المجتمع عن طريق القدوة والتعليم والإرشاد والترغيب والترهيب ... والتربية الدينية الخاطئة قد تعمل في تزييف الأهداف وفي جعلها أداة للشر الغريزي ، وكثيراً ما يستغل الدين لأغراض السياسة الحزبية ، وربما نتج عن هذا الارتباط بين الدين والسياسة أخطر ما يهدد العلاقات والروابط القومية ."ويرى الكثيرون أن الكتب السماوية ليس من أغراضها أن تكون موسوعات يبحث المؤمنون فيها عن مشاك العصر كي يجدوا فيها حلاً لمشكلات العمال في القرن العشرين على سبيل المثال ، بل في أداة تلهم المؤمن لاستعمال الفكر في حل مشاكله الطارئة (22)" ! .
3- تطوير الأزهر (تطويعه) : كان الأزهر - رغم تخلفه ورغم تقصيره في إبراز الثقافة الإسلامية المتكاملة - قلعة إسلامية يحسب لها أعداء الإسلام كل حساب ، وكان فيه رجال يلتهبون غيرة على الإسلام ويجابهون الطاغوت - داخلياً كان أم خارجياً - بكل جرأة .فهو الذي قاوم الحملة الفرنسية وقتل أحد منسوبيه قائدها ، وهو الذي تزعم الثورة الشعبية سنة 1991 ، وفوق هذا كان رابطة إسلامية عامة تهتز لما يحدث على الرقعة الإسلامية الكبيرة ..ولذلك ظل الأزهر سنين طويلة محط المقت ومصب اللعنات من قبل دعاة التغريب واللادينية ، حتى جعلوه رأس المشاكل الثقافية في مصر والعقبة الؤود في سبيل النهضة ! .وأعظم من تجرأ على الأزهر في القرن الماضي - عن حسن نية وربما عن شعور بالنقص - هو خريجه الشهير الشيخ محمد عبده الذي سبق شيء من الحديث عنه .وربما كان هذا من أهم أسباب التقدير وأذنابهم بلا استثناء .
ثم جاء طه حسين ولطفي السيد وإضرابهما مبتدئين من حيث انتهى محمد عبده وجيله ، وطالبوا بإلحاح أن تزال هذه الصخرة العتيقة التي تعترض الجسر الثقافي العريض الذي يمتد من أوروبا إى مصر عابراً البحر الأبيض المتوسط ، أى أن يستبعد آخر أثر شرقي من مصر التي اكتشفت - حسب رأيهم - أن هويتها غريبة 100% .
وكان على الأزهر إما أن يساير الموجه العاتية فيفقد رسالته وإما أن يحكم على نفسه بالفناء .ورأى أذيال الغرب وكذلك "المتحررون " ! من علماء الأزهر أن الوسيلة المثلى للخروج من الأزمة هي تطوير الأزهر ، أي أن يفقد رسالته في سبيل الاحتفاظ بوجوده .
وصدرت القوانين من سنة 1936 حتى سنة 1961 بشأن تطوير الأزهر(23) واستطاع دعاة اللادينية أن يدخلوا تاء التأنيث على الجامع الأزهر وبذلك تحول من وكر لثقافة العصور الوسطى إلى مركز ثقافي عصري مدني !! .
أما أثر هذا الانتصار للثقافة المستوردة في معاهد الثقافة الإسلامية خارج مصر - التي كانت تعد الأزهر أباً روحياً أو على الأقل سنداً قوياً لها - فقد كان سريعاً وواضحاً إذ تم تطويع البقية الباقية منها إما بدوافع ذاتية وإما بقوانين إجبارية .
4-الدعوة إلى العامية : ليست اللغة العربية أداة الثقافة الإسلامية فحسب ، بل هي مقوم من مقومات الشخصية الإسلامية للفرد والمجتمع ، وليس غريباً أن يشن المستشرقون والمبشرون عليها هجمات شرسة تتعلق بألفاظها وتراكيبها ومقدرتها على مسايرة العصر ، فقد كانوا يرمون هدم القرآن بهدم لغته ليصبح كالإنجيل اللاتيني لا يقرؤه إلا رجال الدين غير أن المؤسف حقاً هو أن يتصدى لمقاومة العربية أناس يحملون أسماء إسلامية كانت الفصحى سبب بروزهم الفكري ، ويكتبون بها سمومهم الرامية إلى إلغائها ،وان يعد ذلك جزءاً من التفكير الاصطلاحى وهدفاً من أهداف المصلحين .كان زعيم الإصلاح الشيخ محمد عبده محقاً في رفض الأسلوب الكتابي القائم على الصناعة اللفظية والدعوة إلى كتابة سلسلة حرة بلكنة - دون أن يدري فتح الباب لهدم العربية - لوا مرة في تاريخها - وذلك أنه دعا إلى تصحيح الخطأ المشهور من أخطاء النحو والصرف التي كانت تتخلل الكتابة في عصره (4)" .وعلى هذا الأساس وضعت القاعدة الخاطئة ":صحيح مشهور من فصيح مهجور " ثم توسع فيها حتى جاء اليوم طولب فيه بهدم النحو العربي كله.وكان عبد الله النديم - تلميذ محمد عبده - ممن أسهم في هذا المجال لا بالدعوة إلى العامية بل باستخدامها في لغة الصحافة ، ذلك أن مجلة "الأستاذ " التي كان يصدرها تحتوي في كل عدد من إعدادها مقالاً أو أكثر باللهجة الدارجة(25) .ثم جاء الجيل المستعبد للغرب معلناً عداوته للثقافة الإسلامية واللغة العربية وأشهر زعمائه أحمد لطفي السيد ، وزميله ورفيق عمره عبد العزيز فهمي ، وزوج أخته إسماعيل مظهر ثم صديقه الحميم طه حسين .ولعل تسليط شيء من الضوء على حياة لطفي السيد - أستاذ الجيل كما سموه ومحور هذه الدعوى - يعطينا لمحة عن دوافع الفكرة وأهدافها :كان لطفي السيد من أخلص تلاميذ محمد عبده له وأتيحت له الفرصة أكثر من شيخه إذ عاش بعده ما يزيد على أربعين سنة أي أنه عمر أكثر من تسعين عاماً .وأهم مناصبه الثقافية توليه لإدارة الجامعة المصرية عند تأسيسها ، ثم توليه لوزارة المعارف آخر عمره .أما أعماله السياسية فقد كان أحد زعماء حزب الأمة باعتباره رئيس تحرير "الجريدة " صحيفة الحزب واشتهر بعدواته لفكرة الجامعة الإسلامية ورفعه شعار مصر للمصرين وشعار "سياسة المنافع لا سياسة العواطف (26(" .ولا يستطيع الكاتبون عن حياته أن يخفوا أنه فاوض "كتشنر ثم " جراهام "على أن تنفصل مصر عن تركية وتصبح دولة مستقلة يحكمها الخديوي تحت وصاية بريطانية(27) .. أما فكره فكان متأثراً جداً بداروين ومل وروسو وإضرابهم من الغربيين(28) وكان مع كل ناعق من دعاة التفرنج والعصرية فقد "حظيت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة من تأييد لطفي السيد بما لم تحظ بها من كاتب أو صحفي آخر (29)"

وعندما أصدرت الحكومة قراراً بنقل صديقه وشريك دعوته طه حسين من الجامعة - بسبب الضجة التي ثارت حوله - لم يسع لطفي السيد إلا أن يقدم استقالته من منصب وزير المعارف احتجاجاً على ذلك(30) .ومع زعمه أن الفصحى معقدة وقديمة نراه يمضي ربع قرن من حياته في ترجمة كتب أرسطو(31) .وقد ذكر مؤرخ حياته حسين فوزي النجار بعض الحوادث التي تدل - كما يرى - على أنه كان لا يؤمن بالغيبيات والقوى الخفية(32) وقد علل لطفي السيد لتأخر مصر وتقدم الغرب بأن مصر تستعمل لغتين للثقافة وأخرى للتخاطب ، والحل الذي رآه وقدم له الاقتراحات الكثيرة هو النزول بالفصحى إلى مستوى العامية حتى يتم مع الزمن توحيد اللغتين في لغة واحدة - هي بالطبع - "العامية (33)" ..أما زميله الأول عبد العزيز فهمي فقد كان أكثر جرأة منه حين دعا إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية وهي الدعوة التي ولدت - لحسن الحظ - ميتة .وأما صديقه طه حسين فقد كانت لدعوته للعامية صدى واضحاً لكتابات المستشرقين . وكذلك آراؤه في الشعر الجاهلي ، ورحم الله الرافعي فقد فضح هذه الدعوى وعرى كاتبها .(34)لقد كان كل دعاة العامية أناساً مشبوهين وصلتهم بالدوائر الاستعمارية واضحة وذلك ما يؤكد أنها كانت جزءاً من المخطط اليهودي الصليبي للقضاء على الإسلام ، بل أنه من المؤكد أن الدعوة العامية إنما ظهرت أصلاً من أفكار المستعمرين وفي أحضان المبشرين يتضح ذلك من أسماء دعاتها الأوائل أمثال "بوريان وماسبيرو (35)" .وجدير بالذكر أن الذي خلف عبد العزيز فهمي في المجمع اللغوي هو توفيق الحكيم الذي دعا إلى قاعدة "سكن تسلم "(36) وليس مثل هذه الدعوى أسى إلا أن تفتح كليات اللغة العربية والآداب في البلاد العربية الباب لما لأسموه "التراث أو الأدب الشعبي " وأن تحضر فيه رسائل جامعية عليا . على أن الفكرة لم تقتصر على مصر فقد كان لها لأذيال في الشام منهم المتطرف كسعيد عقل ومنهم المتدرج كبعض المهجرين .
5-اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية من الغرب :لم يقتصر الأمر على مناهج كرومر ودنلوب ، فقد كان أذيال الفكر الغربي لا يقلون عنهما رغبة في صبغ مصر والعالم الإسلامي بالصبغة اللادينية الغربية .وقد كان من أهداف أعداء الإسلام ما أوصى به مؤتمر القاهرة التبشيري المنعقد سنة 1960 من وجوب إنشاء جامعة علمانية على نمط الجامعة الفرنسية لمناهظة الأزهر والذي قالوا أنه "يتهدد كنيسة المسيح بالخطر " وقد قام الأذيال بتنفيذ المهمة إذ أنه بعد انتهاء المؤتمر بسنتين تقريباً أسس سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وزملاؤهم الجامعة المصرية ، وكان النص الأول من شروط إنشائها هو : ألا تختص بجنس أو دين بل تكون لجميع سكان مصر على اختلاف جنسياتهم وأديانهم فتكون واسطة للألفة بينهم (37)" .وهذا الشرط الجائر - في جامعة تقوم في بلد مسلم وعلى نفقات شعب مسلم - انعكست آثاره على مناهج التعليم في الجامعة ، فلم يكن من بينها شيء من علوم الإسلام احتراماً لمشاعر القلة غير المسلمة ، وهكذا كان التعليم الجامعي الحديث علمانياً من البداية ، وكان نتاجه تلك الجموع المستعبدة للغرب فمراً وسلوكاً ، النافرة من دين آبائها وأجدادها .
ويكفي في هذه العجالة أن نلم بمادتي التاريخ والمطالعة في معظم المناهج المعاصرة :أما التاريخ فقد صيغ منهجه في قالب غربي فهو مقسم أقساماً ثلاثة كبرى :
1-التاريخ القديم : وهو يشمل الحضارات الجاهلية التي لا توصف بذلك إطلاقاً .
2-تاريخ العصور الوسطى : ويشمل فترة ما قبل ظهور الإسلام بقليل ثم يندرج فيه تبعاً للمنهج الغربي التاريخ الإسلامي كله تقريباً .
3-التاريخ الحديث : وهو يبتدئ - غالباً - من قدوم حملة نابليون لاحتلال مصر التي تسمى "فجر النهضة الحديثة " وينتهي بالتاريخ المعاصر .ولا يخفى ما في هذه القسمة - في حد ذاتها - من إيحاءات ودلالات .هذا في المنهج أما المضمون : فقد حشيت مقررات التاريخ بدسائس المستشرقين وسموم المبشرين ، وكتبت بأساليب شديدة التأثر بالأساليب الغربية التي تفسر التاريخ مادياً ، أو على ضوء رؤى فلسفية خاصة ، مع إسقاط أو التقليل من قيمة العامل الإيماني الذي هو أسس العوامل في التاريخ الإسلامي .فنحن نقرأ في هذه المقررات مثلاً : أن غزوة بدر كان هدفها تعويض ممتلكات المسلمين بمكة ، وان فتح مصر - خاصة - كان سببه ما عرفه عمرو بن العاص عنها في الجاهلية من خصوبة الأرض ووفرة خيرات .. وان فتح الأندلس هدفه مد الإمبراطورية الإسلامية إلى أوروبا .. وان العالم العربي للاستعمار خضع للاستعمار التركي عدة قرون .. وإن حركة الشيخ محمد عبد الوهاب أول ثورة عربية ضد الاحتلال التركي ..الخ .وعموماً كتب التاريخ الإسلامي على شكل سلسلة عنيفة من الصراعات والدسائس السياسية ، وكتبت الحضارة الإسلامية على شكل ألوان فولكلورية .أما المزايا العظيمة للتاريخ الإسلامية - تلك التي لم تجتمعا قط في تاريخ وحضارة أمة على وجه البسيطة - فهي مغفلة أو مشوهة .أما مادة "المطالعة " فكأنما هي ملخص موجز للغزو الثقافي الغربي إذ تحوي موضوعات منوعة يجمعها الإعجاب بالغرب وتمجيد حضارته ورجالها ، والخلو من التصورات الإسلامية والقيم الإيمانية إلا قليلاً .فإذا تصفحت أحد هذه المقررات لا سيما "المطالعة الثانوية "فلن نعدم أن تجد فيه مثل هذه الموضوعات :"ماجلان قاهر البحار ، كيف اكتشفت أميركا ،إبراهيم لنكون محرر العبيد ، تحرير المرأة ،ظهور القومية العربية ،نابليون فاتح أوروبا ،عمر بن أبي ربيعة ،هدفك في الحياة ،الوطنية الصادقة ..." .

شراع
28-10-2003, 07:01 PM
-استيراد المذاهب اللادينية في الفكر والأدب :كانت فلسفة كومت الوضعية في فرنسا ونظرية داروين غفي إنجلترا من أعظم النظريات التي تأثر بها الفكر الغربي -كما سبق - وقد عاصرت اليقظة المنبهرة في العالم الإسلامية هاتين النظريتين وهما في أوج عظمتهما فتأثرت بهما أبلغ التأثر ،ومن ثم سارت النهضة الفكرية والأدبية الحديثة مساراً غربياً حتى آل الأمر إلى الواقع الفكري والأدبي المعاصر ، على أن الأدب خاصة تأثر -بالرومانسية التي اكتهلت في تلك الفترة ، وفي هذا القرن استوردت الواقعية واللامعقول بمدارسه المتعددة .أما الفكر فقد تأثر الشيخ محمد عبده بفلسفة كومت العقلية ، حتى لنستطيع أن نقول أن اتجاهه الاعتزالي يعزى إليها لا إلى المعتزلة المسلمين ، ومعلوم تأثر كل زعماء الفكر في مطلع هذا القرن بالشيخ من قريب أو بعيد .وكان من الآثار الخطرة ما حاول الشيخ ومدرسته القيام به من التوفيق بين الإيمان والنزعة العقلية ، وبغض النظر عن مدى نتائجها ومقدار توفيقهم فيها نجد أنها بدت أقل خطراً في ذلك الوقت من النزعات المتأثرة بفلسفة التطور لاقتران الأخيرة بالمروق الصريح من الدين والدعوة إلى الإلحاد(41) .
فقد ظهر من الكتاب أسهموا بصفة بارزة في نقل الدوراينية إلى الشرق بطريق الترجمة المباشرة وبالدراسة المستفيضة في الصحف هم : شبلي شميل وسلامة موسى وإسماعيل(42) مظهر ، والأولان نصرانيان أشهرا إلحادهما وكفرهما بكل دين(43) أما الأخير فمسلم الأصل إلى أنه كتب ما لا يتردد أحد في نسبة قائلة إلى الكفر ، وكان لكتبهم وأبحاثهم الأثر الكبير في جيلهم ومن تلاه حتى أنك لن تجد من المعاصرين من كتب في موضوع أصل الإنسان إلا هو سائر على الطريق نفسه .

ولما كان انتشار الإلحاد في العصر الحديث - أو على الأقل الشك واللاأدرية - يشكل ظاهرة بين المفكرين والمثقفين فلنكتف به مثالاً على استيراد المذاهب الفكرية الحديثة . "كان من ضمن القائمين بهذه الحركة "إسماعيل أحمد أدهم " الذي جاء إلى مصر (من تركية بعد إعلان العلمانية ) وحاول نشر الأفكار الإلحادية بين أهلها . وقد ألف رسالة صغيرة عنوانها : "لماذا أنا ملحد ؟ " وطبعها في مطبعة التعاون بالإسكندرية ومما جاء فيها "أسست جماعة نشر الإلحاد بتركيا ، وكانت لنا مطبوعات صغيرة أذكر منها :ماهية الدين ، قصة تطور الدين ونشأته ، العقائد ، قصة تطور فكرة الله ، فكرة الخلود " " وبعد هذا فكرنا في الاتصال بجمعية نشر اللحاد الأميركية ، وكان نتيجة ذلك تحويل اسم جماعتنا إلى "المجمع الشرقي لنشر الإلحاد "وكان صديقي البحاثة إسماعيل مظهر في ذلك الوقت – 1982- يصدر مجلة العصور وكانت تمثل حركة معتدلة في نشر الفكر والتفكير والدعوة للإلحاد (44)” .وكتب إسماعيل مظهر في عدد مارس 1928 من مجلته مقالاً جاء فيه : "أما تفكير الإنسان الجدي فأصبح في تحديد علاقته لا بواجب الوجود ولكن بالكون ، فبعد أن أسقط العلم الإنسان عن عرش الملائكة العلوي وأنزله إلى أفق الحيوان ، أخذت الإنسان فكرة جديدة ليست بأقل إشكالاً من الفكرة التي ملكت زمامه من ناحية الأديان ."وبعد أن أظهر النشوئيون أصل الإنسان الحيواني وأثبتوه علمياً (!) وبعد أن أثبت الجيولوجيون قدم الأرض والفلكين قدم النظام الشمسى وأظهر هؤلاء بأبحاثهم سلسلة التدرج الطويل التي مضى عليها الكون لينتهي بظهور الحياة . فوق الأرض أخذ العق الإنساني سمته نحو التفكير كما هي عادته فيما يختص وراء هذه السلسة الطويلة من قصد ، وهل كانت متجهة بكل ما فيها من الصور لأن تنتهي بالإنسان على أنه القصد الأخير منها ؟"أما الثابت حتى اليوم فليس مما يرضي التفاؤل في مصير الإنسان ولست أدري لماذا لا يشارك الإنسان الحيوانات في نهايتها المحزنة ما دام يشاركها في بداياتها الجميلة (45)" وينتهي تأثره بداروين إلى قوله :"اكتفت الأديان بالقول بأن الغاية من خلق الإنسان والجن هي أن يعبدوا الله ، فكرة حسنة ولكنها غير صحيحة (!) إذ لو صح هذا إذن لاعتقد بجانبه بأن الله في حاجة لان يعبده الأنس والجن (!) ولظهر النظام الكوني في مجموعة بمظهر شيء ما خلق إلا ليعضد الحياة الإنسانية التي يجب أن تسخر لعبادة الله ، وهذا في معتقدي أبعد الأشياء عن أن يكون الغاية من وجود الإنسان"(46) .والحق أن إسماعيل مظهر لم يكن إلا نموذجاً لكتاب كثيرين يتفاوتون في درجة التصريح بما يعتقدون لكنهم متساوون في المنطق والغاية مثل منصور فهمي ولطفي السيد وأمين الخولي وطه حسين وأخيراً صادق العظم ( صاحب كتاب نقد الفكر الديني ) وآخرين ممن لا تأويل لما يكتبون إلا الخروج على الإسلام غير أن بعضهم تخفى تحت أقنعة البحث العلمي أو التمذهب الأدبي حتى لا يصدم مشاعر الجماهير فتنصرف عن إنتاجه .وكما ظهر في الكتاب فقد ظهر في الشعراء ويبدو لي أن شعراء مصر أقل من شعراء العراق كالرصافي والزهاوي في ذلك ، فالزهاوي مثلاً (1936) يمتلئ ديوانه بالأفكار الإلحادية التي لا تخرج في جملتها عن نظرية داروين أو نظرية هيكل الأثيرية التي هي في الواقع امتداد للدارواينية ، من ذلك قوله :

إني أفكر في الطبيعة فاحصاً فيعد تفكيري من الإلحاد
...ووجدت أن الكائنات سلالة لا فرق بين خفيها والبادي
أما الزمان فإن في دورانه ما يربط الآزال بالآباد (47)

وقوله :
ما حياة قديمها غير باد لك إلا تطور في جماد
إنها تتبنى لها في نظام كل ما يقضي حاجتها من عتاد(48) وهذا وقد كان من نتيجة شيوع هذه الأفكار في الفكر والشعر والصحافة التمهيد لانتشار الأفكار المادية لا سيما الشيوعية ، وتغذيتها بروح العالم الإسلامي فريسة الشكوك القاتلة والوساوس الشيطانية ، وانتظم كثير منهم في صفوف المنظمات اليسارية وغيرها من الأحزاب اللادينية ، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبحت الاشتراكية "موضة العصر " كما يقولون !ومثل المذاهب الفكرية كانت المذاهب الأدبية !
فالرومانسية وجدت صدى لها في الشرق كما في روايات جرجي زيدان التي شوه بها التاريخ الإسلامي ليحاكي الرومانيين الإنجليز ، أما المازني فلم تكن رومانسيته واضحة فحسب(53) بل أنه ليكتب في أحد كتبه تحت عنوان الفصل عبارة منقولة عن الكتاب المحرف المسمى المقدس تقليداً أعمى للكتاب الغربيين في القرن الماضي إذ كان من عادتهم أن توضع على رأس كل فصل عبارة شهيرة(54) .على أن فريقاً من الأدباء اتجه بادئ الأمر إلى الترجمة ، فتمت ترجمة أعمال معظم أدباء أوروبا المشهورين من شكسبير إلى تولستوي ، ومع أن بعضها روائع إنسانية فقد كان الاتجاه الإباحى هو الطاغي على الترجمات كما في أعمال الكسندر دوماس وأميل زولا وأناتول فرانس .
وظل الاتجاه الإباحى هو المسيطر تقريباً على حركة الترجمة الأدبية تحت ستار الواقعية حتى الحرب العالمية الثانية ، ثم ظهرت أصداء اللامعقول على أثر نضوجها في الغرب حينئذ ، كما ظهرت الكتابة الأسطورية التي أتخذها سارتر وكامو أسلوباً للتعبير عن فلسفة الضياع والعبث ، إلا أنهما استخدما أساطير اليونان . أما العرب أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم فقد استخدموا التاريخ الإسلامي والقصص القرآني كما في "على هامش السيرة " و "الفتنة الكبرى " و" أصحاب الكهف " …الخ .وقد أسهمت وسائل الإعلام – التي يدير معظمها أناس علمانيون – من صحافة وإذاعة ومسرح …إسهاماً قوياً في تنمية الاتجاه الإباحي وتعميمه ، وبالتالي في هبوط الأدب أسلوباً ومضموناً كما في كتابات إحسان عبد القدوس وشيعته نثراً وأعمال نزار قباني ومع أن الأدب الحديث في غالبه علماني موضوعياً فقد ظهرت له دعوات علمانية ذاتية ، تطالب بفصله عن الدين بل وعن الأخلاق تحت شعارات "الفن للفن" و"الأدب غير الملتزم " و " الأدب للشعب " و " الأدب للواقع " …وممن طالب بفصل الأدب عن القيم الدينية سلامة موسى فمن كلامه قوله عن رسالة الأدب : :إن رسالته العصرية دينية ولكنها مع ذلك بشرية ، وهذه الجملة الأخيرة تحتاج إلى تفسير ، ذلك أن الأديان الغبية القديمة كانت تحملنا تبعات وتطالبنا بواجبات ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية في هذه الأديان كانت قيم الآخرة ولم تكن قيم الدنيا ، فكان علينا أن نكون صالحين نمارس الفضيلة ونصلي ونصوم حتى نستمتع بالفردوس ولا نتعرض للعقوبة بعد الموت فالقيم هنا أخروية ، ولكن الأدب الفرنسي العصري بل الأوروبي كله يحملنا أيضاً تبعات ويطالبنا بواجبات ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية فيه هي قيم الدنيا فقط ، فيجب أن نكون صالحين لأن نمارس الفضيلة كي نخدم المجتمع البشري ونرقى بشخصيتنا أخلاقاً ومعارف ونجعل من كوكبنا فردوساً نجد فيه السعادة والخير والشرف"(55) وكما برزت الوجودية في إنتاج أنيس منصور والماركسية في كتابات نجيب محفوظ برز الاتجاه الضائع نهج اللامعقول في شعر بدر شاكر السياب كما في "أنشودة المطر ومثله الشاعر اللبناني الملقب "أدونيس "(*).على أن الاتجاه إلى اللامعقول لم يفض إلى الثورة على الأدب الأصيل في – مضمونه بل تعداه إلى الشكل والأسلوب – مثلما فعل اليوت "اليهودي"(56). بالشعر الإنجليزي – وذلك بظهور ما يسمى الشعر الحر الذي هو في الحقيقة نوع من الهذيان والإسهال العقلي – على حد تعبير الشيخ الغزالي في إحدى محاضراته.
وقد بدأه باكثير والسياب بترجمة الشعر الأوروبي إلى عربية منثورة ثم جاء الجيل التالي الذي كان هزيلاً ممسوخاً في كل شيء فانحصر إنتاجه في هذا الهذيان .وما دمنا قد تعرضنا لذكر ذلك الغثاء فلنأت بمثال له :

يقول أحد أدعيائه (محمد الفيتوري:)
نار خطايانا
تسيل في حنايانا
فلنتكئ على عظام موتانا
ولنصمت الآنا …
برج كنيسة قديمة وراهب قلق
وغيمة تشد قدميها وتعبر الأفق
ورجل بلا عنق ...
وامرأة على الرصيف تنزلق
وقطة في أسفل السلم تختنق
وصوت ناقوس يدق ...الخ "

يقول الشيخ الغزالي بعد إيراد هذا الغثاء : "ودعك من أضغاث الأحلام التي ينقلك إلى جوها هذا الكلام المفكك ...ودعك من تقطع الروابط العقلية بين الألفاظ المتصيدة ، فهي كما قيل : سمك ، لبن ، تمر هندي ..."ولكن الشيء الذي تدعه والذي يثير انتباهك حتماً هو جراثيم الاستعمار الثقافي أو الغزو الصليبي الذي سيطر على هذا الشاعر الهائم ."فهو في القاهرة المدينة المعروفة بشمسها الضاحية ومآذنها السامقة وصبغتها الإسلامية الأولى ، ولكن التبعية الفكرية والنفسية الغالبة على هذا الشخص التائه جعلته لا يرى إلا الغيوم وأبراج الكنائس والرهبان القلقين ورنين النواقيس وكأنه في لندن أو روما لا في مصر !! "(57)

علي المطيري
28-10-2003, 08:31 PM
شراع

أسأل الله أن يثيبك على هذه التحف الرائعة

ولله دره هذا الإمام العالم العامل _ أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحد _ , والمشكلة أن البعض لا يقرأ بل يكتفي بنظرة عابرة يعرف بها فحوى الكلام وردت الفعل لديه جاهزة حتى قبل أن يعرف الموضوع ! وهذه مشكلة والله المستعان .

وللمعلومية الشيخ سفر حفظه الله وسدده شاعر وله قصيدة بعنوان ملحمة الشام ولعلي أنقلها هنا بعون الله .

(سلام)
31-10-2003, 10:26 AM
رائع أخي الشراع

ليت البعض يفهمون أن تلقي المعلبات الغربية يصيب بالتسمم
دمت بخير وعافية أخي شراع

لا عدمت شموخك
أخوك
سلام

salem salim
07-11-2003, 06:56 AM
للرفــــــــــــــع ولي عودة




وشكـــــــــرا

ابو طيف
08-11-2003, 02:09 AM
شراع


جهد كبير تشكر عليه

كلام قيم

تحياتي وتقديري

===