PDA

View Full Version : خوف غير مبرّر!!!



الغيم الأشقر
13-11-2003, 01:53 AM
خوف غير مبرّر

قصة للكاتب الارجنتيني فرديناند سورينتينو




ترجمة : فرج الترهوني





غالبا ما أنسى أصدقائي، ولا يعد ذلك من الذوق الاجتماعي السليم . لقد تركتُ عامين يمرّان قبل أن أذهب في أحد أيام السبت من شهر يناير 1979 ـ وهي فترة شديدة الحرارة ـ لزيارة صديق لي يعاني من حالة خوف غيرُ مبرّر، لا يهم اسمه كثيرا، ولكن دعونا نطلق عليه، مجرّد إنيريك فياني .

حدث في أحد أيام السبت من شهر مارس في العام 1977 أن تغير مجرى حياة إنيريك فياني بالكامل، حيث يبدو أنه بينما كان بغرفة المعيشة في بيته بالقرب من الشرفة، شاهد إنيريك فجأة ــ وفقا لروايته ــ عنكبوتا " ضخما ... ضخما " على مقدمة حذائه الأيمن، وما أن جال بخاطره أنّ هذا يعتبرُ أضخم عنكبوت شاهده في حياته، حتى غادر المخلوق مربضه على الحذاء، وتسلل متسلقا رجله بين السروال والساق .

كان إنيريك فياني ـ كما قال ـ مصعوقا، فلم يسبق وأن حدث لـه مثل هذا الأمر المزعج . وفي هذه اللحظة تذكر مبدأين قرأهما في مكان أو آخر وهما 1) كل العناكب دون استثناء، بما فيها صغار الحجوم منها، تحمل قدرا من السّم يمكنها حقنه في جسم الضحية . 2) تلدغ العناكب عندما تشعر أنها مهاجمة أو عندما يجري إزعاجها . كان من البديهي رؤية أنّ هذا العنكبوت بالذات يحمل كمية سمّ كبيرة من النوع القوي الخانق . وعليه فقد قدّر إنيريك فياني أن التصرف الأكثر عقلانية الذي يمكنه القيام به هو أن يظل ساكنا تماما لأنّ أقل حركة من جانبه ستدفع العنكبوت لحقنه بجرعة لا بأس بها من السم القاتل .

لهذا ظل متيبسا في مكانه لخمس أو ست ساعات يخالجه أملٌ مبرّرٌ بأنّ العنكبوت سيغادرُ في نهاية المطاف ذلك الموقع الذي كان يربض فيه فوق عظم الساق الأيمن . من الواضح أنه لن يبقى طويلا في مكان لا يمكنه أن يعثر فيه على أي طعام .

بينما توصل إلى تلك الأمنية المتفائلة، أحس أنّ العنكبوت قد بدأ الحركة بالفعل . كان العنكبوت من الضخامة وثقل الوزن بحيث أنّ إنيريك فياني كان يشعر ـ ويحْسبُ ـ وقع خطوات أقدامه الثمانية المشعرة واللزجة إلى حد ما على لحم ساقه المقشعر من الخوف . لكن لسوء الحظ لم يكن الضيف يزمع المغادرة، وعوضا عن ذلك قام بالتعشيش في منطقة الثنية التي لدينا جميعا خلف ركبنا . لقد كان يحس بسخونة ونبض حركة جزئه الرأسي وبطنه .

لدينا هنا الجزء الأول ــ والأساسي ــ من القصة، وما تلا ذلك، ما هو إلا اختلافات غير جوهرية، أما الحقيقة الأساسية فهي أن إنيريك فياني، في معرض خوفه من اللدغ أصرّ على البقاء جامدا دون حراك طالما دعت الحاجة إلى ذلك بالرغم من توسلات زوجته وابنتيه لـه بالتخلي عن هذه الخطة، وهكذا وصلوا إلى الورطة التي لا يمكن عندها إحراز أي تقدم .

عند هذا الحد قامت جرانسيليا ـ زوجته ـ بتشريفي بزيارتها لترى إن كان بإمكاني تقديم المساعدة في حل هذه المعضلة . حدثت الزيارة عند الساعة الثانية بعد الظهر، وقد أزعجني التخلي عن قيلولتي التي أتمتع بها مرة في الأسبوع، ولعنت في سرّي أولئك الناس الذين لا يمكنهم تدبير شؤونهم بأنفسهم. ما أن انتقلتُ إلى بيت إنيريك فياني حتى وقعت عيناي على مشهد مثيرٍ للشفقة، فقد كان يقف في نفس المكان رغم أن لم يكن جامدا تماما . كان أِشبه بالجندي الذي يقف في وضع الاستراحة في طابور، أما جرانسيليا والفتيات فقد انخرطن في البكاء .

نجحتُ في الاحتفاظ بهدوئي كما حاولت أيضا تهدئة النساء الثلاث . ثم أخبرت إنيريك فياني أنه إذا وافق على خطتي فسأتخلص بسرعة من العنكبوت المعتدي . فتح إنيريك فمه بأقل قدر ممكن خوفا من إرسال أقل قدر من الارتعاشات إلى عضلة ساقه، وتساءل : " أية خطة؟ "

شرحت لـه أنني سأمسك بمشرط حلاقة لأصنع شقا طوليا في سرواله حتى أصل إلى العنكبوت دون أن ألمسه، وبعد القيام بذلك سيكون من السهل توجيه ضربة إليه بواسطة صحيفة ملفوفة يسقط إثرها على الأرض، ومن بعد إمّا أنْ أقتله أو أمسك به .

" كلا، كلا ." تمتم إنيريك فياني في قنوط، وهو يحاول في ذات الوقت ضبط أعصابه "ستتحرك رجل السروال وعندها سيلدغني العنكبوت . كلا، كلا، هذه فكرة رهيبة ."

يدفعني الأشخاصُ العنيدين للغضب، وبدون تفاخر يمكنني القول أنّ فكرتي كانت جيدة، ولكن هذا البائس الذي تسبب في حرماني من قيلولتي يعلن رفضه لها دون سبب ، والأنكى من ذلك فهو يعاملها بازدراء .

" إذن، لستُ أدري ما الذي يمكن أن أفعله لأجلك، " قالت جرانسيليا " وهذه الليلة بالذات لدينا حفلة عيد ميلاد باتريشيا الخامس عشر ."

" تهانينا ." قلت، ثم قبّلت فتاة عيد الميلاد .

" . . . ولا يمكننا أن نترك الضيوف يشاهدون إنيريك واقفا هكذا مثل تمثال ."

" بالإضافة ما الذي يمكن أن يقوله أليجاندرو ."

" ومن هو أليجاندرو هذا ؟ "

" صديقي ." ردت باتريشيا كما كان متوقعا .

" لدي فكرة ! " هتفت الأخت الصغرى، كلوديا " فيمكننا استدعاء الدون نيكولا و . . . "

أرغبُ أن أوضح أنني لم أكن متحمسا لخطة كلوديا، وليس لي أية علاقة بتنفيذها . في واقع الأمر فقد وقفتُ ضدها، ولكن الباقين استحسنوها، بل إنّ إنيريك فياني كان متحمسا لها أكثر من الجميع .

بناءً على ما سلف فقد حضر الدون نيكولا إلى المكان على الفور، ولأنه رجل من طبيعته العمل وليس الكلام، فقد شرع في التنفيذ مباشرة، لذلك أخذ في خلط عجنة الإسمنت والرمل، وبوضع طوبة فوق الأخرى، أخذ في تشييد بناء أسطواني رفيع وطويل حوله . كان البناء الضيق المخصص لمعيشة إنيريك فياني أبعد ما يكون عن العائق، فقد سمح لـه بالنوم وقوفا دون خوف من السقوط أو فقدان وضعيته المنتصبة، وبكل دقة كان الدون نيكولا يغطي البناء بالجص ويجعل سطحه الخارجي أملس مستويا . ثم صنع لـه قاعدة طلاها بلون أخضر طحلبي ليتمشى مع لون السجاد والكراسي .

مع ذلك ولأنّ جرانسيليا لا تزال مستاءة من وجود هذه المسلّة ـ كما سمّتها ـ في غرفة المعيشة فقد حاولت وضع زهرية وأباجورة على قمتها . لكنها لم تحسم أمرها بعد وقالت " يكفي هذا الشكل المزعج الآن، وسأعمل يوم الاثنين على شراء شيء مثير يليقُ بشكل أفضل ."

من أجل منع إنيريك فياني من الشعور بالوحدة، فكرتُ في البقاء أثناء حفلة باتريشيا، لكن خوفي من إرغامي على الإنصات إلى تلك الموسيقي التي يغرم بها شبابنا هذه الأيام زرع الخوف في قلبي. على أية فقد اهتمّ الدون نيكولا بهذا الأمر حين صنع كوّة مستطيلة أمام عيني إنيريك فياني ليشغل نفسه بمراقبة وجود أية مخالفات في طلاء الجدار الذي أمامه . وبعد أن تأكدت أنّ كل شيء على ما يرام، ودّعت عائلة فياني والدون نيكولا، وعدتُ إلى منزلي .

في تلك السنين في بيونس آيريس كنا غارقين في الواجبات والالتزامات ... في حقيقة الأمر فقد نسيتُ كل شيء يتعلقُ به . وفي النهاية تمكنتُ منذ أسبوعين فقط من تدبير بعض الوقت وذهبتُ لزيارته .

وجدته لا يزال مقيما في مسلته الصغيرة ... التغير الذي حدث هو وجود نبات متسلق لـه زهور زرقاء رائعة تلتفّ فروعه وأوراقه حول البناء، فأزحتُ بعضا من الخضرة الكثيفة إلى الجانب، وخلال الكوة الصغيرة تمكنت من رؤية وجهٍ بالغُ الشحوب ويكادُ يكون شفافاً . خمّنت جرانسيليا السؤال الذي كنتُ على وشك طرحه، وأخبرتني أنّ الطبيعة من خلال تكيّفها الحكيم مع الظروف المستجدة، قد أعفت إنيريك فياني من القيام بكافة الضرورات الجسمانية .

لم أرغب في مغادرة المكان قبل القيام بالتماس أخير بالتزام جانب العقل، فطلبتُ من إنيريك فياني إشغال المنطق، فبعد ثلاثة وعشرون شهرا من حبسه داخل هذا البناء، لابد أنّ عنكبوتنا قد مات، وعليه يمكننا تحطيم بناء الدون نيكولا و . . .

كان إنيريك فياني قد فقد القدرة على الكلام، وعلى كلّ فلم يعد ممكنا سماع صوته، فلم يبيّن أكثر من رفضه للفكرة بحركة من عينيه .

غادرت المكان وأنا أحسّ بالتعب وربما بقليل من التعاسة . بصفة عامة فأنا لا أفكر كثيرا في إنيريك فياني، ولكن في المدة الأخيرة خطر لي موقفه مرّتين أو ثلاثا، وعندها كانت تنتابني ثورة عارمة . فلو أنّ ذلك الخوف غير المبرر لم يكن متمكنا منه لالتقطت معولا وهدمتُ بنيان الدون نيكولا السخيف هذا . وعندها سترون أنّ مواجهة الحقائق ستعلن عن نفسها بصوت هو في الغالب أعلى من صوت الكلمات . وعندها سيوافق إنيريك فياني بأنّ خوفه لم يكن لـه من أساس . لكن احترامي لخيارات رفيقي يتغلبُ على ثوراتي، وأدرك أنه ليس لدي حقّ في التدخل في حياة الآخرين، وأن أحرم إنيريك فياني مما يرى أنها أفضلية يتمتع بها .





Fernando Sorrentino

كاتب أرجنتيني من مواليد 1942 يكتب القصة القصيرة التي تمتاز بالخيال والظرف في إطار من المفارقات المضحكة، ويقول أنّ مصدر قصصه هو الأساطير الأسبانية والإنجليزية . أصدر حتى الآن ستّ مجموعات قصصية ومجموعتين للأطفال، وكتب محاورات مع أشهر أدباء أميركا اللاتينية، وترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم (المترجم).



منقووووووووووووووول عبر قناة سبيس ساخر وللأطفال فقــط



m*

(سلام)
13-11-2003, 03:29 AM
رائع

رائع

هذه هي القصص التي يمكن أن نسميها قصص ذات إسقاطات على الواقع

قصص فيها من الفكاهه بدون أي كلمة تستخف دمها ولا أي أعتساف للمواقف

رائع يا أخي يا أشقر نقلك من هذه القناة

دمت بخير وعافية يا سيدي

أخوك
سلام

التونسي
13-11-2003, 12:49 PM
أمتعتنا..يا أشقر..
كل الشكر..

الغيم الأشقر
13-11-2003, 11:20 PM
أهلا سلام :
بس تراكم طولتوها حبتين :(
مقالاتكم أنتم المشرفون تتصدر التعليق منذ فترة:D:
تواضعوا يرحمكم الله:fff:

al nawras
14-11-2003, 02:25 AM
الغيم الاشقر

اخترت فاحسنت...
نص مميز لكاتب قصصي مميز شوقتني لقراءة اعماله جميعها...
اجمل ما في اسلوب الكاتب انه وان كان يعتمد السرد الا انه لا
يشعرك بالملل بل يغريك بالمتابعة...ويجعلك تاسف لانتهاء القصة
شكرا لجهدك الطيب
النورس

ابو طيف
15-11-2003, 12:02 AM
جميل اخوي

يعطيك العافيه

تحياتي

===

salem salim
16-11-2003, 09:40 AM
كــــل الــــشكر سيـــدي