PDA

View Full Version : " السير إلى غايةِ المُنى " .. رحلة



* الضياء *
15-11-2003, 11:11 PM
<center>
http://hgyvdf.jeeran.com/clip_image002.gif

"" السير إلى غايةِ المُنى "

] 1 [
( المسيرة )

ظن الشاب بنفسه ظنّاً ألِقـا .. وذهب يستشرف السعادة في طريقٍ لم تُعبد مسالكه ..
مضى وهو يريد أن يظفر بـ " غاية المُنى " .. مضى وقد وجعل على أول جنبةٍ في بداية طريقه كل آلامِ الماضي .. وزفرات الخوف من المستقبل .. شقّ عليه التخلص من كل شيء .. لأنه سيبقى بعدها " لا شيء " ..!!

بعدها سار سير المستشرف للغدِ المجهول .. يتأمل في زادٍ ينفذُ به إلى أبهةٍ في القلب .. ورقّةٍ في الوصول .. ورفعةً في الهدف ..

سار .. وشمّر في سيره عن كل ذيوله ... شمّر عن ذيولٍ عالقة بعقله .. وقلبه .. وفكره ..
وبينا هو سعيدٌ بإنطلاقته .. متحفّزٌ لغايته المجهوله .. إذ به أمام أول زاد ..

] 2[
( حامل المسك )

رآه في حلّةٍ بهيّة سمع الناس يتحدثون عنه .. ويُعلون مكانه .. ويحتفون بصاحبه ..
كان بينهم مناراً .. وشعاراً .. ومن كان حوله مجردُ دثار لا أهبه له ..

أقتربَ صاحبنا منه يتلمس ثماره .. ويتشوف نتاج فعاله .. فرأى الرائحة الزكية النضرة ..
ورأى المسكَ وحامله ..

حمل صاحبنا المسك ؛ وهو غضٌ طريّ .. لم يطرّ له شارب .. فهو لم يزل في أول الطريق .. فلمَ العجلة ..!!
سار الشاب بمسكه .. وصار يُعرف بين أقرانه بـ " حامل المسك " .. وأيّ مسكٍ عساه أن يكون ..!
تقدم .. هنيهة في طريقه .. و يداه لا تكلان من قطف الورد .. وقلبه لا يفتر عن التلذذ برائحة المسك .. عاش فيها ملائكياً نضراً .. عبقاً .. كبعق المسك ..

تعجّل الشاب في خطاه .. ومضى قُدُماً إلى الأمام .. ولا شيء غير الأمام ..
كان يحث ويقارب خطاه كلما أبصر أمامه نهاية منحنى .. علّه يجد من وراءه زاداً جديداً ..
طال به السير في إحدى الحِزم الزمنية من السير المضني فا ارتأى أن يفيء إلى ظلِّ شجرة أو فيء حائط ..!! .. فأوصله القدر إلى قريةٍ تمكث وحيدة .. لكنها ليست موحشة .. ينتشر بها الناس انتشارَ النملِ في آخر الصيف بحثاً عن قوتِ الشتاء .. يحملون على كل ضامر ..

]3[
( في القرية )

دلف الشاب القرية .. وسلك منها طريقاً فرعياً .. كي لا يلتفت الناس إلى رائحة المسك من جنباته .. ولكن لم يتأتى له مأموله بعد مروره من أول جماعة من الناس .. فما إن رأوه إلا وتشبثوا به وعلقوا به .. كتشبث الظمآن في الهجير لمن في يديه الماء ..!!

أحاط به الناس إحاطة القلادة بالمعصم .. وانتظموا انتظاماً يرمقونه بأبصارهم .. ويستنشقونه بأنفاسهم .. حملق صاحبنا ببصره على من حوله .. وقلّب نظره .. مدهوشاً متعجبا ..!!
مابهم ياتُرى ..؟ أخشى أن أكون شبيهاً لمجرمٍ أو لصٍ هارب ..!!

حاول أن يزيحهم عن طريقه .. فلم تأتّى له ذلك .. فالقلادة محكمة عليه ..
تردد الفكر وتتابعت الخواطر .. ماذا علي أن أصنع الآن ..؟
فلم تفسح له اللحظات أيةَ فسحةٍ كي يُداولُ بين خطراته .. وتردد أفكاره ..
بل لا بد من أن يواجههم .. ويكون رجلَ الموقف ..!!

نا شدهم بنبرة الواثق من رائحته الزكية .. ومن مسكه العَبِق .. ما بكم ياقوم ؟
هل بإمكاني أن أسديَ لكم ما يزيح عني نظراتكم الحيرى ..؟
أرجو ذلك من عمقٍ في قلبي ..

قام أوسطهم .. مليح المحيا .. مربوع القامة .. ذلق اللسان .. ينبعثُ الصدق كلألئ أزيح عنه محاره .. فتوجه إلي " حامل المسك " :
إننا يا ذا الرائحة الزكية .. والملامح البهيّة .. قد جذبنا إليك طيب رائحتك .. وفوحان عبيرك .. فأي مسكٍ أنت حامله ..؟ وأي طيبٍ ودربٍ أنت سالكه ؟
فالقرية عطشى لكل وردٍ تطيب بها الأنوف .. وتحيى بها الأنفاس ..
فهل .. تعطينا .. وترشدنا إلى هذا " المسك الأذفر " ..؟

تردد الشاب .. يراوح بين قراره .. يقدم قَبولاً .. ويؤخر امتناعا .. والناس مازالوا يتشبثون به .. تكاد ألسنة أعينهم .. وتسارع أنفاسهم تجذب " مسكي " ؛ وتخطف " وردي " ..
عزمت .. توكلت .. استعنت بالله ..
مفرداتٌ بدأت بها الطريق معهم .. كي أزرع وردي بينهم .. وأنشر لهم مما معي من " مسك " .. فليهنك " حاملك المسك " ..

مضت الأيام .. وتكاثر الورد .. وانتشر العبير في القرية .. مضى عامان مليئان بالجد .. والحياة .. انتشرت روائح الأعطار في الأرجاء .. تنفس الناس الصعداء .. واستنشق الأصحاء الأطياب .. وعاش الجميع في بحبوحةٍ .. يتكاثرُ بينهم العبير ..

]4[
( نكران الجميل )

بعدها .. بعد عامين مليئين بكل جميل .. بدأت أرض القرية تتأبى على ورد الشاب الصادق .. ولا تقبلُ إلا ورد أهلها .. ورزع قومها .. ورأت في صاحبنا غربةً تنهش وجهه الجميل .. و تُنتنُ رائحة مسكه العليل .. وتتابع أهل القرية في التنكر للشاب فعله وصنائعه ..
بعدما أثمر لهم من الورد الكثير .. و انتشر في أصقاع البلاد .. أن " قرية الأتراح " تُخرج أطيب الأطياب .. وأزكى الأعطار .. وبدأ الثمر يغزو حتى المدينة .. !!

هنا .. أسدل اليل عليه سدوله .. وأزداد عليه ليوله .. وأحاط الهمّ به .. كإحاطة أهل القرية به يوم أن دلف عليهم من ذاك الزقاق الصغير ..
تهافتت عليه الأفكار الرديئة الموجعة .. يسترجع يوم دخوله .. وهو يتأهب للحظة الوداع .. والخروج من نفس الزقاق الذي دخل منه .. مودعاً كل ألطافه .. وأطيافه ؛
وداعاً ..

]5[
حمل مابقي من مسكه الذي كاد أن ينضب .. واقتلع جذوره ليحتملها بين جوانحه .. ليخرج من القرية في ظلامٍ لم ير أظلمَ منه .. ولا أحيف ..!!
ليعود إلى طريقه الذي بدأه أول مرّة .. لتكتملَ المسيرة إلى الغدِ المجهول ..

أطلق الشباب ساقيه للسير في الدرب الطويل .. يبحث عن زاد ..!! فالمسك لم يعد كافٍ كي يبلغ به منتهى الطريق .. ولعل وعسى .. أن يرى ؛ أو يقع على شيء يروّي من ظمأه .. فاليئس بدأ يُزاور قلبه .. !!

]6[
( زادٌ جديد .. )

وفي ناحية من الطريق .. لمح بصره أناسٌ متحلقون .. منضوون لبعضهم ؛ يوضئون بقناديل مقندلة .. تضيء لهم ما بين أيديهم .. خافضة رؤوسهم .. سأل عنهم .. فقيل له : إنهم يتذاكرون مراتع هنيّة .. تأخذ بلب الألباب .. وتأسر القلوب .. تحيى بها عقول الظلام .. وتنير به حوالك الأيام .. سنانهمُ الأقلام .. ومتارسهم الإيمان .. اقترب منهم .. يتحسس همساتهم .. ويتلمس نفحاتهم .. أصاخ بطرف سمعه لحديثهم .. فهاله السماع قبل العيان ..!!

لم يجد له بُدّاً في أن يضاعفَ من أقترابه منهم .. و إغراقه في استراق السمع لحديثهم .. فرأى القوم يحلقون .. وأيّ تحليقٍ تُراه ..؟!
رأى الكتب بين أيدهم تُنشرُ نشرا .. محيّاهم الصدق ؛ وقلوبهم الصفاء
لا يُسلّمون أنفسهم لبقايا ما عاشوا عليه .. من عادةٍ آسنة .. أو تقليدٍ شاذ .. إنما هم أبناء قال .. وقال .. وسمعنا .. وحدثنا .. !!

وجد الشابّ نفسه على عتباتِ أبوابهم .. ورجلاً من رجالاتهم .. وعقلاً من عقولهم ..
يقول كما يقولون : " حدثنا .. " !!

أضاء له مسلكه آفاق شديدة السواد .. مبهمة المُراد .. صنعت خلفه متكأً ومُعتمداً خلف ظهره .. كأنه "الركن الشديد " .. فلطالما آوى إليه .. بل لم يبرح هذا الركن ..

قضى معهم أحلى أيامه ولياليه .. وأملتئت من فيضٍ ضيائهم كُلّ سواقيه ..
فأنتحى الظلام من الجنبات .. وتضاعف المسك .. وأصبح من المتلمسين للطريق ..

وكان الشباب يرى أن هؤلاء أمتازوا عن غيرهم بأنهم لا يكتفون بأن يضيئون لك المدلهم فحسب .. أو أن يسقونك الماء الفراتَ الزلال فحسب .. بل يرشدونك كيف تضيء مصباحاً خَرِباً .. وتحفر بئراً في أرضٍ جرداء .. وتضاعف المسك الذي أنت حامله ..

فكانت حياةٌ جميلة .. بل إن وصفها بالجمال يبخسها حقّها ..

كان القائم بنشر النور في تلك الناحيةُ المترفة الوارفة .. رجلٌ طاعنٌ في السن .. قد شابت أهدابه .. وحواجبه .. وشبّت أطرافه وجوارحه ..
كان حكيماً .. كريماً .. يحن ويعطف على كل ملتمسٍ للطريق ..

]7[
( تعاقبت السنين .. )

فمضت السنون تترى .. كطيف حُلمٍ حالمٍ مر في وسن .. وكأجمل نغمٍ تترادف فيه الحياة والوقائع على نسق ..

مات الحكيم الطاعن في السن .. وبدأ العطاء في تلكمو الناحية يقل ويقل ..
وبقي الشابُّ إلى أن يُنهى ما عقد عليه العزمُ في مقدار ما سيمكثه .. استوحش الأرض بعد الرجل الطاعن في السن .. فلم يعد يرى الحنان والدفء .. إنه يرى أن أباه قد مات بموته ..
وقلّ الفيض الصافي ؛ والمنهل الراوي لقلبه وجنانه .. فلم يعدِ البقاء يحلو له كما كان في السابق ..
فانتهت السنين المقدرة .. وتوالت الأيام المؤجلة .. فخمسُ سنواتٍ أبت عليه أن يزيد .. فقرر صاحبنا الرحيل ..

]8[
( قريتي الجديدة .. )
قفلَ الشاب إلى الطريق .. بعدما عاد أدراجه ، كانت الحياة في قلبه تُشرقُ إشراقا .. خاصةً وأنه لم يعد يسير وحيداً في هذا الطريق .. بل أصبح يسير معه العشرات .. والعشرات ..
فياله من طريق ..!!


قال الشاب :

كان على بعد رميةِ حجر .. تقبعُ قريتي وفيها مسكن أهلي ومسكني .. ومحافل معشري .. فقررت أن أسكنَ إليهم .. أتفقد ما خلفته ورائي ..

دخلت القرية .. فإذ بها تحولت .. وتبدلت ؛ فليست قريتي الأولى .. الساكنة الهادئة ..
ماهذا الضجيج .. ما هذه الضوضاء والغوغاء ..!؟
من سكن قريتي من بعدي ..؟ اسئلةٌ حيرى .. بقيت مختنقة من تلوث القلوب هناك .!!

تكاثرت الأنفاس في قريتي ... وتناسل الناس تناسلاً رهيباً ؛ فلا أكاد أجد طريقاً إلا ويقبع على أطرافه خلائق .. ولا زاويةً إلاّ بها متكئاً .. يا إلهي .. من أين جاؤوا ؟

توجهتُ إلى منزلي عجلاً .. أجترُّ زماني المنصرم .. وأجرّ من خلفي متاعي ..
دخلت الدار .. تفقدت أهلي .. و محفلي .. فحمدتُ ربي أني وجدتهم كما تركتهم ..

تحفظّت على مامعي من زادٍ قلّما يجده مثلي .. ويحظى برونقه وبهاءه صنوي ..
قبضتُ عليه .. لا أظهره لأحد .. فلم أرى من حولي من يستحقُّ نيله ونواله ..

جائتني بعد أيامٍ تتلوع ألماً .. وقفراً .. ثلّةٌ من رفقاء الماضي .. تبغي الظفر بشيءٍ من زادي .. فالناس قد رضوا بقلة الزاد ؛ حتى أضحوا من " سقط المتاع " ..!!

فرحتُ بهما فرحا .. وجذلت بمجيئهم جذلا ..
وتناولنا سوياً زاداً هنياً .. نعمنا به حينا ..

بدأت الأيام .. والشهور .. كأنها على قلبِ الشاب دهور ..
حتى بدأت جوانحه تألفُ هذه القرية المنصرفة عن الزادِ إلى اللهو واللعب ..





]9[
( عزلة .. )

بدأ يركن إلى راحةٍ .. وينعزلُ عن الناس .. وهو في كل ذلك يتألم ليومٍ كان بين يدي الحكيم الطاعن .. يتلمس نوراً من نوره .. ويقتبس جذوةً من ضياءه ..

قرر في لحظةٍ تجردٍ من نفسه ؛ ومصارحةٍ من قلبه .. أن ينفضّ عن مجلسه .. ويزيح عن قلبه ركونه لركنه .. ليمضى ليستشرف زاداً جديداً .. فلن يُلقمه أحدٌ وهو رابضٌ في بيته .. منكفئاً على نفسه ..!!

فانطلق ..

أخذ يجوب في القرية يمنةً ويسرة .. يتلمس الناس .. ويتخبّر قلوبهم وعقولهم .. كيف لا .. وهو الذي أصبح الخبير بطبائع الناس .. وتراكمت لديه تجارب سنينٍ مرّت عليه بعجرها وبجرها .. فرأى من الغثاء ما تقرح الكبدُ منه ؛ ومن العبثِ ما يضني العزم ..

]10[
( الحديقة .. !! )

فلما كاد أن يُنفِضَ يديه من قريته المتبدلة عن قلبه وناظرهِ .. تذكر حديقةً هادئةً جميلة .. كانت تنزوي بظلالها الهنيء عن ضجيج القرية المتمدنة ؛ وتنعُم بغديرها الهادر ..
توجه صاحبنا إليها .. تتقاطر من قلبه آلاماً وآمالاً حرّى .. وفي نفس الوقت حيرى ..
حتى وقف على بابها ,, ووجدها على ما كانت عليه في جمالها وسكونها .. وجريان غديرها .. وتغريد بلابلها وهديل عصافيرها .. فانبلج البشر عن محيّاها .. ليأنس القلبُ بها ..

ألقى بجسده المنهك .. وبقلبه الضجر على حشائشها الحمئة .. مستمتعاً بجمال ما خلق المولى وأتقن في صنعه ..

فيا لله من خلقٍ يعيش لغاية .. ويموت لغاية ..

وبينا الشاب منهمكاً .. ومنسجماً مع تلك اللوحة الغيداء .. المتناسقة الجمال .. إذ به يسمع ضحكاتٌ تتعالى .. وألفاظٌ تتهادى بين عُصبّةٍ من الناس .. استوى لها جالساً .. يتلمس موقعهم .. فرءآهم يتفيئون فيء شجرة وارفة .. أقترب منهم .. يستمع لحديثهم .. متعجباً من هذا الأنس واللطف .. ودلائل الزاد على محيّاهم ..

اسند ظهره إلى شجرة بمقربة منهم .. فإذ بهم تسعةَ عشر رجل .. كانوا رفقاء ماضٍ .. دار الزمان بهم .. فاجتمعوا هنا .. أخذوا يتذاكرون .. بطولاتٍ وصولاتٍ شواهدهم عليها نزفٌ الأبدان .. وكرامات الأطياب ..
كانوا يحلُمون .. كما يحلمُ الناس .. لكن لم أرى حُلماً كحُلُمهم .. كانت حواصل الطير غايتهم .. يستسهلون أغلى مالديهم لرضى ربهم ..

قال الشاب :

عجبتُ لهم .. سمعت لأحدهم استجمع ذكرى له سابقة .. فبكى عندها وأطرق ؛ إنه مشهدُ طفلةٍ شُجّ رأسها .. و مُزّق ثياب أمّها أمام عين أبيها .. ولم يستطع أحدٌ أن ينقذهما مما هم فيه .. كان الذي يستجمع الذكرى يؤنب نفسه .. ويُرجعُ ما اصابهم بتقصيره ..

يالله .. ألا يكتفي بحمل همّه ..حتى يحتملُ هموم الناس ..!!

أقتربت منهم .. وأقتربت .. فإذا بي وأنا أجلس بينهم ؛ واستمع حديثهم .. وأتروّى من أخبارهم .. كانت أجسادهم تسير على أكفّهم .. وأرواحهم متعلقةٌ برضى مليكهم ..
لا تكاد تجدُ موطئاً إلا وقد نالته ثُلمةُ سيف .. أو طعنة رمحِ .. أو رمية رامي
هانت الدنيا في نواظرهم .. في وقتٍ استعصم الناس بها .. وأستأسدوا عليها ..

كان الناس يرمون هؤلاء الثُلةِ رمياً بقنابل اللسان .. فقالوا : لقد سرنا يوم أن وقف الناس ؛ وتغرّبنا لأجل غايتنا في يومٍ تشبّث الناس بأوطانهم .. بتنا نتقلّب على الرمضاء والصخور .. نلتحف السماء ؛ ونتوسد الحصباء .. والناس هنا على الآرائك يتكئون ..

فمضينا .. بأمرٍ رأيناه من أمرِ ربنا .. وما يضيرنا من يخالفنا ..

أنبهرت بحديثهم ,, وقوّة ثباتهم .. تتحادر نسمات الصدق على مآقيهم .. لتنزفَ دموعاً سحّاً .. أجمتع الناس حولهم ، تألق نورهم وخفت نور الكثير من خلفهم ..

بقيت أرقبُ المشهد .. أرقبه حثيثا .. أرى همم الناس تقصُر عنهم ..
طارت الثلّة .. لا تُلوي على أحد ؛ يحدوهم أن " الله يرعاهم " ..

لم أحفل بهم ؛ ولم تعلوا بي قامتي بأدنى هممهم ..
فلكم أضاؤا وأطفئنا .. ولكم أسعدوا وأشقينا ..

]11[
( المُنى .. ؟ )

مضى الشاب إلى داره .. لا ريد شيئاً إلا أن يتلمس أخبارهم ..
وعاد يبحث عن أهل القرية التي زرع مسكه عندهم .. فقد عادوا يسألون عنه ..

وألتقى برفقائه عند الشيخ الحكيم .. وقد تأنقت بهم الدنيا .. كلهم يتسائلون عن تلك العُصابةُ من الناس .. ماسرّهم .. وما كنههم .. ومن رآهم ومن سمع بهم ..

وأخفى الشاب في نفسه ؛ أنه رآهم يتباسمون .. ويتراشفون الحلو الذيذ من الكلام ..

فكتم به قلبه .. وأحتضنه فؤاده ..

وما زال يسير .. ويسير .. يحملُ بثيةً من " مسكه الأذفر " ..
وبقايا من وصايا الحكيم .. واستعظاماً لتلك الثلّة المؤمنة ..
عله يجدُ شيئاً من المُنى ..

وعزم الأمر أن لا يقف حتى يُقضى على الوريد
أو غايةُ المُنى ..

فما غاية المُنى !


الضياء

* فجر يوم السبت 20/9/1424
الساعة الثامنة صباحاً


"

(سلام)
17-11-2003, 03:58 AM
up




ولي عودة

* الضياء *
18-11-2003, 11:58 PM
على الرحب والسعة ..