PDA

View Full Version : طقوس ( قصة قصيرة )



العباس معافا
13-12-2003, 09:50 PM
طقوس

في لحظة وقوفي ، لاحت مني التفاتة لجهة الزقاق ، أناس قد التفوا في حلقة لا أدري علام ، اتجهت إليهم في عجل ، وكأنني قد وجدت ما عجزت عن إيجاده طوال اليوم ، حاولت أن أحشر نفسي بين الجمع .. بلا جدوى ، فجأة نظرتُ للوراء ، رجل مسن أشاهده لأول مرة في قريتنا ، استطاع أن يلج بين الأجساد ، بدوري قمت بتتبعه كظله ، حتى أصبحت أمام المشهد وعن كثب ، وقفت أتفحص الوجوه ، وأتفحص المشهد بغرائبية ، ليس لأنه غريب في حدوثه ، لكن الرجل المسن راح يخط في تلك اللحظة على صفحة الأرض وحول جسد المصروع دائرة ، لم يقترب أحدهم من خط الدائرة ، الجميع في ثبات أمامه ..
بعد قليل من ذلك ، قام المصروع من رقدته ، كان فزعا لدرجة جعلته يصرخ هاربا إلى لا اتجاه ، في تلك اللحظات التي واكبت الصحوة اختفى الرجل المسن من بين الجمع ، بتخبط تفحصت الاتجاهات التي لم تسعفني بأي دليل أو موجه لخطواته ، لا أدري كيف مضيت بسرعة في زمن قياسيٍّ من تفكيري إلى اتجاه ، لن أزعم أن موجها حدا بي إلى اختياره ، باعث خفي ووحيد جعلني أمضغ ذلك الاتجاه ، بخطوات لا تحتفظ بأي اتزان مضيت ، عيناي لا تفتأ عن خياطة كل ركن من أركان وجهتي ، لم اشعر إلا وأنا خارج القرية ، والتراب يبشرني بوقع خطى رطبة ، تتبعتها آملا أن تكون للرجل ، عبرت أطراف القرية إلى أن تعمقت في ركن من أركان الوادي ، ركن قصي امتلأ امتداده بشجر ( الـسَّـلـَـم ) ، حتى أن رهبة مارستني في الخفاء ، فكرت أن أعود للوراء لكن باعثي بات أقوى من أن يقاوم ، في لحــظة التفكــــير تــلك لاحت لي ( عشة ) صغـــيرة تختفي بين أشجار ( السَّـلَم ) ، أيقنتُ حينها أنني وصلت ، وأن الباعث كان أقوى من حيرتي الرجيمة ، لم ينتبه لي إلا وأنا أمامه ، تفاجأ بي ؛ لن أقول إنه فزع مني ، من يسكن مثل هذا المكان لا يعرفه الخوف ، وقفتُ صامتا ، تفحصني ، ولرغبة مني في اختصار الوقت أعدت عليه المشهد كاملا ، قلت له لحظتها : ما أريده منك هو سر تلك الدائرة التي خططـتَـها على صفحة الأرض ، وهل استبشر بك الجمع خيرا ؟ ؛ لأنهم لم يتركوا لي فرجة أرى منها ؛ في حين أنك وبمجرد مقدمك انفلق الجمع إلى فلقتين كي تعبر وأنا في ظلك ، بل أريد أن أفهم كيف أبدلتَ صخبهم صمتا ؟ والمحير في المشهد كله صحوة المصروع دون بأس .
قلت له ذلك وهو صامت في مكانه، لم يبد أي انفعال، صرَّحتُ بأن هذا هو الباعث الذي جعلني أبحث عنه في حين أني أتعقبه.
أدار وجهه عني كأنه لا يريد اقتراف الحديث معي ، بل هو كذلك ، لا أدري لم أراد تجاهلي حقا ؟ ما أعرفه جيدا أن انصرافه عني لن يبطل أيا من تساؤلاتي ، بل هي قائمة ما دمت هنا ولن أنصرف ، شعر بذلك وكأنه يقرأ ما أفكر فيه ، ليتني أدرك فيم يفكر؟ .
كان يمارس أمورا وكأنه يريد أن يشعرني بالملل ، دخل إلى ( عشته ) .. خرج ، وأنا باق في مكاني لم أتزحزح ، كل ما أقوم به لا يعدو أكثر من تبديل ساقي التي أثبت ثقل جسدي عليها بأخرى ، فاجأته بقولي : ألا تريد أن تخبرني ؟ ، بل هل تحسب أني سأتحرك من هنا قبل ذلك ؟
خاطبني حينها قائلا : أنا طبيب وقمت بعلاج المصروع فقط ، هذا كل ما جرى ، ليس سواه ..
قلت له : أتظنني أصدق ذلك ، إن أمورا كثيرة جعلتني أتبعك ، منها أنك لم تمسه أو تجسه أبدا ، كل ما قمتَ به هو أنْ خططت دائرتك واختفيت ، كيف إذن تدَّعي أنك طبيب ؟ ، والأعمق من ذلك أنني كنتُ ألاحظ شفتيك حينها ، كنتَ تنبسُ بكلام لم أفهمه ، أيضا أنت لم تتحرك إلا بعد أن قام المصروع ، لأني كنتُ أراك قبيل لحظة قيامه ، بعدها لم أرك ، وها أنت الآن أمامي .
سكت طويلا ثم قال لي : كل ما قلـتَــهُ صحيح !! أنا لستُ طبيبا ، لكني لن أقول لك شيئا ، مستعدٌ أن أقول لك إذ أنت وعدتني أن تؤجل الأمر إلى غد ، حينها سأخبرك بكل الأمر ..
قلت له : أتريد أن تفر مني ومن أسئلتي ؟
قال : أتظن أن مثلي يقوى على الانتقال من مكانه ؟
قلت : وما الداعي إذن لعدم إخباري اليوم ؟
قال : أتمنى ألا تسألني أكثر ، أنا لست موكلا بالبوح بشيء ، أسألك فقط أن تمهلني للغد ..
قلت له : لكني أتوجس خيفة منك ..
قال : لا تتوجس ، عليك الذهاب الآن ، ولقاؤنا في هذا الوقت هنا ..
رضخت لإصراره على أن أعاود المجيء في الغد ، بت تلك الليلة بي رغبة ملحة أن أطوي الوقت طيا ..
في اليوم التالي .. في نفس الوقت توجهتُ للمكان ذاته ، كان على هيئته ، لكن الرجل غير موجود ، انتظرته ، طال انتظاري كثيرا ، فكرت في أنه قد خان العهد بيننا ، وأنه قد أضمر الرحيل بأسئلتي دون أجوبة ، حين فقدت الأمل في عودته ، بخيبتي آثرت الرجوع ، بمجرد أن خطوت مبتعدا عن المكان ، إذ بصوت ينادي باسمي ، كنت أسمع الصوت لا أرى صاحبه ، قال لي : ها أنا عدت لكنك لا تراني ، أردت أن أكون وفيا ، لذا آثرت العودة ، لسبب وحيد لم أخبرك بالأمس عما تريد ، لكني اليوم سأجيبك عما سألتني ..
كنتُ واقفا مكاني ، أسمع الصوت أحاول أن أترصد اتجاهه ومصدره ..
قال وكأنه أدرك ما أفكر فيه : لن تراني .. لن تراني أبدا ، وما كنتُ عليه بالأمس ليس حقيقتي ، ألا تريد الآن أجوبة لأسئلتك ؟ .
أحسست بالفزع حقا ، خفت كثيرا ، لكني حاولت أن أملك أمري ، فمن يحدثني اليوم كنت بقربه مجالسا بالأمس ، قلت له : بل أريدها ..
قال بصوت عميق : إن الرجل المصروع بالأمس كان يسكنه أخ لي ، كان منفيا إلى جسد الرجل ، نفته القبيلة بسبب فعلة اقترفها ، وقد اعتادت قبيلتنا على نفي المذنب إلى جسد أي إنسان يرغبه ويختاره بنفسه ، وقد مات أخي في نفس اللحظة التي صُرع فيها الرجل ، وموته سبب صرعته ، عندما أُخبرتُ عن موت أخي ، كان لا بد أن أجيء إليه ، فقد تعارفت قبيلتنا أن الأخ الأكبر للمنفي هو من يقوم بما فعلته ، في هيئتي تلك جئتُ ، خططت دائرة لأن رجالا من قبيلتي أرادوا أن يقيموا في نفس اللحظة طقوس موت أخي ، ليس كل من ينفى في قبيلتنا يكرَّم ، لكن أي واحد لا يثور على قرار القبيلة بالنفي يقابل بعد موته بالتكريم ، أرادوا أن يحملوه من مكانه إلى أرضنا التي نحيا بها ، لأنه عرف لدينا أن من يموت في منفاه يحمل إلى أرضه ليحيا ميتا هناك ، لذا آثرت أن أخط دائرة حول جسدهما ، كي لا يكون الجمع المتجمهر عائقا أمام طقوس القبيلة ، موعزا في حركات شفاهي التي رأيتها في أنفس الجمع أن الدائرة تحفظ المصروع من الأذى ، وأن حاجته للهدوء أدعى ، استمرت طقوسهم ما بين قيامي بخط الدائرة وبين قيام المصروع ، بعد أن تأكدت من رحيل قبيلتي بميتهم وقيام المصروع بلا هدى آثرت وسأؤثر الاختفاء ..


____________

العباس معافا

(سلام)
13-12-2003, 11:33 PM
<center>

الفاضل

أخي عباس معافا

لا يفوني هنا أن أسجل أعجابي بلغتك القصصية كثيراً
لك طريقة عجيبة في تصوير الدقائق والهنات واللفتات
طريقة دقيقة وجميلة ومعبرة

سياق جميل ورائع

دمت هنا فهذا مكسب لي أنا قبل الجميع

أخوك
سلام

(سلام)
13-12-2003, 11:48 PM
بالمناسبة

هي للروائع

بعد أكتمال الردود

هي تستحق ياعباس

دمت أخي
أخوك
سلام

عروسة البحر
14-12-2003, 12:02 AM
رائعة بحق

سلمت يداك لكتباتها
وسلم لنا قلبك بسردها

وهاقلبي جاء ليعيشها

تحياتي

بركان العاطفة
14-12-2003, 12:54 PM
اخوي عباس

للكتابة اسرار من يقرأ لك يدرك ان قلمك يصل اليها

العباس معافا
15-12-2003, 03:02 PM
أرسلت بداية بواسطة (سلام)
<center>

الفاضل

أخي عباس معافا

لا يفوني هنا أن أسجل أعجابي بلغتك القصصية كثيراً
لك طريقة عجيبة في تصوير الدقائق والهنات واللفتات
طريقة دقيقة وجميلة ومعبرة

سياق جميل ورائع

دمت هنا فهذا مكسب لي أنا قبل الجميع

أخوك
سلام


الأخ / سلام

أسعد الله مساءاتك

ما أجمل أن ينصف المرء ممن يجد فيهم حسا وذوقا

رأيك أعتز به ..

وأتمنى أن أجد تفاعلا هنا كما وجدت هناك ..

شكري الجزيل

العباس معافا
24-12-2003, 12:19 AM
أرسلت بداية بواسطة (سلام)
بالمناسبة

هي للروائع

بعد أكتمال الردود

هي تستحق ياعباس

دمت أخي
أخوك
سلام

الأخ / سلام

الشكر لك على روعتك

دمت بخير

العباس معافا
24-01-2004, 01:10 AM
أرسلت بداية بواسطة عروسة البحر
رائعة بحق

سلمت يداك لكتباتها
وسلم لنا قلبك بسردها

وهاقلبي جاء ليعيشها

تحياتي

عروسة البحر

سلم لسانك وسلم قولك

مرحبا بك في طقوس

تحياتي

العباس معافا
02-04-2004, 09:55 PM
أرسلت بداية بواسطة بركان العاطفة
اخوي عباس

للكتابة اسرار من يقرأ لك يدرك ان قلمك يصل اليها


بركان العاطفة

عذرا على التأخير في الرد

نعم هناك أسرار لكل كاتب يعمل على صبغ ما يكتبه بها ..

أهمها اللغة التي تعبر حس القارئ دون أن تخدشه ..

ولا ننسى احتراك القارئ فهو أهم سر يبوح به الكاتب لقارئه ..

دمت بخير

(سلام)
02-04-2004, 11:26 PM
بناءً على الأنظمة والقوانين الجديدة والمعمول بها في الساخر

بإغلاق الواضيع القديمة والتي تتعدى أكثر من شهرين

عليه تم الإغلاق

دمت بخير أخي

أخوك سلام