PDA

View Full Version : الطريق الى المدينة .. قصة قصيرة



ابورحاب ...
27-12-2003, 09:19 PM
الطريق الى المدينة ...


احمد سعدالدين ابورحاب


سارت على الطريق الترابي القديم , تنثنى الترعة فينثنى , تعتدل فيعتدل .. كانت تجرّ بيدها المعرورقة ابنتها الصغيرة خديجة , وتحمل على كتفها محمدا الرضيع .. كان جلبابها الأسود يخفق فى الهواء , وحذاؤها الواسع يحدث صوتا كلما اصطك بكعبها المتشقق .. احكمت الطرحة حول وجهها , وهزت رأسها بسرور .

كان أمامها مايقرب من الكيلومتر حتى تصل الى الطريق الزراعي .. وهناك كان يتعين عليها ان تستقل سيارة اجرة الى المدينة .. كادت تطير بجناحين من الأمل , بينما راح محمد الرضيع يتهته فى ملل , واخذت اخته تركل الحجار بحذائها المقطوع .

منذ ان مرض زوجها عبد الستار , والحياة اصبحت قاسية شرسة .. كان يعمل باليومية , ولكنه لم يعد قدرا على العمل اليومي .. لولا بضع دجاجات تقوم بتربيتها بعناية ومهارة , لكان حالهم لايسر عدوا ولا حبيبا .

نصحها الشيخ كسّاب إمام المسجد بأن تحاول العمل .. قال انها يمكن ان تحصل على سبعين جنيها فى اول كل شهر , وهذا حظ عظيم .

وبعد أن ناقشت الأمر مع عبدالستار , قررا ان ذلك هو افضل الحلول .. وبعد تفكير وجدا أنه من الممكن ان تعمل كفرّاشة بالمدرسة أو الوحدة الصحية .. ولكم كانت المفاجأة قاسية عندما اكتشفا ان ذلك تقريبا مستحيل , فهى لاتعرف القراءة والكتابة , ويدوتهما يشتحيل أن تلتحق بأي عمل .

وبالبحث المضنى عرفت انه لابد من الحصول على شهادة محو الأمية .. لم تفهم ماهو المقصود .. واخيرا اخبرها أحد الشبان بالقرية انها تستطيع الحصول هلى هذه الشهادة مقابل عشرة جنيهات .. اضطرت الى بيع دجاجتين ليعقوب تاجر البيض , الذى اضر على ان يحصل على طرحة مع الدجاجتين , وحصلت على الشهادة .. أوعزت لنفسها بأن الدجاجتين كانتا فى الواقع مريضتين .

رغم ذلك لم يكن طريقها سهلا , أو بمعنى أصح لم هناك ثمة طريق على الإطلاق .

اخطرها زوجها أخيرا , بأنهم نصحوه باللجوء الى الوزير الكبير إبن القرية المجاورة , والذى هو فى نفس الوقت عضو مجلس الشعب عن الدائرة .. لم يكن يحضر كثيرا الى القرية نظرا لمهامه المتعددة . وعندما يحضر كان الناس يتوافدون على منزله الكبير للمطالبة بقضاء مصالحهم المختلفة .. قيل له أنه لن يتأخر عن مساعدته .

ظل عبد الستار اياما طويلة بتسمع وبراقب , عله يعرف الموعد الذى سيحضر فيه الوزير , ولكن احدا لم يكن يعرف على وجه الدقة .

وأخيرا سمع بأنه سيأتى فى العيد .. وطل يذهب قبل العيد يوميا الى منزل الوزير بالقرية المجاورة عسى أن يراه .. وعندما سطعت الأنوار فى القصر الكبير , ادرك ان الوزير قد حضر بالفعل .. حاول ان يتقرب الى الخدم , ولكن كان ذلك صعبا ..وفى النهاية لمح شابا انيقا يهبط من المنزل يودع ضيوفا على درجة واضحة من الأهمية حتى باب سيارتهم .. رأى ان هذا الشاب لابد ان يكون من اهل المنزل .. اقترب منه على استحياء وهمس وهو يكاد يبكى برغبته فى مقابلة "الباشا" ..سأله الشاب بلطف ادهشه عن السبب , وعندما اخبره استجاب له الشاب بسهولة غير متوقعة , وطلب منه الإنتظار .

بعد ساعة , جاء اليه احد الخدم , واعطاه "كارتا" وطلب اليه ان يذهب به الى وكيل وزارة الصحة فى المدينة , حتى يعيّن زوجته فى الوحدة الصحية بالقرية .

معجزة حقيقية ..صاح فرحا .. زغردت زوجته بجنون ..وأخيرا , سيتحقق الحلم .


()()()()()

سارت بنشاط .. معها طلب تعيين .. معها شهادة محو المية .. معها ورقة تمغة ..وأهم من كل ذلك معها كارت من الوزير .. لفت الطرحة بلإحكام حول رأسها لتتقى الهواء البارد .. وابتسمت لنفسها فى سعادة , وسارت بنشاط , محمد ينهنه فى ملل , وخديجة تركل الأحجار بحذائها المقطوع .

وصلت أخيرا الى الطريق الزراعي .. راحت تشير الى السيارات المارو بدون ان تعرف الفرق بين السيارات الخاصة وسيارات الأجرة ..لوكان عبد الستار معها لما استشعرت كل هذا العناء , ولكنه قد اشتد عليه المرض , وهيهات ان تضيّع الفرصة .

اخيرا توقفت سيارة .. طلب السائق خمسين قرشا مقدما .. وبالرغم انهم قالوا لها ان الأجرة خمسة وعشرين قرشا , الا انها اضطرت الى الموافقة ..كان معها جنيه جلبته معها من باب الإحتياط , يبدو انه سيتبدد تماما فى هذه الرحلة القصيرة الى المدينة .. لايهم !

فى المدينة راحت تسأل عن مقر وكيل وزارة الصحة .. ادهشها ان اغلب الناس لايعرفون مكانه .

واخيرا وصلت .. نطرت الى المبنى الشاهق بشئ من الرهبة .. تقدمن بوجل الى الباب الكبير ..سألت رجلا فم يرد عليها ..توجت الى آخر فأشار لها ببرود الى لامكان ..انقذتها فتاة شابة نصحتها بالصعود الى الدور الثانى ..وهناك وقفت نصف ساعة امام احد الأبواب لمجرد ان احد الأشخاص نصحها بذلك .

اقلقها الإنتظار .. خاصة ان محمدا بدأ يبكى .. "اسكت يامحمد , يخرب بيتك !" ارتفع صراخ الطفل .. اصبحت المشكلة حقيقية ..تلفتت حولها بقلب واجف .. وبالفعل نهرها شخص ما وطلب اليها الإنصراف .. قالت متوسلة انها تريد مقابلة البك الوكيل ..ضحك الرجل متعجبا , انضم اليه آخر وثالث راحوا يضحكون منها .. قدمت لهم الكارت بضراعة .. نظر اليه ثم قرأه بسرعة , ثم رمقها بسخرية لم تفهم لها سببا .

رحمها محمد بالتوقف عن البكاء .. نصحها الرجل بأن تقدم الكارت الى شاب فى غرفة مفتوحة اشار اليها .. وجدت شابا صغيرا يجلس الى مكتب كبير اكبر من مكتب وكيل مكتب البريد فى قريتها .. الشاب مشغول بمطالعة مجموعة كبيرة من الأوراق ..قدمت له الكارت بسرعة .. نظر اليها بهشة .. قرأ الكارت بهدوء , تقريبا بلامبالاة وهذا ما ازعجها , لم يبد عليه انه تأثر .. سألها عن طلب التعيين وشهادة محو الأمية وورقة التمغة.. قدمتها له بيد مرتجفة , وجذبت خديحة بعنف قبل ان تمسك بشئ ما على المكتب .

ببرود شديد , وضع الأوراق فى مظروف , وبدوت اهتمام كتب اسمها على المظروف , وطلب اليها الإنصراف ,, سألته بلهفة متى ستعمل .. ضحك متعجبا , وقال لها :

- اذهبى الآن وسوف نرسل فى طلبك اذا وجدت وظيفة خالية .
- اذا وجدت وظيفة خالية ؟؟
- طبعا !

ترددت قليلا .. تريد ان تقول شيئا , ولكنها على وجه التحديد لم تعرف ماذا يمكن ان تقول .. اشاح الشاب بيده ضجرا , داعيا اياها مجددا الى الانصراف .


()()()()()

انصرفت بخطوات بطيئة .. تجر خديجة وتحمل محمدا .. وراحت تبحث بغباء عن المكان الذى يمكن ان تستقل منه سيارة توصلها الى قريتها.. وعندما اخبرها السائق بأنه سيأخذ خمسين قرشا , وافقت بصمت .. وعندما توقفت السيارة اما الطريق الترابي المؤدى الى قريتها , هبطت بصمت .

جذبت خديجة بعنف , وعدّلت من وضع محمد على كتفها , واحكمت الطرحة حول وجهها المهيض , وسارت على الطريق الترابي الموازى للترعة , ينثنى حين تنثى , ويعتدل حين تعتدل .. شعرت برغبة الا تصل نهائيا حتى لا تقابل عبد الستار المريض , لأنها ببساطة لم تكن تعرف ماذا يمكن أن تقول له !
الطريق الى المدينة ...

al nawras
27-12-2003, 10:40 PM
جميلة قصتك سيدي الاديب
نموذج يحتذى للقصة القصيرة
امتعتنا فشكرا لك.

اخوك
النورس
رابطة ادباء الحجارة

ابو طيف
27-12-2003, 11:15 PM
جميل اخوي

تسلم على هذا الحضور الرائع

تحياتي

===

(سلام)
28-12-2003, 01:41 AM
هنا لا مجال للقول سوى أنك خلقت غصة في حلقي كادت لولا ستر الله أن تتحول لدمعة حتماً ستنادي أخوتها ورأها لكني تمالكت نفسي
أخي
في هذه القصة كنت رائعاً فعلاً

تمكنت من وصف ما يمكن أن يكون تصوير بالأحرف وكأني أرى الطفلة والرضيع وأمهما

ياه يا أبو رحاب

كنت رائعاً
لا أملك من التعابير ما يفي لكن حتماً أنت تفهمني

كل الحب
أخوك
سلام

ابورحاب ...
28-12-2003, 04:05 AM
الأديب النورس

دمت ايها الأديب

وأرجو ان اكون عند حسن ظنك دائما

شكرا لك ايها الأديب

ابورحاب ...
28-12-2003, 04:07 AM
اباطيف

مرورك دليل على رغبتك فى المتابعة والتحفيز

شكرا لك

ابورحاب ...
28-12-2003, 04:16 AM
سلام

انت اديب مبدع

وهذا يكفينى