PDA

View Full Version : تحت ظــلال النخيـــــل



انسام الفجر
28-03-2004, 10:19 AM
كنا نتمشى أنا وهي

أمامنا الأرض البيضاء البضة ، بتربتها النظيفة النقية الرائعة

نملاء ناظرينا بجمال أشجار النخيل الباسقة وهي شامخة مترفعة عن ما دونها من الأشجار البرية التي كانت متناثرة تحتها .

كأنها تطلب ودها وحمايتها والامان .

أحب أشجار النخيل فهي تعبر عن أصالتها وكبريائها دون أن تتكلم أو تنطق ،,, قلت لرفيقتي .

لم تجبني فنظرت اليها ،، كانت تتأمل النخل بنظرات شوق وحنان .

كانت نظراتها فيها الكثير من المشاعر.

نظراتها مزيج من الحزن والفرح والشوق اتبعتها بابتسامة غامضة على وجه حزين

خليط عجيب من المشاعر الانسانية التى لا تجتمع إلا في نفس مرهف الاحساس .

سألتها : ما بك ساكتة ؟؟؟

أجابتني دون ان تبعد نظرها عن النخيل : انها النخلة

قلت : ما بها ؟؟

أجابتني : أحبها

قلت لها : كلنا نحب النخل

قالت : لا

أجبت : كيف ؟ لا

هنا التفتت الي وهمست همسا حزينا : ليس كحبي

لم اجبها ,,, بل ظهرت على وجهي تعابير نمت عن استفهام ودهشة من مقالها تلك .

ارتسمت ابتسامة عذبة على ثغر جميل اضاءت وجهها فزادتها بهاء ً وجمالاً

وقالت : نعم ما اقولة انا متاكدة منه ,,، لم تحبوا النخل كما احببتها

سألت بعد ان ضاعفت الاستغراب في نفسي : كيف ؟؟؟

أجابت : لن أقول قبل أن نجلس تحت هذه النخلة

فاخترنا نخلة جميلة باسقة كثيرة السعـف ، نضمن لانفسنا ظلا ظليلا يسترنا من أشعة الشمس

بادرتني : ها ،، أوصفي لي احساسك وأنت تحت ظل النخلة .

ضحكت قائلة: كما تحسين أنت .

سألتني باصرار : لا قولي احساسك الان وأنت جالسة هنا .

أجبتها بعد أن لمست الجد في حديثها :

احس بالراحة ،، وبجمال المكان ,، بلطف النسيم الذي يهف علي بين الفينة والاخرى .

قالت : وماذا بعد ؟؟؟

قلت : مكان احب الجلوس به وتمضية الوقت .

سألتني : دائما تحبين الجلوس تحت النخل صيفا وشتاء ً ؟؟؟

أجبتها : لا ،، احيانا بصورة غير مستمرة

قالت : هل تحسين في نهاية المطاف بالملل من المكان وتريدين ان تقومي وترجعي للبيت ؟

اجبتها مستغربة : طبعا

قالت : كما ظننت

قلت : ما ظننت ؟؟؟

قالت : حبك للنخل يختلف عن حبي لها .

اجبت : كيف ؟

تلفتت الي والحزن يملاء وجهها الجميل قائلة :

اسمعي :

(( كنت صغيرة كانت لي أم جميلة ،، أحبها وتحبني ،، تلاعبني وتهتم بي وترعاني .

جل وقتها كانت تمضيها معي .

واذا انشغلت عني تلمست ظلها اتبعها كما يتبع فرخ البط أمه .

لم تكن تمل او تتأفأف من اتباعي لها كما تفعل بعض الأمهات .

بل

كنت احسن ان هذا الامر يزيدها فرحاً وسرورا ً .

فتسرع في تأدية ما بيدها حتى تتفرغ لي .

كانت تـأخذ بيدي بين أشجار النخيل نمر عليها ونقعد تحت ظلها .

فكنت أحسن انني تحت ظلين لا ظل واحد

ظل أمي وظل النخلة

وكنت أربط هذه بتلك .

هكذا كانت امي معي .

وفي نهار يوم جميل استيقظت وغدوت ابحث عن حبي

تلمست اثرها حتى اشم عطرها وارشف من حنانها وآوي الى حضنها الدافئ

اختفت محبوبتي ذلك اليوم !!!
فسكت
ورحت أجوب البيت ومن ثم النخل لعلها تظهر لي .

ولكن لم ارى سوى ظل النخل تنحنى على ,, تلامس رأسي الصغير كمن يمسحه .

احسست بحنانها ودفئ النخل

لكن لم اجدها ، وبالتالي لم ارى امي طوال ذلك اليوم !!

واصبح هذا المسلك مسلكي كل صباح .

أبداها بالبحث عن محبوبتي أمي وانتهي عند النخل وظلالها لعلى اجد آثار امي هناك .

وفي صباح يوم استيقظت كالعادة ابدأ بمهمة البحث عن محبوبتي ..

وجدتها بجانبي !!

فشهقت شهقة خفيفة اتبعتها بضحكات متتالية وعانقت حبيبتي امي عناقا شديدا .

واذا بيد قوية ترفعني عنها وتضعني جانبا بهدوء

يد ابي

احسست بقسوة يده علي ،، ليته لم يفعل ،، هذا ما ظننته في حينه

ولم ادري انه فعلها اشفاقا على زوجته من هجومي عليها وثقل وزني على جسدها الضعيف .

نعم ،، امي الحبيبة مريضة وضعيفة

وانا لا ادري معنى المرض والضعف

كل الذي افهمه ان ابي حرمني من عناقها

نظرت اليه غاضبة معاتبة فتبسم تبسم الحزين ولم يقل سوي :
بنية امك مريضة فترفقي بها ..

جلست جانبا ونفسي لهفة عليها ،،، ثم بعد حين مددت يدي اليها وانا انظر الى ابي استأذنة ان امسك بيدها .

فاجابني بايماءة ...

لامست يدي الصغيرة يدها ،،

فاجتاحني دفئ جميل ناعم ، ملأ اركان نفسي وفؤادي ،، بالرغم من برودة يدها .

ونظرت الى عينيها التين تملاؤهما الدموع ،، فسقطت منها دمعة كالدر على وجه شاحب حزين فمسحتها بيدى الصغيرة .

فابتسمت ابتسامة باهتة

ثم نامت

خرجت من عندها وانا سعيدة سعادة كبيرة لا ادرك ما يوجد خلف استار الغيب من احزان

نامت حبيبتي فخرجنا أنا وأبي

فتلفت الي وقال : بنية امك نامت فلا تزعجيها بالدخول

فنظرت في عينيه ،،، كانت حمراء بلون الدم لاادري امن البكاء او من السهر كانت حمراء

تركتها و البكاء والنواح والزفرات والآاهات تملأ اركان البيت

خرجت حتى لا ازعج امي لانها نائمة ومريضة فهي بحاجة الى راحة ( قلت في نفسي )

تمشيت بين اشجار النخيل وجلست تحت ظلها التي كانت تمسح على راسى بدفئ عجيب كدفئ يدي امي

وكان كل يوم اخرج الى النخل اطلب ظلها وودها

وكنت أُناجيها كما كنتُ افعل من قبل مع امي

أتخيلها أمي تلاعبني وتناجيني وتضحك معي

فأرد عليها بضحكات مثلها وأركض خلفها كما كنت أفعل مع أمي

حتى استبدلت صورة امي بالنخلة فألجأ اليها من برد اليتم و حر الحرمان ونار الفراق

الى أن كبرت وأدركت معنى الموت والفراق

ولكن إرتباطي بالنخلة ظلت كما هي

لا أملها كما لا يمل أحدكم امه

وأركن اليها عند اشتداد الخطب وجفوة الأحبة كما يفعل أحدكم ذلك

ثم سكتت رفيقتي ونظرت الي

كنت أبكي مما سمعت

وقال : هل ادركت ما كنت أرمي اليه ؟

هل علمت معنى هذا الحب ؟

فكان جوابي طبعا هو السكوت

.................................................

حوار بين أنسام الفجر وصديقتها اليتيمة

ابو طيف
28-03-2004, 11:22 AM
هلا بك

اسلوب جميل ومشوق

يعطيك العافيه

تحياتي

===

سرنوه
28-03-2004, 11:35 AM
حياكِ الله ..
استمتعت في هذا السرد المطول ..
و الى الأمام دوماً ..

(سلام)
28-03-2004, 03:53 PM
أقصوصة جميلة

تحكي لمحة أو جلسة بين صديقتين
وتوضيح من قبل بطلة القصة لعشقها للنخل بشكل يختلف عن باقي الناس

وكان تصوير في غاية الجمال وإن أفتقد لبعض تفاصيل لو توفرت لأعطت النص زخم من الحياة والنبض وخصوصاً للمعتاد من التفاصيل الصغيرة
لكن يبقى النص جميلاً

دمت بخير أختي

أخوك
سلام

صخر
28-03-2004, 04:42 PM
شكرا لك أختي انسام فقد حلقت بنا كلماتك الآسرة وصورك الرائعة في سماء الحب الحقيقي ، وأرتشفنا من براءة الحب ونصاعته وزهوة ..

محروم ويتيم هو من لم يتاح له الاستفاءة في ظل نخلة باسقة كتلك التي تخطفها المرض ..

دمت مبدعة

انسام الفجر
28-03-2004, 06:02 PM
اخي ابو طيف

اشكر مرورك الكريم

جزاك الله خيرا على التشجيع

ويعافيك ربي

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

اخي سرنوه

اشكر مرورك الكريم وتعليقكم وتشجيعكم

جزاك الله خيرا

نائمون
28-03-2004, 06:08 PM
جميل ..
اسلوب متقن ..

شكراً لك ..

:)

احساس
28-03-2004, 09:35 PM
وصدق حدسي بأن خلف هذا اليوزر الرقيق

انامل راقيه:)

:
اهلاً بك قمراً انار لنا الغوايه

:
احساس

نهر العوسج
28-03-2004, 10:17 PM
مرحبا بأنسام الفجر ...
وإنا لنعرف مافي أنسام الفجر من نقاء وشفافية وروحانية ..
لم تدنسها أرذال باقي اليوم ..
يوم ينهض الناس ويبدأون باقتراف المعاصي ..

كوني هكذا دوما .. طبت نقية ..
ودمت طيبة
نهر العوسج

انسام الفجر
29-03-2004, 06:53 AM
اخي (سلام)
زاد الموضوع تشريفا بمروركم
وافرحني تحليلك للموضوع وهذا ما كنت انتظرة ممن يقراه
وما اوجزنا الا لعلمنا ان الاستطالة في السرد ربما يشعر القارئ بالملل
وهذا ما اتحاشاه دائما في مشاركاتي
فركزت على فكرة واحدة ووجهت فكر القارئ اليه
الا وهو النظر من خلال مشاعر الطفل اليتيم والاحساس بمرارة اليتم والحرمان .
والا ففي الجعبة الكثير من الاحداث
وكما ذكرت انت هي اقصوصة مركزة خلال جمل مقتضبة ركزت فيها على المشاعر
اخي اشكرك على المرور فاكثر منها
وجزاك الله خيرا
اختكم انسام

انسام الفجر
29-03-2004, 06:56 AM
اخي صخر :
اشكرك اخي على مرورك الكريم فاكثر منها
وعلى تعليقكم الرائع
واعجبتي هذه الجملة :
(( محروم ويتيم هو من لم يتاح له الاستفاءة في ظل نخلة باسقة كتلك التي تخطفها المرض .. ))
انما تـنم على ما يتصف صاحبها من بلاغة وحس راقي

اختكم انسام

انسام الفجر
30-03-2004, 07:23 AM
اخي نائمون :
اشكر مرورك الكريم فاكثر منها بارك الله فيك
كما اشكر تشجيعك لي
فجزاك الله خيراً