PDA

View Full Version : مــتــاهــة ( قصة قصيرة )



العباس معافا
02-04-2004, 10:09 PM
مـــتـــاهـــة



عن شاتي العرجاء خرجت باحثا ، الشمس أسدلت خمارها في وجهي وأنا أمشط أزقة القرية لأعبرها إلى الوادي ، تعجبت لِمَ لمْ أنتبه لها حين تأخرتْ عن الجمع ؟ ربما أعياها عرجها فحلت مكانها ، شققت الوادي وأنا أتلفت لعلي أجدها في إحدى أركانه ، كنت كالمتيقن من أنها بقيت رابضة في مرعاها ، حيث كنت اليوم أرعى بعيدا عن العروج .
منظر الظلمة التي تتوسد هامات العروج مرعب ، لكنني وككل أهل القرية تعودت أن ألتحف رهبتها .. محولا مجرى الرهبة إلى إلف ..
حين تخطيت العروج كنت ألمح في جهة شعلة تتوهج ، لا أذكر أن أحدا يسكن هناك ، لكنني متيقن أنها شعلة من نار ، سرت باتجاه المرعي .. باتجاه الوهج ، حين وصلت إلى المكان الذي تراءى فيه الوهج ، ولحظة صعودي على ( زبير ) تفاجأت بجمع من الكلاب الجوعى في دائرة محورها شاتي ، وقفت قليلا أرى مجريات الاجتماع المنعقد ، خائرة هي على الأرض تتأمل الجمع المتجمهر ( حولها ) ( معها ) ( ضدها )، لم تكن راضية عن بنود الاجتماع لذا انخرطت في لجة الصمت ترقب ، بعصاتي فضضت الاجتماع ، لم يتبق سوى كلب كان يخطب ود شاتي لمشابهته في عرجها ، أخفته بعصاتي بيد أنه لم يبد خوفا ، حملتها على يدي وأنا أفكر في الوهج الذي دلني على شاتي .. تأملت الموقف متسائلا أكنت متوهما ؟ أم كانت رؤية الضوء صدفة ؟ ، يا الله .. إنه هو .. نعم .. نعم هو ، سمعت أنه يخط على هامة الأرض خارطته ، يعيث في جدولة الليل على كتابة المتوهج ، شعلته بيده ترى .. ليس يرى ، ناديته بعلو صوتي ، بيدي شاتي ، شعرت كأن أحدا يمشي بقربي .. لا .. لا .. بل يلامسني ، تكلمت بصوت منخفض ، سألت شاكا في إجابة ، أأنت أنت ؟ لم أنت هنا ؟ ، حين لم أجد تجاوبا طردت ذلك من فكري ، لكني أحسست به أقرب .. نعم أقرب ، أعدت سؤالي بصيغة أخرى : منذ متى وأنت هنا ؟ لحظتها بانت الشعلة وكأن أحدا يمسكها ، لكني لم أره ، سمعت صوتا يسكب الصمت في آنية من فضة ، كان صوته منهكا ..
قال لي : منذ أن أقفرت الأرض بملوكها ، وسيطر ملوك الجان على لجة البحر وغبة البر وأنا هنا ، لم أقترف ذنبا أستحق بسببه أن أقض العمر أجز ناصية المكان باحثا .
قلت له : عم تبحث ؟ لم يجب عن تساؤلي ، استمر في رسم خارطته . قال : منذ أن كانت هامات العروج تحاذي ساقي وأنا هنا ، نمت هياكلها الضخمة في حضرتي ، هنا خططت سكة لمسير الدجال إلى حتفه ، أبحث .. أبحث ، أتراني أبحث عن زوال ؟ ، ما أنا فيه ليس لأني اقترفت ذنبا يعرفه الجميع ، هو أكبر من ذلك ، نعم أكبر من ذلك ، لم يكن ذنبا أبدا يستحق أن أموت به حيا ..
قلت له : كيف ؟ .
قال : كنت أجدل في غفلة لغة للقوم ، أدرك الملك بأني أنسج لهم ثوبا من ضوء ، وهو يعشق الظلمة ، أخفى مقته علي إلى حين فعلتها تلك الليلة ، ولجت مجلسه لابسا حذائي ، كنت ناسيا لا متناسيا ، أقسم لك بذلك ، فعلتي كانت فرصة للملك ليقصيني ، لم يجرؤ أحد قبلي على ذلك ، لكني لم أتعمد ، من غضب الملك انفرطت حبات مسبحته الذهبية فتفرقت عن خيطها ، في أرض الله تناثرت ، أنا هنا كي أجمع حبات المسبحة عقابا ، ها أنا أضم في يدي ثلاث حبات من المسبحة ، بقي أن أجد تسعة عشر حبة ، إلى أن أجدها يكون عمري قد ولى ، هل سيتذكرني أحد حين أعود ؟ ، من المؤكد أن قومي قد عشقوا الظلمة ونسوا جدائل ضــوئي .. من المؤكد .
قلت حينها : لم لا تبحث عنها نهارا ؟
قال : إن الملك أوعز لطبيب من حاشيته أن يسقيني دون أن أدري شرابا يحرمني الرؤية نهارا على أن أرى ليلا ، كذلك أخبرت ، أعطاني الملك شعلة من نار تتوهج ليلا .. لا أجدها نهارا ، قال لي عليك أن تبحث عن حبات المسبحة ، لا أملك من أمري شيئا ، لا زلت أبحث عنها وفي يدي ثلاث منها ..
قلت له : سأبحث معك ؟
قال لي : لن تراها أبدا ، هي مخبأة عن عيون البشر ، لا أحد يراها سواي ..




_________________________

- العَـرُوج : هو تسمية لشجر ( السِدْر ) ومفرده ( عَـرْج ) بفتح العين وتسكين الراء .

- زَبِـيـر : هو تسمية عامية تعني امتداد من التراب بارتفاع معين يُـحدد به قطعة أرض حسب شكلها إما مربع أو مستطيل لمعرفة حدود كل قطعة أرض .