PDA

View Full Version : الرحــيل



العنفوان
23-06-2004, 12:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الرحــــــــــــــــــيل :
المكــــــــــــــــــــان :
على جزيرة نائية يقع كوخ معلق بين السماء والأرض ..
كوخ على الغيم جدرانه ظلال وأبوابه من زهر ..
على غيمة عطر يعب الغروب شذاها ويحلم فيها السهر ..
فوق تلة يطل جزء منها على البحر والآخر على اليابسة ..
والبحر يهدر بامواجه العالية تطاول عنان السماء ..
والسماء ملبدة بالغيوم ،، وظلام على ظلام ..
زاد من وحشة الليل وطوله ،، ودواب الأرض أختبات في جحورها
وبدأت الرياح تداعب الكوخ ،،وصفيرها يخرج من خلال النوافذ والأبواب
في ذلك المساء كانت السماء تصب مكنون غيومها على الارض ،
وكانت الرياح تتلاعب بالزخات المنهمرة يمينا وشمالا .
وانا اراقب هذا المنظر من خلال النافذه ...
طرقات خفيفه ناعمة على الباب توالت الى مسمعي...
فتحت الباب ، على مرمى نظري لم ارى سوى تلك الزخات من المطر
الذي يتخلله الضوء المنبعث من اعمدة النور ويكسبه ذلك اللون الفضي ..
دوى صوت الرعد ، يشتت الأفكار ، والبرق يصقلها .
هممت باغلاق الباب بعد ان تسربت القشعريرة الى اوصالي ،
واذا بي أسمع صوته لأول مره ... صوت حبيبي الذي أعرفه منذ زمن!!!
تجمد الدم في عروقي ، وقفت ولا ادري ماذا افعل ؟؟
إبتسمت إبتسامة اليأس ، وفرحة عارمة تغمر قلبي
وأنتابتي الدهشة والحيرة وأنا أسمعها تقول : أتسمح لي بالدخول
تلعثمت الصرخة بداخلي لكني صرخت بداخلي : ـ أخيرا..أخيرا ..!!!.
أدخلتها إلى كوخي مباشرة ، وركضت الى الداخل ،
واشعلت المدفاة ومددت يدي إليها حتى أجد حرارتها .
وكنت أود أن أقوم بواجب الظيافة نحوها ..
فتحرك بداخلي سعال شديد يبدو وكانه سعال كهل اعياه الربو ..
لا حظت ما أعانيه من ضعف وإعياء فقامت على الفور وأجلستني
وقالت : إبق هنا لا تتحرك ، وهي تنظر إلى بعين الحب والرحمة
أستلقيت على كرسي خشبي أكل الدهر منه ما أكل ..
و أنا أنظر إليها .. تتحرك هنا وهناك وتجول وتصول
بروح مرحة طيبة طاهرة والإبتسامة لا تكاد تفارق محياها
حين تسترق نظرة إلى وكانها تأخذ بشغاف قلبي وما بقي فيه
قامت وأعددت بعض الحساء الساخن ، وارتشفنا قليلا منه
ثم حامت بنظره في إرجاء المكان ،
واخذت تتفحص مقاطع وجهي واحدا تلو الاخر ...
كان الزمن قد رسم على وجهي بصمات قاسيه ،
وكانت المعاناة كأشد ما تكون مطبوعة في سماء عيناي المجهدتين ،
حاولت الوقوف بعد ان سرى بعض الدفء في اوصالي ...
خانتني قدماي ... فأمسكت بيدي .. وساندتني
فسقطنا سويا كنا نحملق مشدوهين ..
مبهورين وأعيننا لا تنفك عن الأخرى
وعادت تتفحص المكان من جديد استقر نظرها نحو صورة معلقة
وقالت : ما هذا ، أجبت بصوت متحشرج :
ـ اعتذر حبيبي عن الإجابة اذ القاني ظلام الليل وظلم الزمان
في هذا المكان ، لكنها الرياح تلاقفتني وزخات المطر افقدتني الاتجاه ...
وهممت بالوقوف فخانتنى قدماي من جديد ،
فاسندتني ونزعت عني معطفا والبستني اخر ،
وقالت لي : ـ لا عليك يا حبيبي ، انا أتيت أخيرا..اطمئن ..
أتيت لأبقى معك ؟ ساعوضك الدفء والحنان ؟
سآخذك إلى مكان آخر ؟؟؟
ارتسمت على محياي ابتسامة ساخره ...!!!!!
وقلت : ـ آه يا حبيبي أين كنت منذ زمن بعيد ؟؟؟؟...
كم أنا محتاج إليك حبيبي ،،،
كم صارعت الحياة وحدي عني وعنهم ...
والحياة من دون صراع تصبح بلا جدوى ..
حتى لو كان هذا الصراع ياخذ أشكالا أخرى احيانا الا انه ضروري
لنبقى للبقاء وللعيش .وهي تستمع الى كلماتي التي تخرج متعبة
مثل انفاسي كانت تعطيني ما أستطاعت من حب وحنان أفتقده
مع دفء وحب وأدب جم وبابتسامه بريئة طاهرة ،
تمسح ما بي من حزن وألم وتعب وإرهاق ..
تململت من مكاني ، ازدادت نوبات السعال ..
تناولت أقراصا وأخذت كوبا من الماء ووضعتها في فمي ..
علها تخفف ويسكن ما يجيش في صدري من ألم وسوء حال
أخذت تطببني وتداويني و تنام وهي مسيقظة
حتى إن سمعت أنينا قامت على التو تظمني وتواسيني
وتبتسم دائما إبتسامة تشفي يأسي وتسكن ألمي وتفحص نبظي ..
وتظغط وريدي وتصفع خدي ...
وتقول : ـ حبيبي ...سامعني ؟؟؟ شايفني ؟؟ سامحني ؟؟
واستمرت معي أياما تلاطفني وتهامسني وتداعبني وتسامرني
وتغسل همومي وأثقال قلبي حتى أفقت ؟؟؟
فغادر الشحوب وجهي .. وأرتسمت إبتسامات المحيا
كأنها شروق الشمس مع بزوغ الأمل .. بعد ليل طال مداه
وأستعدت عافيتي .. وعادت إلي روحي ..
والتفت اليها وقلت بصوت عالي مخنوق : ـ (أحبك ،،، ،،)
وقالت : وأنا أيضا (أحبك)
وعشنا أياما هانئة هادئة حالمة :
كانت كمن قال :
عشنا سويا في الشدائد والرخى * كلنا معا عيش وملح وما
إن الحبيبة إن تكلم قلبها ****لا تستطيع البوح عما في الخفا
وذهبنا فيما يشبه الغيبوبة ، وسكرة الحب ، ولذة الحلم..
ينام الناس ونبقى نحن في عالم آخر في دنيا لا يعرفها الناس
ولا يدركون مداها ،، وسرها ،، وجوهرها ،،،
أدركنا الفصول الأربعة ،، ولعبنا تحت المطر ،، وتحت الشجر
وفوق الزهر ،، وتحت التلال ،، وخلال شلالات الماء
وأكلنا من الثمر نقتسمه ونأكله حبه حبه
من كرز وخوخ ورمان وفواكة أخرى لآ أكلها إلا من بين شفتيها ..
كانت تخرج أحيانا من الكوخ ..وتغيب فترة من الزمن
فأقف مذهولا لا استيطع النوم ..والدموع لا تفارق جفوني ..
وكنت أراقب من خلال النافذة أنتظر عودتها بفارغ الصبر..
وعندما تعود أسألها : عن حالة زائر المساء
الذي قذفته الأمطار والصدفة على عتبة كوخي ...
بدا الصباح يشق عتمة الليل
وجاءت الى كوخي مع الصباح وسالتها
بهلع ولهفة لا اعرف تفسيرا لهما وكاني اسألها لأول مرة :
( هل تحبـــــــــــــــــني ) ؟؟؟
قالت : لا تخف . هو بخير ؟؟ هو كما تركته ؟؟
قالت وقد بدى شي من الحزن في عينيها : ـ ها قد بقيت معك حتى الصباح وكنت امامي لا تفارقني وكاني تلميذة في حضرة استاذ ...
وقد أسترديت شيئا من عافيتك وروحك ...
وأنت شاب مكافح متفوق في حياتك...
أنت شاب مثقف مملوء بالحكمة والتجربة
مملوء بالكلمات والامل والتفاؤل رغم قسوة الحياة عليك ...
ثم قالت بصوت خافت حزين : وقع علي كالسيف
علي أن أتركك في هذه الفترة المقبلة
سأســـــــــــافر لعدة أيام ثم أعود لا تخف علي
سأكون بخير وقد كتبت لك هذه السطور
خذها واقرأها بعد سفري
خيم علينا الحزن وبكيت ورغرغت عيناي ونزت دموعي من عيوني
وتناولت الرسالة منها وغادرت دون ان ألاحظها ...
وقرات بصوتي الباكي اخر ما قالت :الى سيدي وحبيبي..
قضيت معك ساعة او بعض ساعة ...
لمست من خلالها ان لك قلبا كبيرا دافئا يسع الدنيا باسرها
وبالمناسبة كان الحساء الذي اعددته يا حبيبي الذ ما ذقت في حياتي ..
سلمت لي ولمن تحب ...لقد فطمت على طيبة القلب
وليس عجبا انني شعرت بك حبيبا رحيما عطوفا
تمسك بالامل فبه سنشق اوعر الطرق ..
دموعي تسبقني لاني رقيقة ارق من فراشه ...
عش حياتك واستمتع بها وانت موقن تماما
ان على هذي الارض ما يستحق الحياه ...
اشكرك لانك وفرت دفئا يستوعبني
واسفة على سفرتي التي جاءت لظرورة وقتيه ..
وارجوك ـ اذا ما توصلت الى ذلك الاختراع ...
وتمكنت من اختراق الحواري والطرق التي تؤدي الى منزلي فلا تخبرني
لإني سأسقط واقفة ..... فلا تحاول ..
سيأتي يوم إن شاء الله .. نلتقي فيه وستأتي رافعا رأسك
وتأكد ان للحياة سنتها وللزمن منطقه ........
وانه لا بد من الصراع مع الحياه فبه فقط تصبح الحياه ممكنه وذات جدوى ...
ولا تخف فأنا أحبك ولو لم أكن أحبك لما دخلت كوخك ..
سارجع وسأتفقدك وحبي لك في قلبي كبير
لا تستطيع أن تحسه... فمهما كنت ذكيا لن تفهمني ...
أحبك المخلصة : م
ركضت نحو فراشي والقيت نفسي بحضنه واجهشت بالبكاء ...
وقلت : ـ ستعودين غدا الى كوخي الصابر ...
وستجدين أن هناك من ينتظر تلك الطرقات الناعمة على بابه
ستعود فأنا أحبك ... دوى صوتها في اذني ...
حبيبي لا بد من الصراع مع الحياة ......
كفكفت دمعي وشعرت بشجاعه امدتني بها روحها..
وقلت : ـ...على هذه الارض من يستحق الحياه سنلتقي غدا ..إن شاء الله...
أخذت كتابا به روايات و( قصص من التاريخ )
وبدأت أقرأ قصة ( إبن الحب ) ثم الصقت الكتاب بحضني
وعيــــــــــــــــــوني ترقب السماء
من خلال النافذة كانت هناك نجمة تتألق ضياءاً ...
العنفوان
عن أدب بتصرف