PDA

View Full Version : توخّى حِمامُ الموتِ أوسط َ صبيتي



فتى الادغال
12-07-2004, 12:17 PM
تقولُ العربُ : ليستِ النائحةُ الثكلى كالنّائحةِ المُستأجرةِ .

ولكنْ ماذا عساكَ أن تفعلُ إذا دعتكَ الأيّامُ لئنْ تكونَ نائحاً على ولدٍ لم يخرجْ من صُلبكَ ، وقريبٍ لم يُزاحمكَ في نسبٍ ، وحبيبٍ لم تجمعكَ بهِ عاطفةٌ أو حنانٌ ؟ .

في يومٍ صائفٍ وقدتْ جمرةُ حرّهِ واستحكمَ لهيبهُ ، وفي أحدِ الطرقِ المُزدحمةِ ، رأى أبو نوّافٍ حادثاً فظيعاً : سيّارةٌ مُسرعةٌ تتجهُ نحوَ طفلٍ دونَ العاشرةِ من عمرهِ ، وتصطدمُ بهِ ، وترفعهُ إلى أعلى قبلَ أن يهويَ بجسمهِ نحوَ الأرضَ ، وتتناثرُ حقيبتهُ المدرسيّةُ أرضاً ما بينَ دفاترَ وأقلامٍ ، وقد سقطَ بجوارها ممدّداً يثعبُ دماً .

كانَ منظراً مُخيفاً ومؤلماً .

نزلَ أبو نوّافٍ من سيّارتهِ ، وبدتْ لحيتهُ المهيبةُ وقد علاها شيبٌ عفّى أثرهُ بالكتَمِ ، واتجهَ نحوَ الطفلِ المُمدّدِ أرضاً ، وما إن وصلَ إليهِ وألقى ببصرهِ نحوهُ ، إلا والأرضُ تميدُ بأبي نوّافٍ ، وعينهُ ترمي بمُحتدِ البصرِ إلى الطفلِ وتهمي منها دمعاتٌ متصلةٌ ، وقد جمدتِ الدماءُ في عروقهِ ، وسرتْ القشعريرةُ في جسمهِ ، ودبّتِ الرعشةُ إلى عظامهِ .

وكانتِ الفاجعةُ أنَّ ذلكَ الطفلَ المُمدّدَ هو نوّافٌ ابنهُ ! .

وبحركةٍ خاطفةٍ رفعهُ من فوقِ الأرضِ المُلتهبةِ ، وأدناهُ إلى وجههِ ، وقد دُقتْ رقبتهُ ، وتهشّمتْ جبهتهُ ، والدمُ يسيلُ من فمهِ عبرَ ثناياهُ المكسورةِ ، وقد شخصَ ببصرهِ نحوَ السّماءِ ، وفغرَ فاهُ ، فلم يتمالكْ أبو نوّافٍ نفسهُ ، وأخذَ يمسحُ الدمُ المنسابَ من بينِ الشفاهِ الغضّةِ ، ثُمَّ ضمّهُ ضمّةٌ حانيةً ، صُبغَ ثوبهُ على إثرها من دمِ ولدهِ نوّافٍ ، وصارتْ لحيتهُ حمراءَ قانيةً ، فأرسلَ على إثرِ ذلكَ تنهيدةً حرّى ، ونطقتْ شفتاهُ بالترجيعِ والحمدِ .

كانتِ الطامّةُ التي لم يحسبْ حسابَها ، أن يموتَ ولدهُ على عينهِ ، ويرى مصرعهُ عياناً .

أبو نوّافٍ رجلٌ مُتقادمُ الميلادِ ، كبيرٌ في السنِّ ، يُحبُّ الذّرّيةَ والولدَ حُبّاً جمّاً ، رُزقَ في سنيِّ عمرهِ بالعديدِ من الولدِ ، ولكنّهم كانوا جميعاً إناثاً ، وكلّما وُلدَتْ لهُ أنثى ازدادَ حبّهُ بالذّكرِ ، وتعلّقتْ روحهُ بهِ ، وفي كلِّ مرّةٍ يأتي فيها أهلهُ طلباً للذرّيةِ والنسلِ تتراقصُ أمامهُ أماني المولودِ الذكرِ ، ويدعو ربّهُ ويسألهُ ذلكَ .

يقولُ الطنطاويُّ - رحمهُ اللهُ - عن رغبتهِ في إنجابِ ولدٍ :

" ولقد كنتُ أتمنّى أن يكونَ بكري ذكراً ، وقد أعددتُ أحلى الأسماءِ ، ما خطرَ على بالي أن تكونَ أنثى ، يقولون في أوروبا : حكَّ جلدَ الروسيِّ يظهر لك من تحته تتري ، ونحنُ مهما صنعنا فإنَّ فينا بقيةً من جاهليتنا الأولى ، أخفاها الإسلامُ ، ولكن تُظهرُ طرفاً منها مصائبُ الحياةِ ، وكانوا في الجاهليةِ (( إذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجههُ مسودّاً وهو كظيمُ يتوارى من القوم ِ من سوءِ ما بشّرَ بهِ : أيمسكهُ على هون ٍ أم يدسّهُ في الترابِ )) ، وأنا لم أبلغْ أن أدسَّ بنتي في الترابِ ، ولكنّي أخفيتُ وجهي من الناس ِ ، وكأنّني أحدثتُ حدثاً ، أو اجترحتُ ذنباً " ، انتهى كلامهُ .

وبعدَ أن كبرَ سنُّ أبي نوّافٍ ورقَّ عظمهُ وولّتْ عنهُ صبابةُ العيشِ ولذّةُ العافيةِ ، جاءهُ من الخبرِ ما يُجدّدُ شبابهُ ، ويُحيي فيهِ الأملَ ، إنّهُ البُشرى بولدهِ نوّافٍ ، بعد سنواتِ الانتظارِ والترقّبِ ، فكانَ كالغيثِ ارتوتْ بهِ الأرضُ المُجدبةُ ، وكالرّوحِ سرتْ في الجسدِ الميّتِ ، ولشدّةِ سعادتهِ بهِ أقامَ عقيقةً كبيرةً تسامعُ النّاسُ من أقاربهِ خبرها في الآفاقِ .

لا أدري كيفَ أصفُ لكم فرحةَ أبي نوّافٍ بولدهِ ، ولكنّي رأيتُ رجلاً كبيراً في السنِّ ، إذا رأى ولدهُ الصغيرَ خلعَ عنهُ رداءَ التحفّظِ والرّزانةِ ، وتحوّلَ إلى طفلٍ فتيِّ العمرِ يأرنُ ويلعبُ في سعادةٍ غامرةٍ وفرحةٍ مُتصلةٍ ، يصرخُ لصراخِ طفلهِ ، ويسكتْ معهُ .

كانا طفلينِ في الرّوحِ والمرحِ ، يلعبانِ سويّاً ، ويمرحانِ معاً ، ولا حدودَ لأحلامهم وأمانيهم ، وكانتْ عينهُ لا تُفارقُ ولدهُ إذا كانَ في حضرتهِ ، ترمقهُ حيثُما ذهبَ .

تمَّ كلُّ ذلكَ لأبي نوّافٍ ، فرحةُ الولدِ ونجابتهُ ، وتجدّدُ الشبابِ بعدَ انصرامِ زمانهِ وتولّي جدّتهِ ، ودينٌ متينٌ يتحلّى بهِ أبو نوّافٍ ، إضافةً إلى زوجةٍ صالحةٍ تُعينُ على نوائبِ الدهرِ ، وبناتٍ هنَّ ريحانتهُ من الدّنيا .

ولكنَّ القدرَ أسبقُ من الأماني ، والموتُ أسرعُ خطواً إلى النّاسِ من العافيةِ ، يدِبُّ فيهم دبيبَ القطا ، فيضربُ بسوطهِ ويتركُ الأمَّ والهةً والأبَ مشدوهاً ، ويُثبتُ للجميعِ أنَّ القدرَ سرٌّ مكتومٌ ، وسهمٌ نافذٌ غيرُ مردودٍ ، وسوطٌ لا يحمي من لهيبهِ الأحصنةُ والقِلاعُ .

كانتْ كارثةً على أبي نوّافٍ ، أنهكتْ بدنهُ ، وأسقمتْ جسدهُ ، وأنهتْ آمالهُ ، وجعلتهُ شخصاً كئيباً ممسوحَ العافيةِ ، كأنّما صيغَ وجههُ من البؤسِ والتعاسةِ ، ولقد خُيّلَ إليهِ أنَّ الدّنيا كُلّها لبستْ مسوحَ الحزنِ ، وأنّتْ لهُ وولهتْ على ولدهِ الصغيرِ .

أذكرهُ رجلاً ذا بأسٍ وحردٍ ، قويّاً صلبَ المراسِ ، لا تلينُ قناتهُ لغامزٍ ، ولا تهونُ عزيمتهُ ، وما انحنتْ قامتهُ أبداً ، فلمّا توخّى حِمامُ الموتِ من بنيهِ نوّافاً حالتهُ عن حالهِ ، وتغيّرَ إلى الغايةِ والمُنتهى ، وأصبحَ لا يعرفُ غيرَ العزلةِ صاحباً ، ولا يستعيضُ عن الخلوةِ إلفاً ، وبينَ جوانحهِ نارٌ من الأسى والولهِ ، إذا عاودهُ طيفُ ولدهِ وذكراهُ اشتعلتْ وأّذكيتْ .

أخفي من البرحاءِ ناراً مثل ما ********** يُخفي من النّارِ الزّنادُ الواري

وأخفّضُ الزفراتِ وهي صواعدٌ ********* وأُكفكفُ العبراتِ وهي جوارِ

وشهابُ نارِ الحُزنِ إن طاوعتهُ ********** أورى وإن عاصـيتهُ مُتواري

وأكفُّ نيرانَ الأسى ولربّـمـا ********** غُلبَ التصبّرُ فارتمتْ بِشرارِ

لكَ اللهُ يا أبا نوّافٍ .

لا أدري واللهِ بمَ أسلّيكَ ، وقد فقدتَ من الدّنيا نعيمها ، ومن الحياةِ عافيتها ، ومن السعادةِ قمّتها ، ومن اللّذةِ غايتها ، وصرتَ كطيرٍ قُصّتْ منهُ أجنحتهُ ، وتركهُ سربهُ يُقاسي شدّةَ الرّيحِ وقوّةَ العاصفةِ بمفردهِ ، فلا الآلةُ تُساعدهُ ولا البدنُ يقوى على الصمودِ .

كنتُ ترجو من نوّافٍ أن يُحيي فيكَ شبابكَ الفائتَ ، ومجدكَ الغائبَ ، وأمّلتَ فيهِ ورجوتهُ ، ولكنَّ القضاءَ كانَ أسرع من كلِّ الأماني والأحلامِ .

نحنُ في هذه الدّنيا يا أبا نوّافٍ مأمورونَ بالرّحيلِ ، نركبُ سفينةَ الوجودِ إلى غايةِ الموتِ ، ونركضُ في مضمارِ الحياةِ ونتسابقُ للفناءِ :

ولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍ ********** فبلغتَها وأبوكَ في المضمارِ

فمنّا من يسبقُ ومنّا من يلحقُ ، والجميعُ سيموتُ ، والضّاحكُ اليومَ باكٍ غداً ، وسهامُ المنايا مُشرعةٌ ، والأقدارُ نصبتْ فخاخها وأشراكها ، وهاهي ذا تصطادُ وتقتنصُ ، فإذا نجوتَ أنتَ واصطيدَ ولدكَ قدراً نافذاً ، فأنتَ غداً في الشركِ والفخِّ ، لكَ يومٌ لن تحيدَ عنهُ ولو رُزقتَ من القوّةِ ما قسمهُ اللهُ على الجبالِ الرّواسي .

لا أعلمُ من متعِ الدّنيا نعيماً ولذّةً كلذّةِ الولدِ ، فهم العِمادُ والسندُ ، والعضدُ والمُعتمدُ ، وهمُ الأرضُ الذليلةُ والسماءُ الظليلةُ ، ثمراتُ القلوبِ وحسناتُ الأيّامِ ، وريحهم من ريحِ الجنّةِ ، وهم ريحانةٌ لا تملُّ الدهرَ وأنتَ تشمّها ، ووردةٌ لا تسأمُ الدهرَ وأنتَ تضمّها ، ومن الذي يجدُ عنهم سلوةً وأنساً ؟ ، أو يُطيقُ بُعدهم والتنائي عنهم ؟ .

لقد صبرَ الرّجالِ على مُقارعةِ الخصومِ ، ولقاءِ الجيوشِ والجحافلِ ، وثبتوا ثباتَ الأبطالِ في النوازلِ ، ولكنّهم عندَ فراقِ الأبناءِ تذوبُ قلوبهم وتذوي أحلامهم ، وتخورُ عزائمهم ، وترى الرّجلَ الأبيَّ القويَّ ضعيفاً هزيلاً أمامَ ولدهُ وفلذةِ كبدهِ .

قيلَ لرّجلٍ حضرتهُ الوفاةُ وولدهُ غائبٌ : ماذا ترجو من مُتعِ الحياةِ قبلَ أن تموتَ ؟ ، قالَ : أن أرى فلاناً – وسمّى ولدهُ – فأشمّهُ شمّةً وأضمّهُ ضمّةً ثُمَّ أموتُ .

وقالَ يحيى بنُ سعيدٍ التيميُّ :

غذوتكَ مولوداً وعُلتكَ يافعاً ********* تُعَلُّ بما أجني عليكَ وتنهلُ

إذا ليلةٌ نالتكَ بالشكوِ لم أبِتْ ********* لشكواكَ إلا ساهراً أتململُ

كأنّي أنا المطروقُ دونكَ بالذي ********* طُرِقتَ بهِ دوني وعينيَ تهملُ

إنَّ الإنسانَ ليستعذبُ المُرَّ ، ويصبرُ على المضضِ ، ويُكابدُ الألمَ والوصبَ ، حتّى ترتاحُ أولادهُ ، وإنّهُ ليُهينُ نفسهُ ويُتعبُ جسمهُ ، ليؤمّنَ لهم عيشاً طريّاً ، وحياةً رغيدةً ، ولو عانى فيها من الويلاتِ ما عانى ، وفي هذا يقولُ أحدهم :

لولا بُنيّاتٌ كزُغبِ القطا ********** حُططنَ من بعضٍ إلى بعضِ

لكانَ لي مُضطربٌ واسعٌ ********** في الأرضِ ذاتِ الطولِ والعرضِ

وإنّما أولادُنا بـــيننا ********** أكبادُنا تمشي على الأرضِ

لو هبّتِ الريحُ على بعضهم ********* لامتنعتْ عيني من الغمضِ

صدقَ واللهِ ، فهم دفقةٌ من الدمِ ، وجزءٌ من الرّوحِ ، وفلذةُ كبدٍ ، بل هم - واللهِ - بالدّنيا وما فيها ، ولضحكةٌ واحدةٌ بريئةٌ من أحدِ أبناءكَ تُعادلُ مُلكَ الأوائلِ والأواخرِ .

هذه عاطفةُ الأبوّةِ الحقّةِ ، والتي لا تدّخرُ جُهداً ولا تألوا وسعاً ، في سبيلِ إسعادِ أولادِها .

هذه الحياةُ أمانٍ عريضةٌ ، لا ساحلَ لها ولا مرفأ ، تختطفنا الأحلامُ من عالمنا ، وتأخذنا إلى فضاءِ الوهمِ والخيالِ ، ونبني هناكَ عوالمَ جديدةً ، وممالكَ مُختلفةً ، فنؤمّلُ ونرجو ، وهي تختالُ وتتراقصُ ، ونحنُ نسكرُ ونطربُ ، ثُمَّ في فجاءةٍ سريعةٍ تحولُ الأماني إلى سرابٍ مُخادعٍ ، وتتبدّلُ الأحلامُ إلى آلامٍ مُنغّصةٍ ، فنصحو على وقعِ الجِراحِ ووخزِ الألمِ ، ونستنجدُ بالصبرِ فيُعوزنا ، ونطلبُ التأسّي فلا يُجيبُنا ، فنهلكُ أسىً وتوجّعاً ، إلا من رزقهُ اللهُ من اليقينِ ما يُهوّنُ بهِ عليهِ مصائبَ الدّنيا .

هل صفتِ الدّنيا لأحدٍ ؟ ، لقد شربوا منها جميعاً كدراً وطيناً ، وخاضوا في الوحلِ والسِباخِ ، وتساووا في المآسي والمصائبِ ، وجمعهم رحمُ الرزايا ، ورُموا جميعاً بالكوارثِ والأقدارِ ، فمنهم من نالَ نصبهُ نقداً عاجلاً ، ومنهم من رُزقهُ نسيئةً آجلاً ، يقولُ أبو فراسٍ الحمدانيُّ :

المرءُ رهنُ مصائبٍ لا تنقضي ********** حتّى يُوارى في ثرى رمسهِ

فمُعجّلٌ يلقى الرّدى في أهلهِ ********* ومؤجلٌ يلقى الرّدى في نفسهِ

إنَّ هذه الدنيا مهما طالتْ أيّامُ المرءِ فيها وزادتْ لياليهِ ، إنّما هي غفوةٌ وسنةٌ ثُمَّ يقظةٌ وهبّةٌ ، سُكرٌ وصحوٌ ، منزلةٌ تنزلُها ثُمَّ تجوزها إلى غيرِها ، والباكي كالشادي ، المصيرُ واحدٌ مهما اختلفوا في اللحنِ ، من مشى وصلَ ومن ركضَ وصلَ ، غايةٌ واحدةٌ ومضمارٌ واحدٌ وإنّما الاختلافُ في الدابةِ والزّادِ ، لا ينفعكَ الحذرُ ولن تنجوَ من القدرِ ، وماذا عساكَ أن تفعلَ لتغالبَ القدرَ أو تُبادرَ القضاءَ ؟ ، كلٌّ بأجلٍ مُسمّى .

يا أبا نوّافٍ : إنَّ في اللهِ عِوضاً من كلِّ مفقودٍ ، وخلفاً عن كلِّ غائبٍ ، وهو المرجوُّ أن يُخلفَ عليكَ بخيرٍ ، وأن يجبرَ كسركَ بفِراقِ إلفكَ وولدكَ ، وما يدريكَ فما في عالمِ الغيبِ من الأجرِ والعافيةِ أوسعُ ممّا في بقاءِ ولدكَ حياً مُعافىً ، ولا تجري الأقدارُ بعُسرٍ إلا لتأتي بيُسرٍ أو تذودَ عنكَ العظائمَ ، وقدرٌ دونَ قدرٍ ، ورُزءٌ أيسرُ من رُزءٌ ، ومُصيبةٌ جزاءُ صبركَ عليها الجنّةُ لهي واللهِ مصيبةٌ جللٌ ، تهونُ أمامَ النُعمى وتصغرُ عندَ الثوابِ : (( وبشّرِ الصابرينَ الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ )) ، وفي الحديثِ الصحيحِ " ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتّى يلقى اللهَ تعالى وما عليه خطيئةٌ " .

نحنَ يا أبا نوّافٍ جميعاً ضعفاءُ وإن أظهرنا التجلّدَ والصبرَ ، ولكنّا نأتسي بغيرنا ، ونذكرُ من باتَ ضجيعَ الهمِّ والغمِّ فنسلو قليلاً ، ونُداري الوجدَ والبوحَ بهِ ، ونُخفيَ الآهاتِ والزفراتِ ، وما منّا إلا وقد أخذَ نصيبهُ من أقدارهِ وافرةً غيرَ منقوصةً ، ومن يتصبّرْ يُصبّرهُ اللهُ .

دمتم بخيرٍ .

أخوكم : فتى .

==========

تموتُ النفوسُ بأوصابها ***** ولم تدر ِ عوّادها ما بها

وما أنْصفتْ مهجة ٌ تشتكي ***** أذاها إلى غيرِ أحبابها

أحمد المنعي
12-07-2004, 12:45 PM
غفر الله لنواف ..

وأعان أباه على مصابه الجلل .. وإن أمره كله له خير .

فتى الأدغال .. طبت وطابت خطاك ..

أجد في توقيعك سلوة ..

تموت النفوس بأوضابها
ولم يدر عوادها ما بها

وما أنصفت مهجة تشتكي
أذاها إلى غير أحبابها .

طيف المها
12-07-2004, 04:00 PM
حياك الله فتى الأدغال..
لقد أثرت جرحاًغائراً..
والله سرى تيار كهربائي لاحدود له في جسدي
رحمك الله يانواف ..وجعلك في جنة الخلد ، خيرٌ من الدنيا...
ورحم أباك وجبر كسره..وعليه العوض إن شاء الله..
وإن قصته مع الأبناء قصة..ولكن..تختلف القصص في حياتنا..
( كان لأبي خمسة من الأولاد وثلاث من الإناث..ترعرعوا وصاروا شباباً كلاً منهم
يقود قبيلة لفتوته وشبابه وعقله..وأبي يفتخر بهم ويعتمد عليهم ويأنس بهم..، ولكن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن
يقدر الله ويشاء أن يموت الأول والثاني والثالث..ثم أختي الوسطى..، في بيوتهم دون شكوى أو مرض أو حادث، أثناء نومهم..، وكانت فاجعة لنا وللأبوين أكثر ..، ولكن أبي كان سلوته صلاته ومصحفه ومسبحته وفراشه سجادة الصلاة..، تسع سنوات عاشها بعدهم.. وتوفي منذ شهرين..) رحمه الله ورحمهم ورحم أموات المسلمين..جميعاً
هل ترى أخي فتى ..نحن أمواتٌ أبناء أموات..ومن لم يمت بالسيف مات بغيره..، إنما هي ساعة حين تحين لا تُرد
جبر الله أبا نواف وبنى له بيت الحمد في الجنة..، والدنيا زائلة ولا يبقى إلا وجه الله الكريم..
جزاك الله خيراً..أثرت أحزاننا وذكرتنا..إنما الذكرى تنفع المؤمنين
تقبل فائق التحية

عبدالرحمن الخلف
12-07-2004, 04:38 PM
الجزل فتى الأدغال عندنا !!

يامرحبا يامرحبا .. فبقدر اغتباط أفياء بهطولك أيها الأبي , بقدر ماغارت سهام الوجوم والنحيب من فرط ما سطرتم ..

لا شك أن حمام الموت قدر كل آدمي عليه وعلى من يعز عليه ..

وشهابُ نارِ الحُزنِ إن طاوعتهُ ********** أورى وإن عاصـيتهُ مُتواري

هو ذاك أو أكثر ..

لعلي أعود أو لا أعود ..

أدام الله قلمك وجبر مصيبة أبي نواف وجبر الله أفياء بآثار مسيركم .. فحيهلا بكم.. وبغيثكم المنهمر ..


فتى الأدغال
لك التحية والتقدير ,,



جناح

فتى الادغال
12-07-2004, 06:44 PM
الأخُ الكريمُ برجُ المراقبةِ :

شكراً لكَ على تشريفكَ للموضوعِ وعلى المُشاركةِ بالتعقيبِ .

ومن أرادَ أن يسلو فالمُسلّياتُ من الدنيا كثيرٌ ، وما يُبهجُ النفسَ بعد تكدّرها كثيرٌ أيضاً ، ولكنَّ بعضَ المصايبِ تجمعُ من اللواعجِ والأسى ما يستعصي على الإصلاحِ ، إلا بعد مراغمةٍ وعنتٍ .

جبرَ اللهُ مُصابَ أهلِ المصائبِ .

أخوكَ : فتى .

الحنين
12-07-2004, 09:39 PM
أعان أبا نواف على مصيبته.. وألهمه الصبروالسلوان،، والموت هي حمائم تحوم حول رؤوس الجميع ولا نعرف على من سوف تحط رحالها، فأرواحنـا أمانة ترد الى خالقها..


فى كل موقع أنت متميز أخى الكريم

مع الود :nn

nour
13-07-2004, 12:43 AM
سقى الله أرضاً مر عليها فتى الادغال
أيها الكريم
لك مني تحية


نور

موسى الأمير
13-07-2004, 03:49 PM
سلام ربي عليكم ..
حيا الله أخانا الأديب الأريب فتى الأدغال ..

نهلت من نهر تدفقك الصادق حتى بللت صدأ شوقي لحرفك وروحك ..

كان وقع كلماتك عميقاً في القلب .. فبورك قلمك .. ومعان من إليه نزفت ..

لك تقديري ..

روحان " موسى الأمير "

الغيم الأشقر
14-07-2004, 07:10 PM
مرحبا بك أيها الفتى الكريم وبعد :
مرحبا بك أيها الفتى الكريم وبعد :
سأضع بين أيديكم مقالا نسخته لكم من ( وحي الرسالة ) لأديب العربية الجميلة بلا منازع / أحمد حسن الزيات / تكلم فيه عن فجيعته بابنه رجاء وقد كان ضوء عمره وزهرة حياته أتاه على كبر وأخذ منه ولم يذق منه نفعا أو ضرا ، فمات بموته مرتين / مرة يوم أن مات رجاء ويوم أن مات الزيات الصغير في رجاء ، فكانت نفسا تساقط أنفسا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فكتب أديبنا هذه الرائعة الفذة المحرقة لكل قلب ينبض بدم الأطفال والمذيلة لكل عين صافحت نور الطفولة الأنيق ، وقد يجد فيها القاريء بعض الهنات فلا يستعجلن ولا يحاكمن القلب المتنزي على نار الفقدان الممضة ! وحسب الكريم أن يبذل العذر للكرام المفجعين : ( وهذا هو المقال وأرجو أن تتسع له صفحة الرد أو فسأقسمه على قسمين متمنيا من المشرف الكريم لمَّ صدعه ورأب خلله ) :

الغيم الأشقر
14-07-2004, 07:13 PM
ياقارئي أنت صديقي فدعني أرقْ على يديك هذه العبرات الباقية !
هذا ولدي كما ترى ، رزقته على حالٍ عابسة كاليأس ، وكهولةٍ يائسةٍ كالهرم ، وحياةٍ باردة كالموت ، فأشرق في نفسي إشراق الأمل ، وأورق في عودي إيراق الربيع ، وولد في حياتي العقيمة معاني الجدَّة والاستمرار والخلود !
كنتُ في طريق الحياة كالشارد الهيمان ، أنشد الراحةَ ولا أجد الظل ، وأفيض المحبة ولا أجد الحبيب ، وألبس الناس ولا أجد الأنس ، وأكسب المال ولا أجد السعادة ، وأعالج العيش ولا أدرك الغاية .
كنتُ كالصوت الأصم لا يرجعه صدى ، وكالروح الحائر لا يقرُّه هدى ، وكالمعنى المبهم لا يحدده خاطر . كنتُ كالآلة نتجتها آلة واستهلكها عمل ! ، فهي تخدم غيرها بالتسخير ، وتميت نفسها بالدءوب ، ولا تحفظ نوعها بالولادة . فكان يصلني بالماضي أبي ، ويمسكني بالحاضر أجلي ، ثم لا يربطني بالمستقبل رابط من أمل أو ولد . فلما جاء ( رجاء ) وجدتني أولد فيه من جديد . فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال ، وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال . وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل ، يدفعه من ورائه طمع ،ويجذبه من أمامه طموح ! شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطا في جسمي ، وبالأمل القوي ينبعث جديدا في نفسي
وبالمرح الفتي يضج لاهيا في حياتي ، وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه الخضر عرائس المنى ! فأنا ألعب مع ( رجاء ) بلعبه ، وأتحدث إلى ( رجاء ) بلغته ، وأتبع عقلي هوى ( رجاء ) فأدخل معه في كل ملهى دخول البراءة ، وأطير به في كل روضٍ طيران الفراشة . ثم لم يعد العمل الذي أعمله جديرا بعزمي ، ولا الجهد الذي أبذله كفاء لغايتي ،
فضاعفت السعي ، وتجاهلت النصب ، وتناسيت المرض ، وطلبت النجاح في كل وجه ! ذلك لأن الصبي الذكي الجميل أطال حياتي بحياته ، ووسَّع وجودي بوجوده ، فكان عمري يغوص في طوايا العدم قليلا ليمد عمره بالبقاء ، كما يغوص أصل الشجرة في الأرض ليمد فروعها بالغذاء . شغل رجاء فراغي كله ، وملأ وجودي كله ، حتى أصبح هو شغلي ووجودي ! فهو صغيرا أنا ، وأنا كبيرا هو . يأكل فأشبع ، ويشرب فأرتوي ، وينام فأستريح ، ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لا يوصف ولا يحد . ماهذا الضياء الذي يشع في نظراتي ؟ ماهذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي ؟ ما هذا الرضا الذي يغمر نفسي ؟ ماهذا النعيم الذي يملأ شعوري ؟ ذلك كله انعكاس حياة على حياة ، وتدفق روح في روح ، وتأثير ولد في والد ؟ ثم انقضت تلك السنون الأربع ، فصوَّحت الواحة ، وأوحش القفر ، وأنطفأت الومضة وأغطش الليل ، وتبدد الحلم وتجهم الواقع ، وأخفق الطبُ ومات (رجاء ) !!
ياجبار السموات والأرض رحماك ! أفي مثل خفقة الوسنان تُبدَّل الدنيا غير الدنيا ، فيعود النعيم شقاء والملاء خلاء والأمل ذكرى ؟ أفي مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد ، ويسكن البيت اللاعب ، ويقبح الوجود الجميل ؟
حنانيك يالطيف ! ما هذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ، ومزاقِّ البطن ؛ فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب ؟ اللهم هذا القضاء فأين اللطف ؟ وهذا البلاء فأين الصبر ؟ وهذا العدل فأين الرحمة ؟
إن قلبي ينزف من عيني عبرات بعضها صامت وبعضها معول ! فهل لبيان الدمع ترجمان ، ولعويل الثاكل ألحان ؟ إن اللغة كونٌ محدود فهل تترجم اللانهاية ! وإن الآلة عصب مكدودٌ فهل تعزفُ الضرم الواري ؟ إن من يعرف حالي قبل رجاء ! وحالي معه يعرف حالي بعده ! أشهد لقد جزعتُ عليه جزعا لم يغن فيه عزاء ولا عظة ! كنتُ أنفر ممن يعزيني عنه لأنه يهينه ، وأسكن إلى من يباكيني عليه لأنه يُكْبره ! ، وأستريح إلى النادبات يندبن القلب الذي مات والأمل الذي فات ، والملك الذي رفع ؟
لم يكن رجاء طفلا عاديا حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه . إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق ! كان وهو سنِّه التي تراها في صورته يعرف أوضاع الأدب ، ويدرك أسرار الجمال ، ويفهم شؤون الأسرة ، ويؤلف لي ( الحواديت ) كلما ضمني وإياه مجلس السمر ! كان يجعل نفسه دائما بطل ( الحدوتة ) فهو يصرع الأسود التي هاجمت الناس م حديقة الحيوانات ، ويدفع ( العساكر ) عن التلاميذ في أيام المظاهرات ، ويجمع مساكين الحي في فناء الدار ليوزع عليهم ماصاده ببندقيته الصغيرة من مختلف الطيور !
ولهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحمام الراصد في وعكة : قال الطبيب الغفلان إنها ( البرد ) وقال القدر اليقظان بعد ثلاثة أيام إنها ( الدفتريا ) ! لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السموم بالزهرة الغضة ! ولكن ذكاءه وجماله ولطفه لم تبرح قوية ناصعة ، تصارع العدم بحيوية الطفولة ، وتحاج القدر في حكمة الموت والحياة !
والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصة الموت ، وأدركته شهقة الروح ، فصاح بملْ فيه الجميل : ( بابا !! بابا !! ) كأنما ظن أباه يدفع عنه مالا يدفع عن نفسه !
لنا الله من قبلك ومن بعد يارجاء ، وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء !

فتى الادغال
14-07-2004, 11:09 PM
قبلَ التعقيبِ على الإخوةِ ، أقولُ لأخينا ومُحبّنا " الغيم ِ الأشقرِ " :

لعمرُ اللهِ لقد أفسدتَ مقالتي بما وضعتهُ من كلامِ الأديبِ الفذِّ الزيّاتِ ! ، فواللهِ لقد طأطأتُ رأسي خجلاً من رؤيةِ بلاغتهِ وبيانهِ ، حتّى لتخالهُ نهراً عذباً من المشاعرِ يتدفّقُ إلى عقلكَ وينسابُ دونَ عناءٍ .

على مثلِ أدبِ الزيّاتِ فلْيبكِ الباكي ! .

ما نحنُ مع هؤلاءِ العظامِ إلا عابثونَ لاعبونَ ! ، حروفنا تتقازمُ أمامَ حروفهم ، ويتضائلُ بياننا المزعومُ أمامَ بيانِهم ، فرحمَ اللهُ تلكَ الأعظمَ ، وروّى قبرها وجدثها الرّحمةَ والمغفرةَ ، ونوّرها عليهم .

وأستميحكَ عذراً فقد أغرتُ على هذه الإضافةِ ووضعتُها في ردٍّ على الموضوعِ في الساحةِ العربيّةِ ، وجزاكَ اللهُ خيراً .

أخوكَ : فتى .

==========

تموتُ النفوسُ بأوصابها ***** ولم تدر ِ عوّادها ما بها

وما أنْصفتْ مهجة ٌ تشتكي ***** أذاها إلى غيرِ أحبابها

الغيم الأشقر
15-07-2004, 04:43 AM
سلام الله على قلبك الطهور ، وبعد :
لا والله فإن لكتاباتك علقة بالقلب لا نجدها عند كثيرين ممن يتمتع بسمن الدال أو تضخمات الرصيد

وعين الذئب فرارة كما يقولون

وأما بالنسبة لإغارتك على المقال ، فإنها - أعزك الله - ليست بإغارة ولكنها بشارة فهو لك هدية من محب صادق ..


أخوك

فتى الادغال
18-07-2004, 05:51 AM
هذه قفزةٌ أخرى على التعليقاتِ ، أُحاكي فيها ما صنعهُ أخونا الغيمُ الأشقرُ ، وأضعُ فيها رِثاءً للطنطاويِّ - رحمهُ اللهُ - في بنتهِ بنان ، يقولُ :

" وهذه أول مرةٍ أذكرُ فيها اسمها ، أذكرهُ والدمعُ يملأ عيني ، والخفقانُ يعصفُ بقلبي ، أذكرُ أول مرةٍ بلساني ، وما غابَ عن ذهني لحظةٍ ، ولا صورتها عن جناني ،

لمّا قضى اللهُ فيها ما قضى ، سألوني في نقلها ، قلتُ : لا ، بل توسّدُ حيثُ أراد اللهُ لها أن تُستشهدَ ، لأنّ نقلَ الميّتِ لا يجوزُ ، وما أحفظُ أنّه روي عن أحدٍ من السلفِ ..... ،

وقالَ أتبكي كلَّ قبر ٍ رأيتهُ ؟ .......... لقبر ٍ ثوى بين اللوى والدكادكِ

فقلتُ لهُ إنّ الشجى يبعثُ الشجى .......... فدعني فهذا كلّه قبرُ مالكِ !

أفكانَ متمّم بن نويرة أشدُ حباً لأخيهِ مالك ، من حبي لبنتي ؟! ،

وإذا كان يجدُ في كل قبر ٍ يمرُّ بهِ قبرَ مالكٍ ، أفتنكرونَ عليَّ أن أجدَ في كلِّ مأتمٍ مأتمها ؟! ، وفي كل خبر ِ وفاةٍ وفاتها ؟! ، وإذا كان كل شجى يثيرُ شجاه لأخيهِ ، أفلا يثيرُ شجاي لبنتي ؟! ، إن كل أبٍ يحبُ أولادهُ ، ولكن ما رأيتُ – لا واللهِ ما رأيتُ – من يحبُّ بناتهِ مثلَ حبّي بناتي .

ما صدّقتُ إلى الآن وقد مرّ على استشهادها أربعُ سنواتٍ ونصف السنةِ ، وأنا لا أصدقُ بعقلي الباطن أنّها ماتتْ ، إنّني أغفلُ أحياناً فأظنُّ إنْ رنَّ جرسُ الهاتفِ أنّها ستعلمني على عادتها بأنها بخير ٍ ، لأطمئنَ عليها ، تكلمني مستعجلة ً ترصفُ الكلامَ رصفاً ، مستعجلة ً دائماً ، كأنّ الردى لن يُبطأ عنها ،

وأنّ هذا المجرمَ ، هذا النذلَ ... هذا الـ ... يا أسفي ! ، فاللغة ُ العربية ُ على سعتها تضيقُ باللفظِ الذي يُطلقُ على مثلهِ ، ذلكَ لأنّها لغة ُ قوم ٍ لا يفقدونَ الشرفَ حتى عند الإجرام ِ ،

إنّ في العربيةِ كلمات النذالةِ والخسةِ والدناءةِ ، وأمثالها ، ولكنّ هذه كلّها لا تصلُ في الهبوطِ إلى حيثُ نزلَ هذا الذي هدّدَ الجارة بالمسدّس ِ حتى طرقت عليها البابَ لتطمئنَ فتفتحَ لها ، ثم اقتحمَ عليها ، على امرأةٍ وحيدةٍ في دارها ، فضربها ضربَ الجبان ِ ، والجبانُ إذا ضربَ أوجعَ ، أطلقَ عليها خمسَ رصاصاتٍ تلقتها في صدرها وفي وجهها ،

ما هربتْ حتى تقعَ على ظهرها ، كأنّ فيها بقية ً من أعراق ِ أجدادها الذينَ كانوا يقولونَ :

ولسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا .......... ولكن على أقدامنا تقطرُ الدما

ثمّ داس الـ .... لا أدري واللهِ بم أصفهُ ؟! ،

إن قلتُ المجرم ، فمن المجرمينَ من فيهِ بقية َ من مروءةٍ تمنعهُ من أن يدوسَ بقدميهِ النجستين ِ ، على التي قتلها ظلماً ليتوثقَ من موتها ، ربّما كان في المجرم ِ ذرة ٌ من إنسانيةٍ تحجزهُ عن أن يخوضَ في هذه الدماءِ الطاهرةِ التي أراقها ، ولكنّهُ فعلَ ذلك كما أوصاهُ من بعثَ بهِ لاغتيالها ، دعسَ عليها برجليهِ ليتأكدَ من نجاح ِ مهمّتهِ ، قطعَ اللهُ يديهِ ورجليهِ ، لا ! ، بل أدعهُ وأدعُ من بعثَ بهِ للهِ ، لعذابهِ ، لانتقامهِ ، ولعذابُ الآخرةِ أشدُّ من كل عذابٍ يخطرُ على قلوبِ البشر ِ .

لقد كلمتها قبل الحادثةِ بساعةِ واحدةٍ ، قلتُ : أين عصام ؟ ، قالتْ : خبّروهُ بأنّ المجرمينَ يريدونَ اغتيالهِ وأبعدوهُ عن البيتِ ، قلتُ : كيف تبقينَ لوحدكِ ؟ ، قالتْ : بابا لا تشغل بالك بي ، أنا بخير ٍ ، ثِقْ واللهِ يا بابا أنا بخير ٍ ، إنّ الباب لا يفتحُ إلا إن فتحتهُ أنا ، وأنا لا أفتحُ إلا إن عرفتُ من الطارق وسمعتُ صوتهُ ، إنّ هنا تجهيزاتٍ كهربائية تضمنُ لي السلامة َ ، والمسلِّمُ هو اللهُ .

ما خطرَ على بالها أنّ هذا الوحشَ ، هذا الشيطانَ ، سيهدّدُ جارتها بمسدسهِ حتى تكلمها هي ، فتطمئنُ ، فتفتحَ لها البابَ ،

مرّت الساعة ُ فقرع جرسُ الهاتفِ ، وسمعتُ من يقولُ لي : كلّم وزارة الخارجية ، قلتُ : نعم ! ، فكلّمني رجلٌ أحسستُ أنّه يتلعثمُ ويتردّدُ ، كأنّه كلف بما تعجزُ عن الإدلاءِ بهِ بلغاءُ الرجال ِ ، بأن يُخبرني ... كيف يخبرني ؟ ، وتردّدَ ورأيتهُ بعين ِ خيالي ، كأنّهُ يطلبُ منجى من هذا الموقفِ الذي وقفوهُ فيهِ ، ثمّ قالَ : ما عندكْ أحد أكلّمه ؟ ، وكانَ عندي أخي ، فقلتُ لأخي : خذْ اسمع ما يقول ، وسمعَ ما يقولُ ، ورأيتهُ ارتاعَ ممّا سمعَ ، وحارَ ماذا يقولُ لي ، وكأنّي أحسستُ أنّ المخابرة َ من ألمانيا ، وأنّه سيلقي عليَّ خبراً لا يسرّني ، وكنتُ أتوقعُ أن ينالَ عصاماً مكروهٌ ،

فسألتهُ : هل أصابَ عصاماً شيءٌ ؟ ، قال : لا ، ولكنْ ... ، قلتُ : ولكن ماذا ؟ ، عجّل يا عبده فإنّكَ بهذا التردّدِ كمن يبترُ اليدَ التي تقرّرَ بترها بالتدريج ِ ، قطعة بعد قطعةٍ ، فيكونُ الألمُ مضاعفاً أضعافاً ، فقلي وخلّصني مهما كانَ سوءُ الخبر ِ ،

قال : بنان ، قلتُ مالها ؟ ، قال ، وبسطَ يديهِ بسطَ اليائس ِ الذي لم يبقَ في يدهِ شيءٌ ، وفهمتُ وأحسستُ كأنّ سكّيناً قد غُرسَ في قلبي ، ولكنّي تجلدتُ ، وقلتُ – هادئاً هدوءاً ظاهريّاً ، والنّارُ تضطرمُ في صدري - : حدّثني بالتفصيل ِ بكل ما سمعتَ ،

فحدّثني ، وثقوا أنّني لا أستطيعُ مهما أوتيتُ من طلاقةِ اللسان ِ ، ومن نفاذ البيان ِ ، أن أصفَ لكم ماذا فعلَ بي هذا الذي سمعتُ .

وانتشرَ في الناس ِ الخبرُ ، ولمستُ فيهم العطفَ والحبَّ والمواساة ، من الملكِ – حفظهُ اللهُ ووفقّهُ إلى الخير ِ - ، ومن الأمراءِ ، ومن الأدباءِ والعلماءِ ، ومن سائر ِ الناس ِ ، وقد جمعتُ بعضَ ما وصلَ إليَّ منها ، وتحت يدي الآن أكثرُ من مئتي برقيةٍ تفضّلَ أصحابها فواسوني بها ، وأمامي الآن جرائدُ ومجلاتٍ كتبت عن الحادثةِ كتابة صدق ٍ وكتابة َ عطفٍ ، وفيها تسلية ٌ لو كان مثلي يتسلّى بالمقالاتِ عمّا فقدَ ، حتى الجرائدُ الأجنبيّة ُ ، وهذه ترجمة ُ مثالةٍ نُشرتْ في جريدةٍ لا أعرفها ، لأنّي لا أقرأ الإنجليزية ، جريدة ُ الأوبزيرفر الأسبوعية بتاريخ 22/3/1981 بقلم الكاتب باتريك سيل .

حتّى الأجانبُ الذين لا يجمعني بهم دينٌ ولا لسانٌ عطفوا عليَّ ، واهتموا بمصابي ، وأنكروا الحادثَ ، وقالوا فيها كلمة الحق ، وممّن تربطني بهم روابطُ الدم ِ واللسان ِ لم يأبهوا لما كانَ ، بل لقد صنعوهُ هم بأيدهم ، إلى الله أشكوهم .

وصلتْ هذه البرقياتُ ، وجاءتني هذه الصحفُ ، وإنّها لمنّة ممن بعثَ بها وممّن كتبَ ، يعجزُ لسانُ الشكر عن وفاءِ حقها ، ولكنّي سكتُ فلم أشكرها ، ولم أذكرها ، لأنّ المصيبة عقلتْ لساني ، وهدّت أركاني ، وأضاعتْ عليَّ سبيلَ الفكر ِ ، فعذراً وشكراً للملكِ والأمراءِ جزاهم الله خيراً ، ولكل من كتبَ إليَّ ، وأسألُ الله أن لا يبتليَ أحداً بمثل ِ هذا الذي ابتلاني بهِ .

كنتُ أحسبني جلداً صبوراً ، أثبتُ للأحداثِ ، وأواجهُ المصايبَ ، فرأيتُ أنّي لستُ في شيءٍ من الجلادةِ ولا من الصبر ِ ولا من الثباتِ .

صحيحٌ أنّه :

ولا بدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ .......... يواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجّعُ

ولكنْ لا مواساة في الموتِ ،والسلوّ مخدّرٌ أثرهُ سريعُ الزوال ِ ، والتوجّعُ يُشكرُ ولكنّهُ لا ينفعُ شيئاً .

وأغلقتُ عليَّ بابي ، وكلّما سألوا عنّي ابتغى أهلي المعاذير ، يصرفونهم عن المجيء ، ومجيئهم فضلٌ منهم ، ولكنّي لم أكنْ أستطيعُ أن أتكلّمَ في الموضوع ِ ، لم أردْ أن تكونَ مصيبتي مضغة الأفواهِ ، ولا مجالاً لإظهار ِ البيان ِ ، إنّها مصيبتي وحدي فدعوني أتجرّعها وحدي على مهل ٍ .

ثمّ فتحتُ بابي ، وجعلتُ أكلّم من جاءني ، جاءني كثيرٌ ممّن أعرفهُ ويعرفني ، وممّن يعرفني ولا أعرفهُ ، وجعلتُ أتكلمُ في كل موضوع ٍ إلا الموضوعَ الذي جاءوا من أجلهِ ، استبقيتُ أحزاني لي ، وحدثتهم كلّ حديثٍ ، حتى لقد أوردتُ نكتاً ونوادرَ ،

أتحسبونَ ذلكَ من شذوذِ الأدباءِ ؟ ، أم من المخالفاتِ التي يريدُ أصحابها أن يعرفوا بها ؟ ،

لا واللهِ ، ولكن الأمر ما قلتُ لكم ،

كنتُ اضحكُ وأُضحكُ القومَ وقلبي وكل خليةٍ في جسدي تبكي ، فما كل ضاحكٍ مسرورٌ :

لا تحسبوا أنّ رقصي بينكم طرباً .......... فالطيرُ يرقصُ مذبوحاً من الألم ِ

كنتُ أريدُ أن أصفَ لكم ما بقلبي ، ولكن هل تركَ لي الشعراءُ مجالاً للحديثِ عن قلبي ؟ ، هل غادرَ الشعراءُ من متردّم ِ ، لقد جمعوا في الباطل ، في الخيال ، كل صورةٍ للقلبِ تصنعها الأحزانُ المتخيّلة ُ ، حتى لم يبقَ شيءٌ لمفجوع ٍ صادق ٍ مثلي .

قالوا : إنّ الحبيبة َ سرقتْ قلبي ، صدّعت قلبي ، أخذت قلبي ، سكنت قلبي ، أبكتْ قلبي ، حتى لقد جعلَ ذلك النحويونَ مجالاً لإثباتِ قواعدهم ، فقالوا في شعرهم السخيفِ :

يا ساكناً قلبي المعنّى .......... وما لهُ فيهِ قطُّ ثاني

لأي معنى كسرت قلبي .......... وما التقى فيه ساكنان ِ

والشعراءُ الذي رثوا أولادهم ، لقد وردوا النبعَ قبلي فاستقوا وملؤوا حياضهم ولم يدعوا لي إلا الثمالة والعكر ، : ابن الرومي في رثاءِ ولده ، والتهامي ، والشاعرة ُ التي لم يقلْ أحدٌ في وصفِ مصابهِ في ولدٍ مثل الذي قالت في بنتها ، عائشة التيموريّة ، أخت العالم الباحث : أحمد تيمور ، اقرؤوا قصيدتها فإنّها على ضعفِ أسلوبها ، قد خرجتْ من القلبِ لتقعَ في القلبِ ، وما أحسبُ أن امرأة استطاعتْ أن تصوغَ عواطفها ألفاظاً ، وأحزانها كلماتٍ ، كما فعلتْ عائشة ُ ،وابنُ الزيّاتِ الوزيرُ وما قال في ولدهِ ، والزياتُ الذي لم يكن وزيراً ، ولكنّهُ كانَ أكبر من وزير ٍ لما رثى ابنه رجاء ،

والدكتورُ حسين هيكل لمّا شغلَ نفسهُ عن حزنهِ بإنتاج ِ كتابِ ( ولدي ) ، فاقرؤوا كتاب ( ولدي ) ، فإنّه وإن لم يصف لكم مدى أحزانهِ ، فقد كان أثراً من آثار ِ أحزانهِ ، ومالي أضربُ الأمثالَ وأنسى مصابَ سيّدِ الخلق ِ ، وأحبِّ العبادِ إلى اللهِ ، محمّدٍ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ حينَ أصيبَ بولدهِ .

إنّ في السيرةِ يا أيّها الإخوان قصصاً كاملة ، فيها كل ما يشترطُ أهل القصص ِ من العناصر ِ الفنيةِ ، وفيها فوق ذلكَ الصدقُ ، وفيها العبرة ُ ، فاقرؤوا خبرَ ولد بنتهِ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ الذي ماتَ أمامهُ ، توفّي بين يديهِ فغسلهُ بدمعهِ ، إنّ دمعة رسول ِ اللهِ عليهِ الصلاة ُ والسلامُ أغلى عندنا من كل ما اشتملتْ عليهِ هذه الأرضُ .

إنّي لأتصوّرُ الآن حياتها كلّها مرحلة مرحلة ، ويوماً يوماً ، تمرُّ أمامي متعاقبة كأنّها شريطٌ أراهُ بعيني ، لقد ذكرتُ مولدها وكانت ثانية َ بناتي ، ولقد كنتُ أتمنّى أن يكونَ بكري ذكراً ، وقد أعددتُ أخلى الأسماءِ ، ما خطرَ على بالي أن تكونَ أنثى .

يقولون في أوروبا : حك جلد الروسي يظهر لك من تحته تتري ، ونحنُ مهما صنعنا فإن فينا بقية من جاهليتنا الأولى ، أخفاها الإسلامُ ، ولكن تُظهرُ طرفاً منها مصائبُ الحياةِ ، وكانوا في الجاهليةِ { إذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجههُ مسودّاً وهو كظيمُ يتوارى من القوم ِ من سوءِ ما بشّرَ بهِ : أيمسكهُ على هون ٍ أم يدسّهُ في الترابِ } ، وأنا لم أبلغْ أن أدسَّ بنتي في الترابِ ، ولكنّي أخفيتُ وجهي من الناس ِ ، وكأنّني أحدثتُ حدثاً ، أو اجترحتُ ذنباً .

اللهمّ ارحم بنان ، وهذه أوّل مرةٍ أو الثانيّة ُ التي أقولُ فيها اللهم ارحمها ، وإنّي لأرجو لها الرحمة َ ، ولكنّي لا استطيعُ أن أتصوّرَ موتها .

ولمّا صارَ عمرها أربع سنواتٍ ونصف السنةِ أصرّت على أن تذهبَ إلى المدرسةِ مع أختها ، فسعيتُ أن تقبلَ من غير ِ أن تسجلَ رسمياً ، فلمّا كانَ يومُ الامتحان ِ ، ووزّعت الصحفُ والأوراقُ ، جاءتْ بورقةِ الامتحان ِ وقد كتبت لها ظاهرياً لتسرّ بها ولم تسجل عليها .

قلتُ : هيه ماذا حدث ؟ ، فقفزت مبتهجة ً مسرورة ً ، وقالتْ بلهجتها السريعةِ الكلماتِ المتلاحقةِ الألفاظِ : بابا كلّها أصفار أصفار ! ، تحسبُ الأصفارَ خيرُ ما يُنالُ .

وماذا يهمُّ الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفاراً أم كانت عشراتٍ - والدرجة ُ الكاملة ُ عندنا عشرة ٌ - ؟ ، وماذا ينفعُ المسافرَ الذي ودّعَ بيتهُ إلى غير ِ عودةٍ ، وخلّف متاعهُ وأثاثهُ ، ماذا ينفعُه طرازُ فرش ِ البيتِ ولونهُ وشكلهُ ؟! . "

تمّت بخير ٍ ، وسبحانكَ اللهمّ وبحمدكَ أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ أستغفركَ وأتوبُ إليكَ .

==========

تموتُ النفوسُ بأوصابها ***** ولم تدر ِ عوّادها ما بها

وما أنْصفتْ مهجة ٌ تشتكي ***** أذاها إلى غيرِ أحبابها

الحطمة
18-07-2004, 12:17 PM
أعظم الله له الأجر

عبدالرحمن الخلف
24-07-2004, 04:21 PM
للرواااائع ,,

شيشانيّة
06-08-2004, 02:20 PM
:( لا حول و لا قوة الا بالله ...اللهم ارحمنا برحمتك و احسن خاتمتنا يا رب العالمين ..و بارك الله فيك يا فتى الادغال
...
شيشانية