PDA

View Full Version : متحضــــــــر ..



أدهووم الأمير
14-07-2004, 09:24 AM
متحضـــــــــــر ...

يموج الطريق بالبشر غدواً ورواحاً وبالسيارات جيئةً وذهاباً كأساطيل من النمل ..
ولكن ماذا عنى ؟! ..
أنا أقف كالعادة منتظراً الحافلة مع مجموعة من وجوه ألفتها لفترة تنتظر مجيئها بدورها .. نقف وقيظ الشمس يحتضنننا فى شوق تبدّى فى قطرات العرق التى وُلِدت على جباهنا وأزادتنا ضيقاً ..
لكنى اليوم أرى وجهاً غير مألوف انضم إلى مجموعتنا ، رجل تفوح منه رائحة الأناقة .. شعره مصفف بعناية ، بذلته مهندمة غالية الثمن .. وكان يرتــ..... باختصار - مش وش بهدلة - كما يقول العامة ..
حقاً لا أدرى ما الذى يجعل شخصاً كهذا ينتظر قدوم الحافلة ؟؟ .. لا ريب أنه مضطر لسبب ما لا أدرى كنهه ..
إنه ينتبه لنظراتى فيُطلق علىّ نظراتٍ مستنكرة متفحصاً إياى من إخمص شعرى وحتى منبت قدمىّ .. احم عفواً .. ماذا أقول ؟ أنا فقط مرتبك قليلاً
، أقصد أنه يتفحصنى من منبت شعرى وحتى اخمص قدمىّ مشمئزاً ..
وفى محاولة لحفظ كرامتى بادلته نفس النظرات ، وهبطت بركنى فمى لأسفل محاولاً أن أبدو لا مبالياً .. وبالطبع لم أنس أن أضم ذراعىّ إلى صدرى - ليس هذا ترفعاً منّى - ولكن لكى أوارى ثقب قميصى ، فلو انتبه إليه فلن يُصبح وضعى على مايُرام ..
المهم .. ظللت أنظر له وينظر لى ، أنظر له وينظر لى إلى أن توجهت له من باب الفضول معلناً الهدنة لفترة قصيرة .. وسألته :
- مساء الخير .. هل الأخ ينتظر الحافلة مثلنا ؟
بالطبع كان السؤال ينم عن عبقرية فذة طالما انفردت بها دوماً .. فلقد كنت فى طفولتى فى المدرسة عندمـ.... احم عفواً .. يبدو أننى اندمجت قليلاً .. المهم أن الرجل قال فى لا مبالاة مقتضبة :
- مساء النور .. نعم ..
تباُ له .. إنه لا يعيرنى اهتماماً .. قلت :
- هل من مــ......
طبعاً كان من المحتم أن أبتر عبارتى بعد أن رأيت الناس ينظرون نحوى بجذل (ماذا يريدون ؟!!! .. فليستر الله) هاهم يركضون نحوى (كل هؤلاء ؟؟!!!! .. لقد انتهى أمرى بلا شك) بكل سرعتهم و.........
انتبهت .. انها الحافلة قد حضرت وهم يبغونها ..
وبعد أن أسقطتنى الدفعات وأوجعتنى الكدمات وداستنى الأقدام .. نهضت بعد أن فشلت فى اللحاق بها .. ورأيت الأخ يضحك بشدة ، فما كان منّى إلا أن بصقت فى سوقية وصببت جام سخطى على وجهه قائلاً :
- ما يضحكك ؟! ..
قال والضحكات تحاصر كلماته :
- إننى أزداد يوماً بعد يوم تمسكاً برأيى بعد أن تثبته المشاهد والمواقف التى أتعرض لها ..
قلت :
- وما هو هذا الرأى ؟!
أخرس ضحكاته وقال فى هدوء :
- أننا همج .. مجرد همج تظهر الهمجية فى تصرفاتنا وتسيطر العشوائية على حديثنا .. علينا أن نلتزم التحضر ..
فى غباء غير ذكى سألت :
- وكيف ذلك ؟؟!
أجاب :
- كالذى حدث لك الآن .. فلو أن الحافلة تأتى فى ميعادها .. ولو أن الناس الذين ينتظروا وزعوا أنفسهم على أكثر من واحدة لما كانت هناك مشكلة وسيصبح ركوب الحافلة سهلاً ميسوراً للجميع .. ولكن كيف ؟؟! .. فسائقو الحافلات لو وصلوا فى ميعادهم يوماً لكان ذلك عاراً عليهم ولسوف يؤنبهم ضميرهم بقية حياتهم .. كيف؟؟!! .. ومن ينتظرون يركضون جميعهم فى غير نظام عند أول حافلة تظهر .. علينا أن نلتزم التحضر ..
استيقظت بأعماقى روح الهمجية فقلت :
- ولكنهم يفعلون ذلك حتى يستطيعوا اللحاق بالحافلة ..
يبدو أن استيقاظ روح الهمجية بأعماقى قد أيقظ بدوره روح الغضب بأعماقه فقال :
- أما فهمت ما قلت يا هذا ؟! .. لقد قلت بعض من نظام سوف يحل المشكلة .. علينا أن نلتزم التحضر ..
حقاً لا أفهم لماذا يُصرّ على اختتام عباراته بــ( علينا أن نلتزم التحضر ) .. إن هذا الشخص متحضر بدرجة زائدة .. هذا واضح ..
على العموم يكفينى هذا منه الآن ، علىّ أن أظل منتبهاً لقدوم الحافلة التالية حتى لا يتكرر ما حدث .. ولكن حدث ما كنت أخشاه .. لقد انطلق الرجل فى الكلام ولم أعد أستطيع إيقافه فقد قال :
- وأنت بالطبع تعلم أن مظاهر همجيتنا تتجلى فى أشياء أخرى كثيرة غير هذه .. فهناك البالوعات المفتوحة فى اشتياق لالتهام الخلق .. وهناك ماسورات الصرف المنفجرة والتى أغرقت الشوارع بمياهها العذبة النقية وانتشرت رائحتها الفواحة الندية .. دعك من صفوف البشر المتقاتلة على الخبز ومن القمامات على نواصى الشوارع مما يُعطى رونقاً حضارياً .. أنت تفهم هذه الأمور بالطبع ..
وكالعادة عقّب :
- كل هذا يُحتِّم علينا أن نلتزم التحضر ..
هرشت رأسى متجاهلاً تلك الكائنات الغريبة التى تجدها يدى فى محاولة لفهم مدى علاقتى بما يقول وما هو ذنبى فى هذا ؟؟!! .. و........
فلأدعنى منه قليلاً فها هى الحافلة الأخرى قادمة .. هدّأت من سرعتها قليلاً لكى نستطيع الركوب .. أنا أركض نحوها .. أركض ، أركض .. أمسكتها بها أخيراً .. هاهاها .. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، فلقد تلقيت لكمة من شخص زاحمته فى مكانه أعادتنى لمكانى جوار الرجل ( المتحضر ) .. فما كان منه إلا أن ضحك بغزارة .. بصقت فى سوقية كعادتى حين أكون عصبياً وسألته :
- علام تضحك ؟! .. بل وأخبرنى لماذا أراك ثابتاً فى مكانك هكذا ؟؟!! .. أما تنوى استقلال أى حافلة ؟! .. أم أنك تعتزم المكوث حيث أنت إلى الأبد ؟؟!! ..
قال مستنكراًَ :
- أنا أنتظر واحدة بالفعل .. ولكن هل تريد منّى أن أفعل مثلك هكذا فى همجية مسيئاً إلى مظهرى وجاعلاً من نفسى مهاناً ؟ .. يستحيل ..
حمداً لله .. لم يقل ( علينا أن نلتزم التحضر ) هذه المرة .. إن المرء ينسى هذه الأمور أحياناً وجلّ من لا يسهو .. لكنه استدرك فى سرعة :
- علينا أن نلتزم التحضر ..
نظرت له فى مقت مستغرب .. وقلت فى تهكم حانق :
- وكيف تظن نفسك أنك راكبها ؟! ..
قال ببساطة ملأى بالتفاؤل :
- أنا هنا حتى تأتى حافلة تكون فارغة قليلاً وتقف لى حتى أركب لكى لا أهين نفسى ..
قلت مغتاظاً :
- بالفعل .. علينا أن نلتزم التحضر ..
قال مبتسماً :
- أحسنت ..
ياالهى فلترحمنى من هذا العذاب .. هذا الرجل إما أنه - كما سبق أن قلت - لم يسبق له ركوب الحافلات من قبل - مش وش بهدلة - أو أنه مصاب بمرض ما فى عقله .. لو أنه حقاً يعنى ما يقول وسينتظر حافلة فارغة بالفعل فأمامه ثلاثة أيام على الأقل ..
ولما لاحت لى الحافلة الثالثة قلت له :
- حان وقت الذهاب .. أتمنى لك حظاً سعيداً فى هذا الطقس الخانق .. إلى اللقاء ..
وهذه المرة ركضت بأقصى سرعتى حتى ولجت للداخل بأعجوبة ... أووووفففففففف لقد كان ذلك أشبه بالحلم .. ما زال أمامى الكثير هذا اليوم ، فعلىّ أن أذهب سريعاً للبيت حتى أصطحب زوجتى إلى دار أبيها ، فلقد دعانا اليوم لنتناول غداءنا معه .. علىّ أن أكون مهندماً اليوم .. فهذه من المرات النادرة التى يدعونا فيها أبوها الشحيح على الغداء .. فليستر لله .. فإنـــ...... ما هذا ؟ .. هناك حركة غريبة فى جيب بنطالى الخلفى ، تحسسته فوجدت يداً تعبث داخله .. التفتُّ للوراء ووجدته .. آها ، هاهو نشال هذا اليوم إذن .. بالطبع ملأت الدنيا صياحاً وأخذت أقول :
- ياللحسرة .. أكل يوم أضبط نشالاً ؟! .. إلى متى ؟! .. إلى متى سنظل بهمجيتنا هذه ؟! .. علينا أن نلتزم التحضر ..

*********************

لم أكن أتوقع أنى أحب زوجتى لهذه الدرجة .. فإن لديها أباً سخياً ، وامتلاء معدتى لهو دليل واضح على ذلك ..
هل أخبركم بأمر غريب ؟! .. لقد بدأت أحب ذلك الرجل .. نعم بصدق ..
فها نحن عائدان - زوجتى وأنا - فى الواحدة بعد منتصف الليل تقريباً بعد وجبة شهية قلما يجود الزمان بمثلها مرة أخرى مستقلين الحافلة فى الطريق للبيت ، وها نحن نمر على نفس المكان الذى أنتظر فيه ظهراً ..
وفى نفس المكان .. لمحت من يقف منتظراً حافلة تنجده من حلكة الليل فى تلك المنطقة الخالية من المارة .. يبدو أنه ينتظر منذ فترة طويلة ..
كان شخصاً - وجهه مألوف لى - تفوح منه رائحة الأناقة .. شعره مصفف بعناية ، وبذلته مهندمة غالية الثمن .. كان يرتــ..... باختصار - مش وش بهدلة كما يقول العامة ..
أنا متأكد من أنى رأيته من قبل .. ولكن أين ؟! أين ؟! .. لا أتذكر حقاً .. لقد أصبحت ذاكرتى واهنة بدرجة كبيرة هذه الأيام ..
ولكن أخبرنى ..
أتتذكره أنت ؟؟!! ..

***********************
أحمد صبرى غباشى
أدهووووووووووم

al nawras
14-07-2004, 02:01 PM
أخي أحمد :
رائع أنت
أتابعك بشغف
وفاء بالوعد وسعيا للإستمتاع بما يخطه قلمك

لا تنس إكمال الرواية

النورس
ر.ا.ح

al nawras
17-07-2004, 02:50 PM
هذه المشاركة جديرة بالمتابعة والقراْة
فهل من قاريء غيري....!!!؟

عدرس
17-07-2004, 06:46 PM
بسم الحب مأساتي معاك تزيييييييييييييييييييييييد ( ألم ) ...!!

سي أحمد /// حياالله هذا القلم ــ وحيا الله هذا الأبداع .. تقول أيها الحبيب :
يموج الطريق بالبشر غدواً ورواحاً وبالسيارات جيئةً وذهاباً كأساطيل من النمل ..
ولكن ماذا عنى ؟! ..

الله كم أسرني هذا المقطع .. نعم ولكن ماذا عني ؟! :)

ثمَّ أفقت على مقطعٍ آخرٍ أشدُّ جمالاً من ذي قبل ـ وكأنَّ الله أسقاك الجمال .. حتى رقبة الحبر الذي تتقافزُ منه الحروف والمفردات إلى القلوب طوعاً وكرهاً .. بمنتهى الجمال والشفافية .. أنظروا معي . ومن شاء القسمة فليقتسم .. :) //
ما هذا ؟ .. هناك حركة غريبة فى جيب بنطالى الخلفى ، تحسسته فوجدت يداً تعبث داخله .. التفتُّ للوراء ووجدته .. آها ، هاهو نشال هذا اليوم إذن .. بالطبع ملأت الدنيا صياحاً وأخذت أقول :
- ياللحسرة .. أكل يوم أضبط نشالاً ؟! .. إلى متى ؟! .. إلى متى سنظل بهمجيتنا هذه ؟! .. علينا أن نلتزم التحضر ..

أرايتم كيف يطبع الصور الجميلة بمنتهى البساطة والهدوء // ( ها هو نشال هذا اليوم ) :) // كأنه يريد أن يقول يغدوا الناس فمنتصرٍ وخاسر :) لا إله إلا الله .. كم أنت جميل لولا .. أنك لا تظهر إلا في الليالي القمرية .. لطلبتُ منك المكوث طويلاً في السماء .. لنتعلم منك .. ونستمتع بما نقرأ لك .. زدنا جمالاً أيها الحبيب ( يا//سي أحمد :) ) .. ولا تنسى .. أني احبك .. :)


أخوك /// عدرس ( نكرةُ ) لا يعرف :)

أدهووم الأمير
24-08-2004, 02:12 PM
نورس ..

شكرا على تشجيعك واهتمامك بالموضوع ..
ولكنى سأظل أنادى بأن تمنحونى رأيكم تفصيلياً يا جماعة ..

عدرس ..
تعليقك جعلنى احلق بالسماء ..اهتمامك واضح بأسلوبى الرث ..
أشكرك بشدة على مديحك الرائع هذا ..
وسرنى بشدة وبعنف أن العمل قد راقك ..
أرجو قبولى أخاً لك ولنورس ..
أدام الله عطر محبتكما ..

أحمد ..

:m: :m: :m: :m: :m:

آية95
24-08-2004, 02:30 PM
أحكمتها يالها من حبكة

أسرتني حتى الحرف الأخير

ماذا يعني ذلك؟