PDA

View Full Version : عـــ الزعيم ــــاش



زول تاني
15-07-2004, 10:55 PM
هي محاولة لكتابة نص ما..
او هي خربشة على جدار زمن يتهاوى
وذاكرة تضيق وتستعصي على الإفاقة


الحلقة الأولى

سألني صديقي ونحن ندخن ونسمر ليلة أمس:ـ
هل تعتقد ان جميع المجانين موجودون خلف اسوار المشافي؟؟؟؟؟؟؟....-
كان سؤاله مفاجئا دون مقدمات
اجبت في عجلة ودون تردد:ـ
نعم....-
ولكني في قرارة نفسي كنت اعلم أن معظمهم يعيشون بيننا ويرتدون ثياب الاطباء
والعلماء والساسة الزعماء

تقع قرية جدي لامي علي منحني النيل.. كنا في اجازات المدرسة نسافر اليها احيانا عن طريق
اللواري من موقف اللواري القديم في امدرمان خلف حي البوستة ثم ننزل في محطة القبولاب حيث
تنتظرنا اللواري المحلية او نواصل بقية الرحلة علي ظهور الحمير.. وتلك سعادتي الكبرى حيث
استمتع بكرم اهل القرى المجاورة الذين يستقبلوننا بحفاوة بالغة لان أمي اضافة الى كونها ابنة العمدة
المحظوظة إلتي انتقلت الى البندر في وقت مبكر فهي زوجة الباشمهندز ايضا وفي كثير من الاحيان
الاخرى كنا نسافر عن طريق القطار الى كريمة ثم نواصل من هناك عبر البواخر النيليه
وتتكون البلد من قريتين رئيستين هما حصاية العمدة والكنج وبعض القرى الصغيرة والحلال الهامشية
كنت دائما استغرب واتساءل لماذا تكون اجازاتنا دائما في قرية جدي لامي ولم لا توجد لجدي لابي
قرية ايضا نسافر اليها في الاجازات.. ولم تمتنع جدتي ام ابي عن ذكر جدة ابي أم ابيه حتى كبرت
وعميت فجاؤا بها من حمرة الوز لتقيم معنا في بيت جدي.. كانت جميلة رغم عوامل السن, قمحيه
اللون مع حمرة غريبة لها نوع من الغبرة في ضوء شمس الصباح, كانت تحب الشمس والقهوة
واسماعيل الازهري رغم انها لم تره قط

كنا نحب الجلوس إليها في شمس الصباح انا وابناء اعمامي وعماتي الذين يعيشون معنا في بيت جدي
فتحكي لنا عن بيوت الشعر والغيلان والسعالي وهي تغزل بمغزل لولبي جدايل من الصوف المصبوغ
الذي كان جدي يحضره لها, كنا نحب اللعب في مسايرها الكثيفة التي تشعل الغيرة في صدور نساء
الحي, حقيقه... كنت اتخذ تلك حجة لاتشمم رائحتها المحببة, كانت لها رائحة كرائحه اللبن المتخثر
الجاف, وكنت احب تلك الرائحة الحميمة وادفن وجهي في صدرها واملأ منخاري منها, وهي تعرف
عني تلك العادة فتنزعني عنها وتضربني على عجزي ضربا رفيقا, ثم تتحسس وجهي بحنان وتتنهد
ترفعني من كتفي وتنظر الي بعينيها الرماديتان اللتان انطفأ نورهما من وقت بعيد فاحس برجفة
المعرفة العميقة تسري في مفاصلي الصغيرة
....
.....
عند الظهيرة التقيت بالأولاد عند شجرة الهجليج العجوز القائمة بين حائط الخرابة التي يجمع فيها
العم ياسين صاحب عربة الكارو زبل الخيل وبين الخور الكبير. كنا نلتقي ونختبئ خلف السور المهدم
ندخن سجاير الامباسي وابوعلم وابوقندول.. وتارة أخرى نلف قليل من الشاي الفلت ونتلصص علي
فتيات ونساء الحي
وفي احيان كثيرة نستعملها كمخبأ بعد ان نقذف حَمودة الاطرش او ودباندية* بمطر من الحجارة
الصغيرة كنا نتخيرها بعناية بحيث لا تؤذي ولكن تسبب الكثير من الازعاج ثم نقفز الى الخور الكبير
نركض خلاله حتى مخبأنا في خرابة العم ياسين

كانت لنا شقاواتنا الفريدة حين نخرج صباحا الى غابه السنط الكبيرة في طرف الحلة لنصتاد
العصافير اوفي مواسم النوار نتقافز في هرج خلف كنادير (جعلان ) السنط الحمراء الضخمة
اوكنادير التمرحنة السودء المنقطة وفي الظهيرة نتسلل عبر سور جنينة حاجة النسيم الشائك
ونتسلق اشجار الجوافة والليمون نحصد ما نستطيع من ثمارها وعندما يكتشف عم عبدالقيوم
الاعرج زوجها ما فعلناه.. يطاردنا برجله القصيرة فيستند على عصاه ويقفز حجلا مستندا على
الاخرى السليمة...... كنت اجد فيه نوعا من الغرابة المضحكة وهو يعلو وينخفض تبعا لوتيرة
الركض... حينها كنا نطير عبر الحائط القصير نخترق حوش البيت قافزين فوق حوض الصنبور
معبثرين باقدامنا كل ما قامت بغسله حاجة النسيم من اواني واباريق باتجاه باب السنط الكبير
الذي لم يغلق قط فتقوم هي من خلف الراكوبة بخفة لا تتناسب وعجيزتها الهائلة فتضرب بيدها
على صدرها الضخم وهي تصرخ : يا مساخيط حتروحو النار كلكم....... وتفرد يداها لتحجزنا
فنروغ منها ونركض عبر الحوش........ نتسلق شجرة اللبخ العجوز ونقفز خارج الدار ونواصل
الركض حتى نصل الى الباحة خلف دكان الزين..... نرتمي على جواويل البصل والفحم الفارغة
نجفف عرقنا ونضبط نهجان الصدور الصغيرة...... ثم نحصي حصيلة المغامرة ونحن نحاذر ان
يكتشفنا صالح اليماني الذي استاجر دكانة الزين بعد وفاته وسفر ابنيه للدراسه في مصر

جلسنا نراقب في صمت محمود ود السُرّة وهو يجمع اغطية قوارير البيبسي( الفريت) ويقوم
برحلاته المكوكية بين البنك المسود من اثر الزيوت في دكان الزين والكوشة القريبة ثم يعود
الى مقره عند زاوية المسجد حيث نشر مجموعة من الاسلاك وقطع الصفيح وكومة هائلة من
اغطية القوارير يستعملها في صناعة العربات

لم يتكلم احد منا لمدة طويلة... وفجاة همس النور كديس:ـ
الليلة شفت كمية من اللواري محملة بالصمغ في حوش الاسكلة.... !!؟

كان هذا يعني الا تفاق على هجوم صغير نقوم به علي حوش الاسكلة ليلا بعد ان يصلي عم
ادم الغفير العشاء ويقوم بجولته التفتيشيه على كامل الحوش

لم اكن مهتما بتفاصيل المغامرة الجديدة وسرحت بخيالي في آمنة عروس منصور ود عم
عبدالعليم سيد الطاحونة... كانت الزغاريد واصوات النقر على الدلوكة تتعالى رغم صوت
وابور الطحين ومنجرة عبد الوهاب الجعلي الملاصقة له

كانت آمنة رقيقة خفيفة الجسم قمحية اللون ذات بسمة ملائكية وغمازتين يرقص قلبي لها طربا
جاء ابوها من شندي ليعمل كاتبا في مكتب البوستة... واستاجر جزءاً من بيت ام النصر جارتنا
ثم جاء باهلة واسكنهم تلك الدار........ عندما رايتها اول مرة كنت قادما من ميدان الليق خلف
المسجد حيث كنا نلعب البلى مع اولاد جعفر الكمسيونجي.. كانت الشمس تتدلي وتلامس اشجار
الليمون في جنينه حاجة النسيم.... فيشتعل المكان بوهج مذهب

رايتها تستند على بمرفقيها على احد الصناديق... تراقب العمال وهم يفرغون اللوري المحمل
بالعفش ويتلون وجهها بحمرة العافية واريج الشباب فطار قلبي ولم يعد... كنت اتحين الاوقات
التي يكون فيها الاهل والجيران مجتمعين لاحظى منها بلمسة او نظرة وكانت هي تعلم شغفي
هذا.... فتمكني من بعض لمسات بريئة وتضحك في غنج ودلال العارف بقدره

سالت امي ذات ليلة متي اكبر واتزوج فنظرت الي طويلا.... ثم هزت راسها وخبطت كفا بكف
وغمغمت وهي تخرج من الغرفة:ـ
.. عيال آخر زمن؟؟؟

انحنيت وهمست في اذن محجوب:ـ
ما رايك ان نختبئ الليلة فوق قفص الحمام في بيت عم عبد العليم ونرى ما يحدث في ليلة الدخلة؟؟؟؟


الى لقاء....

* ود بانديه..... هو عامل في البلدية حيث ان المراحيض في تلك الفترة البعيدة لم تكن كما هي الان
بوجود السيفونات بل كانت بنظام جرادل تفرغ كل ليلة بواسطة عمال البلدية وكانت احدى تسلياتنا هي
مضايقتهم وقذفهم بالحجارة والويل لمن يقبض علية ولاد بانديه